أوصى المفصولين إما أن يعودوا بعز وإلا فلا... خلال التأبين العلمائي المركزي للشهداء

 

سترة الصمود

 

شدد آية الله الشيخ عيسى قاسم، خلال خطابه في التأبين المركزي لشهداء البحرين "الشهداء... مشاعل الثورة"، الذي أقامه العلماء والحوزات العلمية مساء الثلاثاء 5 ربيع الثاني 1433 هـ الموافق 28 فبراير 2012م، على أنه «لا عدولَ عن المطالبِ أبدًا، لا سقفَ لتضحياتنا، لن تفترق صفوفُ المقاومة، لن نستجيبَ للعبة القذرة والصراع الطائفي البغيض، لن نكون طائفيين في مطالبنا».

 

ووصف سماحته شعب البحرين بأنه «شعبٌ لم يضع سقفًا زمنيًّا لحراكه، ولا حدًّا لبذلهِ وتضحياتهِ، ولم يردَّهُ عن المطالبةِ بحقهِ تنكّرُ مَن تنكّر، ولا تكالبُ من تكالب، ولا صمتُ من صمت، ولا تآمرُ من تآمر، وتعسكرُ من تعسكر. شعبٌ لا يُهزم، شعبٌ لا يطلبُ الخيال، لا يميلُ عن الحق، تشاركُه كلُّ الشعوبِ في أهدافهِ، لم يخرج أشرًا ولا بطَرا، خرج طلبًا لحريتهِ، لإخراج الوطن إلى برِّ الأمان».

 

وفي حديثه عن الشهداء أشار إلى أن «للشهداءِ على المجتمعات أنْ تواصل السيرَ على خطِ الأهداف التي ضحّوا من أجلها، تحقيقًا وحراسةً لها، ليُحدث السيرُ نقلاتٍ جديدةٍ متواصلة»، مضيفًا «وجب علينا حفظُ هذا السيلِ من الدم بالاستقامة على الطريق، ومواصلة الجهاد والإصرار على تحقيق الأهداف، وإخلاص القصد للهِ وحده».

 

وأثناء الحفل الذي شهد حضورًا علمائيًّا وجماهيريًّأ لافتًا، قال آية الله قاسم: «شعبٌ متمسكٌ بالأسلوب السلمي، مُجافٍ للعنفِ والإرهاب، ملتزمٌ بشريعةِ اللهِ في حراكهِ، ليس أمامهُ إلّا النصرُ كما وعده الله، واللهُ غيرُ مخلفٍ وَعْدَهُ، وهو القويُّ العزيز». مؤكدًّا أن «الشعب قد قرّرَ صادقًا جازمًا، أنْ لا رجعةَ لهُ عن مطالبهِ العادلة».

 

وفيما يتعلق بالمفصولين والمفصولات فأوصاهم سماحته «بأنْ يكونوا على ترابطٍ تامٍ، ومن غيرِ أن يفكّوا هذا الارتباط، وأن يكون موقِفُهُم موقف الرجل الواحد؛ إمّا عودةٌ بعزٍّ وإلّا فلا».

 

 

 

وهذا نص الخطاب:

 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 

أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الغويِّ الرجيم، بسم الله الرّحمن الرّحيم، الحمد لله ربِّ العالمين، الصلاة والسلام على سيِّدنا محمد وآله الطيبين وصحبه المنتجبين، ورحمة الله وبركاته.

 

السلام على الشهداء السعداء، السلام على الدم الزكي، على كلِّ قطرة دم طاهرة سقطت على هذه الأرض لتروي شجرة الحق، شجرة العدل، شجرة الإسلام.

 

﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ {169} فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ {170} يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ {171}﴾. آل عمران.

 

أعظم ما خافه إنسان على نفسه أنْ يخسر الحياة، أو أنْ يكون في ضنك من العيش، أنْ يبقى للبؤس، للحَزَن، للخوف، أنْ يَلُّفه العدم النهائي، أنْ تذهب حياته وكلُّ جهده إلى سراب، إلى لا شيء.

 

والشهداء أحياءٌ عند ربهم يرزقون، حياتهم حافلة بالفرح والاستبشار، والأمن والرغد والرضا، أجرهم محفوظ ومستقبلهم مؤمَّن مضمون، وهو مستقبل أبدي بلا نهاية.

