{إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنّة التي كنتم توعدون}.

 

في عام (1314هــ ش) وقعت في شتى أرجاء العالم احداث جمّة، وفي إيران أيضاً حصلت في ظل ظلمات حكومة رضا خان، وفي سياق المكافحة العلنية للدين، حركات سجّل التاريخ في ذاكرته جانباً منها.

 

من جملة الأحداث التاريخية التي وقعت في ذلك العام هو تغيير التقويم الرسمي للبلاد إلى التاريخ الهجري الشمسي ومنع استخدام الأشهر القمرية، وفرض القبعة العالمية وتوحيد الزي، وفرض قيود على إقامة مجالس الفاتحة في المساجد، والأهم من كل ذلك هو الانتفاضة الدموية التي وقعت في مسجد گوهرشاد احتجاجاً على كشف الحجاب. ومن الطبيعي أن ذوي العقل والبصيرة يسبرون أغوار وقائع الماضي بدقّة وتمعّن، وينظرون بعيون مبصرة وقلوب واعية إلى وقائع الحاضر بما تنطوي عليه من دروس وعبر. 

 

الولادة والنشأة

 

في عهد الاستبداد ذاك، لاح إلى الأبصار ضوء قمر سطع في أحد الأحياء الجنوبية لمدينة طهران قريباً من سوق التجار، في عائلة متديّنة من سلالة رسول الله (ص) في حجر والدة صالحة اسمها قمر، ليبث الدفء بنور وجوده في كيان تلك الأسرة. ولد ذلك الطفل ليزرع ببكاء ولادته ابتسامة السرور على شفاه والديه.

 

إن لاختيار الاسم في ثقافة مختلف الشعوب دلالات خاصة ويحظى بأهمية كبيرة. ولهذا الرسم في الثقافة الإسلامية الغنية والرفيعة، مكانة عليا يكفي في تبيين أهميّتها أن الباري تعالى هو الذي سمّى سادة الخلق وأكارم الناس واشتق أسماءهم من أسمائه الحسنى، وجعل ملك الوحي هو الحامل لتلك الأسماء الطاهرة. والحق أن هذه الأسماء هي أفضل أسماء الله. فما أحلى اسماؤكم. وإنما يكون جمال الاسم حلواً وجذاباً متى ما كان له مسمّى يناسبه، وإلا فما أكثر ذوي الأسماء الجميلة ولكن من غير تناسب بين الاسم والمسمّى.

 

أطلقوا على هذا المولود المبارك اسم أسد الله. ووجه اختيار هذه التسمية يجب البحث عنه في الضمائر النيّرة لأبيه وأمّه اللذين كان من محبّي أهل بيت العصمة والطهارة، ولعل لهذه التسمية صلة بزمن الولادة؛ لأن لكثير من الشيعة المخلصين اعتقاد راسخ برعاية تسميات معينة لأبنائهم فيما إذا ولدوا في أيام خاصّة.  

 

الدراسة

 

كان أبوه؛ السيد علي أكبر، بائع حطب، وعدد أبنائه ــ أربعة أبناء وأربع بنات ــ يدل على أنه كان يعيل أسرة كبيرة. أمضى السيد أسد الله سنوات طفولته بين أحضان عائلته إلى أن وصل إلى سن المدرسة وكان عليه أن يتهيء للتعلّم استعداداً للسير على طريق الجهاد الطويل الذي لا يعرف الكلل.

 

في عام 1320هــ ش، وهي السنة التي ترك شهر (شهريور) فيها ذكريات مريرة في تاريخ إيران [الهجوم الروسي والانجليزي على إيران من الشمال والجنوب]، سجّله أبوه في احدى مدارس طهران.

 

شاهد هذا السيد ببصره الحاد تلك الاضطرابات آنذاك، وعاش الأحداث التي وقعت في تلك الأيام.

 

وعلى كل حال، فقد عادت الأوضاع إلى حالتها الطبيعية إلى حدّ ما بعد خلع رضا خان ونفيه إلى جزيرة موريس وتربع ابنه على العرش. وانهمك السيد أسد الله في تلك الظروف الخاصة بشؤون الدراسة. وبعد ست سنوات من الدراسة في المرحلة الابتدائية وضع قدمُه في المدرسة الإعدادية في عام 1372 وهو شاب في 13 ــ 14 سنة من العمر. وفي ذلك العام أثارت عمليات اليهود في فلسطين ضجة في البلدان الإسلامية. وفي إيران أيضاً نُظّمت تظاهرات في مسجد الشاه بطهران، بزعامة آية الله الكاشاني.

 

وفي ذلك العام رفع علماء الدين والعاملون في السوق المصاحف على رؤوسهم وقاموا بتظاهرات بقيادة الشهيد السيد مجتبى نواب صفوي في ميدان بهارستان ضد "هزير" رئيس الوزراء آنذاك، وكان السيد أسد الله برفقة والده الذي يعتبر من جملة العاملين في السوق وشاهد تلك المشاهد المثيرة بأم عينه واحتفظ بها في ذاكرته لحظة فلحظة.

 

بعد سنتين من الدراسة في المرحلة الإعدادية، ترك السيد الدراسة وانخرط في سلك العمل مع والده. ولم يكن تركه للمدرسة يعني تركه لتحصيل العلم والمعرفة؛ فهو لم يترك التعلّم والتعليم لحظة واحدة؛ بل كان قد شرع بتعلّم الدروس القديمة منذ طفولته. وأخذ العلم عن علماء دين كبار في مختلف مراحل حياته إلى جانب العمل والنضال، وحتى أنه درس الفقه والأصول على يد بعض العلماء حينما كانوا في السجن في عهد نظام الشاه.  

