الحج من منظار الإمام الخامنئي

2017-08-16
0
406

"هتاف البراءة الذي يرفعه المسلمون في الحج اليوم هو هتاف البراءة من الاستكبار وعملائه الذين يتنفذون في البلدان الإسلامية باقتدار للأسف.. 

 

24/11/2009

"هتاف البراءة الذي يرفعه المسلمون في الحج اليوم هو هتاف البراءة من الاستكبار وعملائه الذين يتنفذون في البلدان الإسلامية باقتدار للأسف.."

 

خصوصية الحج:

 

الإمام الخامنئي حفظه الله

أولا: خصوصية الحج - المعرفة هدية الحج الأولى

ثانيا: الحج رمز الأمة الإسلامية

ثالثا:  الخصوصية البارزة

رابعا: التقارب الوطني والدولي

خامسا: معالجة مشكلات المجتمعات الإسلامية

سادسا: التواجد ذو المعنى العميق

 

الأبعاد المعنوية للحج

أولا: آداب الحج

ثانيا: تجربة معنوية

ثالثا: التحرر من مظاهر التفاخر

رابعا: فرصة لبناء الذات

خامسا: عبادات لدفع الغفلة

سادسا: الحج الإبراهيمي

سابعا: سفر بالجسم والروح

 

الأهداف العامة للحج

أولا: دراسة القضايا المهمة في العالم الإسلامي

ثانيا: وحدة المسلمين وخوف الاستكبار

ثالثا: رسالة التوحيد والوحدة

أهداف الحج الشاملة

أولا: البعد عن الهدف

ثانيا: الحج عامل وحدة

ثالثا: عظمة الشعور بالوحدة

رابعا: معنى هذا التجمع العظيم

خامسا: استغلال أداة الوحدة

سادسا: عرقلة مسيرة الوحدة

سابعا: التفرقة الاستعمارية

ثامنا: البراءة من المشركين - الركن الأساسي في الحج

تاسعا: فرصة التنوير

عاشرا - الروح السائدة على الحج

حادي عشر - إلغاء البراءة

 

الحج من منظار الإمام الخامنئي

أولا: خصوصية الحج : المعرفة هدية الحج الأولى

مع أن خيرات الحج تستغرق جميع جوانب الحياة البشرية، وهذه الأمطار الرحيمة السخية تسبغ الخصب والحيوية وتوثّب الحياة على خلوات الإنسان وأفكاره وكذلك على مساحات السياسية والمجتمع والقوة الوطنية للمسلمين والتعاون بين الشعوب المسلمة.  لكن ربما أمكن القول إن »المعرفة« هي مفتاح جميع ذلك، وإن المعرفة هي الهدية الأولى التي يقدمها الحج للشخص الذي يرغب في فتح عينيه على الحقائق والانتفاع من قدرة »فهم الظواهر« التي يمنّ الله بها على البشر. إنها المعرفة التي عادة ما لا تمنح لحشود المسلمين الهائلة إلا في الحج. وما من ظاهرة دينية أخرى بوسعها تزويد الأمة الإسلامية دفعة واحدة بمجموعة المعارف التي يمكن اكتسابها في مراسم الحج.

 

ثانيا: الحج رمز الأمة الإسلامية

تتزامن أيام الحج من كل عام بشوق وحنين في القلوب العاشقة والأرواح التائقة من كل أنحاء العالم الإسلامي لكي تسجد على أعتاب الحب والتقديس بجوار بيت المعبود وديار المحبوب، وتمرّغ جباه العبودية والتقرب في تراب ذلك المقام السامي. يقضون أياماً معلومات في ظل الذكر والمناجاة، ويسكنون في ملاذ الرحمة والمغفرة، ويلتقون إخوانهم الأبعدين من أقصى أنحاء العالم، ويستشعرون عظمة الأمة الإسلامية في نموذج حي ومتجسّد.

الحج رمز الأمة الإسلامية ومعلِّمُ نوع السلوك الذي يجب أن تنتهجه هذه الأمة الكبيرة لتأمين سعادتها. يمكن تلخيص الحج بأنه حركة هادفة وواعية ومتنوعة وجماعية باتجاه واحد. نسيج هذه الحركة هو ذكر الله وتعاطف عباد الله، وهدفها إيجاد مركز معنوي مكين لحياة إنسانية سعيدة: »جعل الله الكعبة البيت الحرام قياماً للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد«..

 

ثالثا: الخصوصية البارزة

مع أن أسرار الحج ورموزه أكثر من أن يمكن ذكرها في كلمة واحدة، ولكن أية عين بصيرة بالأسرار يمكنها مشاهدة خصوصيته البارزة منذ النظرة الأولى: أولاً الحج هو الفريضة الوحيدة التي يدعو الله لأدائها جميع المسلمين - من استطاع منهم - إلى مكان واحد من كافة أنحاء العالم ومن خلوات بيوتهم ومعابدهم، ويربطهم في أيام معدودات بمختلف مساعيهم وحركاتهم وسكناتهم وقيامهم وقعودهم: »ثمّ أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم«.

