الشهيد السيد مصطفى الخميني.. مصداق الألطاف الإلهية الخفية

2015-12-28
0
641

مقدمة

حياة الشخصيات الكبرى صفحات ذهبية وبارزة في التاريخ تشد إليها أنظار الأجيال المبصرة للحقيقة، والضمائر الحية والنقية لأبناء الإنسانية.

كان الشهيد آية الله سيد مصطفى الخميني (قدّس سرّه) كوكباً ظل نوره القدسي مشعلاً يهتدي به أنصار الإمام (قدّس سرّه) والسائرون على خطّه إلى حين انبلاج فجر الثورة في سماء إيران التي كانت ملبّدة بالظلام.

دراسة الآثار العلمية والنشاطات السياسية والسجايا الأخلاقية للشهيد مصطفى الخميني (قدّس سرّه) حسنة مؤجّلة إذ بقيت الكثير من آفاق شخصيته مجهولة حتى بعد مرور عشرين سنة على استشهاده.

كان هذا الرجل، الذي قال فيه إمام العارفين: انه كان أملاً لمستقبل الإسلام، فقيهاً متعمقاً ذا أساس راسخ، وفي علم الأصول عميق الغور ومتضلع ومبدع، إضافة إلى كونه فيلسوفاً ناقداً وعميق الفهم ومفسراً. وقد استطاع بفكره الواسع استيعاب القرآن وتفسيره بأفق جديد.

ومع أنّ الأيدي الأثيمة الجائرة تسببت في طمس الكثير من آثار هذا الفقيه المجاهد إلاّ ان المتبقّي منها يعد بحد ذاته سبيلاً موثوقاً للتعرف على مدى عظمته العلمية ونبوغه الفائق.

استشهد العلاّمة  سيد مصطفى الخميني في الأول من شهر آبان عام 1356 للهجرة الشمسية بنحو غامض في النجف الأشرف على يد جلاوزة السافاك (مديرية مخابرات وأمن النظام الشاهنشاهي) وكانت شهادته حسب التعبير العرفاني لوالده الجليل سماحة الإمام الخميني، من الألطاف الإلهية الخفية وبمثابة حلقة وصل بين الخامس عشر من خرداد عام 1342 والثاني والعشرين من بهمن عام 1357.

يوم قال سيد مصطفى: «سنقدّم المزيد من الشهداء على طريق الحرية، وأن ثمرة النصر لا تأتي إلاّ بالصمود» طالما كان يأمل حينها أن يكون هو أحد هؤلاء الشهداء، ولكن لعله لم يكن يحسب أن سيغدو بمثل هذه السرعة حاملاً راية شهداء فصل انتصار الثورة. ومع كل هذا لم تنل شخصيته السياسية والعلمية نصيبها المطلوب من التحليل والدراسة.

الشهيد مصطفى الخميني(ره) في كلام القائد الخامنئي (حفظه الله)

كان النجل الأكبر لسماحة الإمام(رض) يتمتع بخصائص بارزة، فهو بالإضافة إلى الجانب العلمي أظهر براعة واستعداداً باهراً في الفقه والأصول والعلوم العقلية على مستوى الحوزة العلمية.

لقد طالع الشهيد جميع الكتب المهمّة في عهده. لقد كان شخصية شمولية ومتعددة الجوانب.

وكان يبدو أن جميع الصفات الايجابية كانت تنمو في شخصيته نحو التطوّر والتكامل.

لقد سطعت شخصية الإمام الخميني(ره) أمام أنظار الشعب الإيراني كالشمس المشرقة في صبره وتحمله فقدان نجله السيد مصطفى. ومعنى هذا أنّ تكريم منزلة ومكانة السيد مصطفى تمثل في الواقع احتراماً لسماحة الإمام(رض) وتكريماً للقيم الإسلامية والثورية.

محطات علمية في حياة الشهيد

* ولد في مدينة قم المقدسة يوم 12 رجب 1349 هـ ق.

* ابتدأ دراسته في المدارس العصرية الحديثة في السابعة من عمره.

* بسبب شغفه الشديد للدراسة في الحوزة العلمية، انضم إلى مسلك العلم والعلماء ولم يتجاوز الثانية عشر من عمره.

* أنهى مرحلتي المقدمات والسطوح في مدة تقل عن تسع سنوات.

* شرع حضور بحث الخارج في الواحدة والعشرين من عمره.

* بلغ مرتبة الاجتهاد ولم يتجاوز سن الثلاثين.

* ألقى دروس بحث الخارج في النجف الأشرف لمدة تسع سنوات وتربى على يده جمع من الفضلاء.

* اشتهر بذكائه الخارق وذاكرته القوية وتضلّعه في مختلف العلوم.

* كانت له اليد الطولى في علم المعقول وكان له تعمق وتبحر في التفسير والتاريخ وعلم الرجال.

* خلف كتباً كثيرة في مختلف المجالات العلمية.

مجتهد بمعنى الكلمة

مقتطفات من مذكرات آية الله سيد عباس خاتم اليزدي

...عند قدومي من يزد إلى قم لأجل الدراسة حصل نوع من المعرفة بيني وبين السيد مصطفى، إلا أن معرفتي به تعمّقت أثناء وجودنا في النجف الأشرف.

كان سيد مصطفى معروفاً بسعة مؤهلاته وقوّة ذاكرته، وكنّا آنذاك نعرفه عن بُعد بهذا المقدار، كان متوهج الذكاء وشديد التواضع، وسريع التفاعل مع طلاب العلوم الدينية على الخصوص.

كان الإمام يشعر بحالة من الغربة الحقيقية في النجف؛ فالفضلاء لم يحيطوا به كما كان ينبغي. كان يتردد عليه بعض الطلبة الذين تحدوهم رغبة عميقة إلى التعلم. الشبان الذين أحاطوا بالإمام هم أولئك الطلاب الذين قدموا من إيران إلى النجف وراء التوجهات السياسية للإمام. وهناك تجلّت شخصية المرحوم سيد مصطفى في الجانب السياسي وفي مجال علمه وفضله؛ إذ كان ناشطاً في كلا المجالين السياسي والعلمي.

في الجانب العلمي يمكن القول انه كان عالماً بمعنى الكلمة؛ فقد كان عالماً حقاً في أبواب الفقه، والأصول، والفلسفة، والأدب العربي، والأدب الفارسي، وقد كان مجتهداً في درجة عالية من الاجتهاد، أي كان مجتهداً بمعنى الكلمة، ويمكن القول انه قل نظيره في عصره في باب الفقه والأصول.