 

الدخول في ميدان الكفاح

 

تزامن ترك السيد للدراسة مع تصاعد كفاح آية الله الكاشاني والشهيد نواب صفوي. وكان المتوقع من شخص يحمل مثل خصائصه الروحية أن يشارك في كافة التجمعات التي كانت تعقدها تلك الشخصيتان، ويؤيد الأشخاص الذين خططوا لتنفيذ حكم الاعدام الثوري لــ "رزم آرا"، ويثنني على خليل طهماسبي الذي نفذ تلك المهمة.

 

قضى السيد أسد الله فترة صباه وشبابه في مثل تلك الظروف المتأججة حتى أضحى كالفولاذ. ولا توجد هناك معلومات دقيقة عن الزمن الذي بدأت فيه معرفته بالشهيد الحاج صادق أماني، ولكن من الواضح أن مصاهرة الشهيد الحاج صادق مع أسرة اللاجوردي المحترمة لابد وأن تكون قديمة. يجب البحث عن جذورها في قاعات درس المرحوم شاهجراغي واجتماعاتهم المشتركة. درس الشهيد لاجوردي برفقة الحاج صادق أماني والشهيد محمد صادق اسلامي الگيلاني وحسين رحماني في "مسجد الشيخ علي" الأدب العربي بشكل جيد، والعلوم الحوزوية إلى حد "الكفاية". ونظراً لما كان يتصف به من ذكاء وفطنة ومقدرة عالية على الاستيعاب والاستنباط، أخذ يفسر القرآن في المجالس التي كان هو من جملة مؤسسها. كانت للشهيد لاجوردي رغبة عميقة وأنس بالقرآن يفوق الوصف، ويجب القول بأنه كان يعشق القرآن. ومن هنا فقد كتب في استمارة استجواب السافاك:

 

"لي رغبة عميقة بالقرآن ونهج البلاغة"

 

وعلى أساس هذا العشق فهو كان يتألم من الاهتمام بظاهر القرآن والاكتفاء منه بحد قراءته على أهل القبور وما شابه ذلك. وجعل من التدبر والتعمق في آياته شغله الشاغل ليلاً ونهاراً؛ ولهذا السبب فمع أنه كان في حالة ألم شديد وظهر مكسور وعين ضعفت عن البصر نتيجة للتعذيب الوحشي الذي مارسه ضده المحققون الأمنيون حيث كانت شدّة الآلام تفرض عليه قضاء فترة من محكوميّته مضطجعاً في زنزانة، فهو كان يقوم بتفسير القرآن في زاوية من السجن، وانطلاقاً من أمله ببزوغ فجر حكومة المستضعفين، كان يفسّر الآية الشريفة: {ونريد أن نمنَّ على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين}.

 

أجاب السيد أسد الله على سؤال عرضه عليه في السجن عام 1343 قائلاً: "كنتُ أفسر القرآن وأطرح المسائل الفقهية أيضاً في المجلس الذي أعقده مع السيد رضائي".

 

وأفاد تقرير جهاز السافاك إلى المحكمة أن السيد هو المسؤول عن التوجيه الديني و"توجيه الكفاية" في تلك المجالس. لا توجد بين أيدينا معلومات دقيقة عن مدى وكيفية نشاطات السيد خلال الفترة الممتدة بين عام 1330 إلى عام 1341 هــ ش، ولم تتوفر لدينا في هذه الفرصة امكانية التحقيق في هذا المجال، ولهذا نكتفي في هذه العجالة بما موجود في ملف السافاك من نشاطات هذا السيد الجليل. على أمل أن يستلم رفاق دربه من الوثائق الموجودة في هذا الكتاب، ويقومون باستذكار الخواطر الحلوة والمرّة لعهد المقاومة وتدوينها عسى أن يكون في ذلك أداءً لحق المطلب.

 

على كل حال، يجب اعتبار مصاهرة الحاج صادق أماني لأسرة لاجوردي كمنعطف بارز في الحياة الجهادية للسيد أسد الله؛ إذ أنه أخذ في ذلك العهد يحضر برفقة الحاج صادق في مجالس بحث "الإنسان والقدر" للشهيد مرتضى المطهري (ره)، ودخل من خلال الاستفادة من دروس هذا الاستاذ، إلى ميدان الصراع بروح جديدة، يقول في هذا المجال:

 

كان السيد أماني يصطحبني إلى مجلس كان يطرح فيه بحث تحت عنوان مصير الإنسان". وفي تلك البرهة تزوج السيد أسد الله اقتداءً بسنة الرسول (ص) وليكون قد اختار في هذا السياق زوجة عطوفة ورفيقة درب صابرة من أجل مواصلة طريقه الجهادي.  

 

تشكيل الهيئات المؤتلفة الإسلامية

 

كانت أول ثمرة لهذا الزواج طفل ولد عام 1341هــ ش اسموُه محمداً. وفي تلك الأعوام، وفي ضوء توجيهات علماء ثوريين كالشهيد الدكتور آية الله بهشتي والاستاذ الشهيد مرتضى المطهري (ره)، عزم رؤساء ثلاثة هيئات دينية في طهران على تشكيل تنظيم في سياق النضال ضد النظام الشاهنشاهي. وكانت احدى تلك الهيئات هي الهيئة التي كان الشهيد لاجوردي مسؤولاً فيها عن شرح المسائل الدينية وتفسير القرآن وتدريس الكفاية.

