نداء الإمام الخميني إلى حجاج بيت الله الحرام عام 1407هـ

2008-08-27
0
301

نداء الإمام الخميني إلى حجاج بيت الله الحرام عام 1407هـ

2007-08-27

نداء الإمام الخميني إلى حجاج بيت الله الحرام

ذي الحجة 1407 هـ ق

بسم الله الرحمن الرحيم

{ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله}

الحمد لله على آلائه، والصلاة والسلام على أنبيائه، سيما خاتمهم وأفضلهم، وعلى أوليائه وخاصة عباده سيما خاتمهم وقائمهم أرواح العالمين لمقدمه الفداء…

إن الأقلام والألسن وكل ما يقال ويكتب، لتعجز عن أداء الشكر للنعم اللامتناهية التي يتفضل بها على العالمين الخالق الذي زيّن وبارك بنوره المتلائي في عوالم الغيب والشهادة والسر والعلن، بنعمة الوجود، وبيّن لنا ببركة رسله بأنه {الله نور السموات والأرض}. وبظهور جميله كشف الغطاء عن جماله بأنه الأول والآخر والظاهر والباطن، وبيّن من خلال كتبه السماوية المقدسة التي أنزلها على صفيّه وحتى خليله، ومن خليله حتى حبيبه (صلوات الله وسلامه عليهم)، بين طريق الوصول إلى الكمالات والفناء في الكمال المطلق، وعرفنا كيفية السلوك للوصول إليه. كما بيّن لنا طريقه التعامل مع المؤمنين والمحبين، والملحدين والمستكبرين والأعداء، فقال عز شأنه:

{محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم}.

ونحمده كثيرا عندما جعلنا من أمة أفضل وأشرف الموجودات خاتم الأنبياء محمد (ص)، وجعلنا من أتباع القرآن المجيد أشرف وأعظم الكتب السماوية المقدسة، الحاوي على جميع الكاملات، والمحفوظ من دسائس شياطين الإنس والجن، فقد قال تعالى: {إنا نحن نزلنا الذكر وأنا له لحافظون}. فالقرآن الذي لم يزد أو ينقص حرفاً واحداً، قد شرح تعامل الأنبياء مع المستكبرين والطغاة على مر الزمن. وقد بيّن هذا الكتاب السماوي طريقة تعامل خاتم الرسل (ص) مع المشركين، والطغاة، والمنافقين الذين كانوا على رأسهم، وهي طريقة تعامل تصلح لكل زمان ومكان وعصر ومصر.

وقد وجه هذا الكتاب الخالد الخطاب إلى المصلحين والقاعدين والمنافقين، حول استشهاد الشباب وفقدان الأموال والأرواح وما يلحق من خسائر أخرى أثناء أداء الجهاد، فقال تعالى: {قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحبّ إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين}. والملفت للنظر في هذه الآية الكريمة أن حكم الجهاد مذكور ـ دون بقية الأحكام الإلهية ـ بعد حب الله تعالى ورسوله (ص)، وهذا يعني أن الآية بيّنت أن الجهاد في سبيل الله يقع في مقدمة جميع الأحكام الإلهية الحافظة للأصول، وأن التقاعس عنه يجر إلى الذل والأسر وسقوط القيم الإسلامية والإنسانية، كما ويؤدي إلى الوقوع في نفس الأمور التي كان المتقاعسون يخشون منها، كقتل الكبار والصغار، وأسر الأزواج وأبناء العشيرة وما جميع هذه الأمور إلاّ نتيجة لترك الجهاد، وخاصة الجهاد الدفاعي، الذي نواجهه اليوم، قال تعالى: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم}. ترى أية فتنة وبلية أعظم من التي تجري على الإسلام من قبل أعدائه ـ وخاصة في هذا الزمان ـ وذلك من أجل إزالته من الأساس وإقامة حكومات ظالمة وجلب المستشارين المناهبين، وإهلاك الحرث والنسل، كالذي يجري ضد ايران وشعبها، والعراق وشعبه المظلوم خلال عدة سنوات.

وحمداً لله وشكراً، لا عد لهما ولا حصر، على ألطافه جل وعلا حيث رفرفت راية الإسلام المعنوية ونداؤه في جميع أنحاء العالم أثناء توجه الحجاج الايرانيين المحترمين نحو معبد العشق ومرقد المعشوق، وهجرتهم نحو الله تعالى ورسوله، بعد أن جعلت أنظار العالم تتجه نحو دولة ولي الله الأعظم (أرواحنا لمقدمه الفداء) وزاد من غم المتربصين والمنحرفين من أصحاب النوايا السيئة الذين عمت أصداء فضيحتهم كل مكان، وخلافاً لكل أضغاث الأحلام التي كان يتخيلها هؤلاء ويبشرون بها أرباب السوء من أسيادهم والتي كانت تعد بسقوط نظام الجمهورية الإسلامية خلال ثلاثة أشهر أو سنة، فإن الجمهورية الإسلامية العزيزة اليوم، وبعد مضي عدة سنوات باتت أكثر رسوخاً وأضحى شعبها أكثر عزا وقواتها المسلحة أشد بأساً وقوة، وأصبح شعبها شيباً وشباباً أكثر عزماً وتصميماً، وباتت الحوزات العلمية ـ وبفضل المراجع العظام والعلماء الأعلام ـ أكثر تلهفاً لخدمة الإسلام، وتوثقت الأواصر والصلات بين الحوزات والجامعات، وازدادت فعالية القوات المسلحة عسكرياً، وتطورت ثقافياً وسياسياً، وأضحى الأعداء ـ الذين يعتبرون في الحقيقة أعداء الإسلام، ومعأرضين لاستقلال البلاد ـ أشد ضعفاً وهزالاً، وتزلزلت عروش المستكبرين أكثر فأكثر، وانكشفت فضيحة البيت الأسود، وازداد خبط المترفين وخوفهم، فيما اتضح ما تعانيه وسائل الإعلام العالمية من فوضى تعكس حالة المترفين، ويتحتم على جميع المسلمين والمستضعفين في العالم أن يستغلوا الفرصة المتاحة، ويتكاتفوا لينقذوا أنفسهم من أسر الدول العظمى. وهناك نقاط أجد من اللازم أن أطرحها:

