حزب الله بين ولاية الفقيه والولاء للوطن

2010-06-12
0
240

تعريف الوطن

 

الوطن حيِّزٌ جغرافي له حدود، تكوّنت من خلال مسار وتطوّرات تاريخية، ينتمي إليه من وُلد فيه، ما يُكسبه حقوق المواطنة، ولا يملك أحد حق نزع هذه الصفة عنه. فالوطن لجميع أبنائه الذين ولدوا فيه.

 

الولاء للوطن: تعبيرٌ ملتبس، حيث تختلط فيه الجغرافيا بالسياسة، فإذا ما كان المقصود هو الارتباط الجغرافي، فكل فرد مواطن ما لم يتخلَّ عن جنسيته ليختار جنسية أخرى في بلدٍ آخر. وإذا ما كان المقصود الموقف السياسي، فسيأتي الحديث عن قواعد الولاء وتطبيقاتها، لنعرف كيفية ارتباط المواطن بوطنه.

 

تعريف الإسلام: الإسلام هو آخر رسالة سماوية أتى بها سيّد الرسل وخاتمهم محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، تحمل منهجاً كاملاً للحياة، ففيها العقيدة والشريعة، وهي منظومة فكرية وسياسية واجتماعية واقتصادية كاملة صالحة للفرد والجماعة، ولنظام حكم الدولة طبق تعاليمها، وهي دعوة إلهية تحثّ الناس على أن يلتزموها، فلا تقتصر على علاقة الإنسان بربّه وبنفسه، وإنما تشمل تنظيم علاقات الناس كافة، إذا ما اختاروا تطبيقها في حياتهم ودولتهم.

 

وليّ أمر المسلمين: قال تعالى: ﴿اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إلى النُّور﴾2، فهو الآمر الناهي للمؤمنين، وقد أمرهم بالطاعة للرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ولأولي الأمر الذين يتولّون شؤونهم، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾3. والواضح أن السلطة من الموقع الديني لأولي الأمر بعد الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فلا يمكن للمؤمن أن تبرأ ذمّته أمام الله تعالى إلاَّ إذا التزم أوامر وتوجيهات الوليّ، وهذه مسألة إيمانية عقيدية، ولكن من هو الوليّ؟ وما هي حدود سلطته على المؤمنين؟ وما تأثير ذلك في وطن لا يتبنّى نظامه السياسي الحكم الإسلامي على أساس قيادة (ولاية الأمر)؟ هذا ما سيتّضح إن شاء الله تعالى في طيّات هذا البحث.

 

حزب الله: انطلق حزب الله على أساس التزامه بالإسلام عقيدة وشريعة، ويضم في صفوفه من يؤمن بالإسلام كمنهج حياة. وهو يلتزم قيادة الوليّ الفقيه انسجاماً مع إيمانه بولاية الأمر، كركنٍ أساس لهذا الإيمان، ويتحرّك في الساحة كحزب لبناني له تطلّعاته وآراؤه ومساهماته في حماية الوطن وإدارته. وقد برز بمقاومته لإسرائيل المحتلَّة في مفصل تاريخي واكب نشأته وقناعاته، وله رؤيته المتكاملة كحزب جهادي سياسي من كل القضايا المطروحة على الساحة، والتي يترجمها عملياً من خلال المواقف التي يتّخذها، ومنها ما سنبيّنه في النظرة إلى الوطن وولاية الفقيه.

 

المبدأ واتجاهاته

 

يحتاج الإنسان إلى مبدأ أو رؤية أو منهج يؤمن به في حياته، ليرسم معالمه على أساسه، ما يؤمِّن له ترابط خطواته انطلاقاً من هذا المبدأ. والقاعدة الأمثل أن يختار الإنسان مبدأه بقناعة عقلية بعيداً عن المؤثّرات المجتمعية الضاغطة. لكنَّ المجتمع بعاداته وموروثاته يؤثّر غالباً في تشويش الصورة. لكنَّها مسؤولية الإنسان في بحثه عن خياره، وهو الأمر الاعتقادي الذي تتأثّر به كل حياته فكرياً وسياسياً واجتماعياً... فالمنطلق قبل كل شيء يبدأ من عقيدة الإنسان، ما يعتقده ويؤمن به ويعتبره مبدأً له ومنهاجاً، والذي ينعكس على حياته وسلوكه على جميع الأصعدة في المجتمع، فإذا ما اختار الشريعة المنسجمة مع هذه العقيدة حقَّق الترابط الأفضل في إطار المبدأ الذي آمن به.

