مولد الصديقة الزهراء (عليها السلام)؛ 3.

2007-09-05
0
451

 فهرست العناوين:

!- الخنساء ـ أم الشهداء ـ ودورها في الإسلام.

2- أم وهب بنت عبد، ودورها مع الإمام الحسين(ع).

3- الشهيدة آمنة الصدر (بنت الهدى).

4- الشهيدة أم ياسر الموسوي‏.

5- فاطمة الزهراء (عليها السلام) في فكر الإمام القائد(حفظه الله).

6- مولاتنا الصديقة الزهراء (عليها السلام) في بيان سليلها الإمام القائد الخامنئي(دام ظله).

7- المرأة في الإسلام... جمال الإنسانية‏.

8- وصايا للنساء في يوم عيدهن من فيوضات الإمام الخميني المقدس.

9- السيدة الزهراء في كلام القائد (دام ظله). 10- كلمات قصار للإمام الخامنئي (حفظه الله).

**

**

الخنساء ـ أم الشهداء ـ ودورها في الإسلام

2007-09-05

الخنساء بنت عمرو بن الحارث ابن الشريد، إنها ذات فصاحة وكرم، وحشمة ووقار، وشجاعة وجلدة وجرأة، لا تعرف النفاق والمداهنة!

حياة الخنساء قبل الإسلام، وقد فجعت بأخيها معاوية وصخر، وحياتها في ظل الإسلام، وقد فجعت بأولادها الأربعة، لهذا أطلق عليها لقب أم الشهداء.

صحابية جليلة، شاعرة شهيرة، تضرب لنا الخنساء مثالاً بارزاً للأم الشجاعة المؤمنة، وهي في ظل الإسلام.

فقد اشترك أبناؤها الأربعة ـ وهم فرسان وشعراء ـ في معركة القادسية، فجمعتهم قبل المعركة، وقالت لهم: يا بنيّ، أسلمتم طائعين، وهاجرتم مختارين، ووالله الذي لا إله إلاّ هو إنكم بنو رجل واحد، وبنو امرأة واحدة.

وقد تعلمون ما أعدّ الله للمسلمين من الثواب الجزيل في حرب الكافرين، واعلموا أن الدار الباقية خير من الدار الفانية.

يقول الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون}.

فإذا أصبحتم غداً إن شاء الله سالمين، فاغدوا إلى قتال عدوكم مستبصرين، وبالله على أعدائه مستنصرين، فإذا رأيتم الحرب قد شمّرت عن ساقها، واضطرمت لظى على سياقها، وهللت على أوراقها، فتيمموا وسيطها، وجالدوا رئيسها، عند احتدام خميسها، تظفرون بالغُنم والكرامة، في الخلد والمقامة.

وفي الصباح بادر أولادها الأربعة إلى القتال، حتى استشهدوا جميعاً، ومن ثم كان النصر لجيش المسلمين.

وفي نهاية المعركة، تقدم نفر من رجال الجيش، ينعون إلى الخنساء أولادها الأربعة، بعد أن أبلوا في الحرب بلاءً حسناً، فتلقّت الخبر بكل هدوء واتزان وحزم وقالت كلمة، لا تزال تتردد على مر الأيام والدهور: "الحمد لله الذي شرّفني بقتلهم، وأرجو من ربّي أن يجمعني بهم في مستقر رحمته".

**************

أم وهب بنت عبد، ودورها مع الإمام الحسين(ع)

2007-09-05

لم تقتصر مذبحة ثورة الحسين بن علي(ع) في كربلاء على أهل بيته وأقربائه وحدهم، بل كان معه بعض المسلمين الأتقياء، الذين اتخذوا من الجهاد في سبيل الله ورسوله طريقهم في الحياة، وهم لا يتأخرون لحظة عن المبادرة إلى الجهاد، إذا نادى المنادي، وحمي الوطيس. وهم دائماً على استعداد للشهادة، وهم طلاب التضحية والفداء، ولا يطمحون إلاّ للقاء ربهم، والفوز بجنته؛ ومن هؤلاء الأبطال، رجل من المسلمين، يدعى عبد الله بن عمير، وزوجته أم وهب بنت عبد، التي لا تقل عنه إيماناً وشجاعة وفداءً وحمية عن الإسلام، وقد قدمت مع زوجها عبد الله نموذجاً حيّاً لاندفاع المسلم وراء الحق، والدفاع عنه، ونصرة أهله، مهما بلغ الثمن.

نصرت الإمام الحسين بن علي(ع) في كربلاء، وجاهدت معه صابرة محتسبة، حتى سقطت شهيدة في سبيل الله تعالى.  

ملخص القصة

نزل الكوفة عبد الله بن عمير من بني عليم، واتخذ عند بئر الجعد داراً، وكانت معه أم وهب بنت عبد، فرأى القوم بالنخيلة يعرضون ليسرحوا إلى الحسين(ع)، فسأل عنهم، فقيل له: يسرحون إلى الحسين بن فاطمة بنت رسول الله(ص). فقال: لقد كنت على جهاد أهل الشرك حريصاً، وإني لأرجو ألاّ يكون جهاد هؤلاء، الذين يغزون ابن بنت نبيهم، أيسر ثواباً عند الله من ثوابه إياي في جهاد المشركين.

فدخل إلى امرأته أم وهب، فأخبرها بما سمع، وأعلمها بما يريد.

فقالت: أصبت أصاب الله بك أرشد أمورك، افعل، وأخرجني معك. فخرج بها ليلاً حتى أتيا حسيناً(ع)، فأقاما معه، فلما دنا منه عمر ابن سعد ورمى بسهم ارتمى الناس، فلما ارتموا خرج يسار مولى زياد بن أبي سفيان، وسالم مولى عبيد الله بن زياد، فقالا: من يبارز، ليخرج إلينا بعضكم.

فوثب حبيب بن مظاهر، وبرير بن خضير، فقال لهما الحسين: اجلسا. فقام عبد الله بن عمير الكلبي فقال: أبا عبد الله الحسين (رحمك الله)، ائذن لي فلأخرج إليهما. فرأى الحسين رجلاً آدم طويلاً شديد الساعدين، بعيد ما بين المنكبين، فقال الحسين: إني لأحسبه للأقران مثالاً، اخرج إن شئت.

