عندما يعيش الإنسان بعيدا عن قيم السماء والسنن الكونية والنواميس الإلهية يلجأ إلى صرف الحسابات المادية، محاولا من خلالها كسب المزيد من المنفعة وتلافي الضرر.. وهنا، قد تكون حساباته موفقة أو لا تكون. أبعاد العامل الغيبي أو القيمي من التحرك السياسي، يعد جزءا من هذه النظرة المادية التي لا تعترف بنحو معين بالقدرة الإلهية وقوانين السماء.. حتى تحولت مقولة " الله أقوى من في السماء واميركا أقوى من في الأرض" جزءا من الواقع الذي يفرضونه علينا لدى بعض شرائح امتنا وللاسف الشديد، تصور مادي تركنا معه قوانين وسنن إلهية، مثل: {إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم} و{وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى} و{إن الله يدافع عن الذين آمنوا...} و {إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الاشهاد} و {حتى إذا استيئس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا...}، وعشرات الآيات التي أسقطها كثيرون من حساباتهم في الحياة.

الشيخ نمر باقر النمر، والذي قضى نحبه يوم أمس 2الثاني من يناير(2016) على يد سجانه الوهابي التكفيري المجرم، كان خروجا على السياق العام في التعاطي مع الموقف، كما هو الحال في تيار وجبهة المقاومة، الأقل عدديا قياسا بأكثر من مليار ونصف المليار مسلم.. كما كانت الثورة الإسلامية في إيران خروجا على النظام العالمي (نظام القطبين حينها) وكما أن حزب الله في لبنان يعد خروجا على المألوف الطائفي، وكما المقاومة في فلسطين خروجا عن نسق التسوية والاستسلام أمام العدو الصهيوني.. وهكذا شباب الربيع والثورة في كل البلاد العربية من البحرين إلى تونس، يعدون خروجا على الواقع المؤلم والمتخلف، الذي يقول بالخنوع للأمير والرئيس والملك والسلطان والحاكم الجائر وان ضرب ظهرك بالسوط!

نمر باقر النمر قضى واقفا، في زمن الانبطاح أمام الواقعية السياسية التي لازال البعض يلوكها.. ومضى شهيدا.. وبقي حيا بنص القرآن الكريم {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون}.. لأنه مارس أرقى وأعظم أنواع الجهاد، وهو "كلمة حق عند سلطان جائر".

صرخ في وجوههم الكالحة واستفزهم في مضاجعهم الوسخة ووجه صفعة على نواصيهم سيبقى دويها مدى التاريخ.. لم يهب كونه من أقلية مذهبية ومواطن من الدرجة الثانية كما يرونه في مملكتهم.

ولأن الذين يحكمون ذباحين يفتخرون بالسيف على نظامهم القبلي، وإن ورائهم جيش من وعاظ السلاطين ولاعقي قصاع الأمراء.. من الذين يقلبون الحق باطلا وبالعكس بإشارة من السلطان أو بهمسة أذن (لان بعضهم اعمى الله عينيه أيضا).

نعم نمر باقر النمر لم يسقط إلى الأرض وان غيَب قبره الشريف، بل صعد إلى السماء مضرجا بدمه الطاهر، وترك لنا من دمه ليرى ماذا سنفعل به؟! ندفنه في التراب أم نجعله زيتا لواقع ومستقبل مشرق.. ننير به دربنا أو نلطخ به جباهنا ونندب في تراجيدية مملة صاحبه.. وإمامنا أسوة في ذلك ابنة إمامنا الذي ننسب أنفسنا له، زينب بنت علي بن أبي طالب (عليهم السلام) التي صرخت بوجه الطاغية يزيد: أما علمت أن القتل لنا عادة وكرامتنا من الله الشهادة.. فوالله لا تمحو ذكرنا ولا تميت وحينا.. وما جمعك إلا بدد وأيامك إلا عدد.

والشيخ النمر من الذين يصدق عليهم القول:

قد مات قوم وما ماتت مكارمهم... وعاش قوم وهم في الناس أموات

لان هؤلاء لم يسقطوا الحسابات الإلهية في حياتهم ومن عقولهم، لم يستوحشوا طريق الحق لقلة سالكيه كما يقول الأمام علي (عليه السلام)، فكانوا رمزا يحتذى بهم، واستمروا مشاعلا في طريق الحق.. يبددون الظلمات ويشعَون نورا لمن تلاهم في المسير.