 

وفي ذلك العام تشكلت الهيئات المؤتلفة الإسلامية تحت عنوان الجمعيات المؤتلفة الإسلامية ويمكن اعتبار السيد لاجوردي بحق واحداً من بناتها ومؤسسيها الأصليين.

 

المسألة التي يجب الإشارة إليها هنا هي أن رجال السافاك اعتبروا تشكيل ذلك الائتلاف ناتجاً عن تحريض من الجبهة الوطنية أو من حزب الكادحين؛ وذلك بسبب حضور بعض اعضاء الجبهة الوطنية، أو حركة تحرير إيران، أو حزب الكادحين في أحد الاجتماعات الفرعية لهيئت المؤتلفة. إلا أن هذا التصور جاء كنتيجة لغفلتهم وقصور رؤيتهم.

 

ومن الطريف هنا أن السافاك، وعلى الرغم من اعتقاله للكثير من اعضاء هيئة المؤتلفة، لم يتمكن حتى من تحديد أسماء الهيئات التي تشكل الهيئات المؤتلفة.  

 

إعدام حسن علي منصور

 

وفي ضوء الظروف التي سادت المجتمع في الأعوام 1340 ــ 1341هــ ش وطرح مشروع ما يُسمى بالثورة البيضاء، ومسألة مجالس الأقاليم والولايات، ونفي الإمام الخميني قدس الله نفسه الزكية، وأخيراً المصادقة على لائحة قانون الحصانة من قبل حسن علي منصور، اُتّخذ قرار في اللجنة المركزية للهيئات المؤتلفة الإسلامية بإعدام حسن علي منصور.

 

وتم التخطيط للعملية بكل دقّة واتقان مع رعاية جميع مبادئ السريّة والكتمان، وتم الحصول أيضاً على الحكم الشرعي لتنفيذ الخطة وجرى تعيين العناصر المنفذة. وفي الليلة التي سبقت التنفيذ تم استعراض جوانب الخطّة وأقسموا سويّة، وقضوا ليلة السابع عشر من رمضان (ليلة القدر) بالمناجاة إلى السحر.

 

وفي أول بهمن 1343هــ ش سارت الجماعة المكلّفة بتنفيذ الحكم بقيادة الشهيد الحاج صادق أماني، وهم صائمون، نحو ميدان بهارستان، واتخذ كل واحد منهم موقعه لتنفيذ المهمة الموكلة إليه. ومع قدوم السيارة التي كانت تقل حسن علي منصور إلى ميدان بهارستان في الساعة العاشرة صباحاً و… أطلق الشهيد محمد بخاراتي رصاصة أنهت حياته المليئة بالخزي والعار. وجاء كل شيء على ما يُرام. ولكن التقدير شاء أن ينزلق محمد بخارائي ويسقط أرضاً ــ بسبب تجمّد الجليد على الأرض نتيجة لبرودة الجو ــ بين من حضروا عند تنفيذ العملية، وألقي عليه القبض في الحال من قبل الشرطة وسارع إليه المحققون باضطراب وفزع وأخذوا يوجهون الأسئلة المتتالية إليه، ولكنّه لم ينبس ببنت شفة. وعلى هذا الأساس ذكر السافاك في أول تقرير قدّمه بهذا الخصوص بأن قاتل رئيس الوزراء صبي يبدو أنه أبكم.

 

وقد أفلح رجال الأمن في التعرف على والديه، وتعرفوا عن طريقهما على أصدقاء محمد، وألقوا القبض عليهم، وعلى أثر الاستجواب نجحوا في التعرّف على رفاقهم الآخرين.  

 

الاعتقال الأول

 

ومن جملة الأشخاص الذين ألقي القبض عليهم في تلك البرهة هو الحاج صادق أماني الذي كانت تربطه مع الشهيد لاجوردي علاقة صداقة وقرابة. وقد شن رجال الأمن حملة اعتقالات واسعة في سبيل العثور على الشهيد أماني، وكان من جملة من اعتقل في تلك الحملة هو السيد أسد الله لاجوردي. وكان ذلك الاعتقال بمثابة أول تجربة للسيد في التوقيف.

 

وقد تصرّف مع رجال الأمن بذكاء بحيث حُكم ببراءته مع انه كان على معرفة تامّة بالاجراءات والأعمال المتخذة في تلك العملية، وأطلق سراحه بعد 18 يوماً من الاعتقال في سجن الشرطة.

 

وفي اطار الاعتقالات التي قام بها السافاك على هامش قضية مقتل منصور، واعتقال الكثير من أعضاء الهيئات المؤتلفة الإسلامية، اعتقل السيد أسد الله مرّة أخرى بتاريخ 12/12/1343هــ ش وجرى التحقيق معه تحت أساليب قاسية من التعذيب إلا أنه قاوم ذلك التعذيب بصبر وثبات. وأخيراً حُكِم عليه بالسجن التأديبي لمدة 18 شهراً.

 

وحينما كان يقضي مدّة حبسه في طوامير النظام الشاهنشاهي المظلمة، جرح قلبه الرؤوف خبر استشهاد رفاقه. كان السيد يكنّ إرادة وحباً عميقاً للحاج صادق أماني. وقد سار معه جنباً إلى جنب في الكثير من التحركات في عهد المقاومة وكان يرى بأنّ الكثير من نجاحاته رهينة به. وبقي يحمل ذلك الجرح على أكتافه الصلبة إلى تاريخ استشهاده. وبعدما انقضت فترة محكوميته عاد السيد إلى الاحضان الدافئة لأسرته.

 

أدت التجارب التي اكتسبها في فترة الاعتقال إلى أن يصبح أصلب عوداً، ولم تستطع الشدائد التي مرَّ بها في تلك أن تثنيه أو تلهيه عن خط الجهاد، بل جعلته أكثر تصميماً على أداء رسالته.