فخرج إليهما، فقالا له: من أنت؟

فانتسب لهما، فقالا: لا نعرفك! ليخرج إلينا زهير بن القين، أو حبيب بن مظاهر، أو برير بن خضير، فقال له عبد الله الكلبي: يا بن الزانية، وبك رغبة عن مبارزة أحد من الناس، ويخرج إليك أحد من الناس، وهو خير منك، ثم شدّ عليه فضربه بسيفه، وأحس عبد الله الكلبي بقوة هائلة تجتاح كيانه، فأجهز على الرجلين، في كرّ وفرّ حتى تمكن من قتلهما معاً، وعاد والدماء تقطر من سيفه!

وكانت أم وهب ترهب هجوم الرجلين على زوجها، فما كان منها إلاّ أن أخذت عموداً ثم أقبلت نحو زوجها تقول له:

فداك أبي وأمي، قاتل دون الطيّبين من ذرية محمد(ص). فأقبل إليها يردّها نحو النساء، فأخذت تجاذبه، وتجر ثوبه، ثم قالت:

"إني لن أدعك دون أن أموت معك"!

فناداها الحسين(ع) فقال: جزيتم من أهل بيت خيراً، ارجعي ــ رحمك الله ــ إلى النساء، فاجلسي معهن، فإنه ليس على النساء قتال.

فانصرفت إليهن.

ولكن القتال ما لبث أن اشتد والتحم الطرفان مع بعضهما، فحملت أم وهب عمودها، وانطلقت تقاتل مع زوجها جنباً إلى جنب، حتى قتل زوجها، وسقط شهيداً على الأرض مضرجاً بدم الشهادة الزكي، فأسرعت إليه أم وهب، وأمسكت برأسه تمسح عنه التراب وهي تقول: "هنيئاً لك الجنة"! لكن أجلها قد حان، وكان القدر يسير متّفقاً مع رضاها ورغبتها، وها هي تلحق بزوجها عبد الله بسرعة، كما كانت تتمنى، فما أن رآها شمر بن ذي الجوشن، تجلس عند رأس زوجها، حتى قال لغلام يدعى رستم: اضرب رأسها بالعمود، وبسرعة انقض رستم على العمود، وضرب رأسها به بقوة فشدخه شدخة هائلة، فصرخت صرخة واحدة، وماتت شهيدة في سبيل الله وهي على بصيرة من أمرها، وسقطت فوق جثمان زوجها (رحمهما الله).

**************

الشهيدة آمنة الصدر (بنت الهدى)

2007-09-05

الولادة والنشأة

ولدت الشهيدة الخالدة آمنة بنت آية الله السيد حيدر الصدر (بنت الهدى) عام 1356هـ 1937م في مدينة الكاظمية، في بيت عريق في العلم والجهاد والتقوى. وكانت أصغر شقيقيها واختهما الوحيدة.

ولم يختلف حالها عن حال باقي أسرتها في مكابدة الفقر والحرمان، وتحمل الصعاب والمشاق، بروح غمرها الإيمان والقناعة بأدنى ضروريات الحياة.

لم تر بنت الهدى أباها و لا تتذكره وكأنها ولدت يتيمة، إلا أن الله عز وجل عوضها عن ذلك بأخويها المرحوم السيد إسماعيل الصدر وشهيدنا الغالي السيد الصدر ـ رضوان الله عليهم جميعاً ـ فقد أغدقا عليها حناناً ومحبة تفوق ما يتوقع اليتامى، وربّياها بما لم يربّ أب فلذة كبده.  

تعلمها القراءة والكتابة

تعلمت الشهيدة بنت الهدى القراءة والكتابة في البيت على يد والدتها ـ رحمها الله ـ فكانت الأم هي المعلم الأول، وكانت والدتها تثني على ابنتها وقدرتها على التعلم و الاستيعاب والفهم، ثم استكملت مراحل تعليمها القراءة والكتابة على يد أخويها، وشمل ذلك علوم العربية في أكثر جوانبها، حتى تمكنت من كتابة الشعر في السنوات المبكرة من عمرها.

وكانت الشهيدة بنت الهدى ـ رحمها الله ـ حريصة على تثقيف نفسها ثقافة إسلامية رفيعة، سواء في مراحل حياتها الأولى أو فترة ما قبل الاستشهاد.

فتمكنت من توسيع أفق ثقافتها توسعاً شاملاً متعدد الأبعاد، وكتاباتها في مجلة الأضواء في تلك الفترة (1966) تعكس لنا جوانب من تلك الأبعاد، ذلك أن مجلة الأضواء التي كانت تصدرها جماعة العلماء في النجف الأشرف لم تكن منبراً إلا للنتاجات المتميزة فقط، وكانت بنت الهدى ـ رحمها الله ـ من أبرز من كتب فيها بل كانت الرائدة الأولى في الكتابة و التأليف.

واذا لاحظنا الكتابات الإسلامية التي تستهدف المرأة المسلمة ثقافياً وتربوياً فسوف نجد فراغاً كبيراً ليس من اليسير ملؤه، إذ لا توجد كاتبات ولا كتابات إسلامية موجهة للمرأة تعالج مشاكلها الدينية والإجتماعية وتنهض بها ثقافياً وسياسياً، وتخلق فيها حالة من الوعي لما يجري حولها يحصنها من الانحراف والضلال، من ملاحظة تلك الأمور يمكن أن ندرك أهمية الوعي الذي امتازت به الشهيدة بنت الهدى والذي جعلها تقدم على خطوة جريئة ورائدة في مجال الكتابة الموجهة والهادفة لتثقيف المرأة المسلمة بما يضمن لها كرامتها ويحصنها من الانحراف والضياع.  

سلوكها داخل الأسرة

من الأمور التي يجب أن تعرف عن بنت الهدى سلوكها داخل البيت والأسرة، لأنها كانت نمودجاً قل نظيره في ما سطرته من خلق رفيع خلال معايشة طويلة مع والدتها وأخيها وابنة عمها أم جعفر حفظها الله، وللحق كانت السيدة أم جعفر نمودجاً ضم الخصال الحميدة والخلق الرفيع في جانب، والتقوى والورع في جانب آخر، وكيف لا تكون كذلك وهى قرينة سيدنا الشهيد الصدر ـ رضوان الله عليه ـ وسليلة العلماء الأبرار.

كان على الشهيدة بنت الهدى أن تقوم بعدة مهام في بيت أخيها، وهي:

1 ـ المهام والوظائف التي تقوم بها تجاه السيد الشهيد الصدر، أو ما قد يكلفها به في مجالات متعددة، من تدريس أو إقامة ندوات، أو إشراف مباشر على مدارس دينية أو غير ذلك.