 

اختلفت عقائد الناس عبر التاريخ، فانقسموا إلى اتجاهين كبيرين متباينين:

 

1- الاتجاه الإلهي: باتّباع الأنبياء والرسل وتعاليمهم بحذافيرها.

 

2- الاتجاه المادّي: بتحديد تعاليم ابتدعها الناس من خلال مفكّريهم وقياداتهم وزعمائهم، مبنية على رؤيتهم المادية للحياة..

 

ثم اختلطت الأمور اختلاطاً كبيراً، فتمايز الاتجاهان مع مرور الزمان بخلافٍ حاد بينهما، وفي الوقت نفسه صاحبهما اتجاهات كثيرة مزجت وحذفت وعدَّلت بين الاتجاهين، فنشأت اتجاهات جديدة مختلفة تماماً عنهما، لها خصوصياتها ومعالمها البارزة.

 

برز الإسلام كاتجاه إلهي يحمل منظومة متكاملة منذ ألف وأربعمائة سنة ونيِّف، في حياة المؤمنين به من ناحية، وفي موقع الحكم والسلطة من ناحية أخرى. ولكنَّ الكثير من ممارسات الحكام والدول شوَّهت وأساءت وراكمت سلبياتٍ لا علاقة لها بالإسلام، أضرَّت كثيراً بهذه التجربة، ومنها بدعة وراثة الحكم، والنزاعات الدموية على السلطة، وقهر المواطنين على اتّباع مذهب السلطان... وإنْ بقيت الشريعة من خلال الأحكام الشرعية في المعاملات محفوظة بالإجمال، والعهدة على سلامة التطبيق ومداه.

 

كما تمَّت صياغة وتطبيق أنظمة حكم مادية عبر التاريخ، كان أبرزها كصيغ مترابطة ما اشتهر في القرنين الأخيرين من خلال الاتجاهين الشيوعي والرأسمالي. وقد طغى على الشيوعي الجانب العقيدي فبرز بوضوح أنه موجِّه للجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ولم يكن هذا الطغيان موجوداً في الاتجاه الرأسمالي الذي آثر في عقيدته حرية الفرد بما فيها حرية الاعتقاد، متجاوزاً إلى رسم معالم المنظومة الاقتصادية المجتمعية على أساس آراء المفكرين الذين صاغوا المبدأ الرأسمالي.

 

ومع نشوء الدول وانقسامها، كما هي موزّعة اليوم، أصبحنا أمام اتجاهات سياسية حاكمة كثيرة التنوّع، وإن كانت المعالم الأساسية في أنظمة حكم العالم بشكل عام هي الأنظمة المادية، التي استفادت من بعضٍ من التشريعات الإلهية، واستقلت ببعضٍ آخر، وتفاوتت فيما بينها.

 

العقيدة والشريعة: يحتاج الإنسان إلى مبدأ، وهو ما نعبِّر عنه بأمرين متلازمين: العقيدة التي يؤمن بها وهي التي تتعلّق بالنظرة إلى الخالق وطبيعة الحياة ودور الإنسان فيها، والشريعة أو (طريقة الحياة) التي تنظم الحياة والعلاقات بين الناس، في الميادين الاجتماعية والاقتصادية والسياسية...

 

تنعكس العقيدة على حياة الفرد الشخصية، فإذا ما كان مؤمناً بالله تعالى التزم بالعبادات، وامتنع عن المحرّمات، وذلك بحسب ما تمليه عقيدته الإيمانية، وإذا ما كان ملحداً، انعكس إلحاده على ما يفعله وما يرفضه في حياته الشخصية بحرّية تامة تعود إلى تقديره فيما يناسب أو لا يناسب، وكذلك إذا لم يكن مؤمناً ولا كافراً بحدودٍ واضحة، وإنما في حالة اعتقاد انتقائية، يعود الأمر إلى تقديره للخير والشر، وللعادات التي نما عليها واقتنع بها. فبذلك تكون العقيدة مؤثرة على السلوك الفردي، وعلى العلاقات مع الناس بتطبيق ما في الشريعة في هذا المجال، وهو إطار محدود وضيِّق، لأنَّ الإطار الأرحب في العلاقات بين الناس يتمثَّل في نظام الحكم.