 

وبعد مدّة غيّر السيد حرفته وأخذ يعمل في بيع المناديل والأخمرة في سوق "جعفري"، وأخذ ينظّم الأشخاص المتدينين المجاهدين في إطار مجالس دينية متنقّلة تحت إشرافه، ويدعو الخطباء الذين يتقنون أصول الدين والكفاح إلى مجالسه. وكان أحد خطباء تلك المجالس المتنقلة في عام 1348هــ ش كما جاء في تقرير السافاك، هو سماحة حجة الإسلام والمسلمين الشيخ هاشمي الرفسنجاني.  

 

الاعتقال الثاني

 

وإلى جانب المجالس الدينية واصل السيد لاجوردي نشاطاته السريّة، إلى أن صدر بمناسبة قدوم مجموعة من المستثمرين الأمريكيين، بيان تحت عنوان "خطوة أوسع لتكريس النهب" وتمّ تكثيره وسُلِّم إلى الأعضاء استعداداً لتوزيعه. وفي يوم المباريات الختامية لمسابقات كأس أندية آسيا، تم اعداد زجاجة حارقة وتنظيم الأعضاء، ونفذت عملية هجومية ضد مكتب شركة طيران العال الصهيونية.

 

كان لدى جهاز السافاك في كلية الاقتصاد مخبر مدسوس مع أحد أعضاء تلك المجموعة، وفي أعقاب التقرير الذي قدّمه ذلك المخبر، أقدم السافاك على اعتقال أعضاء تلك المجموعة. وفي اطار مواصلة تلك الاعتقالات تم التعرّف على السيد لاجوردي واعتقل مرة أخرى في 1349هــ ش. وفي هذه المرّة أطلق عليه لقب "رجل السجون الفولاذي". وكسر ظهره نتيجة للتعذيب الوحشي الذي مارسه ضده جلاوزة السافاك، غير أنه ترك في قلوب جلاّديه حسرة الاعراب عن ضعفه وانهياره ولم يدوّن على صفحات أوراق الاستجواب إلا مطالب لا قيمة لها بالنسبة لرجال السافاك.

 

وُجِّهت إليه في هذه المرّة تهمة قيادة المجموعة التي هجمت على مكتب شركة "العال" وإدارة جماعات أخرى معارضة وحكم عليه بالسجن لمدّة أربع سنوات في زنزانة منفردة.

 

كان التعذيب الذي لقيه والآثار التي تركها عليه، على درجة من القسوة بحيث أنه يئس من البقاء على قيد الحياة وكتب وصيّته. ومن الطبيعي أن السيد كان قد وطّن نفسه على التضحية بحياته منذ اليوم الأول الذي وضع فيه قدمه في ساحة الجهاد. ووصف إسرائيل في وصيتّه بأنها أعدى الأعداء. وأكد في تلك الوصية على دفع ثلث ماله لمساعدة الفدائيين الفلسطينيين.

 

كان وجود السيد أسد الله الذي كان يزأر كالأسد الهصور، يشكل عبئاً ثقيلاً على سجاني المعتقل رقم ثلاثة في سجن قصر. وقد أثرت عملية التوعية التي كان يقوم بها في السجناء الآخرين وأدت إلى تشكيل حركات مناهضة للنظام في السجن. وعلى هذا الأساس، وفي أعقاب طلب نقله إلى سجن آخر، نقل إلى سجن الشرطة في مشهد. وفي تلك الفترة كان جميع أعضاء أسرة السيد تحت مراقبة السافاك، وكانت جميع مراسلاتهم تخضع للرقابة، ولم يستثن من ذلك حتى الصغار من أقاربه. كانت المقابلات تجري بصعوبة. وكان القلب المؤمن للسيد قلقاً على اطفاله الصغار، حيث كان مستقبلهم في ظل الأجواء الشاهنشاهية الفاسدة، هو الهاجس الذي يشغل باله ليل نهار.

 

وفي أثناء مقابلة زوجته له بتاريخ 13/6/1352هــ ش في مشهد، سألته: "كيف رجلاك؟"، فقال لها: "هذا ذكرى السجن ايفين، ورجلي مليئة بآثار التعذيب".

 

وكتب جواباً على سؤال ورد في احدى الاستمارات، عن نوعية المرض الذي يعاني منه، ما يلي:

 

"جميع الأمراض التي أصابتني في السجن: نقص في العين اليسرى وفقدها القدرة على الابصار، ألم شديد في الظهر، ألم في المعدة، ألم في القلب، وفي بداية دخولي إلى سجن مشهد أصبت بنزلة صدرية بقي صدري على أثرها يرشح قيحاً لمدّة شهر كامل".

 

وكتب في الختام: "دخلت السجن سالماً، وسأصطحب معي مجموعة كاملة من الأمراض".

 

لقد سلبته المصائب والآلام الناجمة عن الأمراض المختلفة، القدرة على الحركة مدّة طويلة. إلا أن حبّه المفرط للإسلام والقرآن، حيث كان قبل سنوات يلقي محاضرات في تفسير القرآن في مجالس الهيئة الدينية، وسبق له أن درس الفقه والأصول في السجن على يد آية الله أنواري، جعله يستغل فرصة وجوده في السجن وينهمك في تفسير القرآن. وقد رأى جلاوزة السافاك بأنّ مطالبه مضرّة، فحفظوها في ملفّه.

