"إن قائدنا هو ذلك الطفل ــ ذو الاثني عشر عاماً، صاحب القلب الصغير، الذي يفوق المئات من ألسنتنا وأقلامنا فضلاً ــ الذي حمل قنبلته ورمى بنفسه تحت دبابة العدو ففجّرها، محتسياً شراب الشهادة".

بهذه العبارة وصف الإمام الخميني العظيم(قده) هذا الطفل البطل "محمد حسين فهميده" الذي خلق ملحمة خالدة في تاريخ الثورة الإسلامية والدفاع المقدس، وهذا المجاهد الشجاع الذي أصبح مدرسة وقدوة للأجيال القادمة يقتدى به في الذود عن الإسلام. 

 

مولده ونشأته

 

ولد الشهيد محمد حسين فهميده عام 1967م في قرية "سراجه" من توابع مدينة قم المقدسة، وترعرع في أسرة ريفية ملتزمة بالإسلام. ثم انتقل عام 1979م مع أهله إلى مدينة كرج.  

 

الشهيد والثورة

 

رغم صغر سنّه إلاّ أن شهيدنا لم يدّخر جهداً في نصرة الثورة الإسلامية، لهذا لمّا بلغت الثورة ذروتها كان يذهب إلى قم ويجلب البيانات الثورية ويوزّعها في كرج. وقد تعرض للأذى والضرب على أيدي المعارضين للإمام الخميني لكنه تصدى لهم بكل حزم وتحمل كل الإهانات والأذى في هذا المجال.

 

ويوم عودة الإمام إلى أرض الوطن اصيب الشهيد في حادثة مروعة نقل اثرها إلى المستشفى، وبعد خروجه من المستشفى أصرّ على والديه بالذهاب للقاء الإمام، وبالتالي ذهب مع أخيه الأكبر الشهيد داود فهميده إلى زيارة الإمام.  

 

الالتحاق بجبهات الحق ضد الباطل

 

مع بدء الحرب المفروضة من قبل الاستكبار العالمي على الدولة الإسلامية الفتية، وصدور أمر من الإمام(قده) بالتعبئة الشعبية، بذل الشهيد كل ما في وسعه للالتحاق بالقوات الشعبية. يقول والده بهذا الخصوص: لقد كنا قليلاً ما نرى الشهيد في المنزل بعد صدور أوامر الإمام بتشكيل جيش العشرين مليون، وكنا نتصور أنه يذهب إلى سينما أو للتنزه وما شابه، إلاّ أننا اطلعنا بعد ذلك أنه يقوم بنشاطات دينية وثورية وتعبوية.

 

ارسل ذات مرة من قبل مقر التعبئة إلى كردستان دون علم والديه، وعاد بعد فترة مع عدد من عناصر الحرس. وعندما طلب من أمّه التعهد بعدم ذهاب ابنها ثانية إلى الجبهة لصغر سنّه وجثّته، التفت الشهيد إلى آمر الحرس وقال: لا تكلف نفسك، فلو أصدر الإمام أمراً فإنني مستعد للذهاب أينما كان، يجب عليّ أن أخدم بلدي.

 

ويقول والد الشهيد: في الأيام الأولى من الحرب حيث كانت المعارك دائرة في مدينة خرمشهر، رجعت ليلاً إلى المنزل وسألت عن حسين قيل لي: إنه أخذ مصورة أخيه عصراً ولم يعد بعد. فلم نعلم عنه شيئاً لعدة أيام، إلى أن جاء أحد أصدقائه يوماً وقال: إن حسيناً قال إنني ذاهب إلى الجبهة فلا تقلقوا. وقد طال هذا الفراق 33 أو 44 يوماً ــ ولا أتذكر جيداً ــ. وذات يوم قطعت الإذاعة برامجها الاعتيادية لتعلن أن طفلاً يبلغ 13 عاماً رمى بنفسه تحت دبابة للعدو فأدى إلى تدمير الدبابة واستشهاد الطفل. وفي المساء أيضاً أذيع الخبر من التلفاز، فقالت أمّه في هذه الأثناء: "والله إنه ابني حسين"، وكأن الله أوحى لها بذلك، فلذا أقسمت بذلك وبعد بضعة ايام جاء بعض الأخوة من الحرس وأبلغونا نبأ استشهاد حسين، وقال أحدهم لقد بقيت أوصال من الشهيد سوف نأتي بها إليكم، فسألته ماذا تقصد؟ فقال: عندما ارسل حسين إلى منطقة العمليات، جاء ذات مرة إلى الآمر، وقال: سيدي اسمح لي بالمجيء معكم والعمل إلى جانبكم. فرفض الآمر لعدم قدرة حسين اللازمة، فقال حسين: اسمحوا لي أن أكون معكم لمدة اسبوع، فإن كنت جيداً فسأبقى وإلاّ فسوف أرجع. وبهذا الطريقة بقي عندنا وكنا راضين عنه. وكلما طرأ عمل كان حسين في المقدمة. وحينما جرح نقل إلى مستشفى ماهشهر، وبعد خروجه من المستشفى جاء إلى الآمر وطلب منه الذهاب إلى الخطوط الأمامية، وأصر على ذلك كثيراً، وفي كل مرة يرفض الآمر السماح له. عندها استاء الشهيد كثيراً وأدمعت عيناه، فالتفت إلى الآمر وقال: سوف أثبت لك إنني قادر على الذهاب للخطوط الأمامية.