 

رابعا: التقارب الوطني والدولي

حينما يتوجّه قسم من الشعب باتجاه معين وفي سفر واحد نحو هدف واحد ويعودون، فسوف يزداد تقاربهم بالتأكيد ويرتفع مستواهم المعنوي والأخلاقي الوطني والدولي أيضاً. فالشعوب إلى جانب قواسمها المشتركة لها فوارقها وتبايناتها التي تفصل بينها وقد تخلق دوافع عدوانية بينها. ومن شأن الحج أن يؤدي إلى تقليل هذه الفوارق، وتكريس نقاط الاشتراك والاتحاد بين مختلف الشعوب. لذلك ليس لدينا أية فريضة بهذه الأبعاد الواسعة والعظيمة.

 

خامسا:  معالجة مشكلات المجتمعات الإسلامية

نحمد الله الحكيم العزيز ونثني عليه أن مَنَّ على عباده ودعاهم للاجتماع في بيته، وأمر رسوله الكبير بالأذان للحج من على مآذن التاريخ، وجعل مساحة بيته أمناً وأماناً وطهّرها من أوثان الجاهلية وجعلها مطافاً للمؤمنين وميعاداً للأبعدين ومظهراً للجماعة وتجلياً لشوكة الأمة واجتماعها. بيت الله الذي جعله سدنة الكعبة وخدام المطاف والمسعى في عهد الجاهلية الأولى سوقاً لتجارتهم ودكاناً لرئاستهم وسيادتهم، جعله الله للناس مصدراً لانتفاعهم، وقرّر للقادمين إليه حقاً مساوياً لحقوق المساكين فيه على الرغم من إرادة الاحتكاريين والحصريين، وجعل الحج رمزاً لوحدة المسلمين وعظمتهم والتناغم والتلاحم فيما بينهم ومبطلاً لسحر الكثير من الابتلاءات التي راح المسلمون أفراداً ومجتمعات يعانون منها نتيجة تخلفهم عن أصولهم وجذورهم، نظير: الميل للأجانب، ونسيان الذات، والخضوع للحيل والألاعيب، والغفلة عن الله، والوقوع في أسر أهل الدنيا، وسوء الظن بالإخوة، والإصغاء لكلام الأعداء فيهم، وعدم الاهتمام لمصير الأمة الإسلامية، بل وعدم معرفة كلٍّ اسمه الأمة الإسلامية، وعدم الاطلاع على أحداث سائر البلاد الإسلامية، وعدم اليقظة إزاء مخططات أعداء الإسلام والمسلمين، والكثير من الأمراض المهلكة الأخرى التي هدّدت المسلمين دوماً وعلى امتداد التاريخ الإسلامي نتيجة تسلّط غير المؤهلين وغير المتدينين على الحياة السياسية للمسلمين ومصيرهم، واكتسبت في القرن الأخير شكلاً متأزماً وهداماً بفعل تواجد القوى الاستعمارية الأجنبية في المنطقة أو عملائهم الفاسدين اللاهثين وراء الدنيا.

 

سادسا: التواجد ذو المعنى العميق

الواقع أن تواجد المسلمين في الحج يجب أن يكون تواجداً له معناه، وإلا لو كان القصد مجرد الجانب المعنوي وذكر الله لكان بوسع الإنسان أن يقعد في بيته ويذكر الله. لذلك قيل لهم اجتمعوا في مكان واحد. اجتماعهم من أجل المنافع التي يجب أن يشهدها المسلمون في أيام الحج. بمقدور الحج أن يوجد تحولاً داخلياً في كل واحد من المسلمين ويخلق لديهم روح التوحيد والارتباط بالله والثقة به، وبوسعه أيضاً أن يصنع من الأعضاء المبضّعة للأمة الإسلامية جسداً واحداً كفوءاً قوياً. بوسعه أن يعرِّفهم على بعضهم ويطلعهم على كلام بعضهم وآلام بعضهم وتقدم بعضهم، وحاجات بعضهم، ويدفعهم إلى تبادل تجاربهم. يمكن القول بكل ثقة إن هذا الواجب الإسلامي إذا استثمر بشكل صحيح فسوف يبلغ بالأمة الإسلامية عزتها وقدرتها الجديرة بها بعد مدة ليست بالطويلة.

للحج في جوهره وذاته عنصران أصليان: التقرّب إلى الله في الفكر والعمل، واجتناب الطاغوت والشيطان بالجسم والروح. كل أعمال الحج وتروكه إنما هي من أجل هذين الشيئين وفي سبيلهما ولتأمين أدواتهما ومقدماتهما. وهذه في الحقيقة خلاصة للإسلام ولجميع الدعوات الإلهية.