 

أمَّا الشريعة فهي المدى الأوسع الذي تشمل معاملات الناس كلها، ومنها ما يرتبط بنظام الحكم، وبذلك يمكن أن تكون الشريعة قاعدة لنظام الحكم السائد في البلد، فيطبّقها الأفراد كقوانين، أو أن لا تُطبَّق كنظام للحكم فيختار الأفراد من الشريعة ما يستطيعونه في علاقاتهم اليومية في التعامل الاجتماعي والاقتصادي بما لا يتصادم مع النظام العام، أو بما يدخل في المعاملات الفردية. فالشريعة تؤدّي إلى نظام الحكم في الدولة، فإنْ لم يتحقّق هذا الأمر، فهي تطبيقات محدودة في حياة الأفراد بحسب إيمانهم وبما يتاح لهم.

 

بما أنَّ خيارات الناس مختلفة ومتنوعة جداً، فسنكون أمام حالات عدة، في الحالة الفردية وحالة الجماعة.

 

1- على المستوى الفردي: إمَّا أن يحمل الفرد على مستوى العقيدة والشريعة أو (طريقة الحياة) رؤية متجانسة، بارتباط الشريعة بالعقيدة، وإمَّا أن تكون رؤيته غير متجانسة بعدم ارتباطهما، فتكون العقيدة من اتجاه، والشريعة أو (طريقة الحياة) من اتجاهٍ آخر. فيطبِّق من الشريعة أو (طريقة الحياة) في حياته الفردية، بحسب ما يحمله طابع التكليف الفردي ومستوى إيمان هذا الفرد، ويسعى لتُطبِّق الجماعة في حياتها ما يؤمن به.

 

2– على مستوى الجماعة: بما أن المجتمعات اليوم محكومة في إطار دول لها حدود جغرافية، فإنَّ الانتظام العام لاستمرارية أي دولة واستقرارها، أن تختار نظام الحكم فيها، وأن يكون لها قوانين وأنظمة تنسجم مع خياراتها، وتتضمّن آليات التغيير والتعديل فيها، وبالتالي فلا يمكن لجماعة واحدة داخل الدولة الواحدة أن تنفرد بما تريد، ولا تستطيع أن تفرض ما تريد، وبالتالي فإنَّ ترويج كل جماعة لأفكارها وقناعاتها والدفاع عنها، جزء لا يتجزّأ من محاولة تكوين الرأي العام في الدولة، الذي ينتج عنه التوافق أو الأرجحية، ثم يتكوّن نظام الدولة.

 

أمَّا رغبة تغيير نظام الحكم أو تثبيته، والتعبير عن الرضا به أو عدمه، فهو أمر يعود للأفراد أو الجماعات في كيفية تظهير قناعاتهم، وعندها يكون تقييم كل حزب أو حركة أو جماعة من خلال طروحاتهم، وما يتّخذه مواطنو الدولة من موقف بتأييد أو رفض هذه الطروحات. فالشريعة أو (طريقة الحياة) للجماعة تتجلَّى بنظام الحكم الذي لا يُطبَّق في دولةٍ ما لمجرّد إيمان أفراد أو جماعةٍ ما به، بل هو مسارٌ معقَّد لتثبيت اختيار نظام الحكم تتداخل فيه عوامل كثيرة. فإذا ما كانت الشريعة مختلفة عما يؤمن به الفرد أو الجماعة، فهذا لا يمنعهم من التعبير النظري عن إيمانهم، وتطبيق ما أمكن من الشريعة في حياتهم الخاصة، وهو حق مشروع لجميع الناس في التعبير عن الموقف، من دون إكراه أو فرضٍ بالقوة.

 

الحزب الإسلامي

 

يؤمن حزب الله بالإسلام عقيدة وشريعة من الموقع المبدئي، ويرى أن عمله السياسي في الساحة، وأداءه المقاوم لتحرير الأرض والدفاع عنها، وحمل مطالب الناس الاجتماعية والاقتصادية، وسلوكه الحزبي الذي يؤدّي إلى الانتماء إليه، ووجود المناصرين حوله، كل ذلك انعكاسٌ لرؤيته المبدئية.