 

ما هي الشهادة؟ قتلٌ في سبيل الله، قصدُ الشهيدِ في اختيار الطريق إليه وجهُ الله خالصًا. أما الأغراض الجهادية والدفاعية الأخرى فإنّما قصدُها من أجل رضاه تبارك وتعالى، وهو قتلٌ تحكُمُ كلَّ خطوة على طريقه عند الشهيد شريعةُ الله وتنطلق من رؤيتها.

 

وماذا عن الخلفية الفكرية والروحية للشهادة؟ تنطلق إرادة الشهيد من رؤيةٍ كونيةٍ واضحةٍ، ترجع القوة للهِ وحده، وصحوةٍ روحيةٍ منفتحةٍ على جلاله وجماله، وانشدادٍ إليه واطمئنانٍ بوعده وعشقٍ لملاقاته.

 

ومن هم الشهداء؟ الشهداء رجالٌ ونساء، اشتروا بدمهم جنة الخلد، سعادة الأبد، رضوان الحق (جلَّ وعلا)، زهَّدهم في الدنيا سُموُّ الحياة الآخرة، وأرخص نفوسهم ما يرون من عظمة الدين الحق وما وعد الله به الباذلين لأنفسهم من سبيله، من نعيمهِ ورضوانه.

 

أنساهم عُشقُهم للقاءِ اللهِ حُبَّ الدنيا، ولم يجدوا أملًا يغريهم مثل الأمل في لقائهِ ورضوانه.

 

رأوا أنَّ طريق الناسِ إلى اللهِ يقطعه عليهم الظالمون، فأخذوا على أنفسهم أنْ يفتحوا بشهادتهم هذا الطريق الذي لا هدى ولا حياة للناسِ إلّا به، ومن غيرهِ هم هالكون.

 

أخذوا على أنفسهم ليدخل الناسُ في طاعةِ الله أفواجًا أفواجًا، ويجدوا طريقهم إلى رحمتهِ وكرامتهِ.

 

ولو سألنا: لِمَ الشهادة؟ جاء الجوابُ: أنّ الشهادة لتخضرَّ شجرةُ الدين التي يبَّسها الظلم والزيف والانحراف.

 

الشهادة لانبعاث الأمّة الصالحة، لتولد الأمّة من جديد، لاستقامة الحياة، لهدى الإنسان، لحريتهِ، كرامتهِ، مجدهِ، عُلاه، لتحيى شعوبٌ وأممٌ بعد موت، ومن أجل أنْ ينتفض الضمير وينطق الحقّ ويخرس الشيطان، من أجلِ أنْ يسقط ظلم ويقوم عدل وتجتث جذور البغي والجور، وتَطهرُ الأرض وتفيق إنسانيةُ الإنسان.

 

وماذا للشهداء على المجتمعات؟ لهم ألّا يذهب دمهم ضياعًا في حياة الناس، وإن كان محفوظ القيمة، مجزيًا عند الله.

 

وأكبر ضياع لدم الشهادة في حياة المجتمعات، أنْ تنحرف عن أهدافهِ الكريمة، أو تتوانى عن تحقيقها، وأنْ تقصّر في طلبِ النصر، أو تبخل بالشهادة، أو تنتصر لتنشغل وتتنازع على جمع الغنائم رخيصةً، منصرفةً عن الأهداف.

 

إنًّ من حقِّ دم الشهادةِ على المجتمعات ألّا ينقلبَ على أهدافهِ المرضيةِ لله سبحانه المنقلبون، وألّا يكونَ الحضورُ بعد الشهداءِ والنصر لا للرسالةِ، وإنّما للذوات.

 

الشهادة والنصر إنّما هي من أجل المبدأ والقيم العادلة، وليس من أجل الذوات.

 

للشهداءِ على المجتمعات أنْ تواصل السيرَ على خطِ الأهداف التي ضحّوا من أجلها، تحقيقًا وحراسةً لها، ليُحدث السيرُ نقلاتٍ جديدةٍ متواصلة، أكثر رقيًّا وتقدّمًا واستقامة، إثراءً لحياةِ الإنسان في كلِّ أبعادها الإيجابية الكريمة وأشدَّ قربًا من رضا الله، وأنْ تنجبَ أجيالًا تتحملُّ مسؤولية هذا الطريق وتصرُّ على تثبيت وترسيخ الأهداف الكريمة في الأرض.

 

وإنَّ لنا لشهداء صبغت يدُ البطشِ والظلمِ والعدوان أرض هذا الوطنِ المجيدِ بسيلٍ من دمهم الزكي، شهداء من رجالٍ ونساء. وقد وجب علينا حفظُ هذا السيلِ من الدم بالاستقامة على الطريق، ومواصلة الجهاد والإصرار على تحقيق الأهداف، وإخلاص القصد للهِ وحده.

