الأربعون حديثاً "للإمام الخميني (ره)" الحَديث الثَالِث: العُجْب

2017-08-30
0
367

بالسَّند المتّصل إلى محمّد بن يعقوب، عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه عن عليّ بن أسباط، عن أحمد بن عمر الحلال، عن عليّ بن سويد، عن أبي الحسن ـ عليه السّلام قال: «سألتُهُ عن العُجْبِ الذي يُفْسِدُ العَمَلَ، فقال: العُجْبُ درجاتٌ منها أن يُزَيَّنَ لِلْعَبْدِ سُوءٌ عَمَلِه فَيَراهُ حَسَناً فَيُعْجِبهُ وَيَحْسَبُ أنَّهُ يُحْسِنُ صُنْعاً وَمِنْها أن يؤمن العبد بربه فيمن على الله عز وجل ولله عليه فيه المن» ([1]).

 

الشرح([2]):

العُجْب: هو عبارة حسب ما ذكره العلماء رضوان الله عليهم عن: «تعظيم العمل الصالح واستكثاره والسرور والابتهاج به، والتغنج والدلال بواسطته، واعتبار الإنسان نفسه غير مقصرٍّ وأما السرور بالعمل مع التواضع والخضوع لله تعالى وشكره على هذا التوفيق وطلب المزيد منه، فإنه ليس بعجب بل هو أمر ممدوح». ينقل المحدّث العظيم مولانا العلامة المجلسي طاب ثراه، عن المحقق الخبير والعالم الكبير الشيخ بهاء الدين العامل رضوان الله عليه([3]) أنه قال: «لا ريب في أن من عمل أعمالا صالحة من صيام الأيام، وقيام الليالي، وأمثال ذلك يحصل لنفسه ابتهاج. فإن كان من حيث كونها عطية من الله له، ونعمة منه تعلى عليه، وكان مع ذلك خائفاً من نقصها شفيقاً من زوالها، طالباً من الله الازدياد منها، لم يكن ذلك الابتهاج عُجباً. وإن كان من حيث كونها صفته وقائمة به ومضافة إليه، فاستعظمها وركن إليها ورأي نفسه خارجا عن حدّ التقصير، وصار كأنّه يمن على الله سبحانه بسببها فذلك هو العُجْب».

أقول، وأنا الفقير: إن تفسير العُجب بالصورة التي ذكروها صحيح، ولكن يجب اعتبار العمل أعم من العمل الباطني والظاهري، القلبي والشكلي، وكذلك أعم من العمل القبيح والعمل الحسن. وذلك لأن العُجب مثلما يدخل على أعمال الجوارح، يدخل أيضا على أعمال الجوانح فيفس دها، وكما أن صاحب الفضيلة الحسنة يعجب بخصالة، كذلك يكون ذو العمل الشنيع أيضا، أي أنه يعجب بخصلة، كما صرّح بهذا، الحديث الشريف خصهما بالذكر لأنهما خافيان عن نظر أغلب الناس. وسيأتي ذكرهما إن شاء الله.

ويجب أن تعلم أيضاً أن السرور الخالي من العُجب والذي اعتبروه من الصفات الممدوحة إنما يلاحظ بحسب نوعه، كما سيأتي بيانه في فصل من الفصول اللاحقة.

واعلم أن للعُجب، كما وردت الإشارة إليه في الحديث الشريف، درجات: الدرجة الأولى: العُجْب بالإيمان والمعارف الحقّة، ويقابله العجب بالكفر والشرك والعقائد الباطلة.

الدرجة الثانية: العُجب بالملكات الفاضلة والصفات الحميدة ويقابله العجب بسيئات الأخلاق وباطل الملكات.

الدرجة الثالثة: العُجب بالأعمال الصالحة والأفعال الحسنة ويقابلها العجب بالأعمال القبيحة والأفعال السيئة.

وهناك درجات أخرى غير ولكنه ليست في هذا المقام. ونحن إن شاء الله سنشير ضمن فصول لاحقة، إلى تلك الدرجات ومنشئها وما يمكن أن يكون علاجا لها. وبه نستعين.