 

فالحزب الذي عُرف منذ النشأة بجهاده ومقاومته للاحتلال الصهيوني، يحمل الرؤية المتكاملة للإسلام، ويعمل على أساسها في كل الميادين السياسية والاجتماعية وغيرها في بلده، من ضمن تحديده لمتطلبات الساحة وأولوياتها. فإذا ما برز بمقاومته لإسرائيل إلى درجة اعتباره حزب المقاومة، فلأنَّ هذه المرحلة المثقلة بالاحتلال تتطلّب أولوية الاهتمام بطرد المحتل، وتحرير الأرض، وحشد كل الطاقات والإمكانات لذلك. وقد تحقَّق إنجاز التحرير عام 2000 الذي انعكس على كل الواقع اللبناني، وجعل العمل السياسي والاجتماعي والاقتصادي وحمل هموم وقضايا الناس أموراً نافعة ومؤثّرة. تبقى المقاومة أولوية بوتيرة تنسجم مع طبيعة كل مرحلة، وترتبط باستمرار احتلال مزارع شبعا وتلال كفر شوبا من ناحية، ووجود اسرائيل كمحتلٍ للأرض الفلسطينية يمثِّل خطراً حقيقياً وتهديداً دائماً بالحرب والقتل ومحاولة فرض الحلول السياسية للسيطرة على المنطقة من جهة أخرى.

 

أخطأت الدوائر الغربية بسعيها لعرض مقايضةٍ على الحزب، بالتخلّي عن المقاومة مقابل إعطائه دوراً سياسياً فاعلاً في الحياة اللبنانية، لأنَّ الحزب بإيمانه مقاومٌ وسياسي، وله مشروع متكامل، ويعمل كما تعمل الأحزاب في ساحاتها، ويعتبر مقاومته جزءاً من أهدافه وبرامجه، وهو لا يبحث عن دور سياسي ممنوح، فدوره يتشكَّل من خلال نشاطاته وقناعة الناس بأهليته لقيادتها. وعندما لا يستثمر نجاحه المقاوم في تحقيق إنجازات سياسية داخلية، فلأنَّه مقتنع بأنَّ مسار المقاومة له مستلزماته ونتائجه، ومسار العمل السياسي له مستلزماته ونتائجه، ولا يصحّ استخدام قوة المقاومة لفرض شروط سياسية في الداخل. فمن وجهة نظر الحزب يجب احترام آليات العمل السياسي وخياراته السلمية بعيداً عن السلاح والقوة والفرض. وعندما يضحّي الحزب ببعض المكتسبات السياسية لمصلحة العمل المقاوم، فلا يرتبط الأمر بالمقايضة، وإنما بأولوية المقاومة لديه، لإيمانه بأنَّ نتائج عملها أوسع وأشمل وأكثر فائدة وانعكاساً لمصلحة رؤيته ومصلحة البلد بشكل عام. ومع ذلك فإنَّ حضوره السياسي والشعبي يزداد بشكل كبير، ويترك بصماته بوضوح على الحياة السياسية والعامة في لبنان.

 

حزب الله ليس تنظيماً للطائفة التي ينتمي إليها الغالبية الساحقة من أفراده والمؤيّدين المباشرين لخطِّه ومنهجه، بل مشروعٌ مبدئي يلتزم الإسلام. إنَّه حزبٌ إسلامي، انضمّ إليه من يؤمن بمشروعه، ومن الطبيعي أن يكون الأغلب الأعم من طائفة محدَّدة، لأنَّ خيارات الناس في الأفكار المبدئية تتأثّر بشكل كبير بالبيئة التي نشأوا فيها وترعرعوا عليها، وعادة ما تكون التحوّلات في أي بيئة مغايرة بطيئة وطويلة الأمد.

 

وبما أن الحرّية متاحة لكل فرد في المجتمع أن يؤمن بالمبدأ الذي يراه، وقد أمر الله تعالى المؤمنين بعدم إكراه أحد على الالتزام بالدين، أو اختيار المنهج الذي يريده، قال تعالى: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لاَ انْفِصَامَ لَهَا وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾4، فقد دعا الحزب الراغبين المؤمنين بمبدئه للانتماء إليه ونصرته، ولا علاقة له بالخيارات الأخرى لدى بعض الناس، والتي تُترجَمُ أحزاباً وحركاتٍ وتجمّعات، تطرح قناعاتها ومشاريعها لجذب الناس إليها، فحرّية الاختيار حقٌّ مشروع للجميع من دون استثناء وفي كل الاتجاهات.