 

وإنه لسيلُ دمٍ شاهدٌ على بغيِ القتلة، واستئساد القتلى في سبيلِ الله، وشموخِ الشعورٍ بالحرية، والاعتزازِ بكرامةِ الإيمانِ والإنسان.

 

والشهداء إلى خيرِ منقلب، وأعلى علِّيين، وللقاتلين ظلمًا عارٌ وخزيٌ في الدنيا والآخرة، ومنقلبٌ سيِّئٌ ومقامٌ في السعير.

 

وإلى أين هذا الشعب؛ شعبٌ لم يضع سقفًا زمنيًّا لحراكه، ولا حدًّا لبذلهِ وتضحياتهِ، ولم يردَّهُ عن المطالبةِ بحقهِ تنكّرُ مَن تنكّر، ولا تكالبُ من تكالب، ولا صمتُ من صمت، ولا تآمرُ من تآمر، وتعسكرُ من تعسكر.

 

شعبٌ لا يُهزم، شعبٌ لا يطلبُ الخيال، لا يميلُ عن الحق، تشاركُه كلُّ الشعوبِ في أهدافهِ، لم يخرج أشرًا ولا بطَرا، خرج طلبًا لحريتهِ، لإخراج الوطن إلى برِّ الأمان.

 

شعبٌ متمسكٌ بالأسلوب السلمي، مُجافٍ للعنفِ والإرهاب، ملتزمٌ بشريعةِ اللهِ في حراكهِ، ليس أمامهُ إلّا النصرُ كما وعده الله، واللهُ غيرُ مخلفٍ وَعْدَهُ، وهو القويُّ العزيز.

 

لغةُ الشعبِ هي لغةُ شهدائهِ الأبرار، لا نبيع الدنيا والحرية بمالٍ ولا حياة، والمالُ والحياةُ رخيصان في سبيلِ الدينِ والحرية.

 

ومن يحاولُ إسكات شعبٍ هذه لغتهُ عن حقهِ فإنّما يحاولُ المستحيل ويصطدم بصخرةٍ لا تلين، بجبلٍ أشمٍّ، يتكسرُ والجبلُ لا ينفلم.

 

الشعبُ قد قرّرَ صادقًا جازمًا، أنْ لا رجعةَ لهُ عن مطالبهِ العادلة، ولا يُوقفهُ عنها شيءٌ بإذنِ الله، كثُر صديقهُ أو عدوُّهُ، قصُرَ المدى أو طال، كان العالمُ معهُ أو عليهِ. معنا اللهُ وكفى باللهِ ناصرا.

 

الشعبُ يعلمُ أنّ ثمنَ الحريةِ في الزمنِ الظالم، والوضع القاتمِ مُضاعَف الكُلفةِ، وقد علَّمتهُ الدُّروسُ العمليةُ القاسيةُ هذه الحقيقة، ولكنه قد وَطَّنَ النفسَ على مواصلةِ الطريق، رغم كلِّ الآلامِ والتضحياتِ وضخامتها.

 

وللشعبِ عددٌ من اللاءات التي تُدخل اليأسَ على من يتمنّى له الفشلَ والتراجعَ والانسحاب والخسارة، أو الوقوعَ في المنزلقات.

 

شعبنا يقول: لا عدولَ عن المطالبِ أبدًا. لا سقفَ لتضحياتنا، لن تفترق صفوفُ المقاومة، لن نستجيبَ للعبة القذرة والصراع الطائفي البغيض، لن نكون طائفيين في مطالبنا.

 

إنَّ الحراكَ الشعبيَّ القائمَ إنما هو من أجل مصلحةِ الوطن، ومصلحة ِ كُلِّ أبنائهِ، من أجل عزّتهم وشرفهم وحُريَّتهم وكرامتهم.

 

إيمانُ هذا الحراك ولُغَتُهُ، أنَّ الوطنَ لكلِّ أبنائهِ، وأنَّ المواطن عِدْلُ المواطنِ في الحقوق والواجبات الوطنيةِ الثابتة، ولكلِّ مواطنٍ صوتٌ بقيمةٍ واحدةٍ مشتركة، وميزانُ التقديم في المواقع والوظائف، والذي يجب تطبيقهُ على الجميع؛ الكفاءةُ والأمانةُ بلا ثالثٍ لهما.