ولماذا نبتعد في التاريخ الذي قد يرى البعض صعوبة في قبوله.. ألم يقاوم اليمن وشعبه الطيب كل صواريخ ورصاصات وقنابل العدوان السعودي الأميركي وهو لا يملك شيئا يذكر في ميزان القوة العسكرية.. ولا زال يقاوم منذ اكثر من تسعة شهور هذا العدوان الذي شارك فيه جميع مرتزقة العالم من كولومبيا إلى اندونيسيا وجيوش الرجعية العربية والإسلامية.. شاركت فيه طائرات التورنيدو واف 15 واف 16 واف 18 والميراج والصواريخ الذكية والغبية وأكثر دبابات ومدرعات العالم تطورا واحدث البارجات الحربية.. فرد عليها اليمنيون، بتوشكا وقاهر-1- وصواريخ محلية الصنع لا يتجاوز مداها 15- 18 كيلومترا، لكنها كانت مثالا لقوله تعالى {وما رميت إذ رميت، ولكن الله رمى }.. ولا يزال اليمنيون المؤمنون المقاومون يمرغون أنوف فراعنة البترودولار وأمراء الرمال في وحل الهزيمة.. وما غزة أيضا ببعيدة علينا حيث سحق المقاومون الأبطال الجيش الذي سمى نفسه بسبب ضعف العرب وخيانة حكامهم بالذي لا يقهر!

وبالطبع فان الحديث عن الحسابات الربانية لا يقضي تجاهل السنن الكونية وشروط التحرك والانتصار والنجاح، لأنها جزء من القانون الذي وضعه الباري عز وجل.. لذلك قال تعالى {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل..} والقوة هنا من المقولات الواسعة التي تشمل العلم والاقتصاد والاجتماع والإعلام والقضايا العسكرية بالطبع، لأنها من رباط الخيل الذي أشارت له الآية بشكل خاص.

إن المملكة الوهابية السعودية، ومن يقف خلفها سعت في البداية إلى عسكرة الاحتجاجات في شرق الجزيرة العربية وخاصة تلك الموجة التي قادها الشيخ الشهيد النمر.. فاستفزت أهل العوامية بأكثر من عملية عسكرية دون جدوى وفي اعتقال الشيخ النمر مارست أسلوبا همجيا لإثارة رد فعل يمكن من خلاله ضرب الحراك الجماهيري في الاحساء والقطيف، وأيضا دون جدوى.. ولأنها لم تستطع أن توجه للشيخ الشهيد أية تهمة في العنف والإرهاب الذي تمارسه هي بحق من يختلف معها، فقد أعلنت عن إعدامه مع ثلاثة من أتباع مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، مع 43 إرهابي وهابي ينتمون إلى مدرستها الفكرية والعقدية.. سعيا منها إلى اتهامه بالإرهاب الذي تمارسه هي وعقيدتها المنحرفة، على قاعدة "رمتني بدائها وانسلت!".

لذلك فان الثأر للشيخ النمر يجب أن يبتعد عن الانفعال، رغم أن حكومة آل سعود لا تفهم إلا القوة ولا تذعن إلا إلى تمريغ أنوف أمرائها بالتراب.. ينبغي أن يتم التأكيد على مواجع هذا النظام الهمجي والعمل على تدمير أسس بنيانه المعوج من أجل اقتلاعه جذريا وتخليص العالم من شروره.. لأنه مع وجود هذه الغدة السرطانية الثانية (إلى جانب الكيان الصهيوني السرطاني اللقيط) ستبقى المؤامرات مستمرة، تتخذ في كل حقبة وعقد شكلا آخر، خاصة مع تقزم الوضع العربي والإسلامي وتغول المال النفطي القادم من مشيخات الخليج الفارسي والمرتزقة الذين اسقطوا الله عز وجل من حساباتهم وهم بكثرة ـ للأسف ـ في جميع الميادين.

إن رسالة الشيخ الشهيد نمر باقر النمر هي القضاء على الاستبداد والظلم والاستعباد والقهر أينما كان، هذا الظلم والاستعباد الذي تديره اليوم أمريكا والكيان الصهيوني والسعودية في العالم ومنطقتنا.. وسط صمت قبور يلف العالم بكل منظماته التي تدعي التحرر وحقوق الإنسان، وشعوبه المشغولة بأعياد الميلاد! وحكوماته التي هي جزء من منظومة الظلم والاستعباد.

تأكدوا أن هذه الغدة السرطانية علاجها الاقتلاع فقط، لا ينفع معها إلا المبضع والسكين.. وبهما فقط سيتخلص العالم من الرجعية والتخلف والإرهاب والقتل والتكفير وكل المساوئ والآثام التي يديرها النظام السعودي الوهابي المتخلف.

لكن تذكروا دائما هذا المثل " الذي يقتلك بالسم.. اقتله بالسكر"!.

 

بقلم: علاء الرضائي

 

المصدر: موقع قناة العالم