إحدى السجايا التي كانت فيه هي شدّة حبّه للإمام وحرصه على عدم حصول أي إزعاج له. ذكر في أحد الأيام، أنّه دخل على الإمام يوماً فقال له الإمام: لقد جاءت رسالة من الحاج مهدي الحائري ابن المرحوم الحاج الشيخ عبدالكريم الحائري بعثها من أمريكا ويقول فيها: لو إنني أعلم شخصاً على وجه الأرض يمكنني أن أعرض عليه سؤالي هذا لما عرضته عليك؛ تقديراً لكثرة مشاغلكم ولأنكم تعيشون في النجف ظروف النفي والغربة، ولكني لا أعرف على وجه الأرض شخصاً أسأله سواكم. وكان في رسالته يسأل عن معنى عبارة لابن العربي.

يقول: ناولني الإمام الرسالة وقال لي: انظر ما فيها.

وبعد أن قرأتها سألني الإمام عن فحوى الإجابة، فعرضت عليه الجواب، فقال: هذا هو الصحيح.

لقد كان سيد مصطفى بارعاً حقّاً في الفقه والأصول، كما انه كان بارعاً في علم الرجال أيضاً.

أستاذ في شتّى العلوم

آية الله محمد حسن قديري

المرحوم آية الله سيد مصطفى الخميني (قدس سره الشريف) من روّاد هذا الطريق، بل ومن قادة الأمة الإسلامية، ومصداق لهذه الآية المباركة. لقد استقبل مفهوم «ربّنا الله» عن اخلاص وظل يُنافح عنه بصلابة حتى نهاية عمره الشريف، ولم يكن يخشَ الطاغوت، وواجه كل مصاعب الحياة بإيمان بالله وعزم راسخ. ويمكن القول بحق انه عاش سعيداً ومات سعيداً. اسأل الله أن يحشره مع أجداده الطاهرين.

ومع إنني لا أدّعي الإحاطة بكل أبعاد حياته ونشاطاته السياسية والاجتماعية والعلمية وسلوكه الأخلاقي والعملي والعرفاني، ولكن بما إنني عاشرته مدّة في النجف الأشرف وكنت معجباً به، أرى من حقّه عليَّ أن أتحدث عمّا أعرفه عنه.

أنا أرى أنّ المرحوم سيد مصطفى كان من الأركان الأساسية في النهضة الإسلامية، وكان له دور مؤثر في تلك النهضة وديمومتها، وكان استتار دوره أمراً طبيعياً بسبب أنّ دوره الفاعل كان في مرحلة الكبت أولاً، وثانياً لأن الشمس الساطعة لوالده الكريم حينذاك كانت تغني عن اشراقات الشموس الأخرى؛ وإلاّ فانَّ الخدمة التي أداها المرحوم سيد مصطفى للنهضة في عهده لم تكن أقل مما قدّمه الآخرون؛ فقد كان نصير الإمام وعضده، وكان هو المعين له في غربته، بل كان هو أنيسه الوحيد.

أتذكر جيّداً إنني كنت في مدرسة المرحوم آية الله البروجردي في النجف الأشرف، حين بلغنا في عصر أحد الأيام خبر قدوم الإمام من تركيا إلى العراق وأنّه في الكاظمية، واتصل المرحوم سيد مصطفى بدار المرحوم آية الله العظمى الخوئي هاتفياً طالباً تهيئة دار لسماحة الإمام. فتوجهنا في اليوم نفسه إلى بغداد ووصلنا ليلاً إلى الكاظمية إلى حيث الفندق الذي نزله الإمام؛ فكان سماحته في غرفة، وفي غرفة أخرى كان سيد مصطفى وحده مستيقظاً، وكانت عمامة الإمام في غرفة السيد مصطفى.

لم نستطع مقابلة الإمام في تلك الليلة. وفي صباح اليوم التالي ذهب الإمام برفقة سيد مصطفى لزيارة ضريح الإمام موسى بن جعفر عليهما السلام. وهناك التقى به عدد من العلماء وبقوا في رفقته.

وقد سمعت من الإمام نفسه أنه قال عن أهمية وجود سيد مصطفى إلى جانبه أثناء وجوده في تركيا: «كان وجود سيد مصطفى إلى جانبي في تركيا ضرورياً بالنسبة لي». أضف إلى أن وجوده معه في النجف أزال عنه مشاعر الغربة. وكان هو الأمين على أسراره في شؤون النهضة، وهو ثقته وموضع اعتماده. وهو وان كان لا يتدخل في الأمور ظاهرياً، لكنه في الحقيقة هو الذي يتولى إدارة الشؤون السياسية والاجتماعية للإمام.

وخلاصة القول هو انه لولا وجود سيد مصطفى إلى جانب الإمام لكثرت عليه المشاكل، وان للسيّد مصطفى حقاً على الثورة. وإذا كان سماحة الإمام قد قال إنّ مصطفى كان أملاً لمستقبل الإسلام، فانه لم يكن يُثني على مجرد رجل عالم أو عابد أو عارف، بل كان يشير بذلك إلى دوره الفاعل في الثورة.

كان سيد مصطفى عالماً ومجتهداً، وكان يبدي اهتماماً كبيراً للعبادات والزيارات، ويساعد المساكين والمعوزين، وكان ملاذاً لأصحاب الإمام الذين لم يكن لهم ملاذ يومذاك إلاّ أميرالمؤمنين(ع) ودار الإمام.

وفي مجال البحث كانت له اليد الطولى، ومع براعته في النقاش إلاّ أنه كان منصفاً في قبول الحق؛ فان رأى المقابل على صواب أذعن لرأيه.

كان استاذاً كفوءاً في مختلف العلوم. ومن جملة الذكريات العالقة في ذهني منه، هو انني رافقته عند الذهاب إلى كربلاء سيراً على الأقدام حيث كُنّا وصلنا إلى بساتين كربلاء وقضينا تلك الليلة هناك، وتحلّق حوله رفاق السفر، وتقرر أن يعرض له كل واحد منهم سؤالاً في أحد أبواب العلوم.

ولا أنسى أنهم عرضوا عليه أسئلة في شتى مجالات العلوم وكان هو يجيب عنها، واستمر ذلك المجلس حوالي أربع ساعات. وفي الحقيقة إني لازلت إلى الآن أتعجب عند استذكار ذلك الموقف، وان يكون لمثل هذا الشخص كل تلك الكفاءة في الإجابة على تلك الأسئلة كافّة بدون مطالعة.