 

فصل: في مراتب العجب

اعلم([4]) أن لكل واحدة من الدرجات الآنفة الذكر من العجب مراتب يكون بعض هذه المراتب واضحة وبيِّنة ويمكن للإنسان الإطلاع عليها بأقل تنبه والتفاوت. وبعضها الآخر دقيق وخفيّ للغاية بحيث لا يمكن للإنسان أن يدركها ما لم يفتش ويدقّق بصورة صحيحة. كما أن بعض مراتبها أشدّ وأصعب وأكثر تدميراً من بعضها الآخر.

 

المرتبة الأولى:

وهي أشدّ المراتب وأهلكها، حيث تحصل في الإنسان بسبب شدة العُجْب حالة يمنّ معها في قلبه بإيمانه أو خصاله الحميدة الأخرى على ولي نعمته ومالك الملوك، فيتخيل أن الساحة الإلهية قد اتسعت بسبب إيمانه، أو أن دين الله قد أكتسب رونقاً بذلك أو أنه بترويجه للشريعة أو بإرشاده وهدايته أو بأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر أو بإقامته الحدود، أو بمحرابه ومنبره، قد أضفى على دين الله بهاءً جديداً، أو أنه بحضوره جماعة المسلمين، أو بإقامة مجالس التعزية لأبي عبدالله عليه السلام قد أضفى على الدين جلالا، لذلك يمنّ على الله وعلى سيد المظلومين وعلى الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، وإن لم يظهر لأحد هذا المعنى، إلاّ أنه يمنّ في قلبه. ومن هنا ومن هذا الباب بالذات تنشأ المنّة على عباد الله في الأمور الدينية، كأن يمنّ على الضعفاء والفقراء بإعطائهم الصدقات الواجبة والمستحبة ومساعدتهم، وأحيانا تكون هذه المنّة خافية حتى على الإنسان نفسه (وقد تقدم في الحديث الثاني شرح عدم إمكان امتنان الإنسان على الله، وإنا يمنّ الله على الناس جميعا).

 

المرتبة الثانية:

وهي التي يتدلل فيها الإنسان ويتغنج بواسطة العُجب على الله تعالى وهذه غير المنّة، ولو أن البعض لم يفرّق بينهما.

أن صاحب هذا المقام يرى نفسه محبوبا لله تعالى، ويرى نفسه في سلك المقرَّبين والسابقين، وإذا جيء باسم وليّ من أولياء الله أو جرى حديث عن المحبوبين والمُحبين أو السالك المجذوب، اعتقد في قلبه أنه من أولئك. وقد يبدي التواضع رياء وهو خلاف ذلك، أو أنه لكي يثبت ذلك المقام لنفسه ينفيه

عن نفسه بصورة تستلزم الإثبات.

وإذا ما ابتلاه الله تعالى ببلاء، راح يعلن أن «البَلاءَ لِلْوَلاءِ».

إن مدعي الإرشاد من العرفاء والمتصوفة وأهل السلوك والرياضة أقرب إلى هذا الخطر من سائر الناس.

المرتبة الثالثة:

أن يرى العبد نفسه وبواسطة الإيمان أو الملكات أو الأعمال، دائنا لله وأنه بذلك يكون مستحقا للث واب، ويرى واجباً على الله أن يجعله عزيزاً في هذا العالم، ومن أصحاب المقامات في الآخرة، ويرى نفسه مؤمناً تقياً وطاهراً، وكلما جاء ذكر المؤمنين بالغيب، قال في نفسه: «حتى لو عاملني الله بالعدل، فإني أستحق الثواب والأجر» بل يتعدى بعضهم حدود القبح والوقاحة ويصرّح بهذا الكلام. وإذا ما أصابه بلاء وصادفه ما لا يرغب، فإنه يعترض على الله في قلبه، ويتعجب من أفعال الله العادل، حيث يبتلي المؤمن الطاهر، ويرزق المنافق، ويغضب في باطنه على الله تبارك وتعالى وتقديراته، ولكنه يظهر الرضا في الظاهر، ويصبُّ غضبه على ولي نعمته، ويظهر الرضا بالقضاء أمام الخلق. وعندما يسمع أن الله يبتلي المؤمنين في هذه الدنيا، يسلّي نفسه بذلك في قلبه، ولا يدري بأن المنافقين المبتلين كثيرون أيضاً وليس كل مُبْتَلٍ مؤمناً.