 

وفي ختام المطاف أنهى السيد في العشرين من 30/1/1353هــ ش ثالث مدّة سجن وعاد إلى داره. كان السيد آنذاك أباً لأربعة أولاد؛ ثلاثة أبناء وبنت واحدة وكان عمر أكبرهم 12 سنة، وأصغرهم أربع سنوات بمدّة المحكومية الثالثة لأبيهأا. وكانوا بأجمعهم يترقّبون رؤيته ويعيشون في كنف والدتهم التي كانت تضاعف لهم المحبّة وتملأ الفراغ الذي خلّفه غياب أبيهم.

 

وانتهى بإطلاق سراحه انتظار أولاده الأبرياء، وعاد الأب الذي كان زائراً سجيناً لثامن الأئمة (ع)، إلى بيته وجرت دموعه الشوق من المآقي.

 

وبعد شهر من إطلاق سراحه، قدّمت الدائرة الثالثة للسافاك تقريراً إلى دائرة السافاك في طهران، وصفت فيه السيد لاجوردي بالمتشدد، وهناك احتمال كبير بأن يواصل نشاطاته في غاية السرية والتكتّم. فقام السافاك في طهران بمراقبته مراقبة شديدة.

 

لقد عرف جلاوزة السافاك السيد أسد الله لاجوردي معرفة كاملة، ولم يغفلوا عنه وعن نشاطاته لحظة واحدة، غير أن ذكاء السيد ومقدرته العالية على رعاية أصول السرية فاقت تلك الرقابة الأمنية مرّات عديدة.  

 

المقاطعة في السجن

 

من جملة النقاط التي ينبغي المرور عليها مروراً عابراً هو ما يطالعنا في بعض صفحات الاستجواب من المقاطعة التي فرضت على الشهيد لاجوردي في السجن.

 

يذعن الجميع بأن السيد كان يتميز ببصيرة واضحة ورؤية عميقة في معرفة التيارات الانحرافية في داخل السجن، ووقف أمامها بكل وعي وصلابة، وعمل على فضحها بلا مؤاربة أو مداهنة. ومن الطبيعي والحالة هذه أن يواجه الكراهية من قبل أولئك الأفراد في السجن. وقد استطاع بفضل همّته العالية أن يحارب في السجن على جبهتين؛ جبهة الجلادين من جهة، وجبهة المنحرفين من جهة أخرى.

 

إن الواجب يفرض على شهود العيان أن يحملوا الأقلام ويكتبوا عن الملاحم التي سطرها في تحمل أنواع وألوان التعذيب الجسدي والنفسي، في سبيل تعريف هذا الشهيد الجليل لمجتمعنا الإسلامي ولشبابنا. اكتبوا بأن السيد حينما كان يعاد من التعذيب إلى الزنزانة وهو مغطى بالدماء ويكابد الآلام كان يستجمع كل قواه في لسانه ويهتف بنداء "الله أكبر" وكان يقصد من وراء ذلك غايتين: الأولى هي أن يثبت للجلاوزة الجلادين بأنه رجل لا يقهر وأنه يتحمل في سبيل الله جميع المشاكل والمصائب، والثانية هي أن يرفد الموجودين معه في الزنزانة بالمعنويات حينما يمتلئون خوفاً ورهبة من جرّاء رؤية تلك المشاهد، وكأنّه يقول لهم إنكم إن تمسكتم بالله فأنتم المنتصرون على أعداء الدين والقرآن.

 

لم يدم وجود السيد بين أحضان عائلته طويلاً؛ وذلك لأنه لم يكن من أمثال الكثيرين الذين انسحبوا من ساحة الجهاد مع أول تهديد من الجهات الأمنية، وعادوا إلى مواصلة حياتهم اليومية طلباً للعافية، بل وحتى عادوا إلى ممارسة حياتهم ممزوجة مع عار التعاون مع السافاك. كان السيد لاجوردي يحمل في صدره جرح رفاق من أمثال الشهيد أماني، وكان شعلة حبّ الإمام الخميني (ره) تلهب في قلبه على الدوام، وكان الآية الشريفة: {ونريد أن نمنَّ…} هي حبله المتين، وقد تأسى مع تعامله مع الدنيا بجده أمير المؤمنين (ع) فطلّقها ثلاثاً، واكتفى من مال الدنيا بالرزق المقسوم. وكان استغناؤه آية سكينته. ولم يكن يرى أن شيء لذاته. وقد كتب في أواخر المرة الثالثة التي سجن فيها، جواباً على سؤال يتعلق بوضعه المالي، ما يلى:

 

"في أي وضع كنتُ من الناحية المالية، فإنَّ استغنائي كفيل بتوفير السكينة لي". وكتب في موضع آخر جواباً على سؤال عن مقدار أملاكه وأمواله: "المال مال الله".

 

والحقيقة هي أن هذا الرجل النبيل لم يفكر طوال عمره بجمع المال، وكان يوصي أبناءه وذويه بتجنب هذا التفكير. وكان الدراجة الهوائية التي قَدِم بها إلى السوق يوم استشهاده هي مركبه الذلول الذي كان يتنقل عليه سنوات طويلة هنا وهناك.  