آثار العلامة الشهيد سيد مصطفى الخميني

بسم الله الرحمن الرحيم

كان الشهيد سيد مصطفى الخميني رحمة الله عليه من النوابغ والشخصيات البارزة في الحوزات العلمية، وقد بلغ مدارج رفيعة في طريق العلم والعمل.

كان وارثاً للنبوغ الذاتي لسماحة الإمام(قده) وكان مثالاً له في الجلال والهيبة.

وكان متصلاً من جهة الأم بأسرة الثقفي المشهورة بالعلم والعمل. جدّه لأمه هو آية الله «آقا ميرزا محمد الثقفي» صاحب تفسير «روان جاويد»، و«الحاشية على درر الفوائد» الذي كتبه آية الله الشيخ عبدالكريم الحائري، وجدّه الأعلى هو الميرزا «أبو الفضل الطهراني» مؤلف كتاب «شفاء الصدور في شرح زيارة عاشوراء»، وهو ابن الميرزا «أبو القاسم كلانتر» الذي كتب تقريرات الشيخ الأعظم الأنصاري رحمة الله عليه، والمسمّاة بـ«مطارح الأنظار».

أدّى النبوغ الذاتي للعلاّمة الشهيد إضافة إلى جدّه ومثابرته في الدراسة إلى بروزه المفاجئ في الأوساط العلمية، حتى اعتبره جميع علماء وفضلاء الحوزة العلمية في قم خلال مدّة وجيزة شخصاً كفوءاً وممن تعقد عليه الحوزة آمالها.

ومع أن العلامة الشهيد لم يكن عمره عام 1343 ـ حين إلقاء القبض عليه ونفيه إلى تركيا من قبل نظام الشاه، بعد نفي أبيه ـ قد تجاوز الرابعة والثلاثين، ولكن يستشف من مجمل كتاباته انه ألف عدّة كتب خلال هذه الفترة القصيرة. والكتب التي ألّفها العلامة الشهيد في قم هي كالآتي:

1ـ كتاب الإجارة: وقد جاء مشروحاً بالتفصيل في دفترين.

2ـ كتاب القواعد الحكمية: وهو كتاب عن القواعد العامة للفلسفة، ويبدو انه كان كبيراً ومشروحاً بالتفصيل، ولهذا السبب جاء ذكره في الكثير من مؤلفات الشهيد ويتضمن مواضيع فلسفية شتّى.

3ـ كتاب القواعد الفقهية: يبدو أنّ العلامة الشهيد قد بحث عدداً من القواعد الفقهية على حدة، وهو يشير في مؤلفاته إلى وجود مثل هذه الكتابات، ويمكن الإشارة من جملتها إلى قاعدة «لا ضرر» و«لا تُعاد».

4ـ حاشية على الأسفار الأربعة.

وقد درس الأسفار على يد أكابر عصره في هذا الفن؛ وكان أستاذه في قسم من الأسفار آية الله السيد أبو الحسن رفيعي القزويني. وهو الأستاذ الذي درس عنده الإمام الراحل(ره) في سنوات شبابه شرح المنظومة بين عامي 1304 ـ 1308 هـ. ش. وقد أثنى على المواضيع التي وردت في ذلك الكتاب بـ« أقول: أنها في غاية الجودة».

كما ودرس الشهيد قسماً آخر من الأسفار عند العلاّمة الأكبر فيلسوف عصرنا، العارف الواصل الإمام الراحل، حشرهُ الله مع النبي الأكرم. وإلى جانب دراسته دوّن في حاشيته آراءه وتحقيقاته.

5 ـ حاشية على «المبدأ والمعاد»:وهو كتاب من تأليف صدر المتألهين.

وهذه الحواشي إضافة إلى قلّتها، تَلف معظمها أثناء عملية التجليد، حتى فقدت فائدتها.

6 ـ رسالة في بحث قضاء الصلوات.

7 ـ رسالة في بحث الخلل في الصلاة: وهذه الرسالة كتبت في قم، ولم نحصل عليها. كما انه كتب رسالة أخرى تحمل نفس الاسم في النجف الأشرف، وسنتحدث عنها بمزيد من التفصيل في ختام هذه المقالة.

8 ـ الفوائد الرجالية: وهو كتاب ألّفه في بعض بحوث علم الرجال. والمؤلَّف في كتبه الأخرى يحيل القارئ إلى تلك المباحث.

من البديهي أنّ تعيين البحوث والفهارس المحتملة للكتب المفقودة لهذا الشهيد تستلزم التقصي التام في آثاره الأخرى، نأمل آن تُبذل مثل هذه الجهود على يد الطلبة الراغبين في هذا المجال.

الكتب التي ألّفها العلامة الشهيد في منفاه:

في عام 1343 وبعد اعتقال الإمام الراحل ونفيه إلى تركيا، أصبحت مهمّة تنسيق العمل الثوري وتوجيه الثورة الإسلامية الكبرى على عاتق نجله الشاب، الذي أبدى كفاءة في هذا المضمار، دفعت بالسلطة الحاكمة إلى اعتبار وجوده وحرّيته في العمل مغايرة لأهدافها؛ فسجنته ونفته إلى جوار الإمام.

اغتنم سيد مصطفى الفرصة التي أتيحت له في المنفى للدراسة واستلهام الفيض من أستاذه. وكما نقل الشهيد نفسه انه كانت هنالك بين الأب والابن نقاشات علمية ساخنة جعلت شرطة الأمن في تركيا يتوهمون أنّ جدالاً وقع بينهما، فيسارعون إلى تفقد الوضع في تلك الغرفة.

بادر سماحة الإمام (س) خلال فترة النفي في تركيا ـ والتي لم تدم طويلاً ـ إلى تدوين كتابه «تحرير الوسيلة» الذي قلّ نظيره، في حين لم يكن تحت تصرّفه من الكتب الفقهية إلا كتابي «وسيلة النجاة» و«العروة الوثقى»، ولم يكن معه من الكتب الروائية إلاّ دورة من كتاب «وسائل الشيعة».

هذه النقطة المهمّة التي تعكس تبحر سماحة الإمام (س) في المسائل الفقهية، تتضح ومن بداية رسالة «الواجبات في الصلاة» التي كتبها آية الله الشهيد أثناء وجوده في تركيا.