 

المرتبة الرابعة:

هي أن يرى الإنسان نفسه مُتميزاً عن ائر الناس وأفضل منهم بالإيمان، وعن المؤمنين بكمال الإيمان، وبالأوصاف الحسنة عن غير المتصفين بها، وبالعمل بالواجب وترك المحرَّم عمّا يقابل ذلك، كما أنّه يرى في عمل المستحبات والتزام الجمعة والجماعات والمناسك الأخرى وترك المكروهات يرى نفسه أكمل من عامة الناس، وأن له امتيازاً عليهم، فيثق بنفسه وبأعماله، ويرى سائر الخلق زبداً ناقصين، وينظر إلى سائر الناس بعين الاحتقار، ويطعن بقلبه أو بلسانه في عباد الله ويعيبهم، ويبعد كل شخص بصورة مّا عن ساحة رحمة الله، ويجعل الرحمة خالصة له ولأمثاله.

ومثل هذا الإنسان يصل إلى درجة بحيث يناقش كل عمل صالح يراه من الناس، ويخدشه بقلبه على نحو ما، ويرى أعماله خالصة من ذلك الاعتراض والنقاش ولا يرى الأعمال الحسنة من الناس شيئاً ولكن إذا صدرت هذه الأعمال نفسها عنه يراها عظيمة. إنه يعرف جيدا عيوب الناس وهو غ افل عن عيوبه.

هذه علامات العُجْب، وإن كان الإنسان نفسه قد يكون غافلاً عنها، وللعُجب درجات أخرى، لم أذكر بعضها، وأكون غافلاً عن بعضها الأخر حتماً.

فصل: إن أهل الفساد يُعجبون بفسادهم

يصل أهل الكفر والنفاق والمشركون والملحدون وذوو الأخلاق القبيحة، والملكات الخبيثة وأهل المعصية والعصيان، أحياناً إلى درجة الإعجاب بغرورهم وزندقتهم تلك، أو بسيئات أخلاقهم وموبقات أعمالهم، ويسرّون بها، ويرون بها أنفسهم من ذوي الأرواح الحرة، الخارجة عن التقليد وغير المعقّدة بالأوهام والخرافات، ويرون أنفسهم أولي شهامة ورجولة، ويتصورون أن الإيمان بالله من الأوهام، وأن التعبد بالشرائع من ضعف العقل وصغره، ويرون أن الأخلاق الحسنة والملكات الفاضلة، هي من ضعف النفس والمسكنة، ويحسبون أن الأعمال الحسنة والمناسك والعبادات هي من ضعف الإدراك ونقصان الإحساس، ويرون أن أنفسهم ستحق المدح والثناء، بسبب الروح الحرة التي لا تعتقد بالخرافات ولا تبالي بالشرائع. لقد تأصلت في قلوبهم الخصال القبيحة والسيئة وأصبحوا يأنسون بها، وبها امتلأت أعينهم وآذانهم فرأونا حسنة، وتصوروها كمالاً مثلما وردت الإشارة إلى ذلك في هذا الحديث الشريف حيث قال: «العُجْبُ دَرَجَاتٌ، مِنْهَا أنْ يُزَيّنَ لِلْعَبْدِ سُوءُ عَمَلِهِ فَيَراهُ حَسَنَاً فَيُعْجِبُهُ وَيَحْسَبُ أنَهُ يُحْسِنُ صَنْعَاً» وهذه إشارة إلى قول الله تعالى {أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا...} ([5]). وكما يقول {وَيَحْسَبُ أَنَهُ يُحْسِنُ صَنْعاً} يشير إلى قول الله تعالى: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً، الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا، أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا}([6]). تلك المجموعة من الناس الذين هم في الواقع جهلة ويحسبون أنفسهم علماء، أولئك هم أكثر الناس مسكنة وأسوأ الخلائق حظّاً، أولئك يعجز أطباء النفوس عن علاجهم ولا تؤثر فيهم الدعوة والنصيحة، بل قد تعطي أحياناً نتيجة عكسية. أولئك لا يعون الدليل بل يسدّون أسماعهم عن هداية الأنبياء عليهم السلام وبرهان الحكماء ومواعظ العلماء.