 

ثم بعد عدة أيام شاهدنا أحد العراقيين يتجه نحونا، فأراد بعض الأخوة اطلاق النار عليه، فمنعتهم من ذلك وقلت: دعوه، إنه يأتي إلينا بقدميه، فاصبروا، وعندما اقترب عرفنا إنه "حسين". فسألناه: أين كنت يا حسين؟ وما هذه الألبسة؟ ولمن هذه الأسلحة؟ فقال: لقد قال لي الآمر: لست قادراً على الذهاب إلى الخطوط الأمامية، لكني بيد جرداء استطعت أن آخذ هذه الأشياء من العراقيين. لهذا أذن له الآمر بالذهاب إلى الخطوط الأمامية.  

 

العروج الملكوتي

 

أما حول استشهاده، فيقول الأخ: عندما اصيب زميله في الخندق "محمد رضا" بطلقة نارية، نقله حسين إلى الخلف، ثم أراد أن يرجع، فقيل له: إلى أين يا حسين؟ فيجيب: يجب أن أنتقم لصديقي من هؤلاء الأعداء، وعندما يرجع إلى موقعه يشاهد خمس دبابات عراقية تتقدم، فما وجد بدّاً إلاّ أن ربط حزام الناسف على ظهره وتحرك نحو دبابات العدو، فيصاب بطلقة نارية في رجله، لكن تمكن من إيصال نفسه بأية طريقة ممكنة إلى أوّل دبابة، وفي عملية استشهادية فجّر نفسه تحته، فدُمّرت الدبابة واحتسى حسين شراب الشهادة.

 

وهنا تصور الأخوة وصول دعم واسناد، وتصور العدو أنه خدع وانهزم، فانقض الأخوة من قوات التعبئة على بقية الدبابات العراقية فدمّروها جميعاً. وعندما ذهبنا في اليوم التالي إلى مكان العملية وجدنا بقايا من أشلاء حسين.  

 

سجاياه المعنوية

 

يقول والده حول سجايا الشهيد: لقد كان حسين في المنزل سنداً ومعيناً لوالديه، ولم نكن نواجه مشكلة مادام في المنزل. وإنني لا استطيع بيان روحياته، فمنذ أن عرفناه، علمنا أنه يعيش في عالم آخر لا يعلم به إلاّ الله ونفسه فقط.

 

وتقول أمّه: لقد كان كلامه ونقاشه دائماً حول القضايا الإسلامية، لا فقط معنا بل حتى مع الناس، فإن قلت له اذهب وابتاع النفط؟ يقول: إن شبابنا يقاتلون في الجبهات في الشتاء القارس، وأنت يا أمّاه تقولي اذهب وابتاع النفط. وكذا كان شأنه في المدرسة أيضاً.

 

وتقول أمّه أيضاً: عندما كنت اناديه بصوت عال، لم يكن يجيبني. ثم بعد قليل يجيبني: نعم. أقول له: حسين، هل معلوم أين أنت؟ يقول: إنني واقف على قبري. أقول: وهل قبرك في المطبخ أو الغرفة؟ قال: كلا، إن قبري في جنة الزهراء، القطعة 22، الصف 11. وكلما ذهب إلى جنة الزهراء جاء إلى المنزل وقال لنا ذلك. قلت له ذات مرة. حسين خذني معك مرة فإنني أحب كثيراً أن أذهب إلى جنة الزهراء. قال لي: أمّه، سوف تذهبين كثيراً إلى جنة الزهراء حتى تملّي وتقولي كفى.

 

نعم ليس غريباً علينا أن يخبر هذا الطفل الذي لم يبلغ التكليف، ليس فقط عن استشهاده بل حتى عن موضع قبره حيث دفن في الموضع الذي ذكره، وليس عجيباً أن يقول الإمام الراحل الذي لا يعرف المجاملة، في حقه إنه قائدنا وإنه يفوق المئات من ألسنتنا وأقلامنا فضلاً.

 

وقد التقى عائلة الشهيد بعد استشهاده في لقاء خاص بالإمام الراحل(قده)، وعندما نظر والد الشهيد إلى الإمام بكى، فقال له الإمام: نأمل لكم من الله الصبر والسلوان.

 

وتخليداً لذكرى هذا الشهيد البطل طبع صورته على بعض العملات الورقية الايرانية وسمّي يوم استشهاده "8 آبان 1360هــ.ش [1980م]" بيوم التعبئة الطلابية.

 

فسلام عليه يوم ولد ويوم استشهد ويوم يبعث حيّاً.