 

إنَّ الدعوة إلى الإسلام جزء لا يتجزّأ من رسالة محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ولذا وضَّح القرآن الكريم دور النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في تبليغ الدعوة، ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً * وَدَاعِياً إلى اللهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً * وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللهِ فَضْلاً كَبِيراً * وَلاَ تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلا﴾5، وأمر المؤمنين بالسير على خطاه، على أن يلتزموا في دعوتهم الحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن: ﴿ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾6، انسجاماً مع سياق عدم الإكراه، وعرض المشروع الإلهي على الناس ليتبيَّنوا ويفكِّروا ويختاروا، وهكذا اختار حزب الله أن يقتدي بالنبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في تبليغ دعوته، بالأسلوب الأمثل، بالحكمة والموعظة الحسنة، إلى جانب جهاده في سبيل الله تعالى.

 

وعندما نتحدّث عن حزب الله كحزب إسلامي، فهذا لا يعني وجود صورةٍ واحدة في العالم عن الحزب الإسلامي لتنطبق عليه. فقد تفاوتت الأحزاب الإسلامية كثيراً، ماضياً وحاضراً، في مشروعها السياسي، وآليات عملها، وأولوياتها في بلدانها، وتعاطيها مع الأمة الإسلامية على امتداد العالم، ونظرتها إلى أوطانها، وأساليب تعبيرها... فأصبح لا يجمعها إلاَّ عنوان الإسلام، بينما تفرِّقها المضامين والطروحات التي تتراوح بين أقصى اليمين وأقصى اليسار.

 

فمن الأحزاب الإسلامية من يرى وجوب فرض الحكم الإسلامي بالقوة العسكرية، وقتل المخالفين القريبين قبل الأعداء، وأن حزبهم يمثل الفرقة الناجية، أمَّا الباقون فهم كفارٌ أصليون أو مرتدون عن الإسلام، وأنَّ فريضة الجهاد مسؤوليتهم لإقامة الحكم الإسلامي بالقوة في مواجهة مخالفيهم وأعدائهم.

 

ومنها من يرى وجوب النأي عن العمل السياسي، وترك الأمر للحكام، والاكتفاء بالدعوة الثقافية التربوية إلى الإسلام، وتكثير المؤمنين، والمحافظة على التزامهم الديني بعيداً عن الحكم والسياسة.

 

ومنها من يرى وجوب الجهاد لمواجهة الأعداء والمحتلين، على أن يكون العمل الدعوي والسياسي في بلدانهم بطريقة الإقناع والعمل الهادئ البنَّاء، فلا قتال لفرض الدين أو الحكم الإسلامي.

 

ومنها من لا يرى ضيراً في أن يكون في كنف الاستكبار العالمي ليصل إلى مبتغاه، على قاعدة أنَّ الغاية الشريفة تبرّر أي وسيلة، وأن خدمة الدين تتمّ بكل الوسائل والأساليب المتاحة.

 

ومنها من يحمل آراء أخرى لا يتّسع المجال لذكرها جميعاً، كي لا نخرج عن سياق بحثنا. لكنَّ الواضح هو عدم وجود تصوّر واحد للحزب الإسلامي. ولذا يصبح الحديث عن حزب الله بخصوصيته أجدى للتعريف عنه وعن رؤيته، بدل الإسقاطات الفكرية أو السياسية التي تتمّ استعارتها من هنا وهناك، والتي تعطي عنه صورة غير واقعية.

 

تعدّدت المذاهب الإسلامية بسبب الاختلاف في تفسير أصول الدين وفروعه. ومع أن المشتركات بينها كثيرة جداً، إلاَّ أن اعتبار كل مذهب تفسيره هو الأصح، والمبرئ للذمة أمام الله تعالى، والمنسجم مع ما أمر الله تعالى ونهى، جعل المذاهب حالة واقعية متجذِّرة، فيما يعتبر دعاة كل مذهب - بحسب علمائه ومؤيّديه - أنَّه الطريق الأسلم للالتزام الدقيق بالمنهج الإلهي وهو الإسلام.