 

الاعتقال الثالث

 

لم يطل بقاؤه بين أفراد عائلته أكثر من عشرة أشهر؛ فقد اعتقل مرة أخرى بتاريخ 7/12/1353هــ ش واقتيد إلى السجن، ووجهت إليه هذه المرّة تهمة الارتباط بمنظمة (مجاهدي خلق). إلا أنه أثار هذه المرّة أيضاً بإجاباته غضب المحققين أكثر فأكثر، وأخذ يجيب على الأسئلة التي تطرح عليه بطيب خاطر وسكينة مستمدة من روحه الإلهية، بحيث اضطر المحقق إلى أن يقرن كل سؤال بالتعصّب والتهرب من الإجابة. وكانت الإجابة على كل سؤال تزيد من غضب المحقق أكثر من ذي قبل. ولم يؤثر فيه التعذيب المتواصل. وأحيل ملفّه إلى المحكمة العسكرية للحكم عليه، وكان أحد الأدلة الموجهة إليه هو الامتناع الشديد عن عدم الافصاح عن نشاطاته التخريبية، وحكم عليه هذه المرة بالسجن ثماني عشرة سنة. وواجه في السجن هذه المرة أشخاصاً غلفوا بظاهر إسلامي، الأفكار الماركسية التي اتخذوها كأساس لعملهم، وأخذوا يهمسون عن تغيير آيديولوجية منظمة (مجاهدين خلق). وانطلاقاً من معرفة السيد أسد الله لاجوردي العميقة بالإسلام الأصيل، وإحاطته بمباني الفكر الماركسي، فقد قام بعملية توعية، وأخذ يحارب تلك العناصر التي تدعي الإسلام زوراً. ومن هنا فقد حقد عليه المنافقون الذين يتظاهرون بأنّهم مجاهدين.

 

أخذت معالم الثورة الإسلامية تلوح في الأفق، وبدأت الحركات الجماهيرية بالتبلور. وكان المساجد هي مراكز التجمع والاعتراض، وبدأت أصوات المنابر تعلو بالتوعية. وبدأ الحديث يدور عن الانفتاح السياسي، وطرح موضوع اطلاق سراح السجناء السياسيين على جدول الأعمال، وأطلق في تلك الفترة سراح الكثير من السجناء السياسيين.

 

وأطلق أيضاً سراح السيد أسد الله لاجوردي بتاريخ 27/5/1356هــ ش، وانضم إلى رفاقه القدامى في سبيل مواصلة الجهاد، ولأداء دور فعّال في تنظيم الحركاة الثورية. واستدعي إلى السافاك يوم وصول خبر استشهاد الحاج مصطفى الخميني (ره) الابن الأكبر للإمام الخميني (ره)، إلا أنه امتنع عن المثول أمام السافاك. ووجه إليه انذار آخر بالحضور، وبعد التشاور ذهب بتاريخ 17/8/1356هــ ش إلى دائرة السافاك.  

 

انتصار الثورة الإسلامية

 

وفي الفترة التي بلغت فيها الثورة الإسلامية ذروتها، وأخذ الشعب الإيراني يتأهب لاستقبال عزيزه الذي كان يعيش في المنفى، كانت له نشاطات واسعة في لجنة استقبال الإمام، الذي كان يعشقه على الدوام، وعقد معه العهد منذ أن بدأ سماحته بالسير على طريق الجهاد، وهذا فقد حقق أمله وأمنيته القديمة.  

 

مسؤولية الادعاء العام

 

هذا الرجل الذي كان يفسّر في طوامير السجن المظلمة آية {ونريد أن نمن…} شوقاً إلى مثل هذا اليوم، أخذ اليوم يرى تفسيرها العملي بعينه. وكان لذلك اللقاء الذي تحمل أنواع التعذيب وكان يعد الساعات على أمل حلول يومه، طعماً خاصاً عنده. وجاء الإمام، وانتصرت الثورة، وبعد كل هذا الألم والعناء، ألقيت على كاهله واحدة من أصعب المسؤوليات، فتقبلها عن طيب خاطر؛ وذلك لأنها جاءت بناءً على رغبة الإمام الخميني (ره) والشهيد بهشتي، وكان السيد مطيعاً للولاية طاعة مطلقة.

 

لم تكن مسؤولية الادعاء العام للثورة الإسلامية في ذلك الوقت مسؤولية سهلة يستطيع أن ينهض بها أي شخص كان، وإنما تبوّأ تلك المنزلة عن بصيرة ودراية.

 

الاجراءات التي اتخذها السيد لاجوردي في الوقت الذي كان فيه المنافقون العمي البصيرة يدعون بأنهم هم أصحاب الثورة، غير خافية على أحد. وأدت جهوده المظنية ليلاً ونهاراً إلى وأد المؤامرة، وفقء عين الفتنة. 

 

مسؤولية السجون

 

أما في عهد تصديه لمسؤولية السجون، فقد كان تعامله مع المخدوعين بخط النفاق على نحو أدى إلى اعادة ذوي الضمائر الحيّة منهم إلى أحضان الإسلام، واعتبروا هدايتهم إلى طريق الحق رهينة بتوعية السيد أسد الله لاجوردي وتعامله الأبوي المخلص.

 

استطاع السيد من خلال إعادة أولئك المخدوعون من الشباب الذين انضموا إلى المنافقين تحت تأثير أساليب الزيف والرياء، إلى الهجر العطوف للأسرة والإسلام، اخلاء خنادق جبهة النفاق أكثر فأكثر. ومن هنا فقد تفاقمت ضده الأحقاد السوداء لتلك القلوب المنافقة. من جملة الابتكارات التي طبقها هذا الشهيد السعيد أثناء تصديه لزمام مسؤولياته هي إيجاد مشاغل مختلفة في داخل السجون لكي يتسنى للسجناء من خلال ذلك اتقان الحرف التي تستهويهم لتكون لهم بعد اطلاق سراحهم فناً وحفة يكسبون بواسطتها لقمة العيش، من جهة وليحصلوا من جهة أخرى على رواتب كافية من عائدات منتجات السجن. وفي آخر لقاء له مع حجة الإسلام والمسلمين محمد جواد حجتي الكرماني، بشّره بالقضاء على الأمية بين السجناء. 