2 ـ دورها في استقبال الضيوف من النساء، والاهتمام بتلبية حاجاتهن الفقهية والفكرية، والمساهمة في حل مشاكلهن العائلية والزوجية.

3 ـ دورها في تربية بنات السيد الشهيد تربية لائقة وصحيحة.

4 ـ دورها في خدمة والدتها المعظمة ـ رحمها الله ـ فقد كانت بحاجة إلى المزيد من العناية والاهتمام بسبب كبر العمر ولما تعاني من أمراض متعددة.

5 ـ دورها في القيام ببعض شؤون البيت بالمساهمة مع أم جعفر حفظها الله.  

دور الشهيدة الثقافي والتبليغي

كان للشهيدة ـ رحمها الله ـ عدة أدوار رئيسية على صعيد الجهاد الثقافي والتربوي والتبليغي، نستعرضها هنا باختصار..  

أولاً: مدارس الزهراء (عليها السلام)

تعتبر السيدة الشهيدة بنت الهدى من المؤسسين أو المساهين في إنشاء مدارس الزهراء (ع) في بغداد والكاظمية والنجف ـ وكان ذلك في عام 1967م ـ ولم يكن الهدف منها سد حاجة المجتمع من المدارس الإبتدائية والثانوية فإن المدارس الحكومية كانت كافية لاستيعاب كل ما هو موجود من طالبات، وإنما كانت هناك ضرورات اقتضت إنشاء هذه المدارس، منها مواجهة الثقافات المادية التي تدعو إلى الفساد والانحراف والتردي الأخلاقي، ومنها السعي لنشر الثقافة الإسلامية الصحيحة والوعي الذي يجب أن ترقى إليه المرأة.

إن مما لا شك فيه إن (المدارس) من أفضل الأساليب التي يمكن من خلالها تربية الأجيال وتثقيفهم، وهي الأسلوب الذي يناسب العصر ويلبي متطلباته.

لقد استحصلت الموافقة على إنشاء هذه المدارس واعتمدت نفس المواد الدراسية في المدارس الحكومية، سواء في الابتدائية أو الثانوية، لكي لا يعيق ذلك الطالبات من مواصلة دراستهن بعد إنهاء الدراسة في مدارس الزهراء (ع)، وأضيف إلى ذلك عدة مواد منها دروس في العقيدة والتربية الإسلامية بشكل مكثف ورصين.

ولقد امتدحت الأخت وجيهة الصيدلي وهي مديرة لمدارس الزهراء (ع) السيدة الشهيدة في مقال لها في (المنبر، العدد 24، ص 8) حيث لعبت دور المشرف والموجه لهذه المدارس حيث كانت تأتي ثلاثة أيام في الأسبوع فيما كانت الأيام الأخرى تقضيها في مراكز التعليم في النجف الأشرف... ولقد أثمرت جهود الشهيدة بنت الهدى فكان نتاجاً طيباً مباركاً رغم قلة الامكانات، ورغم المضايقات الأمنية والسياسية والإجتماعية حيث تقول السيدة وجيهة في نفس المقال: ومن المفرح أن أرى هنا في بريطانيا ـ وكذلك في الخليج ـ مجموعة من خريجات مدارس الزهراء، وأنا مسرورة لأنهن حققن أمل الشهيدة ـ كم كانت تتمنى أن ترى الزهور اليانعة في المدرسة أمهات رساليات وزوجات مجاهدات ـ جهاد المرأة حسن تبعلها، بل تأكد وتحقق ما عملت من أجله بل وضحت بنفسها الزكية. لقد أصبحت الزهور اليانعة موضع افتخار وشاهد عيان على تجربتها في مدارس الزهراء (عليها السلام) الأهلية...  

ثانياً: التدريس وإقامة الندوات

كان للسيدة الشهيدة بنت الهدى ـ رحمها الله ـ منهج واسع في المجال التثقيفي، ويعتبر التدريس من أهم فقراته.

والمشكلة التي كانت تعترض الطريق طبيعة الكتب الحوزوية التي لم تكتب للتدريس والمفتقرة إلى منهجية واضحة تعين الطالب على استيعابها وفهمها، إضافة إلى الطباعة السيئة والكتابة المتشابكة وهو ما يصطلح عليه بـ (الطباعة الحجرية).

إلا أن الشهيدة بنت الهدى استطاعت أن تتغلب على تلك المشاكل بقربها من أخويها المرحوم السيد إسماعيل الصدر، وشهيدنا الخالد السيد الصدر ـ قدس الله سرهما ـ فاستطاعت أن تتجاوز كل تلك المشاكل بجدارة، وتمكنت من الإحاطة بالمواد العلمية الحوزوية ـ الفقهية والأصولية خاصة ـ مما مكنها من التدريس بكفائة عالية.

وكان الهدف الحقيقي من إقامتها لحلقات التدريس في البيت ليس فقط تثقيف طالباتها وإنما إعدادهن لتحمل المسؤولية في المستقبل لممارسة نفس الدور، وخلق طاقات علمية نسائية قادرة على إيجاد حوزات علمية نسائية تتحمل دوراً كبيراً في نشر الثقافة الإسلامية من مصادرها النقية الصحيحة

وإلى جانب التدريس نظمت الشهيدة ندوات ثقافية دينية عامة تطرح فيها الأفكار الإسلامية بأساليب تنسجم مع متطلبات العصر ومقتضياته، وقد نالت ندواتها نجاحاً منقطع النضير، وإقبالاً من مختلف الطبقات النسوية.

كما كانت تأمل في إعادة النظر في الاحتفالات التي تقام في مناسبات الزواج بحيث تنسجم مع الأخلاق والآداب الإسلامية وتكون مناسبة جيدة لفهم حقيقة الزواج في الإسلام وأهدافه وما يجب أن يكون عليه الزوج وكذلك الزوجة من أخلاق عالية وانسجام كامل وعدم اهتمام بالأمور المادية بشكل يحافظ على طابع السرور والفرح الذي تتسم به تلك المناسبات،.  

ثالثا: الكتابة والتأليف

تعتبر الشهيدة بنت الهدى الرائدة الأولى في الكتابة والتأليف واستعمال الأسلوب القصصي في إيصال الأفكار أو التوجيهات. وأقول إنها (رائدة) لأننا لم نعهد في النجف ـ بالرغم من أنها تضم الحوزة العلمية والمرجعية الدينية ـ كاتبة إسلامية سبقت الشهيدة بنت الهدى في هذا المجال.