أولاً: إعلان البراءة من المشركين التي تعتبر من الأركان التوحيدية والواجبات السياسية للحج، يجب أن تقام في أيام الحج بكل صلابة وعظمة مسيرات ومظاهرات كبرى، وعلى الحجاج المحترمين، ايرانيين وغير إيرانيين، أن يشاركوا فيها بتنسيق تام مع مسؤولي الحج وممثلي سماحة حجة الإسلام الشيخ كروبي، ويطلقوا بجوار بيت التوحيد صرخة البراءة من مشركي وملحدي الاستكبار العالمي وعلى رأسهم أمريكا المجرمة، وألا يغفلوا عن إظهار عدائهم واستيائهم من أعداء الله وخلقه، فهل أن تحقيق الديانة هو غير إعلان المحبة والإخلاص للحق، وإعلان الغضب والبراءة من الباطل؟ فيستحيل أن يتحقق خلوص حب الموحدين بغير اظهار الاستياء تجاه المشركين والمنافقين، وأي بيت هو أفضل من الكعبة، البيت الآمن والطاهر، بيت الناس، لنبذ كل أشكال الظلم والعدوان والاستغلال والرق والدناءة واللاإنسانية قولاً وفعلاً، وتحطيم أصنام الآلهة تجديداً لميثاق {ألست بربكم} وذلك إحياءً لذكرى أهم وأكبر حركة سياسية للرسول التي عبر عنها القرآن بقوله: {واذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر} ذلك أن سنة الرسول وإعلان البراءة لن يبليا، لأن إعلان البراءة لا يقتصر فقط على أيام ومراسم الحج، أذان على المسلمين أن يملأوا أجواء جميع أنحاء العالم بالمحبة والعشق للباري، وبالبغض والاستياء والرفض لكل أعداء الله، ويجب إلاّ يصغوا إلى وسوسة الخناسين وشهادة المشككين والجهال والمنحرفين وألا يغفلوا لحظة واحدة عن هذا النشيد التوحيدي المقدس الشامل. ولا شك أن الظالمين وأعداء الشعوب لن يقر لهم قرار بعد ذلك، وسيتشبثون بمختلف الأحابيل والألاعيب، والليبراليون والمنافقون إلى عرض فلسفات وتحاليل واستنتاجات خاطئة ومنحرفة، ويمارسون أي عمل من أجل نزع سلاح المسلمين وتوجيه الضربة إلى قدرة وعظمة وصلابة أمة محمد (ص).

وقد يقول الجاهلون المتنسكون إنه يجب عدم المساس بقداسة بيت الله والكعبة المشرفة بالشعارات والمظاهرات والمسيرات وإعلان البراءة من المشركين، وإن الحج هو مكان للعبادة وذكر الله وليس ساحة للتناحر والاقتتال، وقد يعمد العلماء المزيفون المتمسكون إلى إلقاء مثل هذه الفكرة وهي أن الجهاد والبراءة من أعداء الإسلام والحرب هي من عمل أصحاب الدنيا ومحبيها، وأن التدخل في المسائل السياسية خلال أيام الحج هو ليس من شأن علماء الدين والروحانيين. وهو أمر يعتبر بحد ذاته من السياسات الاستفزازية الخفية التي يخطط لها الطامعون، وعلى المسلمين وبجميع إمكانياتهم المتوفرة أن ينهضوا من أجل التصدي لهذه المؤامرة والدفاع عن القيم الإلهية ومصالح المسلمين، ويرصوا صفوفهم الجهادية ويمارسوا دفاعهم المقدس ولا يسمحوا لهؤلاء الجهلة، الميتة قلوبهم من أتباع الشياطين، بمهاجمة عقائد وعزة المسلمين أكثر من هذا، وأن يلتحقوا من أي مكان كانوا فيه، خاصة من كعبة الله، بجنود الرحمن، وليعرج الحجاج الأعزاء من أفضل أراضي العشق والجهاد وأكثرها قدسية، إلى كعبة أكثر رفعة، حيث يتوجهوا كسيد الشهداء الإمام الحسين (عليه السلام) من إحرام الحج إلى احرام الحرب، ومن طواف الكعبة والحرب إلى طواف صاحب البيت، ومن التوضؤ بزمزم إلى غسل الشهادة والدم، ليتحولوا إلى أمة لا تقهر وبنيان مرصوص، لا تستطيع معه القوى العظمى الشرقية والغربية، الوقوف بوجهها، ولاشك ان روح ورسالة الحج لن تتحقق الا بعد أن يلتزم المسلمون بالجهاد مع النفس، والجهاد ضد الكفر والشرك.

وعلى أي حال، فإن إعلان البراءة في الحج هو تجديد العهد بالجهاد، وتربية المجاهدين لمواصلة الحرب مع الكفر والشرك وعبادة الأصنام، وهو لا يقتصر على الشعارات بل يتعداها لتعبئة وتنظيم جنود الله أمام جنود إبليس وبقية الأبالسة، والبرائة هذه تعتبر من المبادئ الأولية للتوحيد.

فإذا لم يعلن المسلمون البراءة من أعداء الله في بيت الناس وبيت الله، فأين يستطيعون إعلان ذلك؟ وإذا لم يكن الحرم والكعبة والمسجد والمحراب، خندقاً ومتراساً لجنود الرحمن المدافعين عن الحرم، وحرمة الأنبياء، فأين هو مأمنهم وملجأهم؟

إن إعلان البراءة هو المرحلة الأولى من الجهاد، ومواصلته هي من المراحل الأخرى لواجبنا، وإنه يتطلب في كل عصر وزمان مفاهيم وأساليب وبرامج خاصة. فماذا يجب فعله في عصر كهذا الذي يعرض فيه قادة الكفر والشرك كيان التوحيد للخطر، ويجعلون من كل المظاهر الوطنية والثقافية والدينية والسياسية للشعوب ألعوبة بيد أهوائهم ومطامعهم وشهواتهم؟ كما يجب الجلوس في البيوت وتحمل الشيطان وأتباعه من خلال حملات التضليل وإهانة منزلة البشر وإلقاء روح اليأس والعجز في نفوس المسلمين، ومنع المجتمع الإسلامي من بلوغ الخلوص التي يعتبر غاية الكمال ومحط الآمال، والإيحاء بأن محاربة الأنبياء للأصنام وعبادتها تتلخص في الحجارة والأخشاب الهامدة، وأن أنبياء كابراهيم ـ والعياذ بالله ـ كانوا السباقين لتحطيم الأصنام ولكنهم تركوا ساحة الجهاد ضد الظالمين!

إن تحطيم الأصنام وجهاد وحروب ابراهيم (ع) مع النمروديين وعبدة الشمس والقمر والنجوم، كلها كانت مقدمة لهجرة كبرى وإن كل تلك الهجرات، والصعاب والشدائد، والمبيت في واد غير ذي زرع، وبناء البيت، والتضحية باسماعيل كانت مقدمة لبعثة ورسالة يكرر فيها خاتم النبيين كلام أول وآخر بناة ومؤسسي الكعبة، ويبلغ الرسالة الخالدة {إنني بريء مما تشركون}.

وإذا قدمنا تحليلاً غير ذلك فإنه يعني عدم وجود الأصنام وعبادتها في هذا العصر، ولكن، أي أنسان عأقل لا يدرك عبادة الأصنام الجديدة بأشكالها وأحابيلها وحيلها الخاصة، ولا يعرف هيمنة معابد الأصنام ـ كالبيت الأسود الأمريكي ـ على البلدان الإسلامية وعلى أرواح وأعراض المسلمين والعالم الثالث؟

إن صرخة برائتنا من المشركين والكفار، اليوم، هي صرخة البراءة من الظلم والظالمين، وصرخة أمة ضاقت ذرعاً باعتداءات الشرق والغرب وعلى رأسهم أمريكا وأذنابها، وغضبت من نهب بيتها وثرواتها.