يتضمن كتاب «تحرير الوسيلة» دورة كاملة في المسائل الفقهية التي لا وجود لبعض أبوابها لا في «العروة الوثقى» ولا في «وسيلة النجاة» والتي كتبها في نص منفصل. ولكن ليس من الصعب على من يطالعها أن يدرك أنّ الكثير من البحوث الفقهية المهمة التي وردت في «تحرير الوسيلة» لا وجود لها في أيٍّ من الكتابين الفقهيين اللذين كانا تحت تصرف الإمام، وعلى الرغم من هذا فقد دوّن كتابه ذلك مع ذكر الكثير من الفروع.

خلّف العلاّمة الشهيد أثناء فترة وجوده في تركيا رسالتين:

9 ـ الواجبات في الصلاة: عرض في هذه الرسالة أقوالاً مختلفة واحتمالات شتّى استند في أكثرها إلى ذاكرته.

أشار العلامة الشهيد في هذا الكتاب إلى بعض الأحداث التاريخية، ومنها: قدوم ممثلين عن نظام الشاه إلى سماحة الإمام وأعلامه بقرار إخراجه من تركيا.

10 ـ الفوائد والعوائد: وتتضمن هذه الرسالة معلومات متفرقة في مواضيع الأصول، والفقه، والكلام، والعرفان. وتتضمن أيضاً جملاً مقتضبة ولكنّها تستعصي على الفهم في مجال الدراسة والتمحيص. وقد أورد في هذا الكتاب على سبيل المثال بحث استصحاب الكُلّي وأقسامه، واستدل على عدم إمكانيّة حصول مثل هذا الاستصحاب.

وبحث في فائدة أخرى موضوع المعاد الجسماني، وفي فائدة أخرى موضوع الدعاء، وتحدث في فائدة أخرى عن الثواب والعقاب.

وتنطوي إحدى هذه الفوائد على موضوع مثير لا تتطرق إليه كتب الأصول عادة، وهو تأثير الظروف الزمانية والمكانية في تغيير الأدلة والحُجج. يقول في هذا الصدد: بعد تصرّم عهود طويلة على مختلف العلوم واتضاح حقيقة وقوع الكثير من الأخطاء فيها، لم يعد بالإمكان انجاز التحقيقات العلمية لوحدها وبدون استشارة المختصين الآخرين، ولو أنّ أحداً أدلى برأيه بدون الاستنارة بآراء الآخرين واستشارتهم، لا يعتبر رأيه ذلك حجّة عند العقلاء.

إنّ رأياً كهذا لابدّ وان يقود إلى تقليص التشتت في الآراء، ويؤدي إلى نضوج وتكامل الوضع العلمي في الحوزات.

أشار في ختام هذه الفائدة إلى تاريخ تدوينها وهو يوم 22 جمادى الأولى.

كتب العلامة الشهيد في النجف الأشرف:

بعد مغادرة سماحة الإمام ونجله لتركيا وتوجهه صوب النجف الأشرف، بدأ الشهيد العزيز نشاطه السياسي على شتّى الأصعدة.

فمن جهة وجود الإمام في العراق وفي مهد الحوزات العلمية الشيعية العريقة، قد أثار حسّاسية فئة من الجهلة الذين سعوا إلى عزله عن سائر علماء النجف، وإظهاره وكأنه رجل حريص على نيل منصب المرجعية.

ومن جهة أخرى كانت سعة علاقات السيد الإمام مع إيران والبلدان الإسلامية وغير الإسلامية تستلزم إيجاد تنسيق واسع بين الشخصيات الثورية وأنصار النهضة الإسلامية. وكان ذلك التنسيق ينتهي بأجمعه إلى العلامة الشهيد سيد مصطفى، وكان حضوره إلى جانب الإمام بمثابة حلقة الوصل بين الإمام ومختلف الشخصيات.

كما ودأب المرحوم سيد مصطفى إلى كسر طوق العزلة عن الإمام، وتعريفه كمجتهد بارع، وفقيه متبحّر في مختلف العلوم الإسلامية.

أدّى حضوره في حلقات درس الأساتذة الكبار في النجف إلى شد الأنظار إليه وإلى أستاذه ووالده سماحة الإمام (س)، ونتج عنه كثرة توافد الطلبة على درس الإمام.

كان لأسلوب الإمام في التدريس، والتحقيق في المواضيع، وتقصي مختلف الآراء والأدلة، وإحاطته بجميع القواعد العامّة، وتبحّره في العلوم العقلية، ودراسته لكتب وآراء الأساتذة والشخصيات المعاصرة، إضافة إلى كثرة الأسئلة والأجوبة بينه وبين تلاميذه، دوراً في إضفاء نكهة خاصّة على درس الإمام (س)، وهذا ما كان يُعتبر ظاهرة فريدة في الحوزات العلمية في العراق يومذاك.

بالإضافة إلى النشاط السياسي الذي كان يمارسه العلامة الشهيد، وتصدّيه لمسؤولية مكتب الإمام، كان منهمكاً بالتدريس وتدوين الكثير من الكتب؛ فقد درّس أثناء إقامته في النجف دورة كاملة في الأصول، وتزامناً مع التدريس كان يدوّن آراءه الخاصّة التي انتهت به إلى تصنيف كتابه الشريف «تحريرات في الأصول».

11 ـ تحريرات في الأصول:

طبع هذا الكتاب في إيران على يد أحد تلاميذه وهو حجة الإسلام والمسلمين سيد محمد سجّادي، ويتضمن بحوثاً في علم الأصول من البداية وحتى موضوع الاستصحاب التعليقي.

وبما أنّ المؤلف قد أخذ بنظر الاعتبار في هذا الكتاب، أقوال أكثر الكتب الأصولية السابقة، لهذا أصبح كتابه هذا بمثابة شرح للكتب الأصولية، وكنقد على آراء الأصوليين أيضاً.

يعكس هذا الكتاب تبحّر مؤلفه في علم الأصول والعلوم العقلية الأخرى. ويُعد ـ بلا ريب ـ من أكثر الكتب الأصولية أهمية عند المعاصرين، وأعتقد لو أنه طبع بنحو لائق، ورفعت منه الأخطاء والنواقص وأضيفت إليه الفهارس، لما وجد أساتذة الأصول أنفسهم في غنيً عن مراجعته.