 

الأبعاد المعنوية للحج

 

أولا: آداب الحج

ما أغفلهم أولئك الذين يقللون من أهمية مراسم الحج وأيامه ومناسكه بانصرافهم نحو الشؤون الدنيوية. ينبغي أداء الحج بتوجّه وحضور قلب ومراعاة آدابه. ما عدا مناسك الحج والأعمال التي تشكل الصورة الظاهرية للحج، هناك للحج آداب هي روح الحج. البعض يؤدون هذه الصورة لكنهم غافلون عن روح الحج وحقيقته. أدب الحج هو الخضوع والذكر والتوجّه. أدب الحج هو الشعور بالوقوف أمام الله في كل اللحظات. أدب الحج هو اللجوء إلى ساحة الأمن الإلهي التي أعدها الله للمؤمنين والمتمسكين بأذيال التوسل بالذات الإلهية المقدسة. ينبغي معرفة هذه الجنة والدخول فيها. يجب فهم الحج بهذه الطريقة. أدب الحج هو المسالمة والمداراة.

العنف مع المؤمنين والشجار مع الإخوة والفسوق والجدال حالات ممنوعة في الحج. أدب الحج هو الغور في حقيقة معنى الحج والانتهال والتزود منه لكل فترات الحياة. أدب الحج هو الإخوة وتكريس المحبة والوحدة. فرصة خلق الوحدة بين الشعوب المسلمة غير متاحة إلا في الحج. كل هؤلاء البشر جاءوا من أقصى أنحاء العالم إلى هناك حباً للكعبة، وحباً لمرقد الرسول، وحباً لذكر الله، وحباً للطواف والسعي. هذه فرصة مغتنمة للأخوة.

 

ثانيا: تجربة معنوية

بالنسبة للإنسان كفرد فإن فرصة الحج فرصة دخول إنسان في القضاء المعنوي اللامتناهي. إنه ينتشل نفسه من ثنايا حياته العادية بكل أدرانها وإشكالاتها، ويتوجه نحو فضاءات الصفاء والمعنوية والتقرب إلى الله والرياضة الاختيارية. منذ بداية دخولكم هذه المراسم تحرِّمون على أنفسكم الأشياء المباحة لكم في أيام حياتكم العادية. الحرام معناه تحريم الأشياء المباحة والشائعة في الحياة الدارجة. والبعض منها من أسباب الغفلة وبعضها من عوامل الانحطاط.

التطهّر من الأدران المادية ومشاهدة الله دوماً وفي كل مكان وفي جميع الأعمال تعد زاداً كبيراً للإنسان حتى لو استمرت مدة أيام معدودات. جميع آداب الحج ومناسكه هي من أجل أن يتوفر الحاج على هذه التجربة المعنوية ويشعر بهذه اللذة في روحه.

معنوية الحج هي ذكر الله المودع كالروح في كل واحد من أعمال الحج. هذا النبع المبارك يجب أن يبقى دفاقاً حتى بعد أيام الحج، ولا بد لهذا المكسب أن يستمر.

 

ثالثا: التحرر من مظاهر التفاخر

تنتزع منا جميع وسائل التفاخر الظاهري والمادي، وأولها الثياب. تزاح المراتب والمناصب والرتب والثياب وأزياء التفاخر وكل شيء وتودع كلها في ثوب واحد. لا تنظروا في المرآة لأن ذلك من تجليات الأنانية والانبهار بالذات. لا تستخدموا العطور لأنها من أدوات التظاهر. لا تتهربوا من أشعة الشمس وهطول الأمطار ولا تنحرفوا إلى تحت السقوف – أثناء المسير – لأن ذلك من مظاهر طلب الراحة والدعة. وكذلك باقي أعمال الإحرام، إنها تحريم للأشياء المسببة للراحة والشهوات النفسية، فالشهوة الجنسية محرمة في هذه المدة، وأسباب التفاخر والتمييز كذلك. هذه كلها ممارسات تترك وتزول في أيام الحج.

 

رابعا: فرصة لبناء الذات

الخطوة الأولى للحجاج هي بناء الذات. الإحرام، والطواف، والصلاة والمشعر، وعرفات، ومنى، والتضحية، والرمي، والحلق، هذه كلها مظاهر خشوع الإنسان وتواضعه أمام الله ومواضع ذكره وتضرعه وتقربه إليه. ينبغي عدم المرور بهذه المناسك ذات المعاني العميقة مرور الغافلين. مسافر ديار الحج عليه أن يرى نفسه في كل هذه المراسم في حضرة الله تعالى، ويعتبر نفسه وحيداً مع المحبوب رغم أنه وسط الحشود الهائلة، فيناجيه، ويطلب منه، ويعشقه، ويطرد عن فؤاده الشيطان والهوى، ويمحو عن نفسه صدأ الحرص والحسد والجبن والشهوة. ويحمد الله على هدايته ونعمه، ويروّض القلب على الجهاد في سبيل الله، وينمي في فؤاده العطف على المؤمنين والبراءة من المعاندين وأعداء الحق، ويكرس عزيمته على إصلاح نفسه وإصلاح الحياة من حوله، ويعاهد ربه على عمارة دنياه وآخرته.