إن صرخة برائتنا هي صرخة الشعب الأفغاني المظلوم، وإني لأسف لعدم استجابة الاتحاد السوفيتي لنصحي وتحذيري بشأن أفغانستان فهاجم هذا البلد الإسلامي.

لقد قلت مرات عديدة، وها أنا أقول اليوم أن اتركوا الشعب الافغاني لحاله، فهو يقرر مصيره ويضمن استقلاله الحقيقي ولا يحتاج إلى ولاية الكرملن أو وساية اميركا، ولاشك أنه لن يخض لسلطة أخرى بعد خروج العسكريين الأجانب من بلاده، وإنه سيقطع دابر امريكا إذا ما حأولت التدخل في شؤونه أو الاعتداء على أراضيه.

كذلك فإن صرخة برائتنا هي صرخة الشعوب المسلمة في أفريقيا.. صرخة إخواننا وأخواتنا في الدين الذين يكتوون بسياط ظلم الظالمين العنصريين بسبب لونهم الأسود.

إن صرخة برائتنا هي صرخة الشعبين اللبناني والفلسطيني، وجميع الشعوب والبلدان الأخرى التي تنظر إليها القوتان العظميان الشرقية والغربية، خاصة أمريكا واسرائيل، بعين الطمع، وتقوم بنهب ثرواتها وفرض عملائها ومرتزقتها على شعوبها وتهيمن على أراضيها من على بعد آلاف الكيلو مترات وتحتل حدودها المائية والبرية.

إن صرخة برائتنا هي صرخة جميع الذين لم يعد يتحملون تفرعن أمريكا وتواجدها السلطوي، ولا يريدون إن تخمد صرخة غضبتهم وتذمرهم، وتخنق في حناجرهم إلى الأبد، وعقدوا العزم على العيش حياة حرة كريمة والموت أحراراً، وأن يكونوا هم الصرخة المدوية للأجيال.

إن صرخة برائتنا هي صرخة الدفاع عن الشعوب والكرامات والنواميس، صرخة الدفاع عن الثروات والرساميل، انها الصرخة المؤلمة للشعب التي مزقت قلوبها خناجر الكفر والنفاق..

صرخة برائتنا هي صرخة الفقر والعاقة والجياع والمحرومين الذين نهب الجشعون والقراصنة الدوليون حصيلة كد يمينهم وعرق جبينهم، أولئك الذين امتصوا دماء الشعوب الفقيرة، الفلاحين والعمال والكادحين، باسم الرأسمالية والاشتراكية والشيوعية، وربطوا العصب الحيوي لاقتصاد العالم بأنفسهم، وحرموا شعوبه من استيفاء أبسط حقوقها المشروعة.

إن صرخة برائتنا هي صرخة أمة، يتربص الكفر والاستكبار لها ويتحين فرصة قتلها، ويصوّب نباله وحرابه نحو القرآن والعترة العظيمة، ولكن هيهات من أن تخضع أمة محمد (ص) المروي ظمأها من كوثر عاشوراء ومنتظري وراثة الصالحين، هيهات ان تخضع أمة كهذه للموت المذل أو الأسر للشرق والغرب، وهيهات من أن يسكت الخميني ويبقى ساكناً أمام اعتداءات الأشقياء والمشركين والكفار، على حرمة القرآن الكريم وعترة رسول الله (ص) وأمة محمد وأنصار ابراهيم الخليل، أو أن يبقى متفرجاً على مشاهد إذلال المسلمين وإهانتهم.

لقد وضعت دمى وروحي الرخيصة على الأكف في انتظار الفوز بالشهادة العظيمة في سبيل الواجب والحق وأداء فريضة الذود عن حياض المسلمين. ولتكن القدرات والقوى الكبرى وعملاؤها على ثقة بأن الخميني سيواصل طريق الجهاد ضد الكفر والظلم والشرك وعبادة الأصنام حتى لو ظل وحيداً، وسيسلب بعون الله تعالى وبمؤازرة متطوعي العالم الإسلامي والحفاة الرازحين تحت نير الغصب الدكتاتوري، النوم من أجفإن السلطويين والعملاء الذين يتمادون في ممارسة الظلم والاضطهاد.

أجل… إن شعارنا (اللاشرقية واللاغربية) هو شعار الثورة الإسلامية المبدئي في عالم الجياع والمستضعفين والذي يجسد السياسة الحقيقية والمنهج الحقيقي لعدم انحياز الدول الإسلامية والدول التي ستقبل في المستقبل القريب، وبعون الله، الإسلام كرسالة منقذة للبشرية، ولن يتم العدول عن هذه السياسة وهذا النهج قيد أنملة. وعلى البلدان الإسلامية والشعوب المسلمة في العالم ألاّ تلهث وراء الغرب المتمثل بأوربا واميركا، ولا تتبع الشرق المتمثل بالاتحاد السوفيتي، بل أن تكون ـ إن شاء الله ـ تابعة لله ولرسوله وإمام العصر.

ومن المؤكد أن تجاهل سياسة الإسلام هذه، هو بمثابة التغاضي عن هدف رسالة الإسلام، وخيانة لرسول الله وأئمة الهدى، وبالتالي ستؤدي فناء بلادنا وشعبنا، والدول الإسلامية قاطبة. ويجب ألاّ يتصور أحد أن هذا الشعار هو شعار مرحلي، بل إنها سياسة عملية مستمرة ـ أزلية ـ لشعبنا وجمهوريتنا الإسلامية وكافة المسلمين في شتى أرجاء العالم، ذلك أن الشرط للدخول في صراط الحق هو البراءة والابتعاد عن صراط الضالين، وهو شرط يجب تطبيقه على كاف المجتمعات الإسلامية وعلى جميع الأصعدة والمستويات.

يجب على المسلمين بعد المشاركة في مسيرة البراءة والإعلان عن التضامن مع الشعب الايراني البطل، أن يفكروا في طرد الاستعمار من بلدانهم وأراضيهم الإسلامية، وأن يسعوا لإبعاد جند ابليس عنها، ويسعوا لتعطيل القواعد العسكرية للشرق والغرب الموجودة في بلدانهم، ويحولوا دون استغلال السلطويين لإمكاناتهم من أجل خدمة مصالحهم، ويمنعوا الإساءة إلى الدول الإسلامية. إنه لخزي ما بعده خزي، وعار ما بعده عار أن يتوغل الأجانب في المراكز السرية والعسكرية للمسلمين، يجب على المسلمين ألاّ يهابوا الضجيج والطبول الفارغة والدعايات المغرضة، إذ أن قصور الاستكبار العالمي وقدراته العسكرية والسياسية لهي أشبه ببيت العنكبوت، هشّ سهل التمزق، ولابد لمسلمي العالم أن يفكروا بتربية ومراقبة وإصلاح الحكام العملاء، وأن يوقظوهم بالنصح أو التهديد من سباتهم الذي سيفني أنفسهم ومصالح الشعوب الإسلامية على حد سواء، وأن يحذروا هؤلاء العملاء، وألاّ يغفلوا ـ هم أنفسهم ـ وبالرؤية الصائبة، عن خطر المنافقين وسماسرة الاستكبار العالمي، وألاّ يظلوا ساكنين دون رد فعل، وهم يشاهدون هزيمة الإسلام ونهب ثروات ومصالح المسلمين.