في نفس الوقت الذي التزم فيه العلامة الشهيد منتهى الدقّة والتفصيل في تقصّي المسائل الأصولية، تجنّب أيضاً ذكر البحوث غير المهمّة في كتابه، بل وعرض في بعض المواضع عناوين مستجدّة، ويمكن الإشارة على سبيل المثال إلى بحث التمسك بالعام في الشبهات المصداقية والمفهومية.

شرح العلامة سيد مصطفى في مواضيع كثيرة من كتابه، آراء أستاذه الأعظم سماحة الإمام الخميني (س)، وسعى إلى نقدها وتمحيصها في موارد متعددة.

وقد استأثرت الآراء الفقهية للعديد من العلماء باهتمام العلاّمة الشهيد وتناولها عدة مرّأت بالدراسة والنقد. وأولئك العلماء والآيات العظام هم كالآتي:

1 ـ قائد الثورة الإسلامية الكبير سماحة الإمام الخميني(ره).

2 ـ آية الله البروجردي، وقد دَرَسَ مؤلف الكتاب ـ سيد مصطفى ـ على يده الفقه، وربما الأصول أيضاً.

3 ـ آية الله الشيخ محمد حسين الغروي الأصفهاني، المعروف بالكمباني.

4 ـ آية الله ضياء الدين العراقي.

5 ـ آية الله النائيني.

6 ـ آية الله الحاج عبدالكريم الحائري.

7 ـ آية الله حجّة الكوهكمري الذي كان يعبّر عنه أحياناً بـ «جد أولادي».

8 ـ آية الله الميرزا محمد الثقفي الذي كان يسمّيه في بعض المواقف بـ«جدي المحشّي».

9 ـ آية الله السيد أبو القاسم الخوئي الذي يعبّر عنه أحياناً بـ «بعض المعاصرين».

10 ـ آية الله الشيخ محمد رضا الأصفهاني.

11 ـ آية الله الميرزا حبيب الله الرشتي الذي يعتبره العلامة الشهيد من أكبر فقهاء الشيعة.

إضافة إلى الكثير من الأساتذة المعاصرين والمتقدّمين ممن استأثروا باهتمامه.

وفضلاً عن اهتمامه بكتب المتأخرين، درس أيضاً آراء المتقدمين كالشيخ الأنصاري، والآخوند صاحب الكفاية وحواشي كتبهم، وكذلك القوانين وهداية المسترشدين والفصول.

دوّن العلامة الشهيد أثناء إقامته في النجف الأشرف عدّة كتب فقهية، وكان في نيّته تأليف مجموعة واسعة من البحوث الفقهية.

كان يعبّر عن المجموعة الفقهية التي دوّنها على مدى فترة طويلة باسم «الكتاب الكبير». إلاّ أن استشهاده قد أدّى ومع الأسف إلى عدم إتمام هذه المجموعة، كما هو الحال بالنسبة لمجموعة الأصول والتفسير أيضاً، ولكن غدا استشهاده من جهة أخرى سبباً لتأجيج لهيب الثورة الإسلامية في إيران.

أما الكتب التي في متناول أيدينا من مؤلفات الشهيد العزيز فهي:

12 ـ كتاب الصوم: طبع هذا الكتاب على يد اثنين من تلاميذه وهما: حجة الإسلام سيد محمد سجّادي، ومحمد علي رازي زاده ( عليبور). وقد ألّف العلامة الشهيد هذا الكتاب في أعقاب تدريسه لمباحث الصوم في أحد أشهر رمضان المبارك. وهذا هو الكتاب الفقهي الوحيد من كتبه التي درّسها، أما كتبه الفقهية الأخرى فقد ألّفها لأجل التحقيق فقط لا للتدريس.

تناول في هذا الكتاب الذي يضم بحثين هما النيّة والمفطّرات، شرح بعض الآراء ونقدها، وقدّم في بحوثه هذه آراءاً متعددة.

سار المؤلف في كتابه هذا وفقاً لكتاب «العروة الوثقى»، وضمّنه فروعاً أخرى من كتب مفصلة كـ«جواهر الكلام» و «تذكرة الفقهاء». وهو يعارض في بحوثه الفقهية الاستدلالات العقلية بشدّة، وكثيراً ما يتجنّب الإتيان بأي استدلال عقلي في المسألة، ويعوّل في مقابل ذلك على الفهم العرفي لما كان سائداً على عهد الأئمة المعصومين(ع)، مع السعي لتحديد المرتكزات العرفية على وجه الدقّة في تأثيرها على فهم الروايات.

13 ـ كتاب الطهارة: ويضم 514 صفحة مكتوبة بخط اليد، اعتباراً من أول مبحث المياه وحتى آخره، ومن بداية موضوع النجاسات وأحكامها وحتى فروع بحث الميتة (وهي النجاسة الرابعة الوارد ذكرها في هذا الكتاب).

تاريخ تدوين الكتاب غير محدد على وجه الدقّة، وجاء فقط في الصفحة 420 ـ التي جاءت مع ما سبقها من الصفحات وحتى بداية الكتاب في مجلد واحد على حدة ـ العبارة التالية: «الظاهر ان الفراغ من هذا التسويد كان في النصف الثاني من العشر التاسع من القرن الحاضر، 1394...»، ممّا يدلّ على ان هذا الكتاب هو عبارة عن مسودات بحث الطهارة وقد كتبه في حدود عام 1394 هـ. ق.

دَرَسَ العلامة الشهيد بحث الطهارة عند سماحة الإمام (س) بمدينة قم. ويُحتمل ان يكون قد ألّف كتاباً في هذا المضمار قبل ان ينفى.

ونظراً لحضوره في دروس الإمام، فان الكثير من مواضيع هذا الكتاب تهتم بالآراء الفقهية للإمام الراحل.

إحدى ميزات بحوث العلامة الشهيد في كتبه الفقهية هي عدم تكرار البحوث المختصة بالرجال والأصول في قضايا الفقه، بمعنى انه كان يتحاشى إدخال مواضيع الأصول أو الرجال وما فيها من استدلالات وردود، في العلوم الأخرى. ولهذا السبب أضحت كتبه الفقهية خالية من الزوائد، وتتسم معظم مواضيعها بالتركيز وعمق التخصص وسعة الفائدة.

إضافة إلى السمة المذكورة، فانّ أسلوبه في التركيز وحذف التوضيحات إلاّ في الموارد الضرورية، جعل كتبه العلمية بعيدة المنال على إفهام الطلبة، ومحصور فهمها على نطاق الأساتذة المتخصصين، والمطلعين على هذه العلوم؛ أي أنّه ـ بتعبير آخر ـ لم يسخّر قلمه للطلبة والفضلاء في المستويات الدنيا، وإنما دوّن مواضيعه للحوزات العلمية، وللعلماء الكبار، ولأجل تقدّم العلم.