الحج فرصة كبيرة تضع هذه الحقائق وحقائق كثيرة أخرى من هذا القبيل – توفرت لشعبنا المسلم في إيران بفضل المعرفة والهداية الإسلامية – في متناول أيدي الرأي العام العالمي وتوقظه. الكثير من القلوب في العالم الإسلامي يقظة، ويجب أن تشعر أن لأفكارها أنصار في شتي أرجاء العالم الإسلامي حتى تكتسب الجرأة والشهامة والشجاعة اللازمة. كل هذا يحصل في ظل معنوية الحج. لا تغفلوا عن معنوية الحج والاغتراف من المفاهيم السامية للأدعية والزيارات والآيات القرآنية الكريمة.

 

خامسا: عبادات لدفع الغفلة

الحج فرصة استثنائية. جميع العبادات فرصة لاستعادة الإنسان لذاته. الإنسان يغفل عن نفسه وعن قلبه وعن حقيقته بسبب الغفلة عن الله تعالى وهو روح الوجود وحقيقته. »نسوا الله فأنساهم أنفسهم«. هذا هو داء البشرية الكبير اليوم. الإنسان يغفل عن نفسه بغفلته عن الله تعالى. حاجيات الإنسان وحقيقته والهدف من خلقته تُنسى تماماً تحت عجلات الأجهزة المادية. ما ينبّه الإنسان لنفسه ولحقيقته ولحاجاته ولقلبه في ظل التنبه إلى الله هو الدعاء والعبادة والتضرع. والحج من هذه الناحية هو خير العبادات، إذ من حيث الزمان، ومن حيث المكان، ومن حيث توالي الحركات التي يقوم بها الحاج والناسك أثناء الحج، تعد هذه الفريضة عبادة استثنائية. من هنا كانت مدينة مكّة ومراسم الحج وسيلة لأمن الإنسان. الإنسان بخضوعه، وتوجهه، وتضرعه، وغرقه في ذكر الله أثناء تلك المراسم العجيبة العظيمة يشعر قلبه بالأمن. هذه أكبر حاجة من حاجيات الإنسان. الجحيم الذي خلقته القوى المادية والمحفزات المادية حول الإنسان، يستطيع الإنسان بلجوئه إلى الحج تحويله إلى برد وسلام جنائني في ذلك المكان والزمان .

نعم، الحج عبادة وذكر ودعاء واستغفار، لكنها عبادة وذكر واستغفار باتجاه إيجاد الحياة الطيبة للأمة الإسلامية وإنقاذها من أغلال الاستعباد والاستبداد وآلهة المال والعسف، وبث لروح العزة والعظمة في الأمة الإسلامية، وإزاحة للكسل والملل عنها. هذا هو الحج الذي يعد من أركان الدين، والذي يعتبره الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) في نهج البلاغة علم الإسلام وجهاد كل عاجز عن الجهاد ومزيل الفقر والفاقة ومبعث اقتراب أهل الدين من بعضهم.

 

سادسا: الحج الإبراهيمي

الحج الإبراهيمي هو الذي يسير فيه المسلمون من التفرق إلى الاجتماع. فهم يطوفون حول الكعبة التي تعد صرحاً لذكرى التوحيد ورمزاً للبراءة والنفور من الشرك وعبادة الأوثان عارفين معناها الرمزي ومنتقلين من ظاهر المناسك إلى باطنها وروحها... والتزود فيها لحياتهم وحياة الأمة الإسلامية.

الحج الإبراهيمي هو الحج المحمدي الذي تعد فيه الحركة نحو التوحيد والاتحاد روح جميع المراسم والشعائر وعنوانها. حج يبعث على البركة والهداية ويقوم مقام العمود الرئيسي في حياة الأمة الواحدة وقيامها.. حج زاخر بالمنافع وذكر الله.. حج تلمس فيه الشعوب المسلمة وجود الأمة المحمدية الشاملة وتواجدها في هذه الأمة، وتتحرر بفضل شعورها بالإخوة والتقارب بين الشعوب من شعورها بالضعف والعجز وانهزام الذات. الحج الإبراهيمي هو ذلك الذي يسير فيه المسلمون من التفرقة إلى الاجتماع.

 

سابعا: سفر بالجسم والروح

ليس الحج سفرة ترفيهية إنما هو سفرة معنوية. إنه سفر إلى الله بالجسم والروح كلاهما. السفر إلى الله ليس سفراً جسمانياً بالنسبة لأهل السلوك، إنه سفر قلبي وروحي. إنه سفر إلى الله بالجسم والروح كلاهما بالنسبة لنا نحن الناس. فهل يصح أن نأخذ الجسم إلى هناك ولا نأخذ القلب. أو قد يتحول الحج ونتيجة تكرر هذه النعمة – حيث يوفق البعض لأداء هذه الفريضة وزيارة ورؤية بيت الله بشكل متكرر – يتحول تدريجياً لا سمح الله إلى شيء قليل الأهمية وغير مؤثر، ولا يعودون قادرين على إشعال تلك الثورة في داخلهم .. هذا شيء سلبي.