يجب أن تفكر الشعوب الإسلامية بأنقاذ فلسطين، وتعلن للعالم سخطها واستنكارها لمساومة واستسلام زعماء العار والعملاء الذي قضوا باسم فلسطين على قضية شعب فلسطين ومسلميها ويجب ألاّ تدع هؤلاء الخونة يسيئون بالجلوس حول مائدة المفاوضات، وتبادل الزيارات واللقاءات، إلى كرأمة وسمعة الشعب الفلسطيني البطل، فلقد لجأ هؤلاء ـ أدعياء الثورة ـ العملاء الفاقدون للكرأمة إلى امريكا واسرائيل وارتموا في أخضانهما تحت غطاء تحرير القدس. ومن الغريب أنه كلما يمر يوم على كارثة اغتصاب فلسطين الدامية، كلما أطبق صمت رؤساء الدول الإسلامية وازدادت مساومتهم لاسرائيل الغاصبة، حتى ان صرخات بيت المقدس باتت لا تصل أسماعهم، كما أنهم راحوا يشجبون حكومة وشعب أي بلد ـ كايران المنهمكة في دحر العدوان والحصار ـ ينهض لدعم الشعب الفلسطيني ومساندته، بل إنهم يخشون من إقامة يوم باسم يوم القدس. وربما يظن هؤلاء بأن مرور الزمن قد غيّر طبيعة اسرائيل والصهيونية الخبيثة وتغاضت الذئاب الصهيونية الكاسرة وعدلت عن نواياه العدوانية والتوسعية في الأراضي من النيل إلى الفرات.

إن المسؤولين المحترمين لبلدنا ايران، وشعبنا برمّته والشعوب الإسلامية جمعاء، لن يدخروا وسعاً في مكافحة هذه الشجرة الخبيثة واقتلاع جذورها، ويجب بالاتكال على الله وجمع شمل المسلمين جميعاً وباعتماد قوة أمة محمد (ص) المعنوية وإمكانيات البلدان الإسلامية وتشكيل قوى المقاومة لحزب الله في شتى أرجاء المعمورة، يجب ـ وبالاعتماد على كل هذه الأمور ـ جعل اسرائيل تندم على ماضيها الاجرامي، وتحرير الأراضي المغتصبة من براثنها.

إنني وكما حذرت مراراً وفي سنوات ما قبل الثورة وما بعدها، اعود فأنهبّه مجدداً بخطر انتشار الغدة السرطانية الخبيثة للصهيونية في جسد الدول الإسلامية، وأعلن عن دعمي التام ودعم ايران شعباً وحكومة ومسؤولين لكل أشكال الجهاد الإسلامي للشعوب والشبان المسلمين الغيارى في سبيل تحرير القدس، وأتقدم بشكري للشبان اللبنانيين الأعزاء الذين أصبحوا مدعاة لفخر الأمة الإسلامية وجلبوا الذل والخذلان للسلطويين، وأدعوا بالتوفيق والنجاح لجميع الأحبة الذين يسددون الضربات إلى اسرائيل ومصالحها داخل الأراضي المحتلة وخارجها بالاعتماد على سلاح الايمان والجهاد. وأؤكد على أن الشعب الايراني لن يترككم وحيدين، فاتكلوا على الله واستغلوا القوة المعنوية للمسلمين وهاجموا الأعداء بأسلحة التقوى والجهاد والصمود والمقاومة، فإن تنصروا الله ينصركم ويثبت اقدامكم.

ثانياً: بما أن الحرب هي على رأس الأمور والبرامج في بلادنا فإن السلطويين ـ وعلى أعتاب الانتصار الحاسم للشعب الايراني على نظام العفالقة المتهرئ والمشرف على الزوال ـ يحأولون حرف أفكار الرأي العام العالمي لوصفنا ـ بعد كل اعتداءات وجرائم نظام صدام، وصمت الأوساط الدولية ـ بدعاة الحرب، ولكي لا يتأثر الأفراد غير الواعين بهذه الحربة الجديدة، ومن أجل تنوير الرأي العام، والشعوب الرازحة تحت نير الأسر، سيما حجاج بيت الله الحرام المحترمين، أرى لزاماً أن أنبّه إلى بعض النقاط.

إن العالم، ومنذ بداية الحرب ولحد الآن، وفي كل المراحل الدفاعية، لم يتكلم معنا بلغة العدل والحياد. ففي اليوم الذي هاجم فيه صدام ـ وحزب البعث ـ الذي كان مندفعاً بغروره وغبائه، بلدنا العزيز ايران، للقضاء على نظام الجمهورية الإسلامية الفتى، ومزق وضرب المواثيق الدولية عرض الحائط، أشرف بنفسه على الغارات الجوية والاعتداءات البرية والبحرية لجيشه والذي لم يكتف بتدمير قرية أو مدينة بل دمر عشرات المدن ومئات القرى عن بكرة أبيها، وقتل الأطفال الأبرياء في أحضان أمهاتهم، واستمر في انتهاكاته وجرائمه إلى حد بات فيه التعبير عن ذلك أمراً يبعث على الخجل… نقول عندما فعل صدام كل هذا لم يقف أحد من (دعاة السلام) بوجه صدام في ذلك الوقت، ولم يقوموا هؤلاء بردع صدام والضغط عليه لايقافه عند حده عندما أشعل أول شرارة لتوسيع رقعة الحرب إلى جميع الدول الإسلامية والدول الواقعة على الخليج الفارسي، ولم يدافع احد منهم عن الشعبين المظلومين في ايران والعراق ويسأل صدام ـ وهو البادئ بالحرب ـ بأي ذنب يقتل أبناء الشعب الايراني ويهجر الملايين منهم ويدمر ديارهم؟ ولم يسأل أي منهم صداماً أيضاً عن سبب تدميره لثروات الشعب الايراني ومصانعه ومزارعه مضيعاً جهوداً بذلت خلال عشرات السنين، هل أن ذنبنا أننا ايرانيون؟ أم أننا من الفرس؟ أم أن ذنبنا هو النزعات الحدودية الماضية؟؟