وكما سبقت الإشارة، فقد اقتصر في كتاب الطهارة على بحث النجاسات الأربعة: البول، والغائط، والمني، والميتة، من بين النجاسات.

14 ـ كتاب البيع: وهذا الكتاب قد جعل في عدّة مجلدات، ولكن من المؤسف ان الموجود حالياً هو المجلد الأول فقط والذي يقع في 518 صفحة، وينتهي عند بحث «تعاقب الأيدي». ولا يوجد من جزئه الثاني إلا بحث «ولاية الفقيه». ويبدو أنّ هذا الكتاب فُقد في إيران أثناء الانتقال من العراق إلى إيران.

يتضمن هذا الكتاب ـ الذي كان نظر مؤلفه فيه إلى آراء أستاذه الأعظم، الفقيه المحقق في هذا العصر، سماحة الإمام (س) وكان ترتيبه وفقاً لترتيب كتاب «البيع» للإمام وللشيخ الأنصاري ـ مواضيع قيّمة في بحوث المعاملات، وهو من الكتب الثمينة في بحث البيع.

وكما يُستشف من نصوص الكتاب، قلما كان العلامة الشهيد يراجع المصادر الأصلية في درج أقواله، وإنّما يكتفي على الأغلب بنقل أقوال المتأخّرين. ولعل سبب ذلك يعود إلى أنّ الاعتماد والتعويل على إجماع وشهرة الفقهاء في بحوث المعاملات هو أقل مما في بحوث العبادات، مثلما أشار الكاتب نفسه في موضعٍ ما من كتاب البيع، بأنَّ الإجماع الذي يستقيه العلماء اللاحقون من السابقين بدون تعمّق في الدراسة، لا يُعتَدُّ به. كما ان مثل هذا الإجماع لا يمكن إثباته في مسائل من قبيل «لزوم الصيغة في البيع»، بل وحتى إن وُجد إجماع، لا يمكن الركون إليه؛ لأنه لو كانت هناك مسألة بالغة الأهمية، وموضع ابتلاء ونهى الشارع عنها، لكانت قد بَلَغتنا بالتأكيد.

وهذا الكتاب ـ كما هو الحال بالنسبة لسائر كتب الشهيد ـ لم يُنَقَّح ( باستثناء صفحاته الأولى). ولهذا فان عباراته المغلقة المعقّدة بما تنطوي عليه من مواضيع صعبة ومختزلة، تستلزم دقّة خاصّة من القارىء.

15 ـ كتاب الخيارات: وهذا الكتاب تعرّض لنفس المصير الذي تعرّض له كتاب البيع؛ لأن هذا الكتاب يتألف من 958 صفحة، فُقِد منه من الصفحة الأولى وحتى صفحة 540، والمتبقّي منه يبدأ من وسط موضوع مستند خيار العيب، وإلى آخر الكتاب.

من حسن الحظ أنّ هذا الكتاب مدوّن في آخره تاريخ 17 محرم 1396، وهذا التاريخ يتزامن تقريباً مع تاريخ انتهاء درس الخيارات الذي كان الإمام الخميني (س) يلقيه في النجف الأشرف. وهذا ما يدل على أنّ العلامة الشهيد كان منهمكاً في تدوين هذا الكتاب بالتزامن مع دراسته له على يد سماحة والده المحقق.

لا نقدم هاهنا أية إيضاحات حول الكتاب، وإنما نكتفي بذكر نقطة أوردها المؤلف في ختام كتابه، قال:

«هذا تمام الكلام فيما يتعلق بهذه المسألة، وقد فرغنا عنه في أيام العطلة لأجل تسخير حكومة العراق ـ خذلها الله تعالى ـ طلاب العلوم الدينية وهدم أساس الحوزة العلمية في النجف الأشرف. وقد كانت من الأيام السالفة أعداء الدين مريدين أمثال هذه الجنايات والكوارث المهلكة؛ إلاّ أنّ الله تعالى من ورائهم محيط؛ فان الإسلام يبلغ حد الشعر ولا ينقطع. وكل ذلك ممّا يرجع إلى فتور مراجع العراق، ومستند إلى عدم رشدهم. ولو كان مرجع العراق في هذه الأيام حسب ما يترائى من أشباه المسائل العصرية السيد المحقق الخميني الوالد ـ مد ظلّه ـ لما كان الأمر كما وقع. وفي المسألة تفصيل يحتاج إلى بسط البحث حول شرائط زعيم المذهب ـ وعليك أنت أن تستشف التفاصيل من هذا الكلام المجمل ـ سحر ليلة الاثنين من شهر محرم الحرام من ليلة يوم السابع عشر من سنة 1396».

16 ـ المكاسب المحرّمة: ورد اسم هذا الكتاب ضمن كتب الشهيد، ولكن من غير الواضح هل أنه ألّفه في قم أم في النجف الأشرف، وليس لهذا الكتاب أي أثر. وتوجد ثمة قرائن تشير إلى انه ألّف في النجف الأشرف.

17 ـ الخلل في الصلاة: دوّن هذا الكتاب في 182 صفحة. وبما ان بحوث الخلل في الصلاة كثيراً ما تتداخل مع البحوث الأصولية وقواعد: «لا تعاد»، و«الفراغ والتجاوز»، و«حديث الرفع»، فان البحوث المعمّقة للمؤلف فيه تنُمُّ عن تبحرّه في الفقه والأصول.

اشرنا في الفقرات السابقة إلى أنّ العلامة الشهيد كتب رسالة في حديث «لا تعاد»، وهو في كتابه هذا يحيل القارئ إلى بحوثها.

دأبَ آية الله الشهيد على تنظيم أبواب وفروع هذا الكتاب بشكل مستقل حتى بات من غير الواضح هل أنّ هذه البحوث ـ التي بلغت إلى بحث «الخلل الواقع في القيام» ـ كتبت وفقاً لدروس الفقه التي كان يلقيها سماحة الإمام (س) في النجف الاشرف أم لا؟ فان كان تدوين هذا الكتاب مقروناً بحضوره درس الإمام، يمكن الادعاء حينها أنّ هذه الكتابات هي خاتمة مؤلفاته، سيما إذا لاحظنا أنّ بعض مواضيعه غير تامة وخالية من ذكر أي تاريخ.