للحج في جوهره وذاته عنصران رئيسيان: التقرب إلى الله في الفكر والعمل، واجتناب الطاغوت والشيطان بالجسم والروح. جميع أعمال الحج وتروكه إنما هي لأجل هذين العنصرين وباتجاههما ولتأمين الوسائل والمقدمات اللازمة لهما. وهذه في الحقيقة خلاصة للإسلام ولجميع الدعوات الإلهية.

 

الأهداف العامة للحج

 

أولا: دراسة القضايا المهمة في العالم الإسلامي

الموضوع المهم الذي يتعين على حجاج بيت الله الخوض فيه كجزء من أهداف الحج هو القضايا الجارية والمهمة للعالم الإسلامي. إذا كان الحج مؤتمراً سنوياً عظيماً للمسلمين من كل أصقاع الأرض، فلا شك أن المهمة الأكثر فورية لهذا المؤتمر هي قضايا الساعة التي يعيشها المسلمون في أية نقطة من العالم. تطرح هذه القضايا في الدعاية الاستكبارية بحيث لا تعود منها على مسلمي العالم أية دروس أو تجارب أو أمل، وإذا كان للنوايا السيئة والأعمال السيئة للاستكبار تأثير في تلك الحادثة، فإن دعايتهم لن تفضح مجرماً ولن تكشف حقيقة، أو أن القضية لا تطرح على العموم. الحج مناسبة يجب أن تطرح فيها هذه الخيانة الدعائية وتفضح، وينبغي للحقيقة أن تتجلى هناك، وتتوفر الأرضية لتوعية عموم المسلمين.

أية روح ضامئة تغترف هذه الجرعات من فيوض الكوثر المحمدي وتدفق الزمزم الحسيني وتنقي مع ذلك في شك وغموض من المضمون السياسي للحج؟ الحج من دون البراءة ومن دون الوحدة ومن دون التحرك والقيام والحج الذي لا ينبعث منه تهديد للكفر والشرك ليس بحج، ويفتقر لروح الحج ومعناه.

 

ثانيا: وحدة المسلمين وخوف الاستكبار

من أكبر أهداف الحج إلى بيت الله هو تقريب المسلمين من بعضهم. حين يقول الله عزّ وجلّ: »و أذِّن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كلِّ ضامِرٍ يأتين من كل فجّ عميق«. ويجمع كل مسلمي العالم في أيام معلومات وفي أماكن محددة مثل عرفات والمشعر ومنى والمسجد الحرام، فلماذا يخاف أولئك من تعارف المسلمين إلى هذه الدرجة؟! القضية هي أن الوحدة الإسلامية ووحدة النظرة ووحدة كلمة المسلمين أمر خطير على الاستكبار وعلى رأسه أمريكا الغدارة وأذنابها في مؤسسات الهيمنة في العالم. هذه حقيقة ذكرها الإمام الخميني (رض) مراراً.

 

ثالثا: رسالة التوحيد والوحدة

الحج من أجل التقريب بين المسلمين في العالم وإيصال أصواتهم إلى بعضهم. الرابطة التي تربط كل هذه القلوب ببعضها هي الرسالة التي ارتفع هتافها لأول مرة من هذه الأرض وجابت طول العالم والتاريخ وعرضهما.. رسالة التوحيد والوحدة. توحيد الله ووحدة الأمة. التوحيد هو رفض ألوهية الطواغيت والمستكبرين وأرباب المال والقوة. والوحدة مظهر عزة المسلمين واقتدارهم. الحج يعيد صياغة هذه الرسالة الخالدة كل عام في اجتماعه الهائل وبأفضل من أية كتابة أو أقوال، ويبعثها إلى العالم بأسره. أي مسلم في أي صقع من العالم الإسلامي عليه أن يعيد معرفة هذه الحقيقة في موسم الحج وهي أن الازدهار والشموخ والظفر الشامل للبلدان الإسلامية إنما يتحقق في ظل هذين الأمرين: التوحيد بكل أبعاده الفردية والاجتماعية والسياسية، والوحدة بمفهومها الصحيح الممكن التحقيق في عالم اليوم.

 

أهداف الحج الشاملة :

من الذكر والحضور المعنوي واستعادة الإنسان المسلم لذاته في اختلائه بالخالق وتطهير فؤاده من أدران الذنوب والمعصية وإلى شعور الفرد بوجوده في الجماعة وشعوره بالتحامه مع كل الأمة الإسلامية وشعوره بالاقتدار الناجم عن عظمة جماعة المسلمين، وجهود كل فرد للشفاء من الجراح والأمراض المعنوية أي المعاصي، وإلى التحري والسعي لمعرفة ومعالجة الأوجاع والجراح العميقة في جسد الأمة والتعاطف مع الشعوب المسلمة، أي سائر أعضاء هذا الجسد العظيم، كلها كنوز مودعة في الحج وفي إطار أعماله ومناسكه المتنوعة.