وهي مع ذلك كانت متواضعة بسيطة لم تستهدف الشهرة والظهور، وما يؤيد هذه الحقيقة إن الشهيدة السعيدة آمنة الصدر اختارت اسماً لها هو ما نعرفه بها (بنت الهدى) تجنباً للشهرة والرياء وحب الذات، ولم يكن هناك ضير في كتابة اسمها الحقيقي لا شرعاً ولا عرفاً. كما لم يكن ذلك بسبب الظروف الأمنية لأن (جهاز مراقبة المطبوعات) في العراق لا يتعرف إلا بالاسم الحقيقي لإصدار إجازة الطبع، والسبب فقط هو نكرانها لذاتها وعزوفها عن الشهرة. ولقد بدأت الشهيدة كما قلنا سابقاً الكتابة في مجلة الأضواء التي تصدرها جماعة العلماء، وكذلك في مجلة الإيمان التي أصدرها المرحوم الشيخ موسى اليعقوبي.

 وقد تميزت فيما كتبت، فنجد كتاباتها تحمل روحاً جديدة وفكراً واضحاً وسلاسة وعذوبة ومعالجات لمشاكل معاصرة، وابتعدت كل البعد عن مظاهر الاستعراضات الفارغة التي تستهدف إبراز الشخصية وحب الظهور.  

مؤلفات الشهيدة بنت الهدى:

1 ـ الفيلة تنتصر.

2 ـ الخالة الضائعة.

3 ـ امراتان ورجل.

4 ـ صراع.

5 ـ لقاء في المستشفى.

6 ـ مذكرات الحج.

7 ـ ليتني كنت أعلم.

8 ـ بطولات المرأة المسلمة.

9 ـ كلمة ودعوة.

10 ـ الباحثة عن الحقيقة.

11 ـ المرأة مع النبي.

ولها مؤلفات أخرى مخطوطة صادرتها السلطة الحاكمة في العراق عند مصادرتها لمحتويات بيت السيد الصدر ـ رضوان الله عليه ـ بعد استشهاده وقد يكون بعضها محفوظاً.  

رابعا: رحلاتها للحج

وكان قلب الشهيدة بنت الهدى ـ رحمها الله ـ يهوي البيت الحرام والمشاهد المشرفة في تلك الديار المقدسة، كانت إذا حانت أيام الحج تأخذها حالة من الشوق عجيبة وفرحة غامرة تملأ جوانحها فتراها مشدودة بصدق إلى الله عز وجل وكأنها تريد أن تستذكر بسرعة أيام الإسلام الأولى في مهده الطاهر وتعيش مع المسلمات في عصر الرسالة أعباء حمل الرسالة، وتستمد العزم والتصميم منهن.

فكانت الشهيدة تذهب إلى الحج كمرشدة دينية في إحدى "الحملات" التي تذهب إلى الحج من بغداد أو الكاظمية، تعلم النساء مسائل الحج وأحكامه فكانت من الناحية الفقهية محيطة بفتاوى العديد من المراجع، وكانت تجيب كل حاجّة على وفق من تقلد من المجتهدين، وقد يحدث أن تقع مسائل نادرة وغير موجودة في الرسائل العملية للفقهاء وفي هذا الفرض كانت تتصل هاتفياً بالسيد الشهيد الصدر ـ رحمه الله ـ لتتلقى منه الحكم الشرعي. وإلى جانب ذلك كانت تسعى إلى التعرف على أوضاع المسلمين في مختلف أنحاء العالم، وتنشر الثقافة الإسلامية الصحيحة بما يناسب الأوضاع حينها.  

خامساً: دور الرابط بين المرجع والمراجعات

كان للسيدة الشهيدة دور كبير في الربط بين سيدنا الشهيد وبين القطاعات النسائية، فكانت تنقل بأمانة ما يعرض للنساء من مسائل فقهية قد يترددن بسبب الحياء من توجيهها إلى السيد الصدر مباشرة، تعينها في ذلك بعض الأحيان السيدة الطاهرة أم جعفر ـ حفظها الله ـ بحسب المناسبة وطبيعة الموضوع.

ولم يكن هذا فقط، فقد كانت مهتمة بكل القضايا التي تشغل الساحة ومنها القضايا السياسية والثقافية، وأخصها بالذات خطوات الحزب الحاكم وحكومة البعث للسيطرة على المجتمع النسوي من خلال أطروحات وقنوات أعدتها كاتحاد النساء والطلائع والفتوة والجمعيات النسائية وأمثالها، وكان أهم تلك القضايا هو مسألة الانتماء لحزب البعث كشرط فرضته السلطة للقبول في المؤسسات والجامعات أو التوظيف الحكومي.

إن هذه المشكلة كانت من الهموم الثابتة في قاموس الشهيدة بنت الهدى فهي تعرف معنى انتماء المرأة لحزب البعث وما يتبعه من التزامات ومظاهر تسخط الله تعالى، وتعرف كذلك ما تعنيه استقالة الموظفة المسلمة المؤمنة التي ترفض الانتماء لحزب البعث، وما يسببه لها من مشاكل مادية ومحاسبة أمنية، إذ إن عدم الانتماء يعتبر جريمة كبيرة، فلا حياد، فإما معي وإما ضدي، وهذه هي لغة السلطة الحاكمة في العراق وأسلوبها.

وكان للسيدة عدد من المؤمنات ممن كن قد انتمين إلى حزب البعث انتماء صورياً في زمن لم يكن يعرفن إن الانتماء حرام، فكن ينقلن للشهيدة تفاصيل ما يجري في الحزب من مخططات ومؤامرات يحوكها ضد المرأة العراقية والمتدينات منهن على الخصوص، وكانت الشهيدة تنقل ذلك للسيد الشهيد بدقة.

وبهذا الصدد تقول السيدة وجيهة في نفس مقالها السابق عن أمثال هذا النشاط ما يلي:

"يخطئ من يقول أو يظن أن الشهيدة اقتصر عملها على التوجه التربوي والاجتماعي بل كانت تعمل في المجال السياسي بشكل واع ودقيق لظروفها والمرحلة التي تعيشها، حيث كانت تتحرك ضمن رؤية واضحة المعالم؛ فكانت تقوم بشرح الموقف السياسي المطلوب آنذاك لجميع من يعمل معها وتعبئة النساء على مقاومة النظام ومخططاته وأساليبه التي تدعو وتضغط على النساء عموماً بالانخراط لحزب البعث، وبالتالي التخلي عن القيم والمفاهيم الإسلامية. وساهمت في تربية المرأة على الورع عن محارم الله تعالى، وفي تكوين الروح الجهادية ضد أعداء الإسلام..."