وعليه فتجب الاستعاذة بالله من شرّ النفس ومكائدها التي تجر الإنسان من المعصية إلى الكفر ومنه إلى العُجْب به. إن النفس والشيطان، بتهوينها بعض المعاصي، يلقيان بالإنسان في المعصية، وبعد تأصيلها في قلبه وتحقيرها في عينه يبتلى الإنسان بمعصية أخرى أكبر قليلاً من الأولى، ومع التكرار تسقط المعصية الثانية من النظر وتبدو صغيرة وهيِّن في عين الإنسان، فيبتلى بما هو أعظم. وهكذا يسير الإنسان نحو الهاوية خطوة فخطوة، وشيئا فشيئا فتصغر كبائر المعاصي في عينه إلى أن تسقط جميع المعاصي في نظرة، فيستهين بالشريعة والقانون الإلهي، ويؤول عمله إلى الكفر والزندقة والإعجاب بهما. وقد يأتي الحديث عن ذلك فيما يأتي.

فصل: في بيان أن حيل الشيطان دقيقة

وعلى غرار ما يتدرج عمل أولي العُجب بالمعاصي من مرتبة إلى أخرى حتى يصل إلى الكفر والزندقة، كذلك يتطور العجب بالطاعات من العجب في الدرجة الناقصة إلى الدرجة الكاملة، فتصبح مكائد النفس والشيطان في القلب على أساس تخطيط ودراسة. إن الشيطان لا يمكن أبدا أن يعهد إليكم، أنتم المتقون الخائفون من الله، مهمة قتل النفس أو الزنا، أو أن يقترح على الشخص الذي يتمتع بالشرف وطهارة النفس، السرقة أو قطع الطريق، فلا يمكن أن يقول لك منذ البداية بأن مُنَّ على الله ب هذه الأعمال أو ضع نفسك في زمرة المحبوبين والمحبين والمقرّبين من

الحضرة الإلهية. وإنما يبدأ الأمر بالخطوة الأولى ثم يشق طريقه في قلوبكم، فيدفعكم نحو الحرص الشديد على التزام المستحبات والأذكار والأوراد. وفي غضون ذلك يزين أمامكم بما يناسب حالكم، عملا واحدا من أهل المعصية، ويوحي لكم بأنكم بحكم الشرع والعقل أفضل من هذا الشخص، وأن أعمالكم موجبة لنجاتكم، وأنكم بحمد الله طاهرون بعيدون عن المعاصي ومبرءون منها، فيتحصل من هذه الإيحاءات نتيجتين: الأولى: هي سوء الظن بعباد الله، والأخرى: العُجب بالنفس. وكلاهما من المهلكات ومن معين المفاسد.

قولوا للشيطان والنفس: قد تكون لهذا الشخص المبتلي بالمعصية، حسنات، أو أعمال أخرى فيشمله الله تعالى بها بوافر رحمته، ويجعل نور تلك الحسنات والأعمال مناراً يهديه فيؤول عمله إلى حسن العاقبة. ولعل الله قد ابتلى هذا لشخص بالمعصية لكي لا يبتلى بالعُجب، الذي يعدّ أسوأ من المعصية. مثلما ورد في الحديث الشريف المنقول في الكافي، عن أبي عبدالله، قال: «إِنَّ اللهَ عَلِمَ أن الذنب خَيْرٌ لِلْمُؤْمِنِ مِنَ العُجبِ ولولا ذلكَ ما ابْتَلى مؤمِناً بِذَنْبٍ أَبداً» ([7]) ولعل عملي أنا يؤول إلى سوء العاقبة بسبب سوء الظن هذا. وكان شيخنا الجليل العارف الكامل الشاه آبادي «روحي فداه» يقول:

«لا تعيبوا على أحد، حتى في قلوبكم، وإن كان كافرا، فلعل نور فطرته يهديه، ويقودكم تقبيحكم ولومكم هذا إلى سوء العاقبة إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر غير التعبير القلبي» بل كان يقول: «لا تلعنوا الكفار الذين لا يعلم بأنهم رحلوا عن هذا العالم وهم حال في حال الكفر، فلعلهم اهتدوا في أثناء الرحيل فتصبح روحانيتهم مانعا لرقيكم». وعلى أي حال، فإن النفس والشيطان، يدخلانكم في المرحلة الأولى من العُجب وقليلا قليلا ينقلانكم من هذه المرحلة إلى مرحلة أخرى، ومن هذه الدرجة إلى درجة أكبر إلى أن يصلا بالإنسان في النهاية إلى المقام الذي يمنُّ فيه على ولي نعمته ومالك الملوك، بإيمانه أو أعماله ويصل عمله إلى أسفل الدرجات.