18 ـ الحاشية على العروة الوثقى: يضم هذا الكتاب مواضيع في الاجتهاد والتقليد، وبعضاً من مواضيع كتاب الطهارة ( المياه، والنجاسات)، وموضوع الصوم (حتّى الارتماس) وتقع في حوالي 90 صفحة. جاءت هذه الحاشية على صيغة الفتاوى، وكُتب معظمها بدون ذكر الاستدلال. وفي بعض مواردها يحيل القارئ إلى كتب أخرى تضم مواضيع مشابهة.

يبدو أنّ كتابة هذه الحواشي جاءت ضمن بحوث فقهية وفي أعقاب تدوين «الكتاب الكبير»؛ لأنَّ الشهيد قد ترك أيضاً كتاباً في الطهارة وكتاباً في الصوم ذُكرا في هذه المجموعة، وبحوث هذه التعليقات مقاربة لبحوث تلك الكتب.

وأما إذا كان تدوين حواشي هذا الكتاب قد جاء مقارناً لتدوين كتب مفصّلة في بحوث مشابهة، فُيحتمل أن يكون للعلامة الشهيد رسالة في موضوع الاجتهاد والتقليد، ولكن لا اثر لها فعلاً.

19 ـ تحرير العروة الوثقى: يقع هذا الكتاب في 69 صفحة ابتداءً من بحث التقليد والاحتياط وحتّى بحث كيفية تنجس الأجسام الطاهرة. ويحتمل أن يكون قد كتبه بالتزامن مع كتابته لحواشي العروة. أما الحافز لتأليف هذا الكتاب فقد ذكره الشهيد في مطلع كلامه، وهو انه بعد أن حصل مجال بعد التخلص من الأحداث المختلفة عزم على تهذيب كتاب «العروة الوثقى» لمؤلفه سيد محمد كاظم اليزدي، بسبب ما يشتمل عليه هذا الكتاب من تفريعات وأمثلة كثيرة لا داعي لها، إضافة إلى وجود التكرار الممّل في الكثير من المسائل، وهو ما انتهى به إلى تصنيف كتاب في الفتاوى مطابق لفتاويه.

أكد في هذا الكتاب، وفي كتاب حاشية العروة أيضاً على شرط «الورع في مرجع التقليد» لاجتماع المرجعية والزعامة في الحاضر، وقال: في بعض الظروف التي لا تتحقق شروط الزعامة والمرجعية على حد سواء، وكان تهافت في تحقق بعضها دون بعض، يجب عند ذاك ترجيح شروط الزعامة على المرجعية. وبَيَّن هذا الكلام بشأن التقليد، وذكر أنّ شروط الزعامة مقدّمة حتى على الأعلمية.

20 ـ الحاشية على تحرير الوسيلة: كتاب تحرير الوسيلة من الكتب الدقيقة والشائكة في فقه الإمامية، وكان الإمام قد كتبه ـ كما سبقت الإشارة ـ أثناء نفيه في مدينة «بورصا» التركية.

وبعد صدور هذا الكتاب الشريف، استرعى إليه انتباه الكثيرين بسبب حسن ترتيبه وفتاويه، وخاصة البحوث المهمة التي فقدت رونقها في الحوزات العلمية ـ وهو ما كانت تفتقد إليه الكتب المفصلة وشبه المفصّلة في العصر الأخير ـ فكتبت عليه الكثير من التعليقات والحواشي. وانكبّ عدد من الأساتذة الكبار في الحوزات العلمية على كتابة شروح وتعليقات عليه، واعتبر منهجاً دراسياً لبعض دروس الخارج.

من جملة الحواشي والتعليقات المهمة على هذا الكتاب، هو ما كتبه العلامة الشهيد، ولكن من المؤسف أنّ هذه المجموعة متشتتة وناقصة، شأنها شأن الكثير من مؤلفاته الأخرى.

يتألف هذا الكتاب ـ الحاشية ـ من: 61 صفحة حول بحث المياه (كامل تقريباً)، وبضع صفحات حول الخلل في الصلاة، و 56 صفحة في بحث الصوم (النيّة، والقول في ما يجب الإمساك عنه، حتّى الثامن، باستثناء الخامس منه)، و41 صفحة حول النكاح (من مسألة 11 إلى 23)، و119 صفحة في المكاسب المحرمة (وهو كامل)، و49 صفحة في البيع إلى بحث البلوغ، و129 صفحة في الخيارات ( إلى المسألة الثانية من أحكام الخيار).

اتخذت هذه التعليقات صيغة الشرح والإشكال، وهي ذات طابع استدلالي. وفي ختام بحث الخيارات جاء تاريخ 1396. وفي وسط بحث الصوم ضبط تاريخه على الشكل التالي:

«قد تم الفراغ يوم الثلاثاء من الأسبوع الأخير من شهر رمضان العام 1394 في النجف الأشرف على مهاجرها آلاف الثناء والتحية، ونسأل الله أن يوفّقنا لإتمامه في ساير شهور الصيام إن شاء الله تعالى».

يشير المؤلف في كتابه هذا إلى مؤلفاته الأخرى في شتّى المواضيع الفقهية باسم «كتابنا الكبير». وهذا ما يؤكد صحة النقطة التي سبقت الإشارة إليها بأن العلامة الشهيد كان ينوي إيجاد تناسق بين كتبه الفقهية ليجعل منها كتاباً كبيراً في الفقه.

21 ـ تفسير القرآن الكريم: يبدأ هذا التفسير من فاتحة القرآن الكريم حتى الآية 26 من سورة البقرة، ونشر في أربعة مجلدات على يد حجة الإسلام والمسلمين سيد محمد سجّادي. وتم تدوين هذا الكتاب بالتزامن مع تدريس القرآن في النجف الأشرف في مسجد الشيخ الأنصاري(ره).

وهذا الكتاب الذي يُعد تفسيراً فريداً في صياغته، من أكثر التفاسير التي كتبت منذ صدر الإسلام وحتى الآن شمولاً وتفصيلاً ؛ حيث يعالج المؤلف في هذه المجموعة كل آية من عدّة وجوه وجوانب:

1 ـ من حيث الخط: يبحث في هذا المجال كيفية رسم خط الكلمات القرآنية. فتناول مثلاً كيفية كتابة «بسم الله» و «الرحمن» و «الذين» و «استوى».