وكانت السيدة الشهيدة تستمد رؤيتها السياسية النهائية من السيد الصدر نفسه، وكانت في أحيان كثيرة تناقش المواضيع والأحداث معه بصراحة ووضوح، وكان ـ رحمه الله ـ يستمع إليها بدقة ويحترم وجهات نظرها.  

شريكة المسيرة والمصير

إذا كان لأحد أن يعتز بمشاركته لسيدنا الشهيد الصدر ـ رضوان الله عليه ـ في مسيرته الجهادية فلا يعدو ذلك الشهيدة بنت الهدى رحمها الله. لقد كتب لها ذلك، وكانت أهلاً له......

شاركته اليتم والفقر والحرمان في مراحل الطفولة الأولى، وشاركته ما كابد من هموم ومشاكل ليس بمقدور كل أحد استيعابها، وشاركته الصراع المرير مع سلطة جبارة عاتية كفرت بكل القيم والموازين فوقفت معه في صف المواجهة الأول في انتفاضة رجب عام 1979م، وشاركته شرف الاستشهاد في غرف الأمن العامة في بغداد، وشاركته قبره الشريف في النجف الأشرف.

إذ لها كل الحق ـ للأمانة التاريخية ـ أن تعتبر شريكة السيد الشهيد الصدر رضوان الله عليه.

بدأت مسيرة المواجهة الجهادية للسيدة الشهيدة منذ الاعتقال الأول للسيد ـ رضوان الله عليه ـ عام 1971م (1392) هـ.

ثم جاءت انتفاضة صفر عام 1977م (1397)هـ فتعرض السيد الشهيد للاعتقال، وكانت تلك الأيام من الأيام العصيبة في تاريخ النجف حيث عم الخوف والرعب كل مكان، وكانت حشود السلطة في كل مكان تعتقل كل من يقع في قبضتها. أما بنت الهدى فكانت البطلة التي وقفت دون خوف في رباطة جأش وشجاعة غريبة حتى عاد السيد الشهيد ـ رضوان الله عليه ـ من بغداد.

عندما خرج السيد مع مدير أمن النجف خرجت معه وسبقتهما إلى حيث تقف السيارة وخطبت في الجموع منددة بجلاوزة النظام وما يفعلونه صارخة ومرحبة بالموت إذا كان في سبيل الله.

وفي صباح يوم السابع عشر من رجب 1399هـ (1979)م، تم الاعتقال للشهيد فقامت الشهيدة بنت الهدى بالذهاب إلى حرم الإمام أمير المؤمنين بالنجف الأشرف ونادت بأعلى صوتها:

 "الظليمة الظليمة يا جداه يا أمير المؤمنين لقد اعتقلوا ولدك الصدر.. يا جداه يا أمير المؤمنين، إني أشكوا إلى الله وإليك ما يجري علينا من ظلم واضطهاد"

ثم خاطبت الحاضرين فقالت:

"أيها الشرفاء المؤمنون، هل تسكتون وقد اعتقل مرجعكم، هل تسكتون وإمامكم يسجن ويعذب؟ ماذا ستقولون إذاً لجدي أمير المؤمنين إن سألكم عن سكوتكم وتخاذلكم ؟ اخرجوا وتظاهروا واحتجوا.."

يا له من خطاب يدل على شجاعتها وقوتها وعدم خوفها من النظام الحاكم وأتباعه.

وبعد لحظات نظمت تظاهرة انطلقت من حرم الإمام علي (ع) ساهمت فيها المرأة مع الرجل، وأدت إلى إجبار السلطة على الافراج عن السيد الشهيد الصدر.

وكان من أثر هذه التظاهرة أن أفرج عن السيد بعد ساعات قليلة من اعتقاله.  

شهادتها ودفنها

الاجرام والوحشية.. القسوة والارهاب.. صفات وخصائص النظام العفلقي الحاكم في العراق، لم يتورع النظام من استعمال كل وسائل الارهاب في معالجة مشاكله مع الشعب العراقي أو مع الدول المجاورة للعراق.

هل يمكن لحاكم يعيش في بلد الحضارات وفي القرن العشرين أن ينهج نهجاً قمعياً لفرض سيطرته على الشعب ؟

نعم هذا ما فعله صدام مع جيرانه من البلدان حينما قصف المدن الإيرانية بالصواريخ وقتل المدنيين فيها، وكذلك عندما قصف حلبجة بالغازات السامة "وحلبجة مدينة عراقية لا اسرائيلية". ثم هجومه على الكويت آخر ضحية لهذا الطاغية، فما جرى لشعبها من قتل وتعذيب وانتهاكات للقيم والأخلاق وحتى لأبسط المبادئ الإنسانية لا يمكن أن يصدق لولا الوثائق الدامغة التي لا تقبل الشك.

وبقيت مأساة العراق في جانبها الأعظم غير موثقة، وهي مأساة لا نظير لها في تاريخ البشرية.

لقد قام المجرم التكريتي بقتل السيد الصدر وأخته بنت الهدى ـ رضوان الله عليهما ـ بنفسه؛ فهو الذي أطلق النار عللقد كانت حليمة عاقلة تقابل الإساءة يهما بعد أن شارك في تعذيبهما.

يتحدث صاحب كتاب الشهيدة بنت الهدى كيف روت له ثلاثة مصادر كيفية حدوث المأساة كما يرويها أحد قوات الأمن ممن كان حاضراً في غرفة الاعدام، قال:

"احضروا السيد الصدر إلى مديرية الأمن العامة فقاموا بتقييده بالحديد، ثم جاء المجرم صدام التكريتي، فقال باللهجة العامية: (ولك محمد باقر تريد تسوي حكومة)، ثم أخذ يهشم رأسه ووجهه بسوط بلاستيكي صلب.