 

أولا : البعد عن الهدف

ينبغي الاعتراف بمرارة أن الشكل الحالي لأداء هذه الفريضة الإلهية يختلف اختلافاً كبيراً عن شكلها المنشود. لقد بذل الإمام الخميني جهوداً مؤثرة بهذا الاتجاه، ووضع أمام أعين الأمة الإسلامية صورةً ساطعةً للحج الإبراهيمي الباعث على العظمة والعزة والبناء والتحول، وقد أثمرت تلك الجهود لحد الآن خيرات جمة للعالم الإسلامي. ولكن مع كل هذا الاتساع، تحتاج هذه الأفكار وهذا المنهج لانتشاره بين كل الشعوب المسلمة إلى جهاد مخلص من قبل علماء الدين، وبصيرة ومساعدة الحكام في كل البلدان الإسلامية عسى أن يتنبهوا لهذه الوظيفة الأساسية ويعملوا بها.

 

ثانياً: الحج عامل وحدة - عظمة الشعور بالوحدة

الحج مظهر وحدة المسلمين واتحادهم. أن يدعو الله تعالى جميع المسلمين وكل من استطاع منهم للقدوم إلى منطقة معينة وفي زمن معين، ويجمعهم طوال أيام وليالٍ إلى جانب بعضهم في أعمال وحركات ترمز للتعايش والنظام والانسجام، فإن أول الآثار الجلية لذلك هو بثّ الشعور بالوحدة والجماعة في كل واحد منهم وتعريفهم بعظمة اجتماع المسلمين وشوكته، وإرواء ذهن كل واحد منهم من الشعور بالعظمة. بمثل هذا الشعور بالعظمة لو عاش المسلم وحيداً في صدع جبل لم يشعر بالوحدة. بفضل الشعور بهذه الحقيقة يكتسب المسلمون في كل البلدان الإسلامية شجاعة مواجهة معسكر معاداة الإسلام أي الهيمنة السياسية والاقتصادية للعالم الرأسمالي وعملائه وأذنابه وأحابيلهم وفتنهم، ولن ينفع معهم سحر الإذلال وهو السلاح الأول الذي يستخدمه المستعمرون الغربيون ضد الشعوب التي يهاجمونها. بفضل هذا الشعور بالعظمة تعتمد الحكومات المسلمة على شعوبها وتشعر نفسها غنية عن الاعتماد على القوى الأجنبية، ولا تظهر هذه الفواصل الكارثية بين الشعوب المسلمة وأجهزتها الحاكمة. بفعل هذا الشعور بالوحدة والجماعة سوف تعجز حيل الاستعمار بالأمس واليوم – أقصد إحياء المشاعر الوطنية المتطرفة – عن خلق هذه الفواصل الواسعة العميقة بين الشعوب المسلمة، وسوف تتحول القوميات العربية والفارسية والتركية والأفريقية والآسيوية وبدل أن تكون منافسةً ومعارضة لهويتها الإسلامية الواحدة، إلى جزء من هذه الهوية ودليلاً على سعة هذه الهوية وعظمتها. وبدل أن تتحول كل قومية إلى وسيلة وذريعة لإلغاء القوميات الأخرى وإذلالها ستكون أداةً لنقل السمات التاريخية والعرقية والجغرافية الإيجابية لديها إلى القوميات الإسلامية الأخرى.

 

ثالثاً: معنى هذا التجمع العظيم

رغم وجود عبادات اجتماعية في الإسلام مثل صلاة الجماعة وصلاة الجمعة وصلاة العيد، إلا أن هذا الاجتماع العظيم [الحج] وهذه المركزية التي تُضفى على ذكر الله وتوحيده، ودعوة كل المسلمين من آفاق العالم الإسلامي إلى منطقة واحدة له معان كثيرة. أن تكون الأمة الإسلامية كلها رغم اختلاف لهجاتها وأعراقها وعاداتها وتراثها وتقاليدها وأذوقها ومذاهبها مكلفةً بالاجتماع في مكان واحد وأداء أعمال خاصة لا تخرج عن إطار العبادة والتضرع والذكر والتوجه إلى الله فلهذا معناه الكبير. يتجلى من ذلك أنه طبقاً لنظر الإسلام وبحسب الرؤية الإسلامية أن اتحاد القلوب والأرواح ليس في ميدان السياسة والجهاد فقط، بل حتى التوجه إلى باب بيت الله وتجاور القلوب والأجسام والأرواح أمور لها أهميتها. لذلك يقول عزّ وجلّ في القرآن الكريم: » واعتصموا بحبل الله جميعاً«. الاعتصام المتفرق بحبل الله لا فائدة من ورائه. »جميعاً« هي المهمة. اعتصموا بحبل الله سويةً وتمسكوا سويةً بالتعاليم والتربية والهداية الإلهية. الاجتماع هو المهم. القلوب سويةً والأرواح معاً والأفكار إلى جانب بعضها والأجسام بجوار بعضها.. الطواف الذي تؤدونه – هذه الحركة الدائرية حول نقطة معينة – رمز لحركة المسلمين حول محور التوحيد. جميع أعمالنا وخطواتنا وهممنا يجب أن تدور حول محور توحيد الله والتوجه للذات الربوبية المقدسة. إنه درس للحياة كلها.