فصل: في مفاسد العُجْب

اعلم أن العجب بنفسه من المهلكات والموبقات ومما يحبط إيمان الإنسان وأعماله ويفسدها، كما يجيب الإمام عليه السلام الراوي عندما يسأله في هذا الحديث الشريف عن العُجْب الذي يفسد العمل فيحدد عليه السلام أن درجة منه هي العجب في الإيمان. وقد سمعت في الحديث السابق أن العجب أشد من الذنب في حضرة الله تعالى. ولهذا قد يبتلي الله سبحانه المؤمن بالمعصية لكي يصبح آمنا من العجب. وكذلك الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم يعتبر العجب من المهلكات.

وفي أمالي الصوق، عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: «مَنْ دَخَلَهُ العُجْب هَلَكَ» ([8]) وصورة هذا السرو ـ الحاصل من العجب ـ في البرزخ وما بعد الموت، تكون موحشة ومرعبة جدا، ولا نظير لها في الهول. وأوضح ما يشير إلى ذلك قول الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم في وصيته لأمير المؤمنين عليه السلام: «ولا وَحْدَةَ أَوْحَشَ من العُجْبِ» ([9]). سأل موسى ين عمران على نبينا وآله وعليه السلام الشيطان: «أَخْبَرْنِي بِالْذَّنْبِ الَّذي إِذَا ارتَكَبَهُ ابنُ آدَمِ إِسْتَحْوَذتَ عَلَيه، قال: إِذا أَعْجَبَتْهُ نَفْسُه، واسْتكْثَر عَمَلَهُ، وَصَغُر فِي عَيْنِه ذَنْبُه» ([10]). وقال: قال الله تعالى لداود عليه السلام: «يا داودَ بَشِّرِ المُذْنِبينَ وأُنْذِرِ الصِّدّيقِينَ» قال: يا ربّ كَيْفَ أُبَشِّر المُذْنِبينَ وأُنْذِر الصِّدِّيقين؟ قال: «يا داود بَشِّر المُذْنبينَ أَنِي أَقْبَلُ التّوْبَةَ وأَعْفُو عَنِ الذَّنب. وأُنْذِرِ الصِّدِّيقينَ أَلاّ يُعْجِبُوا بِأَعْمالِهِمْ، فَإِنهُ لَيْسَ عَبْدٌ أَنْصِبُهِ لِلْحِسابِ إِلاّ هَلَكَ» ([11]) أعوذ بالله تعالى من المناقشة في الحساب التي تهلك الصديقين ومن هو أعظم منهم.

ينقل الشيخ الصدوق في الخصال مسندا إلى الإمام الصادق أن الشيطان يقول: «إذا ظَفَرْتُ بِابنِ آدَمَ فِي ثَلاثٍ فَلا يُهِمّنِي عَمَلَهُ بَعْدَ ذلِكَ لأنَّه لَنْ يُقْبَلَ مِنهُ: إِذا اسْتَكْثَرَ عَمَلَهُ، وَنَسِيَ ذَنْبَهُ، وَتَسَرَّبَ إِلَيهِ العُجْبُ» !([12]).

يضاف على ما سمعت من مفاسد العجب، نه شجرة خبيثة، نتاجها الكثير من الكبائر والموبقات. فعندما يتأصل العجب في القلب، يجرّ عمل الإنسان إلى الكفر والشرك وإلى ما هو أعظم من ذلك.