كلا… فليست هذه هي الأسباب. فالجميع يعرف ـ اليوم ـ أن ذنبنا الحقيقي، من وجهة نظر المستكبرين والمعتدين، هو دفاعنا عن الإسلام وإقامتنا لحكومة الجمهورية الإسلامية بدلا من النظام الشاهنشاهي الطاغوتي.. إن ذنبنا هو إحياؤنا لسنة الرسول (ص) وتطبيقنا لأحكام القرآن الكريم، ودعوتنا للوحدة بين المسلمين ـ شيعة وسنة ـ من أجل الوقوف بوجه مؤامرات الكفر العالمي.. وذنبنا أيضاً هو دفاعنا عن الشعب الفلسطيني المحروم والشعب الافغاني والشعب اللبناني، وإغلاقنا سفارة اسرائيل في ايران وإعلاننا الحرب على هذه الغدة السرطانية والصهيونية العالمية، ووقوفنا بوجه التمييز العنصري ودفاعنا عن الأفارقة المظلومين، وإلغاؤنا للمعاهدات المذلة التي أبرمها النظام البهلوي المنحوس مع امريكا الطامعة، وطردنا للطامعين وحثالاتهم، فهل ذنب ـ عندهم ـ أفظع من الدعوة إلى الإسلام وحاكميته، ودعوة المسلمين إلى سلوك طريق العز والاستقلال والوقوف بوجه ظلم المعتدين؟ إننا لم ندرك هذه الحقيقة خلال الحرب المفروضة فحسب، بل أدركناها منذ بداية جهادنا في الخامس عشر من خرداد [الخامس من حزيران عام 1963] وحتى [الحادي عشر من شباط عام 1979]، لقد أدركنا تماماً بأن علينا دفع الثمن باهضاً من أجل تحقيق الهدف الإسلامي الكبير، وأن نقدم ضحايا أعزاء من أجل ذلك الهدف الإلهي. وعرفنا أن الطامعين لن يتركونا وشأننا وسيباغتوننا بواسطة عملائهم من الداخل والخارج، ويريقون دماء أعزتنا في الأزقة والشوارع وعلى الحدود، وذلك أثناء دفاعنا عن الإسلام، وهذا ما وقع فعلاً حينما صرخ شعبنا في الخامس عشر من خرداد مطالباً بتحقيق حكم الإسلام، وحينما أصيب غرور واقتدار امريكا في ايران بالهزيمة، وعندما أدركت هذه القوة العظمى مدى عظمة زعأمة علماء الدين وعزم الشعب الايراني وارادته الفولاذية من أجل نيل حريته واستقلاله واقامة نظام إسلامي عادل، بادرت إلى عميلها المسلوب الارادة والخائن لوطنه محمد رضا خان وأمرته بان يخنق أصوات شعبنا المطالبة بالإسلام، وأخذت منه عهداً بالقضاء على كل من يقف بوجهها. وقد شاهدنا جميعاً كيف أن الخونة والعملاء الذين قاموا بهذه المهمة المشؤومة لم يتقاعسوا ولو للحظة واحدة، وبحجة تنفيذها، وبرفع شعار الحرية المزيف، والدعوة للوصول إلى بوابة التمدن الكبير، شاهدنا كيف انهم صنعوا من جثث هذا الشعب جسوراً لهم، وكيف صبغوا جدران بلدنا بدماء شبابنا، من المدرسة الفيضية إلى الجامعة، ومن الجامعة إلى الأزقة والطرقات والأسواق والشوارع، ومن الشوارع إلى المساجد والمحاريب.. وفي الوقت الذي كان فيه جلادو الحكم الشاهنشاهي الجائر يقومون بتدمير وقطع شجرة الحرية الطيبة، كان المستعمرون ـ وعن طريق وسائل إعلامهم ـ يصفون نظام الشاه بالتمدن، والمسلمين الأحرار بالرجعية والعمالة، ويعتبرون شروطهم الإسلامية بانها رجعية سوداء، فراحوا يرتكبون أبشع الجرائم ليكرروا بذلك جرائم يزيد في التاسع والعاشر من أيام محرم، وقد وصفوا بلدنا آنذاك ـ رغم كل ذلك ـ بانه بلد الأمن والاستقرار بينما حوّلوه إلى مقابر وخرائب. وقد أعلنت يوم عودتي إلى ايران العزيزة في مقبرة "جنة الزهراء" بان الشاه قد حول البلد إلى خرائب، وعمّر مقابره، واليوم أكرر هذا الكلام ثانية؛ فالشاه قد دمر بلدنا وعمّر المقابر. فمن هو الشاه وتحت إمرة من كان يعمل؟ فلو كان يعمل ويحكم بأفكاره الفاسدة لكانت المسألة قد انتهت منذ سقوطه. ولكن من ذا الذي لا يعرف بان الشاه كان عميلاً لامريكا، وان جميع شهدائنا وأعزائنا قد ضحوا بأنفسهم من أجل الحرية، لقد كان الشاه ينفذ مهمته التي أوكلها له أسياده واستطاع ان يثأر لامريكا من الإسلام والمسلمين، أما العقل المدبر الأساس لهذه الحوادث ـ ونعني به امريكا ـ فقد بقيت وراء الستار تهاب الإسلام الحقيقي وتخاف من انتفاضة الشعب الذي يتطلع إلى الحكومة الإلهية، لقد اتبعت امريكا ـ لعدة أيام ـ سياسة الوعد والوعيد لتصورها بان الشعوبيين والمنافقين وعملائها من اليمين واليسار سيقومون بتدوير عجلة الثورة والحكومة والنظام لصالحها، فاتجهت للعمل على إحاكة المؤامرات، والدسائس، والضغط، والترويج لعملائها، وسعت لضرب هوية الثورة والثوريين الحقيقيين، ولكن الله سبحانه وتعالى منّ علينا بعنايته من جديد، وأعلن الشعب الايراني براءته من امريكا وأذنابها خلال ملحمة احتلال وكر الجاسوسية، عندئذ وضعت بيد امريكا صدام الطائش الأهوج الحربة التي سلّمتها من قبل لمحمد رضا خان، فماذا فعل صدام؟ أولم يقم بنفس ما قام به الشاه قبل الثورة حينما ملأ مقابرنا بأبطال التحرر الشامخين. أولم يقم صدام ـ الذي كان يتمتع بالتفوق والقدرة على المناورة ـ بمثل هذا العمل.. أولم يقم صدام ببيع ايران لامريكا ـ كما فعل الشاه ـ ولكن بشكل آخر.

لقد ذكرت سابقاً، بانه لو اتيحت لنا الفرصة لبناء ما دمرته يد الشاه فإننا لن نستطيع القيام بذلك في أقل من عشرين سنة مهما بذلنا من جهود، فهل يا ترى يمكن بناء ما دمره صدام بأقل من عشرين سنة؟ ليعلم الشعب الايراني الشريف وجميع مسلمين وأحرار العالم باننا لو أردنا الوقوف على أقدامنا من دون الاعتماد على قوى اليسار واليمين، فإن علينا دفع ثمن باهض من أجل الحرية والاستقلال.