2 ـ الصرف: اهتم في هذا المضمار بالبحوث الصرفية المتعلّقة بكل آية، ومع أي رأي من الآراء الصرفية يتطابق صرف تلك الآية.

3 ـ النحو والإعراب: يُعنى هذا الباب بالأوجه التي يستفيدها النُحاة من صياغة الآيات وإعرابها.

4 ـ اللغة: يبحث في هذا الباب معنى كل كلمة بشكل دقيق.

5 ـ المعاني والبيان: يتناول في هذا الباب الإبداع والرقّة الأدبية التي وردت في الآيات القرآنية والتي تتحدث عنها كتب المعاني والبيان.

6 ـ التجويد والقراءة: قد تطرّق في هذا التفسير إلى علم القراءة ـ الذي وضع خصيصاً للاستفادة من القراءة القرآنية ـ بشكل يعكس إلمام المؤلف.

7 ـ تاريخ وأسباب نزول الآيات.

8 ـ الفقه وأصول الفقه: تحدث في هذا التفسير بإسهاب عمّا في كل آية من فقه وأصول. فهو على سبيل المثال قد تحدّث بعد ذكر الآيتين 23 و 24 من سورة البقرة: {وان كنتم في ريب ممّا نزّلناه على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله أن كنتم صادقين فان لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدّت للكافرين} عن مدى جواز الاستعانة بغير الله، وهل يجوز السجود على المعادن، وهل يصدق لفظ الأرض على الأحجار المعدنية أم لا؟ ويعود السبب في ترابط هذه المسألة الفقهية بهذه الآية الكريمة إلى أنّ الحجارة أرض، وان المقصود من الحجارة في الآية الكريمة هو نوع من الحجر المعدني استناداً إلى ما رواه ابن مسعود.

وبحث في المسألة الأصولية، هل في الآيات المذكورة دليل على نفي مفهوم الشرط أم لا؟ لأنه لا يمكن التعويل على مفهوم الشرط في الآية الأولى؛ إذ مفهوم الشرط فيها، أن لم يكن ثمة شك في نزول الآية، إذن لا تأتوا بسورة مثل القرآن. وفي الآية الثانية: إذ استطعتم الإتيان بمثل القرآن، إذن فلا تتقوا نار جهنّم.

وقال بشأن «الأسماء كلها» بما أن التأكيد خلاف الأصل؛ إذن ذكر «كلها» دليل للقائلين بأن الجمع المحلّى بالألف واللام لا يعطي معنى العموم.

وكذلك كلمة «الأسماء» التي تعني العلائم، وتعني مسمّياتها أيضاً. إذن لفظ الواحد استخدم في عدّة معاني، وقد يرى البعض في ذلك دليلاً على أن الكلمة الواحدة في الجملة ربّما تحمل عدّة معانٍ.

وذكر أيضاً بما أنّ الباري تعالى قد كلّف الملائكة بما لا طاقة لهم عليه، لعل البعض يستدل من خلال ذلك على أنّ تكليف العاجز صحيح. إضافة إلى مسائل أخرى تقع خارج نطاق هذا المجمل.

9 ـ الكلام: الكثير من المباحث الكلامية متّصلة بالآيات الإلهية بما يتناسب وعلم الكلام والمعارف القرآنية، ولهذا السبب نرى أنّ معظم كتب التفسير تمتزج بالبحوث الاعتقادية. وقد أشار العلاّمة الشهيد في تفسيره إلى مباحث علم الكلام المتعلّقة بالآيات وأفاض في شرحها. فتحدث مثلاً في ختام الآية الشريفة {مالك يوم الدين} عن دليل ثبوت هذه الصفة للباري تعالى، وعن ثبوت المعاد لأجل محاسبة العباد ومجازاتهم، وعن اختصاص المعاد بذوي العقول والمستحقّين للجزاء، وعن «يوم الدين» وهل هو متحقق حالياً حتى تكون مثل هذه الصفة لله تعالى.

10 ـ الفلسفة: أوجد الشهيد عبر تعمّقه في الفلسفة الإلهية علاقة بين آيات القرآن الكريم والكثير من المواضيع الفلسفية، وبحث في هذا التفسير طبيعة هذه العلاقة. نشير في ما يلي إلى أمثلة من هذه المسائل.

جاء في ذيل الآية: {إياك نعبد وإياك نستعين} بشأن حصر العبادة التكوينية في الله تعالى، وان الاستعانة لا تكون إلاّ بالله، وإبطال نظرية الجبر الأشعري، واثبات رأي الأشاعرة في أنّ القدرة متزامنة مع الفعل لا مقدمة عليه.

وجاء بعد ذكر الآيتين 28 و 29 من سورة البقرة بخصوص حدوث النفس والآراء المختلفة فيها، لأن الآية المذكورة جاء فيها: {وكنتم أمواتاً فأحياكم} والحال أن المخاطب مفرد، إذن من الممكن أن تتحول الصورة السابقة إلى حياة، وتنفخ فيها الروح.

ويُستفاد من هذه الآية أيضاً تأثير الواجب وصلته بالحياة والممات. كما انَّ لهذه الآية صلة ببحث إعادة المعدوم.

ويفهم أيضاً من الآية الشريفة: {هو الذي خلق لكم ما في الأرض} ان العالي يفعل للداني. وهذا يتعارض مع القواعد الفلسفية.

وأشار إلى أنّ الآية {ثم استوى إلى السماء} لها تعلق بتعدد الإرادة والفعل الإلهي الذي يختلف بشأنه الحكماء وأصحاب الظاهر. وينطلق من هذه الآية لبحث تناهي أبعاد العالم ووقوعه بين مرتبتين عُليا وسفلى، إضافة إلى مسائل أخرى تتعلق بهاتين الآيتين.

11 ـ العرفان: وكما سبقت الإشارة في الفقرات السابقة فان بعض مواضيع العرفان لها صلة بالآيات القرآنية الشريفة، وان العلامة العارف قد درس هذه الصِلات بدقّة.

فقد شرح ـ على سبيل المثال ـ في ختام الآية: {نسبّح بحمدك} وبعد نقله لقول صاحب الفصوص وحاشية سماحة الإمام(ره) في تنزيه الموجودات، رأيه فيها. وعرض في أعقاب الآيات التي تتحدث عن خلق آدم(ع) مواضيع عرفانيّة كثيرة عن آدم وحوّاء، وهبوطهما.


تعليقات الزوار
ارسال تعلیق