ومن مفاسده استصغار المعاصي. بل إن ذا العجب لا ينهض لإصلاح نفسه ويظن أن نفسه زكية طاهرة، فلا يخطر على باله أبدا أن يطهرها من المعاصي، لأن ستار الإعجاب بالنفس وحجابه الغليظ يحول بينه وبين أن يرى معايب نفسه. وهذه مصيبة، إذ أنها تحجز الإنسان عن جميع الكمالات، وتبتليه بأنواع النواقص، وتؤدي بعمل الإنسان إلى الهلاك الأبدي، ويعجز أطباء النفوس عن علاجه...

ومن مفاسده الأخرى أنها تجعل الإنسان يعتمد على نفسه في أعماله، وهذا ما يصبح سببا في أن يحسب الإنسان الجاهل المسكين نفسه في غنى عن الحق تعالى، ولا يرى عليه فضل الحق تعالى، ويرى ـ بحسب عقله الصغير ـ أن الحق تعالى ملزم بأن يعطيه الأجر والثواب، ويتوهم أنه حتى لو عومل بالعدل أيض ا لاستحق الثواب، وسيأتي فيما بعد ذكر هذا الأمر إن شاء الله.

ومن مفاسد العجب الأخرى، أن ينظر الإنسان باحتقار إلى عباد الله، ويحسب أعمال الناس لا شيء وإن كانت أفضل من أعماله، فتكو ن هذه النظرة وسيلة لهلاك الإنسان أيضاً، وشوكة في طريق خلاصه ونجاته.

ومن مفاسده الأخرى، أنه يدفع الإنسان إلى الرياء، لأن الإنسان بصورة عامة إذا استصغر أعماله ـ وجدها لا شيء ـ ووجد أخلاقه فاسدة، وإيمانه لا يستحق الذكر، وعندما لا يكون معجبا بنفسه ولا بصفاته ولا بأعماله، بل وجد نفسه وجميع ما يصدر عنها سيئاً وقبيحاً، لا يطرحها ولا يتظاهر بها، فإن البضاعة الفاسدة تكون سيئة وغير صالحة للعرض. ولكنه إذا رأى نفسه كاملا وأعماله جيدة، فإنه يندفع إلى التظاهر والرياء، ويعرض نفسه على الناس.

يجب اعتبار مفاسد الرياء المذكورة في الحديث الثاني من مفاسد العجب أيضا.

وهناك مفسدة أخرى هي أن ذه الرذيلة تؤدي إلى رذيلة الكبر المهلكة، وتبعث على ابتلاء الإنسان بمعصية التكبر ـ وسيأتي إن شاء الله ذكر الحديث عنها فيما بعد ـ.

تنشأ من هذه الرذيلة مفاسد أخرى أيضا بصورة مباشرة وغير مباشرة وشرح ذلك يوجب التفصيل. فليعلم المعجب أن هذه الرذيلة هي بذرة رذائل أخرى، ومنشأ لأمور بشكل كل واحد منها سببا للهلاك الأيدي والخلود في العذاب. فإذا عرف هذه المفاسد بصورة صحيحة ولاحظها بدقة، ورجع إلى الأخبار والآثار الواردة بشأنها عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وأهل البيت ذلك القائد صلوات الله عليهم أجمعين، فمن المحتم أن يعتبر الإنسان نفسه ملزما بالنهوض لإصلاح النفس، وتطهيرها من هذه الرذيلة واستئصال جذورها من باطن النفس، لئلا ينتقل لا سمح الله إلى العالم الآخر وهو بهذه الصفة، وإنه حينما يغمض عينيه المادية الملكوتية، ويشرق عليه سلطان البرزخ والقيامة، يرى أن حال أهل كبائر المعاصي أفضل من حاله حيث غمرهم الله برحمته الواسعة بسبب ندمهم أو بسبب ما كان لديهم من رجاء بفضل الله تعالى. وأما هذا المسكين الذي رأى نفسه مستقلا، وحسبها في باطن ذاته غنية عن فضل الله، فيرى بأن الله تعالى حاسبه لذلك حسابا عسيرا، وأخضعه لميزان العدل كما أراد، وأفهمه بأنه لم يقم بأية عبادة لله تعالى، وأن جميع عباداته أبعدته عن الساحة المقدسة، وأن كل أعماله وإيمانه باطل وتافه. بل وأن تلك الأعمال والعبادات نفسها هي سبب الهلاك وبذرة العذاب الأليم ورأس مال الخلود في الجحيم. الويل لمن يعامله الباري تعالى بعدله، فإذا ما عومل الناس مثل هذا التعامل ما نجا أحد من الأولين والآخرين. إن مناجاة صفوة الله ـ من الأنبياء والأئمة المعصومين صلوات الله عليهم ـ مشحونة بالاعتراف بالتقصير والعجز عن القيام بالعبودية. وعندما يعلن رسول الله محمد صلى الله عليه