إن الثورة الإسلامية في ايران هي ثمرة دماء آلاف الشهداء والجرحى، ودمار المنازل، وإحراق محاصيل المزارعين، واستشهاد العديد من أبناء الشعب في عمليات التفجير، ووقوع أبناء الثورة والإسلام في الأسر بأيدي جلاوزة البعث في العراق.

الشعب الإيراني حقّق تجربة انتصاره على الكفر العالمي بانهدام بيوته على رؤوس الأطفال الأبرياء، وأوجد الضمانات اللازمة لثورته وبلده بتضحياته وجهاده.. ونحن نصدّر تجاربنا إلى كل العالم، ونقدم نتائج كفاحنا ودفاعنا بوجه الظالمين إلى مناضلي طريق الحق دون أدنى مقابل. ومن المؤكد أن نتيجة هذه التجارب سوف لا يكون سوى تفتّح أزاهير النصر والاستقلال وتطبيق أحكام الإسلام للشعوب المضطهدة.

إن على جميع مفكري الإسلام، ومن خلال العلم والدراية، السير في طريق إبادة وتحطيم العالم الرأسمالي والشيوعي، وإن على جميع الأحرار ان يجسدوا لأبناء البلدان الإسلامية المظلومين والعالم الثالث، كيفية توجيه الصفعة إلى القوى المستكبرة ـ وبالأخص امريكا وأذنابها ـ وذلك من خلال الرؤية السليمة والواضحة.

إنني أقول ـ وبكل ثقة ـ بان الإسلام سيمرغ أنف القوى الكبرى، وسيزيل الحواجز والعقبات الكبيرة من داخل حدوده وخارجها، الواحد تلو الآخر، وسيفتح الخنادق المهمة في العالم.

فيا أبناء الشعب الايراني النبيل، لتعرفوا أن ما قمتم به أنتم الرجال والنساء، هو من القيمة بمكان بحيث إذا دمرت ايران مئات المرات عن آخرها، وأعيد بناؤها بجهد أبنائكم الأعزاء، فلن تصابوا بأي ضرر، ذلك انكم قد فزتم بالعيش إلى جانب أولياء الله في العالم، وأصبحتم خالدين، وإن الدنيا ستحسدكم، فطوبى لكم.

إنني أعلن للعالم ـ وبكل حزم ـ بانه إذا ما أراد السلطويون والناهبون الدوليون الوقوف أمام ديننا، فإننا سوف نقف بوجه دنيأهم، ولن نستكين حتى القضاء عليهم جميعاً، فإما ان نتحرر جميعنا، وإما ان ببلغ الحرية الأكبر ألا وهي الشهادة. وكما حققنا النصر للثورة وحدنا وفي الغربة ودون مساعدة وموافقة أي من الدول والمنظمات والهيئات الدولية، وكما قاتلنا في الحرب بمظلومية أكثر من الثورة وهزمنا المعتدين دون مساعدة من أية دولة اجنبية، فإننا سنسلك بعون الله والتةكل عليه ـ ما تبقى من الطريق بمفردنا، رغم وعورته وكثرة أشواكه وسنعمل بواجبنا، فإما ان نشد على أيدي بعضنا البعض فرحين بانتصار الإسلام في المعمورة كلها، أو ان نتوجه جميعاً نحو الحياة الأزلية والشهادة ونستقبل الموت بعز وشرف، وفي كلام الحالين سيكون النصر حليفنا. ولا ننسى الدعاء أيضاً: اللهم امنن علينا واجعل ثورتنا الإسلامية مقدمة لانهيار قصور الجبارين وأفول نجم المعتدين في جميع أنحاء العالم، لكي تتمتع جميع الشعوب بثمرات وبركات وراثة وإمامة المستضعفين والمحرومين.

وبعد كل هذه المقدمات، فإن الحكم بشأن الحرب متروك للمسلمين، ليفكروا ويتأملوا ما هي أهدافنا، وأين كانت تتجه مسيرتنا حتى استوجبت الهجوم علينا، واستوجبت تقديم قوافل الشهداء إلى محضر القدس الإلهي؟ وما هي النوايا التي يضمرها صدام الفاسد من وراء هجومه علينا؟ وما هي الدوافع التي جعلت أنظمة العالم تقوم بدعمه سراً وعلانية؟ فالمعتدون لم يكونوا ـ إلى هذا اليوم ـ في ضيق على صعيد التسلح والحصول على الدعم العسكري والاقتصادي والسياسي، لان العالم يقوم بتزويدهم بأفضل وأحدث الاسلحة، وتحت شتى الذرائع، بينما يمتنع عن إعطاء الصفقات العسكرية التي تعتبر حقا طبيعياً لشعبنا بعد ان قبض أثمانها. إلاّ انه وبرغم كل ذلك فإننا نفخر بأننا انتصرنا في هذه الحرب الطويلة، وغير المتكافئة، بالاعتماد ـ فقط ـ على سلاح الايمان والاتكال على الله سبحانه، ودعاء بقية الله الأعظم "عج"، وهمهم الابطال من الرجال والنساء، ونحمد الله ونشكره ان ليس لأية دولة أو قوة كبرى منّة علينا، وإن شعبنا المجرّب والمتوكل على الله سبحانه استطاع وحده ان يتغلب على الكثير من المشاكل، من التخطيط للعمليات والتعبئة وتدريب المقاتلين إلى تأمين حاجة البلد من الاسلحة، وذلك بالاستعانة بالذات الكبريائية المقدسة.

وإضافة إلى النجاحات التي تشبه المعاجز، والتي تجسدت في سوح الدفاع عن البلد الإسلامي، وطرد المعتدين من آلاف الكيلو مترات، فقد حققنا تطورات صناعية هائلة كتشغيل المعامل وإحداث التغييرات في خطوط الانتاج، واختراع عشرات الأجهزة العسكرية المتطورة دون حضور أي خبير أجنبي وبدون أية مساعدة أجنبية.