 

رابعاً: استغلال أداة الوحدة

يا له من جفاء أن يستخدم شخص أداة الوحدة هذه لبث الخلاف والصدع. هذا خطاب للجميع، وليس فقط لذلك التفكيري السلفي المتعصب الذي يقف في المدينة ويسبُّ مقدسات الشيعة، بل هو خطاب للجميع. على مسؤولي الحج – مسؤولي قوافل الحجاج ورجال الدين فيها – أن يحذروا من أن يصنعوا من أداة الوحدة هذه وسيلة للتفرقة، ويملأوا القلوب بالبغضاء والحقد ضد بعضها. ما الشيء الذي يملأ قلب الشيعي بالضغينة ضد أخيه المسلم غير الشيعي، ويملأ قلب السني بالبغض لأخيه المسلم الشيعي.. انظروا ما هي هذه الأشياء.. ينبغي معرفتها ونبذها، ويجب عدم تصيير الحج وسيلة لخلق البغضاء والفواصل وهو وسيلة للوئام والوحدة وتوحيد القلوب والنوايا والعزائم في العالم الإسلامي. معرفة هذه القضية ومصاديقها أمر يتطلب درجة عالية من الدقة والوعي.

 

خامساً: عرقلة مسيرة الوحدة

الذين يعملون أثناء مراسم الحج على بث الخلافات وإشعال الفتن، وإشاعة أفكارهم الوهمية الخرافية المتحجرة، هم أصابع الاستكبار – علموا بذلك أم لم يعلموا – التي تنسف هذا الرصيد وتقضي عليه. الذين لا يسمحون لشوكة هذه الوحدة وعزتها وعظمتها بالتجلّي والظهور في أعين الأمة الإسلامية الكبرى هم من جملة من ينسفون هذا الرصيد ويهددونه. الذين لا يسمحون لوحدة وعظمة الأمة الإسلامية بالظهور والانعكاس في العالم الإسلامي، وذلك طبعاً في سبيل الله – وليس من باب التفاخر، والعظمة هنا ليست عظمة الاستعمار وإذلال الآخرين، وليست بمعنى إشعال الحروب ضد ضعفاء العالم، بل العظمة باتجاه القيم الإلهية وفي سبيل التوحيد – إنما يظلمون الإنسانية. العالم الإسلامي اليوم يتلقّى الضربات نتيجة تجاهل هذا الرصيد الإلهي العظيم.

 

سادساً: التفرقة الاستعمارية

من الأهداف الأساسية للاستكبار وأمريكا في العالم الإسلامي زرع الخلافات وتأجيجها بين المسلمين. وأفضل طريق لذلك هو بث النـزاعات بين الشيعة والسنة. تلاحظون ما الذي يقوله تلامذة الاستعمار في العالم بمناسبة قضايا العراق.. أية سموم يرشونها وينشرونها وأية بذور نفاق ينثرونها حسب ظنهم. منذ سنوات طويلة وأيدي الاستعمار وأيدي القوى الغربية الجشعة تمارس هذا الدور. ثمة في الحج فرصة مواتية لهم لإغضاب الشيعي من السني والسني من الشيعي؛ يحضّون هذا على إهانة مقدسات ذاك، ويدفعون ذاك لإهانة مقدسات هذا. ينبغي التحلي باليقظة، وهذه حالة لا تختص بالحج. يجب التحلي باليقظة طوال الوقت وفي جميع الميادين والأصعدة. الحرب بين الشيعة والسنة هي الأمل الحقيقي لأمريكا. بعد مضي قرون طويلة يجلس الشيعة والسنة في وجه بعضهم – كالذين يتجابهون في الحرب – ويتحدثون ضد بعضهم بقلوب ملؤها الضغينة .. هذا يسبّ ذاك، وذاك يسبّ هذا. ليس مستبعداً أبداً خصوصاً في هذا الظرف الحساس جداً أن يستأجروا في مراسم الحج أشخاصاً من أجل العمل على خلق هذه الخلافات.. على الناس الحذر واليقظة، وعلى رجال الدين المحترمين في قوافل الحج الشعور بتمام المسؤولية حيال هذه القضية وأن يتفطنوا ويعلموا ما الذي يريده الأعداء. إنها لغفلة كبيرة أن يتصور الإنسان أنه يدافع عن الحقيقة والحال أنه يدافع عن خطط الأعداء ويعمل لصالحهم. البعض يتقاضون المال ويصبحون مرتزقة ويفعلون ذلك. وقد يستفزون بعض العوام السطحيين المتعصبين أيضاً ضد معتقدات ومقدسات غيرهم من المسلمين. وإذا واجه هؤلاء ممارسات مماثلة من الطرف المقابل يكون الأعداء قد بلغوا أهدافهم دون شك. هذا ما يريده الأعداء.. يريدون لنا أن نشتبك لتطمئن قلوبهم وترتاح خواطرهم.