وآله وسلم أفضل الكائنات وأقربها إلى الله قائلا: «مَا عَرَفناكَ حقَّ معْرِفَتِكَ وما عَبَدْناكَ حقَّ عِبادَتِكَ» فماذا سيكون حال سائر الناس؟.. نعم إنهم العارفون بعظمة الله تعالى، العالمون بحقيقة نسبة «الممكن» إلى «الواجب» إنهم يعلمون، أنهم لو قضوا جميع أعمارهم في الدنيا بالعبادة والطاعة والتحميد والتسبيح، لما أدّوا شكر نعم الله، فكيف يمكن أداء حق الثناء على ذاته وصفاته المقدسة؟، إنهم يعلمون أن ليس لموجود شيء. فالحياة والقدرة والعلم والقوة وسائر الكمالات الأخرى هي ملك لكماله تعالى، و«الممكن» فقير، بل فقر محض يستطل بظله تعالى، وليس بمستقل بذاته. أيّ كمالٍ يملكه «الممكن» بنفسه لكي يتظاهر بالكمال؟، وأية قدرة يمتلكها لكي يتاجر بها؟ أولئك العارفون بالله وبجماله وجلاله شاهدوا شهود عيان نقصهم وعجزهم وشاهدوا كمال «الواجب» تعالى، وإنما نحن المساكين الذين قد ران حجاب الجهل والغفلة والعجب والمعاصي على قلوبنا وقوالبنا وغشى أبصارنا وأسماعنا وعقولنا وكافة قوانا المدركة بحيث أخذنا نستعرض عضلاتنا في مقابل قدرة الله القاهرة، ونعتقد أن لنا استقلالاً وشيئية بذواتنا.

أيها «الممكن» المسكين الجاهل بنفسك وبعلاقتك بالله!، أيها «الممكن» السيّئ الحظ الغافل عن واجباتك إزاء مالك الملوك! إن هذا الجهل هو سبب جميع ما يلحقك من سوء التوفيق، وهو الذي ابتلانا بجميع هذه الظلمات والمكدّرات. أن الفساد قد ينشأ من الأساس، وأن تلوّث الماء قد يكون من المعين. إن عيون معارفنا عمياء، وقلوبنا ميته، وهذا سبب جميع المصائب ولكننا مع كل ذلك لسنا حتى بصدد إصلاح أنفسنا!.

اللهم تفضل علينا بتوفيق التوبة، وعرفنا أنت بواجباتنا، وتفضل علينا بنصيب من أنوار معارفك التي ملأت بها قلوب العرفاء والأولياء، أظهر لنا إحاطة قدرتك وسلطتك، وعرفنا بنواقصنا. فهّمْنا نحن الماكين الغافلين الذين ننسب جميع المحامد إلى الخلق فَهّمنا معنى «الحمدُ لله رّبِّ العالَمِينَ» عرّف قلوبنا بأن ليست هناك محمدة من مخلوق. أظهر لنا حقيقة {مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنْ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ...}([13]). أدخل كلمة التوحيد إلى قلوبنا القاسية الكدرة، نحن أهل الحجاب والظلمة، وأهل الشرك والنفاق، نحن الأنانيون، عبّاد النفس، المعجبون بها، أخرج من قلوبنا حب النفس وحب الدنيا، واجعلنا عشّاقاً لله وعبّاداً لك {إنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِير}.