واليوم.. ونحن على أعتاب النصر النهائي، حيث نخطو خطواتنا الأخيرة، أخذت تسترق الأسماع أصوات مشبوهة من حناجر الحكام الظالمين ومثيري الحروب تطالب بالسلام وتثير الضجيج في العالم، وتقيم العزاء على السلام، وأصبحت المدافع عن حرية وأمن وحقوق البشر، وراحت تنوح وتبكي على دماء الشباب والثروات المادية والمعنوية، لايران والعراق! ترى، ما الذي حدث حتى أصبح الاستكبار العالمي، وعلى رأسه امريكا من أنصار الشعوب؟ وما هو الشيء الذي جعل مثيري الحروب ومؤججي نار الفتن وجلاوزة القرن، يؤمنون بشرف الانسانية والتعايش السلمي، ويغضون الطرف عن عطشهم ونزعتهم الدموية التي تعتبر الخصلة الأساسية للنظريتين الرأسمالية والشيوعية، وأغمدوا سيوفهم وخناجرهم المغروسة في قلوب وأكباد الشعوب؟

هل هذه حقيقة أم خدعة؟ وهل هذا هو الوجه الآخر للمظالم والغدر اللذين كان الاستكبار يرى في الصمت عنها تحقيقاً لمصلحته بينما يطالب اليوم بالإسلام؟ ألا يريد الطامعون عن هذا الطريق ان يحولوا دون توجيه ضربتنا الأخيرة، وذلك بربطهم سياسة الحرب والسلم في العالم بقراراتهم وأفكارهم الشيطانية الخبيثة، تكريساً لمصالحهم، وللسيطرة على أرواح وأموال ودول وأمن شعوب العالم؟ ولاشك ان فلسفة إصرار الطامعين في فرض السلام على الشعب الايراني ناتجة عن هذه الفكرة.

وبغض النظر عن كل هذا وذاك، فإن تحديد الذي يريد السلام الحقيقي، والذي يريد الحرب، هو بداية بحثنا.

هل إن صداماً قد ندم على ماضيه وأفعاله واعتداءاته وظلمه؟ وهل يعتذر عن الخيانة التي ارتكبها بحق الشعوب والبلدان الإسلامية عندما أضعف البنية الدفاعية للشعوب الإسلامية؟ هل إن مطالبة صدام بالسلام نابعة من صحوة ووعي واحساس؟ وبمراجعة سجل جرائمه الأسود، هل يمكن ان نتصور وجود ضمير أو احساس لدى صدام؟ أم ان هذه الافعى الجريحة تتمسك بحبل السلام بسبب عجزها وضعفها؟

وعجباً من بعض أدعياء العقل والسياسة والتدبير، كيف يقدمون الطروحات، ويحرفون مسار عزة وكرأمة المسلمين، فيحذرون شعبنا من شرف الجهاد عن طريق تحريف آيات كتاب الله. والاستناد إلى سنة النبي (ص) إننا نحمد الله إذ منح الشعب الايراني وعياً، فهو لم يقع تحت تأثير هذه المحأولات، بل إنه يعتبر هذه المواقف الغبية والصبيانية دليلاً على ضعف البنى والأسس الفكرية والعقائدية لأصحاب هذه التحليلات، ويستهزئ بهم.

فأي انسان عأقل يغض النظر على الرغم من كل الظروف المناسبة والمقدمات اللازمة، وتقديم الآلاف من الضحايا، يغض النظر عن الحرب مع العدو المحتضر، دفاعاً عن رسالته وشعبه وبلده، ويتركه يستعيد قوته ثانية ليهاجم بلدنا في الوقت المناسب؟ فهل إن رئاسة العالم لبضعة أيام تستحق كل هذا الذل والهوان؟

في بداية العدوان، كان العالم يقترح علينا ان نقبل سيادة ومطالب صدام للحيلولة دون المزيد من الهجمات، وطالبونا بالخضوع لنظام صدام، وهأهم اليوم ـ وفي اطار تلك السياسات وفي ظل قصف الأحياء السكنية والهجمات الكيمياوية وضرب النأقلات والطائرات المدنية وقطارات نقل الركاب ـ يدعوننا، ولكن بلغة أخرى، إلى قبول حكمة القوة وعدوان صدام. إن جميع المطلعين في العالم يدركون ان صداماً لم يعدل ذرة واحدة عن نزعته العدوانية والوحشية، بل وتحول بدعم أسياده وصمت المنظمات والأوساط الدولية إلى ذئب جريح يسعى لإشعال نار الحرب في دول المنطقة خاصة في الخليج الفارسي.

وفي هذه الظروف، فإنني أحذر جميع رؤساء دول الخليج الفارسي وجميع القوى العظمى الشرقية والغربية خاصة امريكا والاتحاد السوفيتي، من التدخل والمغامرة واتخاذ القرارات المرتجلة اللامسوؤلة، كما وأنصح الشعب الامريكي بألا يسلم مقدراته وارادته وعقله، في القضايا السياسية والدولية والعسكرية بأيدي أفراد مثل ريغان الذي أصبح عاجزاً في جميع المسائل وخاصة في المسائل السياسية واتخاذ القرارات، وهو بحاجة لمساعدة العقلاء والمفكرين، حتى لا يجر الشعب الامريكي إلى السقوط.

إنني أوصي زعماء حول الخليج الفارسي بألا يعملوا على تحقير أنفسهم وشعوبهم من أجل عنصر منهزم سياسياً وعسكرياً واقتصادياً، وأقول لهم: لا تظهروا ضعفكم وعجزكم عن طريق اللجوء إلى أحضاء امريكا، ولا تطلبوا العون من الذئاب والوحوش لرعيكم وحفظ مصالحكم.

إن القوى العظمى، وعندما تتطلب مصالحها، لا تتردد في التضحية بكم وبأوفى أصدقائها وأعوانها، لانه ليس للصداقة والعمالة والاخلاص أي اعتبار وقيمة بالنسبة لها، لأنهم جعلوا مصالحهم مقياساً لذلك، وبصراحة فإن الحديث حول هذا الموضوع أصبح واضحاً للجميع، وليت ان يذكّر بعض زعماء الدول الإسلامية ـ العملاء ـ اسيادهم وآلهتهم هذه النقطة بشكل جدي بان عليهم ـ أي أسيادهم ـ ألاّ يتحدثوا عن مصالحهم في الخليج الفارسي بهذا الشكل، لأن هذا الأمر بذاته سيثير مشاعر وحساسية أبناء المنطقة، وأي مصالح هذه التي يطالبون بها في الخليج الفارسي والتي تدفع امريكا وفرنسا وبريطانيا إلى حفظها، حتى لو اقتضى الأمر للتدخل العسكري وإثارة الحروب من أجل ذلك.

إن سياستنا تجاه الخليج الفارسي كانت واضحة وصريحة منذ البداية، فالجمهورية الإسلامية في ايران تعير أهمية كبيرة لقضية الأمن في الخليج الفارسي. ولذلك وبرغم امتلاكها لجميع الامكانيات والقدرات البحرية والجوية والبرية، التي يمكن من خلالها إغلاق مضيق هرمز ومنع مرور السفن والنأقلات، والأضرار بمراكز تصدير النفط وتصفيته، الا انها لازالت ملتزمة بسياسة الصبر وضبط النفس، والحد من اتساع رقعة الحرب.