فقال له السيد الصدر: (أنا تارك الحكومات لكم). وحدث جدال بينهما عن هذا الموضوع وعن علاقته بالثورة الإسلامية في إيران، مما أثار المجرم صدام فأمر جلاوزته بتعذيب السيد الصدر تعذيباً قاسياً. ثم أمر بجلب الشهيدة بنت الهدى ـ ويبدو أنها كانت قد عذبت في غرفة أخرى ـ جاءوا بها فاقدة الوعي يجرونها جراً، فلما رأها السيد استشاط غضباً ورقّ لحالها ووضعها. فقال لصدام: إذا كنت رجلاً ففك قيودي. فأخذ المجرم سوطاً وأخذ يضرب العلوية الشهيدة وهي لا تشعر بشيء. ثم أمر بقطع ثدييها مما جعل السيد في حالة من الغضب، فقال للمجرم صدام (لو كنت رجلاً فجابهني وجهاً لوجه ودع أختي، ولكنك جبان وأنت بين حمايتك)، فغضب المجرم وأخرج مسدسه فأطلق النار عليه ثم على أخته الشهيدة وخرج كالمجنون يسب ويشتم".

وفي مساء يوم التاسع من نيسان عام 1980 م وفي حدود الساعة التاسعة أو العاشرة مساءً، قطعت السلطة التيار الكهربائي عن مدينة النجف الأشرف. وفي ظلام الليل الدامس تسللت مجموعة من قوات الأمن إلى دار المرحوم الحجة السيد محمد صادق الصدر ـ رحمه الله ـ فطلبوا منه الحضور إلى بناية محافظة النجف، وهناك سلّموه جنازة السيد الشهيد وأخته الطاهرة بنت الهدى، وحذروه من الإخبار عن شهادة بنت الهدى، ثم أخذوه إلى مقبرة وادي السلام ووارهما الثرى.

ذهبت شهيدتنا الغالية إلى ربّها راضية مرضية لتحيا عند أمها الزهراء، وتشكو لها عذاب تسعة أشهر ما أقساها، وسياط المجرمين وتعذيبهم وما أشدها، وتقطيع جسد طاهر نذرته لرسالة جدها (ع)، لتشكو لها خذلان الخاذلين، وسكوت الساكتين، وشماتة الشامتين، وتفرج المتفرجين.

ذهبت بنت الهدى وبقي دمها في أعناق الجميع أمانة ما أثقلها في ميزان حساب الأمم عند الله تعالى وعند التاريخ.

**************

الشهيدة أم ياسر الموسوي‏

2007-09-05

هي السيدة سهام الموسوي من مواليد بلدة النبي شيت في البقاع، وزوجة أمين عام حزب الله الأسبق السيد عباس الموسوي (قده)، شاركت زوجها رحلته العلمية الجهادية من لبنان إلى النجف فلبنان، واستشهدت معه وابنها حسين في بلدة تفاحتا بعد استهدافهما من قبل العدو الصهيوني في ذكرى استشهاد شيخ الشهداء راغب حرب (رض).

بعد تطورات الأحداث السياسية في العراق بين الحركة الإسلامية هناك ونظام صدام حسين اضطرت الشهيدة أم ياسر وزوجها السيد عباس الموسوي (رضوان الله تعالى عليهما) إلى ترك النجف الأشرف ميمّمين وجهيهما شطر أرض آبائهما في البقاع اللبناني، حيث بدأت الحركة الإسلامية تشهد نهضتها. وقد كانت السيدة أم ياسر بما حصّلته من تتلمذها على يد زوجها السيد عباس (رض) والشهيدة بنت الهدى تسعى لنشر المعرفة الدينية والإسلامية في ربوع لبنان، فشمّرت عن ساعد الجدّ وبدأت مع السيد عباس وإخوانه تأسيس صرح علمي في مدينة الشمس يهتمّ بالإخوة والأخوات وينير سماء الوطن برواد من مجاهدي ومجاهدات الحركة الإسلامية.

كانت السيدة أم ياسر المدرِّسة في حوزة الزهراء (ع) والمحاضرة والمربية القديرة والأم الحنون سالكة مسلك سيدة نساء العالمين جدتها ومصطفية إياها على كل أمر آخر في حياتها. وكانت صادقة في حياتها وفي تطبيق ما آمنت به، إذ تروي إحدى الأخوات شهادة لها على جهاد السيدة أم ياسر جنباً إلى جنب مع سيد شهداء المقاومة الإسلامية، وتقول: .. وإن أنسَ فلا أنسى كلمات السيد الشهيد للسيدة أم ياسر وهما يتسلقان التلال المباركة في جبل صافي الذي يشهد على حضور السيدة الغالية: «إذا كان حظك كبيراً يا أم ياسر يكون نصيبك قذائف إسرائيلية»، فتردّ الشهيدة بابتسامة رضى وتسليم لله تعالى.

كانت السيدة أم ياسر مواسية دوماً لعوائل الشهداء، فكانت تسرع إلى بيت كل شهيد يسقط تمسح رؤوس أيتامه وتواسي الزوجة الثكلى، وتهدئ من روع الأم المفجوعة.

لقد تعرّضت الشهيدة أم ياسر إلى بلاءات متنوعة في حياتها وكانت كالجبل الصامد لا تتأوّه، ولا تشكو؛ كجدتها زينب (ع) متصفة بخصلتين من أخصّ صفاتها هما الكرم والتضحية، وقد كانت سعة صدرها ووفاؤها وثباتها في الشدائد وشجاعتها وإقدامها من سماتها الظاهرة.

ويمكن أن نسجّل من خلقها الرفيع أنها كانت تؤثر على نفسها وأولادها كل طالب حاجة، وتحبوه بكل جديد تاركة لأهل بيتها أغراضها القديمة. وفي شهادات عارفيها أن امرأة فقيرة .. سألتها كسوة لأطفالها: فما كان من الشهيدة أم ياسر إلا أن أعطتها كسوة جديدة لأحد أبنائها لم يكن قد لبسها بعد. وعندما رجع ولدها وعلم بما حدث، حزن على كسوته التي ذهبت. فما كان من الأم إلا أن قالت له: يا بنيّ ستكون الزهراء (ع) غاضبة منك كثيراً إذا عدْت لهذا الموقف... وقرأت عليه آية {ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيرا}.

وفي نفس السياق، وفي موقف آخر، دخلت عليها امرأة فقيرة تسألها أموالاً، ولم يكن في البيت أي مبلغ من المال، فسألتها أن تأخذ أي شي‏ء من البيت تحتاج إليه، فقالت المرأة: أريد سجاداً لأنه لا يوجد في بيتها أي شي‏ء يغطّي الأرض في ذلك الطقس البارد؛ فما كان من السيدة أم ياسر إلا أن حمّلتها ما أرادت من السجاد المفروش أرضاً.