 

الفوز العظيم

 

لقد استعد المنافقون مرات عديدة لقتله، لكن الإرادة شاءت في كل مرّة أن يبقى هذا السيد ليؤدي ما عليه من مسؤوليات إلهية، وليفتح بكاهل مثقل بالاخلاص والصدق قلاع النجاح الواحدة بعد الأخرى.

 

وفي احدى المرات عزموا على اغتياله، غير أن القرعة ظهرت باسم الشهيد الجليل محمد كجوئي. وفي هذه المرّة توجّه بقلب خالٍ من جميع المسؤوليات الظاهرية، وبقلب مفعم بحب ولاية الفقيه، والشكر للباري تعالى على وجود ظل الولاية على رأس الشعب الإيراني، توجّه بكل بساطة إلى كدّه وكسبه ولم تكن ولاية الفقيه أمر جديد عرفه السيد لاجوردي في أعقاب انتصار الثورة الإسلامية، وإنما رهن نفسه للولاية ولأوامر ولاية الفقيه منذ أن بدأ الإمام الخميني تحركه الجهادي، ومنذ أن كانت دروس سماحة الإمام تأتي على شكل نسخ من النجف الأشرف إلى إيران، إذ كان هو من مكثّريها وموزّعيها، وله اعتقاد راسخ بالولاية.

 

وفي آخر جمعة سبقت شهادته، التقط صورة جماعية مع أفراد عائلته؛ لأنه كان قد أعد نفسه للرحيل. ولهذا السبب قال قبل يوم من استشهاده:

 

"اللهم لا تُزِل ظل القيادة عن الشعب، فلولا ظلها على الشعب لكانت أحوال إيران شبيهة بأحوال افغانستان…".

 

أجل، في ذلك اليوم شاهد أهالي الحيّ، والكسبة في سوق طهران السيد أسد الله لاجوردي متوجهاً إلى محل عمله بقلب مطمئن وشفة باسمة راكباً على مركبه الذاول (الدراجة الهوائية)، فيما كان المنافقون قد كمنوا يتربصون وصوله لاغتياله، انتقاماً على ما قام به لسنوات طويلة من التوعية ومكافحة خط النفاق.

 

ورجل كهذا لا ترجى له عاقبة إلا الشهادة وذلك لأن: "الشهادة باب من أبواب الجنة".   

 

وصية الشهيد

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله وأن علياً ولي الله ووصي رسول الله والأئمة الأحدى عشر من بعد علي (عليه السلام) أئمة المسلمين.

 

اللهم إنك تعلم أن ما أخطّ بالقلم حالياً كان يعتمل في قلبي منذ مدّة مديدة وجعلني أمام سبل كثيرة من الحيرة، لا أدري ما هي؟ وماذا ينبغي العمل؟ وإلى أين ستنتهي الأمور؟

 

كيف تشاع باسم الإسلام وفي زي إسلامي شعارات خداعة وفارغة، ثم ترى الذين يتحملون مسؤولية التصدي لانحراف الأفكار يلتزمون الصمت؟ ومن السهل أن ترى البعض يؤيد ذلك، وأصبحتُ أمام آلاف الأسئلة التي يستلزم كل واحد منها السير على طريق معيّن ويرسم نهجاً معيناً. ولكن من حسن الحظ بما أنني أقلّد الإمام العزيز، فإنّ طريق السعادة أمامي واضح، وأسأل الله إن بقي لي عمر، أن يوفقني للعمل به.

 

اللهم إني أعشق هذه الثورة بكل وجودي. وبنفس القدر الذي أحب فيه الثوار فأنا أبغض حماة أعداء الثورة. ومع كل هذا فقد أدركت تمام الادراك بأنّ كل من يتخذ موقفاً يصب في صالح أعداء الثورة رغبة في نيل رضى الناس. وللحصول على ما يسمى في المصطلح القومي بــ "كسب القاعدة الجماهيرية"، يجعل من نفسه مصداقاً لقول المعصوم (ع): "من طلب رضى الناس بسخط الله، جعل الله حامده من الناس ذامّاً".

 

اللهم أنت الشاهد على أنني بالقدر الذي أعشق فيه الإمام بشكل قاطع ولا يقبل المداهنة، فإنني أكره بنفس ذلك القدر بل وأكثر منه بمئات المرات، أولئك المساومين والمدافعين عملياً عن أعداء الثورة ــ حتى وإن كانوا يخالفونهم في الكلام وفي المعتقد ــ وانني أخشى أن تتكرر حوادث المشروطة من جديد وتبتلي إيران بذات المصير الذي ابتليت به الجزائر.

 

اللهم إني أسألك أن تكف إلى الأبد عن مصير هذا الشعب المنجب للشهداء، أيدي وأرجل وألسنة وأقلام كل من الساعين من أجل تخليص أعداء الثورة والمرتدين والمحاربين، من قبضة العدالة، وكل خنعوا لهذا العار، (لكي يحققوا أوهامهم لبعضة أيام).

 

اللهم بما أنني كنت عاشقاً للنظام، فإنني كنت أخشى أن يؤدي فضح الأوجه المساومة إلى الإساءة للثورة ولو بشيء يسير. وأوصيهم بالاعتقاد بيوم المعاد وما فيه من حساب دقيق بعيداً عن المزايدات والتلاعب بالالفاظ، وعليهم أن يحترسوا لكي لا يكونوا من تلك الفئة التي قال عنها القرآن: {لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون}.