إن الجمهورية الإسلامية تقوم بردود فعل محدودة لتعكس جانباً ضئيلاً من قوتها، ولقد توصل العالم إلى حقيقة ان تعكير الامن في الخليج الفارسي لا يضر بايران فحسب، بل لو وضعت أعتى الدول العظمى جميع إمكاناتها الجوية والبحرية والتجسسية في خدمة أذنابها في المنطقة، فلن تكون آمنة من الخطر، وستغرق في مستنقع اللاأمن. وعلى الرغم من كل التهديدات والتخرصات التي تقوم بها امريكا في العالم، وإرسالها عشرات الصحفيين والمصورين إلى المنطقة لتغطية نبأ (نجاح) الخطط الامريكية، فإن الله سبحانه مهداً لأرضية لفضح امريكا عن طريق الغيب، ورفع راية "لا اله إلا الله" المعنوية فوق راية الكفر، ليشفى صدور عباده المخلصين. والأفضل ألاّ تبحر امريكا ـ وريغان ـ مرة ثانية في بحر سياسة الخليج الفارسي الملغومة، فتصيبها الفضيحة جراء ذلك، وعلها تدع الغرور والجهل اللذين ألقيا بصاحبهما عشرات المرات أرضاً، وبدعوها لان تحافظ على ما تبقى من شبح قوتها الزائفة أمام عملائها كالكويت، ولا يذلوهم بهزيمتهم أكثر من هذا، وليطمئنوا بان مواصلة جولاتهم في الخليج الفارسي سيجر المنطقة إلى بؤرة خطيرة وأزمة خانقة لهم، لم يرتضوها لأنفسهم. وإذا ما كان العالم مستعداً للوقوع في ازمة نفطية وإرباك جميع المعادلات الاقتصادية والتجارية والصناعية، فإننا بدورنا مستعدون أيضاً، وقد ربطنا أحزمتنا بقوة وأصبح كل شيء جاهزاً، ولابد لامريكا من التوصل إلى هذه النقطة، وهي ان التدخل العسكري في الخليج الفارسي لا يعتبر تجربة سهلة عادية، لان اللعب بهذه الورقة امر خطير للغاية.

إننا وجميع مسلمي منطقة الخليج الفارسي نعتبر الوجود العسكري للقوى الكبرى هنا، مقدمة لهجوم على الدول الإسلامية، والجمهورية الإسلامية، ومواصلة دعم صدام. لذا فعلى مسلمي العالم ومعهم الجمهورية الإسلامية ان يعدوا العدة لتوجيه الضربة القاضية لامريكا، وليشهدوا بعد ذلك تفتح براعم الحرية والتوحيد والإمامة في عالم النبي الاكرم (ص).

وهنا أرى من الضروري تكرار هذه النقطة لرؤساء الدول الإسلامية المطلة على الخليج الفارسي، وهي ان إلقاء الشبهات وإظهار الإسلام والثورة والجمهورية الإسلامية الايرانية على انها خطر كبير يهدد دولهم، إنما هي دسيسة قديمة جديدة كان الناهبون الدوليون ولازالوا يستخدمونها للحيلولة دون إشاعة أجواء التفأهم والتعاون السلمي بين هذه الدول، وليعمقوا من احساسها بالحاجة إلى الشرق والغرب، والجمهورية الإسلامية تسعى ـ انطلاقاً من مبدأ الحفاظ على وحدة المسلمين والدفاع عن مصالح الدول والشعوب الإسلامية ـ إلى الوقوف إلى جانبها بكل قوتها وامكاناتها في مواجهة الأحداث السياسية والعسكرية المفروضة عليها من قبل الاستكبار العالمي، كما ترغب بطرح مشاريع وخطط دقيقة من شأنها إلغاء الهيمنة السياسية للشرق والغرب.

لكننا على يقين من ان هذا الامر لا يتم بسهولة مادام صدام والحزب العفلقي العراقيان موجودين، لان تعاون ايران مع الدول الإسلامية يخيف صداماً بنفس المقدار الذي يخيف القوى الكبرى من هذا التلاحم والتعاون بين الشعوب الإسلامية.

وعلى أي حال، فإن إصرارنا على مواصلة الحرب حتى ازالة صدام وحزبه المنبوذ، وتحقيق شروطنا العادلة الأخرى، إنما هو واجب شرعي وتكليفي إلهي لن نتراجع عنه أبداً، وعندما يتحقق ذلك سنقف ـ إن شاء الله ـ إلى جانب الدول الإسلامية لنضع أسس سياسة راسخة ثابتة لجميع الدول والشعوب الإسلامية، سياسة تكفل صيانة مصالح الأمة من آفات وأخطار المعتدين والناهبين، وسيكون مصير النظام العراقي عبرة لكل من تسول له نفسه التفكير بالاعتداء على حرمة الدولة الإسلامية، لكي لا يورط نفسه ويجعلها عرضة لغضب الشعوب.

وبلاشك فإن مصير جميع الشعوب والدول الإسلامية أصبح مرتبطاً بمصير هذه الحرب. فالجمهورية الإسلامية تمر اليوم بمرحلة سيكون انتصارها فيها، انتصاراً لجميع المسلمين. أما لو هزمت ـ لا قدر الله ـ فسيؤدي ذلك إلى هزيمة وتقويض وإذلال جميع المؤمنين. وإن التخلي عن شعب ودولة وعقيدة عظيمة وهي تقترب من النصر، لهو خيانة كبرى للرسول الأعظم وللبشرية جمعاء، ولهذا فإن نار الحرب لن تطفئ إلا بسقوط صدام، ولم يبق أمامنا لتحقيق ذلك إلا القليل بإذن الله.

إن الشعب والحكومة والمسؤولين والجيش والحرس والتعبئة والقوى الشعبية وجميع فئات شعبنا البطل يقفون ـ والحمد لله ـ على استعداد كامل، فهم جميعاً رجال حرب، وطلائع عقيدة الشهادة والعشق، وقد تمكنوا من إحباط مؤامرات الاستكبار وأذنابه الجواسيس والمنافقين، وهم يواصلون زحفهم ليجتازوا المراحل النهائية المؤدية إلى النصر. وفضلاً عن تفوقهم في الخليج الفارسي وجزره وسواحله الغربية والجنوبية، فإنهم يقومون اليوم بدعم وتعبئة وتنظيم الشعب العراقي المظلوم، حيث كان ذلك من أهم أهدافنا، لأننا أعلنا منذ اليوم الأول للحرب المفروضة، بأننا لا نطمع حتى بشبر واحد من الأراضي العراقية، والشعب العراقي حر في قراراته واختياره لحكومته، والأفضل له ان ينتخب الحكومة التي يريدها، قبل سقوط النظام البعثي في العراق على يد أبطال الإسلام في جبهات القتال.

ولله الحمد فإن علائم وطلائع هذا التحرك الكبير قد اتضحت، وجميع القوى الكبرى وحماة النظام البعثي المشرف على الزوال على يقين تام من ان مؤامرة تدويل الحرب واختلاق الأحداث والأحابيل السياسية والأعلامية والدبلوماسية ضد الجمهورية الإسلامية الايرانية في أنحاء العالم، والتدخل العسكري وغير العسكري في الخليج الفارسي، وتضخيم المشاكل وبث الف


تعليقات الزوار
ارسال تعلیق