وعندما همت المرأة الفقيرة خارجة حاملة السجاد بين يديها، استوقفتها الشهيدة أم ياسر وطلبت منها الدعاء إلى الله سبحانه وتعالى أن ينوّر قبرها. فأجابتها المرأة بأنها سوف تدعو لابن السيدة أم ياسر المريض بالشفاء، لكن الشهيدة عادت وأصرّت عليها أنها لم تطلب شفاء ولدها بل أن ينوّر الله قبرها.

من البقاع إلى النجف، ومن النجف إلى البقاع فبيروت والجنوب بان معدن السيدة أم ياسر ومعدن زوجها طاهراً أصيلاً، منسكباً من أطهر معين وأشرف مخلوق محمد (ص). وهمة من حيدرة (ع) تزرع أنّى حلّت مواسم خير وأجيال واعدة وتجري ببركتها فرات الماء إلى كل مظلوم ومعذب وموعود.

**************

فاطمة الزهراء (عليها السلام) في فكر الإمام القائد(حفظه الله)

2007-09-05

ولادة السيدة الزهراء (عليها السلام) ونشأتها:

ولدت بنت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الكريمة في السنة الخامسة للبعثة طبقاً للقول المشهور، وعلى هذا فإن عمر فاطمة الزهراء (عليها السلام) حين الاستشهاد كان 18 عاماً. وقيل إنّ ولادة هذه السيّدة الكريمة كانت في السنة الثانية أو السنة الاُولى للبعثة، فيكون الحدّ الأكثر لعمرها 22 أو 23 عاماً. ولو أخذتم جميع القيود التي يمكن أن تحيط بالمرأة (خاصّة في تلك الفترة حيث كانت القيود أكثر)، فعند ذلك ترون العظمة التي أثبتتها هذه السيدة المكرّمة في تلك الظروف وخلال هذا العمر القصير، وبالطبع إنّني لا أتمكّن أن أتكلّم عن الجوانب المعنوية والروحية والإلهية لتلك السيدّة الكريمة، فأنا أصغر من أن أدرك تلك الاُمور، وحتّى لو استطاع شخص إدراك ذلك، فإنّه لا يستطيع وصفها وبيانها كما هو حقّها، فتلك الجوانب المعنوية هي عالم آخر. وقد روي عن الإمام الصـادق (عليه السلام) انّه قال: «إنَّ فاطـمة كـانت مُحـدَّثة» أي أنَّ الملائكة كانت تنزل عليها وتأنس معها وتحدّثها. وهناك روايات عديدة في هذا المجال. وإنّ كونها محدّثة لا يختصّ بالشيعة فقط، فالشيعة والسنّة يعتقدون أنّه كان هناك أشخاص في صدر الإسلام ـ أو من الممكن وجودهم ـ كانت تحدّثهم الملائكة، ومصداق هؤلاء في رواياتنا هي فاطمة الزهراء (عليها السلام). وقد ورد في هذه الرواية عن الإمام الصادق (عليه السلام) بأنّ الملائكة كانت تأتي فاطمة الزهراء (عليها السلام) وتتحدّث معها وتقرأ عليها آيات اللّه. وكما أنّ هنـاك تعبير في القرآن حول مريم (عليها السلام) في الآية {إنّ اللّه اصطفاك وطهّرك واصطفاك على نساء العالمين} فإن الملائكة كانت تخاطب فاطمة الزهراء (عليها السلام) وتقول: «يا فاطمة إنّ اللّه اصطفاك وطهّرك واصطفاك على نساء العالمين».

إنّ هذه المسائل المعنوية لها ارتباط كبير بالفضائل العملية، ارتباط بما ينجم عن جهد فاطمة الزهراء (عليها السلام) وهذا المقام لا يعطى مجّاناً وبلا سبب. فعمل الإنسان له تأثير كبير في إحراز الفضائل والمناقب المعنوية.

البنت التي ولدت في لهيب الجهاد المرير للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في مكّة، والتي أعانت أباها وواسته في شعب أبي طالب، كانت فتاة عمرها حوالي 7 ـ 8 سنوات أو أقل أو أكثر بعدة سنوات (حسب اختلاف الروايات)، ومع ذلك تحمّلت تلك الظروف، مَنْ الّذي يرفع عن وجهها غبار الهمّ في تلك الظروف حيث توفّيت خديجة وأبو طالب والنبي لوحده بلا مواس، والجميع كانوا يلوذون به؟ فلا خديجة ولا أبو طالب، في تلك الظروف الصعبة، وفي ذلك الجوع والعطش والبرد والحر الذي استمرّ ثلاث سنوات في شعب أبي طالب (وهي من الفترات الصعبة في حياة النبي «ص») حيث كان يعيش عدد من المسلمين في شقّ جبل وهم في حالة إبعاد إجباري، في تلك الأحوال تحمّلت هذه الفتاة المشاكل فكانت كالمنقذ للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، واُمّ لأبيها، وممرضة عظيمة لذلك الإنسان العظيم. فقد واست النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وتحمّلت العناء وعبدت اللّه وعزّزت إيمانها وهذّبت نفسها وفتحت قلبها للمعرفة والنور الإلهي. وهذه هي الاُمور التي توصل الإنسان الى الكمال.

وبعد الهجرة؛ وفي بداية سنين التكليف تزوّجت فاطمة الزهراء(عليها السلام) من علي بن أبي طالب (عليه السلام). ولعلّكم جميعاً تعرفون البساطة وحالة الفقر التي مرّت بها فاطمة الزهراء (عليها السلام) بعد زواجها وهي بنت الشخص الأوّل في العالم الإسلامي، والحاكم على اُولئك الناس. 

عظمة السيدة الزهراء (عليها السلام):

إنّ الإنسان كلّما فكّر وتدبّر أكثر في أحوال الزهراء الطاهرة (عليها السلام) يحتار أكثر، وحيرة الإنسان ليست ناجمة عن كيفية تمكّن هذا الكائن الإنساني من نيل هذه الرتبة من الكمالات المعنوية والمادّية في سني الشباب ـ وهي بالطبع حقيقة تثير الحيرة أيضاً ـ بل من القدرة العجيبة التي استطاع الإسلام بها أن يبلغ بتربيته الرفيعة الى درجة تُمكِّن إمرأة شابّة كسبت هذه المنزلة العالية في تلك الظروف الصعبة. فعظمة هذا الكائن وهذا الإنسان الرفيع تثير العجب والحيرة وكذلك عظمة الرسالة التي أظهرت هذا الكائن عظيم القدر وجليل المنزلة.