 

يلتزم حزب الله كحزب إسلامي المذهب الشيعي (الاثني عشري) كطريق لتطبيق تعاليم الإسلام، متقيّداً بمبانيه وأحكامه في أصول الدين وفروعه، أي في العقيدة والشريعة. وكما ذكرنا سابقاً، فإنَّ من العقيدة الإيمان بالله تعالى، الذي أرسل رسله إلى الناس ليؤمنوا برسالاته، وآخرهم سيّد الرسل محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الذي أتى برسالة الإسلام، وهذا ما يؤسِّس لتبنّي الشريعة الإسلامية التي فيها العبادات والمعاملات، وتتضمّن قواعد وأحكام النظام السياسي والاجتماعي والاقتصادي والأخلاقي على مستوى الحياة.

 

مرجع التقليد

 

إنَّ مهمة العلماء الفقهاء تحديد وتبيان أحكام الشريعة، من خلال إطلاعهم ودراستهم وبحثهم في كتاب الله تعالى القرآن الكريم، والسنة الشريفة بما فيها من قول وفعل وتقرير، للنبي محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، والأئمة المعصومين عليهم السلام. فهم الذين يجتهدون لتفصيل الأحكام الشرعية بأقسامها الخمسة: الواجب، والحرام، والمستحب، والمكروه، والمباح، ليكون المكلَّف، رجلاً أو امرأة، عارفاً بالحلال والحرام، مدركاً مسؤوليته تجاه الأعمال والوقائع المختلفة. وبما أنَّ عدداً من الفقهاء قادرٌ على استنباط الأحكام الشرعية من الكتاب والسنة فهؤلاء مجتهدون، ومن أجل مركزة الآراء الاجتهادية بما يحقق الاطمئنان لدقة وسلامة الاجتهاد، فقد أجمع الفقهاء تقريباً على أن يتصدَّى أعلم المجتهدين، ليكون المرجع الذي يعود الناس إليه فيقلدونه، ويأخذون منه الفتاوى والأحكام الشرعية. ولذا أصبح مصطلح (المرجع الأعلى) أو (مرجع التقليد) يرمز إلى أعلى الفقهاء رتبة علمية تجعله مرجعاً للمكلفين، (مُقلَّداً) منهم، يعودون إليه لمعرفة تكليفهم بحسب الأحكام الشرعية. وعندما يختلف العلماء في تحديد الأعلم المتصدي لشؤون المرجعية، يتعدد المراجع، وكذا عندما لا يقول بعضهم بتصدي الأعلم، فيتصدى غير الأعلم، يتعدد (المقلَّدون).

 

وبما أن الشريعة الإسلامية خاتمة الشرائع وأكملها، أتمَّ الله تعالى النعمة بها، ورضيها للناس، وجعلها خالدة باقية ما بقيت الحياة، محفوظة عن التحريف، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾7، وهي التي تعالج ثوابت الفطرة الإنسانية، وتضع القواعد والحلول المرنة للمتغيرات، ما يجعل الحاجة إليها مستمرة في كل زمان ومكان.

 

وبما أنَّ تغير الزمان والظروف سيُنشئ متطلبات جديدة في حياة الناس، وأسئلة مستحدثة حول الأحكام الشرعية، كما أنَّ تطور الفهم البشري سيؤدي إلى استيعاب أفضل لمضمون الآيات القرآنية والروايات الشريفة عن المعصومين، فضلاً عن تراكم الخبرة واتساع المعرفة في تسليط الضوء على جوانب جديدة أو فهمٍ أفضل لحدود بعض الأحكام الشرعية، فإنَّ الحاجة إلى (مرجع التقليد) الحي في كل زمان تصبح ضرورية، كي لا يجمَّد التشريع مقتصراً على حقبة زمنية بخصوصياتها من دون غيرها. لذا بقي باب الاجتهاد مفتوحاً، ورجَّح الفقهاء ضرورة عودة المكلفين في كل زمان إلى مرجع زمانهم الأعلم لتقليده، وعن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): «من كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً لهواه، مطيعاً لأمر مولاه، فعلى العوام أن يقلِّدوه»8.