 

سابعاً: البراءة من المشركين -  الركن الأساسي في الحج

في هذا الميدان العظيم [الحج]، كما أن ذكر الله:»فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكراً« وإعلان البراءة من المشركين: »و أذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله برئ من المشركين ورسوله« يعدان ركنين للحج، كذلك لا بد أن يرتفع التحسس من أية حركة تفصل بين الإخوة – أي مكوِّنات هذه الأمة الواحدة – وتفشي العداوة بينهم إلى أعلى الدرجات. حتى أن القيل والقال بين الأخوين المسلمين والذي لا يبدو شيئاً مهماً في الحياة العادية، يُمنع في الحج ويُحرَّم. »فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج«. نعم، الساحة التي تلزم فيها البراءة من المشركين – أي الأعداء الأساسيين للأمة التوحيدية الواحدة – يُحرّم فيها الجدال مع الإخوة المسلمين – أي المكوِّنات الأساسية للأمة التوحيدية الواحدة – وهكذا تكتسب رسالة الوحدة والجماعة صراحة أكبر في الحج.

الواقع أن الحج من أفضل التدابير التي يتخذها الإسلام لإزالة الغفلة. عالمية هذه المراسم تبعث رسالة فحواها أن الأمة الإسلامية في هويتها الجماعية أيضاً مكلّفة بمحو الغفلة عن نفسها.

 

ثامناً: فرصة التنوير

ينبغي عدم تفويت فرصة الحج للتنوير في هذه المجالات وإعلان البراءة من الاستكبار ومن أمريكا. على العالم الإسلامي أن يعلم ما هي القضايا التي يواجهها. يجب أن تتحول هذه إلى وسيلة نشاط وحركية في العالم الإسلامي. يشيعون في إعلامهم أنه لم يعد هناك، فائدة فقد تسلّط الاستكبار ولا يمكن فعل شيء. ليس هذا هو واقع القضية. واقع القضية هو أن الأمة الإسلامية كائن حي قدير. إذا أراد وصمّم وبادر فلن تستطيع القوة الأمريكية ولا أقوى من القوة الأمريكية أن تفعل أي شيء.

لتُظهر الشعوب بأي شكل من الأشكال استطاعت انشدادها إلى مصالح العالم الإسلامي، وعليها التشديد على الوحدة فيما بينها وإعلان البراءة من أعداء العالم الإسلامي. هذا هو أقل ما يمكن فعله وتوقعه في الحج الذي يريده الإسلام.

 

تاسعاً: الروح السائدة على الحج

إننا لم نأت بالبراءة من الخارج لندخلها في الحج. إنها جزء من الحج وروح الحج والمعنى الحقيقي لاجتماع الحج العظيم. البعض يحبون أن يقولوا دوماً في الصحافة وفي تصريحاتهم وفي همزهم ولمزهم في أطراف العالم: »لقد سيّستم الحج«.. ما معنى هذا؟ إذا كان القصد أننا أدخلنا مفهوماً سياسياً إلى الحج فيجب القول لهم إن الحج لم يكن أبداً خلواً من المفهوم السياسي.

البراءة من المشركين وإبداء النفور من الأصنام وصنّاع الأصنام هو الروح السائدة على حج المؤمنين. كل موضع من الحج دليل على التوق إلى الله والسعي والجد في سبيله والبراءة من الشيطان ورميه وطرده والاصطفاف بوجهه وضده. وكل موطن من مواطن الحج مظهر للاتحاد والانسجام بين أهل القبلة وانهيار التباينات الطبيعية والاعتبارية، وتجلي الوحدة والإخوة الحقيقية والإيمانية بينهم. الحج إنما هو إعادة قراءة لهذه الدروس الكبرى وإتقانها.

 

 عاشرا: إلغاء البراءة

ليس من المقبول بالنسبة لي أن تحول الدولة الملتزمة بخدمة زوار بيت الله دون إقامة مراسم هي مبعث اتحاد بين المسلمين ومبعث عزة للشعوب الإسلامية وعلامة نفور من المستكبرين وأعداء العالم الإسلامي. لصالح أي طرف في الاصطفافات الحالية في العالم هذا الشيء؟ هل دعم الشعوب المسلمة المظلومة جريمة؟ وهل فضح المخططات الأمريكية ومخططات سائر المستكبرين ضد الإسلام والمسلمين شيء بخلاف الواجب؟ أليست دعوة المسلمين للاتحاد وإبداء النفور من عوامل التفرقة أمراً قرآنياً صريحاً؟ الذي يستفيد من تعطيل مثل هذه الواجبات المهمة هو أمريكا والصهيونية.

هتاف البراءة الذي يرفعه المسلمون في الحج اليوم هو هتاف البراءة من الاستكبار وعملائه الذين يتنفذون في البلدان الإسلامية باقتدار للأسف، ويفرضون على المجتمعات الإسلامية ثقافة وسياسة ونظام حياة طابعه الشرك، ويهدمون أركان التوحيد العملي في حياة المسلمين، ويدفعونهم إلى عبادة ما سوى الله، وتوحيدهم هو مجرد لقلقة لسان وأسم للتوحيد فقط حيث لم يبق أي أثر لمعنى التوحيد في حياتهم.


تعليقات الزوار
ارسال تعلیق