 

وصيتي لأصحاب السلطة والنفوذ هي أنهم إذا كانوا يحبّون هذه النهضة، فعليهم بدلاً من الشعارات الخدّاعة والسياسية، وبدلاً من التوصيات التي يقدمونها شفوياً وهاتفياً لاستنقاذ أعداء الثورة والملأ والمترفين وآكلي الحرام وكانزي الأموال الحرام، أن يعلنوا ذلك للشعب بكل شجاعة وبسالة، والابتعاد عن أي نوع من التبرير والمساومة في سبيل الاحتفاظ بالمنصب والاستمرار في موقع الصدارة! وذلك لأن خداع الذات وخداع الجماهير لابد وأن يصل يوماً إلى نهايته، وتفضي الأمور بأجمعها إلى خير الماكرين. وأكرر وصيتي للمسؤولين بالاتكال على الله، وأخذ الحزم وعدم المساومة من الإمام، وعدم نسيان شعار "لا شرقية ولا غربية" الذي يعتبر مطلباً جماهيرياً وحقاً لأبناء الشعب، وهو سبب وجود هذه الثورة.

 

اللهم أنت الشاهد على أنني نبّهت المسؤولين مرات عديدة وتحت عناوين مختلفة إلى خطر منافقي الثورة وهم أولئك الذين ملأت الأفكار التلفيقية ــ كما هو الحال بالنسبة لمنافقي خلق ــ أذهانهم وكل وجودهم، وحتى أنهم يلتفون في الحوزات العلمية على الفقه والفقهاء من أجل تغيير مسار الفقه. ولكن لا أدري (وإن كنت أعلم سبب ذلك إلى حدٍّ ما فيما يخص بعض الأمور) لماذا لم يستجيبوا ولم يلتزموا بمفاد تلك التنبيهات. لقد قلتُ للمسؤولين مرأت عديدة بأن خطر هؤلاء أكبر من خطر منافقي خلق بمرات عديدة؛ وذلك لأنهم ــ وفضلاً عن جميع الأساليب المنافقة ــ قد تغلغلوا برياء وتملّق في صفوف أفراد حزب الله وقادوهم شيئاً فشيئاً نحو الصفوف الأخيرة، ثم ساقوهم إلى صفوف القاعدين والمخلفين واستحوذوا على الصفوف الأولى عنوة، حتى أصبحوا عملياً بمثابة العقل والإرادة المنفعلة لبعض أصحاب القرار وعمدوا إلى ممارسة نفوذهم التخريبي من خلال التعيينات والإقالات أو إقرار الأشخاص وابقائهم في مناصبهم، وكلها أمور فارغة لا أهمية لها! وإنما المهم جداً هو هدفهم الغائي من كل هذه المحاولات هو نشر الأفكار التلفيقية المنحرفة لمنظمتهم عدوة الله، وما هي إلا أفكار مادية، ثم أن الأهم من كل ذلك هو أنهم استطاعوا ولكل الأسف أن يستميلوا إلى صفوفهم بعض الشباب المسلمي ويحرفوهم عن سواء السبيل.

 

يا عائلتي العزيزة! إياكم والانخداع بالتأييد والتكريم المرائي لهؤلاء المنافقين البعيدين عن الدين. فهم قد يأتون إليكم بظاهر الخاضع الحريص ويتظاهرون أمامكم وكأنهم من حزب الله إلى درجة يتعذر معها على أمثال سلمان وأبي ذر مجاراتهم ولا حتى لحظة واحدة.

 

يا أولادي! إذا كنت قد ضيقت عليكم أحياناً في وقت كنت أستطيع فيه أن أوفر لكم المزيد من أسباب الرفاه فذلك يعزى إلى اعتقادي الراسخ بالآية الكريمة: {إن مع العسر يُسراً}. ولو انني كنت قادراً على اقناعكم أنتم ووالدتكم بأكثر مما تحملتموه لفعلت ذلك بالتأكيد؛ ليقيني بأن هذا الأسلوب أكثر تأثيراً وفاعلية في صياغة شخصيتكم على نحو سليم. وعلى كل حال فإن أباكم الذي يحبكم أكثر من أي شيء آخر عدا الثورة والإسلام لم ولا يرى خيركم وصلاحكم في الحياة الرغيدة المرفهة، ويأمل أن تنبذوا حياة الرفاهية وطلب العافية عن وعي وتدخلوا في خضم المشكلات بعزم راسخ، ولا تأملوا أن يُقدِم الآخرون على حل مشاكلكم ولو بشيء بسيط. واسعوا بدلاً من هذا الأمل في سبيل حل مشاكل الناس ولا تخشوا المصاعب، وتصرفوا على نحو يجعل كل مصيبة وكل مشكلة مهما عظمت تذل وتسهل أمام إرادتكم الصلبة، وبدلاً من أن تتغلب عليكم وتلقيكم على الأرض مغلولي الأيدي والأرجل، اركبوا أنتم أمواجها التي تبدو في الظاهر وكأنّها أمواج قاتلة، وخذوا بزمامها ووجهوها حيثما تشاءون، ولا تسمحوا لها أن تسيطر عليكم وتخلّ باتزانكم.

 

زوجتي الكريمة والعطوفة! صحيح أنني لم أشمر على سواعد الجد لخدمتكم كما يليق بمنزلتكم الإنسانية السامية، وكانت لدي تقصير وقصور كثير في هذا المجال، بيد أن الأصح هو أن تصفحوا عني ولا تجعلوني أقبل بين يدي الله يوم تبلى السرائر خجلاً منكساً رأسي أمام أنظار الخلائق.

 

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 

سيد أسد الله لاجوردي