 

تحديد المرجع في زمانه مرتبطٌ بعلمه وتصدِّيه للمرجعية، فعلمه بالشريعة وتقواه يؤهلانه لأن يلتزم المؤمنون باجتهاده في (المسائل العملية) التي يحتاجها المكلَّف، على امتداد الكرة الأرضية، ولا توجد أي أهمية لمكان ولادة المرجع أو جنسيته، فهو يبيِّن الأحكام الشرعية للمكلفين، ولا يقدم لهم قوانين وأنظمة بلد معين، ولا ينظم شؤونهم في منظومة حزبية أو هيكلية تنظيمية مرتبطة به، وإنما يرتبطون به بما يعرِّفهم تكليفهم، ليديروا شؤونهم في بلدانهم ومواقعهم المختلفة، داخل العائلة أو العمل أو الحياة العامة، وعلى مسؤوليتهم، وبمعنى آخر: المرجع يبيِّن لهم طريق الحلال والحرام المفصَّلة بالأحكام الشرعية، والمكلَّف ينفِّذ على مسؤوليته في هذا الإطار. فالمرجع في زمانه مرجعٌ لأهل الزمان في كل البلدان، وذلك لمن اختار مرجعيته وآمن بها.

 

دور الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وامتداد الولاية: الرسول محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) نبيٌّ معصوم، بلَّغ رسالة الله تعالى إلى البشرية وهي الإسلام، قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾9، وهو القدوة التي علينا الاحتذاء بها، ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الآَخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيراً﴾10. وقد عمل من موقعة كداعية إلى الله تعالى، وكقائد للأمة في شتى المجالات. فعلَّم المؤمنين وربَّاهم على رسالة الإسلام، وعرَّفهم الأحكام الشرعية في عباداتهم ومعاملاتهم، وطلب منهم أن يلتزموا ما التزمه، فقال لهم: «صلوا كما رأيتموني أصلي»11، وقال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «خذوا عني مناسككم»12، وهذَّب أخلاقهم، وبشَّرهم بالجنة، وأنذرهم من النار، كل ذلك في إطار دعوتهم إلى الله تعالى. كما قادهم في بناء الدولة الإسلامية في المدينة المنورة، فكان رئيساً لأول دولة إسلامية، وقادهم في الغزوات والحروب والدفاع في وجه المعتدين على الدولة الناشئة، كل ذلك في مشهد متكامل ومترابط، ومنسجم مع الإسلام الذي لا يفصل بين العبادة والسياسة، بين الحياة الخاصة والعامة، ما يشمل مناحي الحياة البشرية في جوانبها كافة، فالنبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) داعيةٌ وقائد.

 

يؤمن المسلم بأنَّ الولاية لله جلَّ وعلا، أيَّ أنَّ الآمرية والنهي له، قال تعالى: ﴿اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إلى النُّورِ﴾13، وأنَّ الله يرعى المؤمنين برحمته، وعلى المؤمنين أن يطيعوه ويتولوه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾14.

 

الولاية للنبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) متصلة بالولاية لله تعالى، فالنبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وليُّ الذين آمنوا، وهو المُرسَل من الله تعالى إليهم، ويبلِّغهم عنه جلَّ وعلا، وعلى المؤمنين أن يطيعوه ويتولوه في أمورهم وقضاياهم ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾.

 

يعتقد الشيعة بالإمامة بعد النبوة، وأنَّ الإمام معصوم كعصمة النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، لكنَّ الوحي مختصٌّ بالنبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم). فما يقوله الإمام أو يفعله من موقعه ودوره كمعصوم لا يأتيه عن طريق الوحي، وإنَّما مما علَّمه وبيَّنه الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) للإمام (عليه السلام)، وعلَّمه الإمام للذي يليه، ومن إلهام الله تعالى وهدايته التي تصل إلى عقله وقلبه بإرادة الله تعالى، فقوله وفعله وتقريره نصوصٌ وأحكام شرعية، توضِّح وتفصِّل وتبيِّن ما يحتاج إلى المكلفون في العقيدة والشريعة..

 

تجسَّدت الإمامة بسيد الأئمة وأولهم ابن عم النبي محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ونزل في إمامته قرآن كريم، كالآية الكريمة: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾15، وقصتها أنَّ الإمام علياً (عليه السلام) كان راكعاً أثناء الصلاة في المسجد، فدخل فقير يطلب صدقة، فأشار الإمام إليه بإصبعه أثناء الركوع ليأخذ خاتمه، ونزلت الآي?


تعليقات الزوار
ارسال تعلیق