جوانب من حياة السيدة الزهراء (عليها السلام):

إنّ حياة فاطمة الزهراء (عليها السلام) في جميع الأبعاد كانت مليئة بالعمل والسعي والتكامل والسمو الروحي للإنسان، وكان زوجها الشاب في الجبهة وميادين الحرب دائماً، وكانت مشاكل المحيط والحياة قد جعلت فاطمة الزهراء (عليها السلام) مركزاً لمراجعات الناس والمسلمين. وقد أمضت البنت المعينة للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حياتها بمنتهى الرفعة في تلك الظروف، وقامت بتربية أولادها الحسن والحسين وزينب وإعانة زوجها علي (عليه السالم) وكسب رضى أباها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وعندما بدأت مرحلة الفتوحات والغنائم لم تأخذ بنت النبي ذرّة من لذائذ الدّنيا وزخرفها ومظاهر الزينة والاُمور التي تميل لها قلوب الشابّات والنساء. وكانت عبادة فاطمة الزهراء (عليها السلام) عبادة نموذجية، يقول الحسن البصري الذي كان أحد العبّاد والزهّاد في العالم الإسلامي حول فاطمة الزهراء (عليها السلام) بأنّ بنت النبي عبدت اللّه ووقفت في محراب العبادة الى درجة (تورَّمت قدماها)، ويقول الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) بأنّ اُمّه وقفت تعبد اللّه في إحدى الليالي حتّى الصبح (حتى انفجر عمود الصبح). ويقول الإمام الحسن (عليه السلام) انّه سمعها تدعو دائماً للمؤمنين والمؤمنات، وتدعو للناس وتدعو للمشاكل العامّة للعالم الإسلامي، وعند الصباح قال لها: (يا اُمّاه أما تدعين لنفسك كما تدعين لغيرك، فقالت: يا بنيّ الجار ثمّ الدار).

إنّ جهاد تلك المكرّمة في الميادين المختلفة هو جهاد نموذجي، في الدفاع عن الإسلام وفي الدفاع عن الإمامة والولاية، وفي الدفاع عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وفي المعاشرة مع أكبر القادة الإسلاميين وهو أمير المؤمنين الذي كان زوجـها. وقد قال أمـير المؤمنين (عليه السلام) مرّة بشأن فاطمة الزهراء (عليها السلام): «ما أغضبتني ولا خرجت من أمري». ومع تلك العظمة والجلالة، فإن فاطمة الزهراء (عليها السلام) كانت زوجة في بيتها، وامرأة كما يقول الإسلام، وعالمة رفيعة في محيط العلم. وعن الخطبة التي قالتها فاطمة الزهراء (عليها السلام) في مسجد المدينة بعد رحلة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال العلاّمة المجلسي: إنّ على كبار الفصحاء والبلغاء والعلماء أن يجلسوا ويوضّحوا كلمات وعبارات هذه الخطبة. فقد كانت قيّمة إلى هذه الدرجة. ومن حيث الجمال الفنّي فإنّها كانت مثل أجمل وأرفع كلمات نهج البلاغة وفي مستوى كلام أمير المؤمنين (عليه السلام). ذهبت فاطمة الزهراء (عليها السلام) ووقفت في مسجد المدينة وتكلّمت ارتجالاً أمام الناس حوالي ساعة كاملة بأفضل وأجمل العبارات وأصفى المعاني. هكذا كانت عبادتها وفصاحتها وبلاغتها وحكمتها وعلمها ومعرفتها وحكمتها وجهادها وسلوكها كزوجة وكاُمّ، وإحسانها الى الفقراء. فمرّة أرسل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) رجلاً عجوزاً فقيراً الى بيت أمير المؤمنين (عليه السلام) وقال له أن يطلب حاجته منهم، فأعطته فاطمة الزهراء (عليها السلام) جلداً كان ينام عليه الحسن والحسين حيث لم يكن عندها شيئاً غيره، وقالت له أن يأخذه ويبيعه ويستفيد من نقوده. هذه هي شخصية فاطمة الزهراء(عليها السلام) الجامعة للأطراف. إنها اُسوة للمرأة المسلمة.

التأسي بالسيدة الزهراء (عليها السلام):

لقد كانت كل مساعي أمير المؤمنين (عليه السلام) خالصة لله وللإسلام، فهو اُمثولة رجال التعبئة، وإنني اُهيب بمقاتلي التعبئة في بلادنا العلوية الفاطمية أن يجعلوا أمير المؤمنين (عليه السلام) قدوة لهم، فإنّه (عليه السلام) أفضل وأعظم قدوة للتعبويين المسلمين في كل أرجاء العالم، ثم أن فاطمة الزهراء (عليها السلام) وهي إبنة قائد الإسلام العظيم والحاكم المقتدر في زمانه رغم كل الذين تقدّموا لها ومن بينهم المتموّلين والشخصيات، إلاّ أنها انتخبت ـ أي أن الله انتخبه وهي كانت راضية بالانتخاب الإلهي وفرحة بذلك ـ هذا الشاب الذي وهب حياته مرضاة لله وقضى عمره في الجهاد، ثم تعيش معه بتلك الصورة حيث كان أمير المؤمنين (عليه السلام) راضٍ بكل وجوده عنها، وعبارات أمير المؤمنين (عليه السلام) لها ـ والتي لا اُريد ذكرها في يوم العيد هذا ـ في أواخر حياتها خير دليل على ذلك.

فصبرت وربّت بنيها ودافعت عن حق الولاية دفاع المستميت وتحمّلت في ذلك كل ذلك العذاب وتلك المصائب ثم استقبلت تلك الشهادة العظيمة بكل رحابة صدر. فهذه هي فاطمة الزهراء (عليها السلام).

إن الإنسان ليشعر ـ في السنوات الخمسة عشر الأخيرة ـ بفورة محبة الزهراء (عليها السلام) في قلوب أبناء هذه الاُمة المؤمنة الثورية المخلصة الحزب اللهية، فكان اسمها يتردد في الجبهات خلال الحرب، وفي فترة الصلح والإعمار أيض?


تعليقات الزوار
ارسال تعلیق