 

الأُخوّةُ بين المواطنين أساسٌ ثابتٌ لا يُنقض، البعضُ قد يسيءُ الظن، ويُغلظُ ويقسو، ويُمعنُ في الأذى، ولكن لن نرُّدَ بالمثل، ولا بِمَا هُوَ أقلّ، ولن يحملنا ذلك على هدم وحدةِ الشعب، والتنكُرِّ لحق الأخوّةِ الإسلامية، ولن نأتي ما يمسُّ وَحدَة الأُمّة وما فيهِ تحطيم بُنيةِ الاجتماع.

 

إنَّ تمسكنا بقيمِ إسلامنا، والأخوّةِ الإسلامية، واحترامِنا لإنسانيةِ الإنسان، ومُراعاتنا لمصلحة الوطن، لا يتنافى في شيءٍ منهُ على الإطلاق، مع ما عليه تمسكُنا بالحقوقِ الثابتةِ، والمطالبِ العادلة التي تراكمت من أجلِها التضحيات، وسنبقى نصرُّ على تحقيقها. وهذا التمَسُّك، وذاك التمَسُّك ثابتان لا تغيُّرَ فيهما، ويرجعانِ إلى منبتٍ إيمانيٍّ واحد، ووعيِ واحد، وحكمةٍ واحدة، ويُمثلانِ معًا انتصارًا للإسلامِ والإنسانِ والوطنِ والأمة.

 

إنه لا بُدَّ من مرجعيةِ الشعبِ في حكمِ نفسهِ، وهي في طولِ مرجعيةِ الخالقِ سُبحانهُ وتعالى، وفي ضوءِ هُداه، لا بُدَّ من حلٍّ سياسيٍّ جادٍ مضمون، ينالُ رضا الشعبِ وموافقته.

 

لا بُدَّ من تصحيحٍ شاملٍ للوضعِ العامِ كاملا، لا بُدَّ من استعادة الحقوق، وضمانِ استمرارِ احترامها.

 

ولا بُدَّ من إطلاق حرية كلِّ المعتقلين من علماء أجلّاء، ورموزٍ مُجاهدين، وكُلّ الأعزاءِ الآخرين المناضلين.

 

ولا بُدَّ من عودةِ جميع المفصولين، محترمين مكرّمين، بلا إنقاصٍ لحق، أو شرطٍ مُذلٍّ على الإطلاق.

 

وأُوصي جميع الإخوة والأخوات من المفصولين، بأنْ يكونوا على ترابطٍ تامٍ، ومن غيرِ أن يفكّوا هذا الارتباط، وأن يكون موقِفُهُم موقف الرجل الواحد؛ إمّا عودةٌ بعزٍّ وإلّا فلا.

 

لا بُدَّ من تعويض المتضررين، وعقوبةِ المجرمين ممّن استباح دَمَ واحدٍ من أبناء الشعب أو مارسَ التعذيب في حقهِ أو أَمَرَ بذلك أو غَضَّ النظرّ عنه من المسؤولين في أيِّ مرتبةِ كانوا، فالحقُّ فوق الجميع ولا أحدَ فوق الحق.

 

لا بُدَّ من عودة الأموال المغصوبة والمسروقةِ والمُتلفةِ من أموالِ الشعب، والتي شملت خاتمًا في يدِ ناشئ ومئتي فلس أو ثلاثمئة فلس في جيبِ طالب.

 

لا بُدَّ مِنْ أنْ يقفَ الشعبُ على أرضٍ صُلبة، تُورِثُهُ اليقين بأنّ فيها حِفاظًا على حقوقهِ، وضمانًا لحريتهِ وعزته وكرامته.

 

لا بُدَّ مِنْ يومٍ جديد يكونُ الشعبُ فيهِ هُوَ صاحبُ القرارِ في حُكمِ نفسهِ، والمسؤولَ الأولَ فعلًا وعملًا أمامَ رَبّهِ عن تقريرِ مصيرهِ.

 

الرحمةُ والرضوان، وخلودُ السعادة لأرواح شهدائنا المٌضّحين الأبرار، رجالًا ونساءً.

 

النصرُّ والعزُّ والمجدُ والشموخُ والحريّة والكرامة لهذا الشعبِ الأبيِّ المُجاهدِ الغيور.

 

النصرُّ والعزُّ والمجدُ والشموخُ والإباءُ والكرامةُ لأمّتنا الرائدةِ الكريمة.

 

والسلامُ عليكم ورحمةُ اللهِ وبركاتُه.