فصل: في بيان أن حُبّ النفس أساس العُجْب

اعلم أن رذيلة العُجب تنشأ من حب النفس، لأن الإنسان مفطور على حب الذات، فيكون أساس جميع الأخطاء والمعاصي الإنسانية والرذائل الأخلاقية، حب النفس. ولهذا فإن الإنسان يرى أعماله الصغيرة كبيرة، وبذلك يرى نفسه من الصالحين ومن خاصة الله ويرى نفسه مستحقاً للثناء ومستوجباً للمدح على تلك الأعمال الحقيرة التافهة. بل ويحدث أحياناً أن تلوح لنظرة قبائح أعماله حسنة وإذا ما رأى من غيره أعمالا أفضل وأعظم من أعماله فلا يعيرها أهمية، ويصف أعمال الناس الصالحة بالقبح، وأعماله السيئة القبيحة بالحسنة. يسيء الظن بخلق الله ولكنه يحسن الظن بنفسه، وبسبب حبه لنفسه يرى بعمله الصغير الممزوج بآلاف القذارات المبعدة عن الله، أن الله مدين له وأنه يستوجب منه الرحمة.

فلنفكر الآن قليلا في أعمالنا الصالحة ولنحكِّم العقل قليلا في الأفعال العبادية الصادرة عنّا، ولننظر إليها بعين الإنصاف، لنرى هل أننا نستحق بها المدح والثناء والثواب والرحمة، أو أننا جديرون باللوم والعتاب والغضب والنقمة؟ وإذا ما أحرقنا الله بسبب هذه الأعمال، التي نراها حسنة، بنار القهر والغضب ألا يكون ذلك عدلاً؟...

إني أحكّمكم في هذا السؤال الذي أطرحه، أريد منكم الجواب عليه بإنصاف ـ بعد إعمال الفكر والتأمل ـ. والسؤال هو أنه إذا أخبركم الرسول الأكرم صلوات الله عليه وآله وسلم، وهو الصادق المصدق، إنكم إذا عبدتم الله طوال عمركم وأطعتم أوامره وتركتم شهوات النفس ورغباتها، أو تركتم عبادته وعملتم على خلاف توجيهاته سبحانه وتعالى وعلى أساس رغبات النفس وشهواتها طيلة حياتكم، إذا أخبركم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بأنكم سيّان ـ في كلتا الحالتين ـ لن تختلف درجاتكم في الآخرة إنكم على كل حال الناجون وستذهبون إلى الجنة وتأمنون من العذاب، فلا فرق ـ حسب الفرض ـ بين أن تصلوا أو تزنوا، ولكن مع ذلك يكون رضا الله تعالى في عبادته والثناء عليه وحمده، والابتعاد عن الشهوات والرغبات النفسانية في هذا العالم، مع عدم الإثابة على الطاعة. فهل كنتم تصبحون من أهل المعصية أو من أهل العبادة؟ هل كنتم تتركون الشهوات وتحرمون على أنفسكم اللذات النفسانية من أجل رضا الله تعالى والرغبة فيه، أو لا؟ هل كنتم باقين من المتوسلين إليه تعالى بالمستحبات والجمعة والجماعات؟ أو كنتم تغرقون في الشهوات وتلازمون اللهو واللعب والملاهي وغير ذلك؟ أجيبوا بإنصاف ودون تظاهر ورياء. إنني أعلن عن نفسي وعمن هو على شاكلتي بأنّا كنّا نصبح من أهل المعصية ونترك الطاعات ونعمل بالشهوات النفسانية.

وبعد ما تقدم نستنتج أن جميع أعمالنا هي من أجل اللذات النفسانية ومن أجل الاهتمام بالبطن والفرج. إننا عُبّاد للبطن وعُبّاد للشهوة، ونترك لذة صغيرة، للذة أعظم وإن وجهة أنظارنا وقبلة آمالنا هي فتح بساط الشهوة. إن الصلاة التي هي معراج القرب إلى الله نؤديها قربة لنساء الجنة ولا علاقة لها بالقرب إلى الله، ولا علاقة لها بطاعة الأمر، وهي بعيدة آلاف الفراسخ عن رضا الله.

أيها المسكين الغافل عن المعارف الإلهية، يا من لا تهم سوى إرادة شهوتك وغضبك، أنت المتوسل بالأذكار والأوراد والمستحبات والواجبات، والتارك للمكروهات والمحرّمات والمتخلق بالأخلاق الحسنة، والمتجنب لسيئات الأخلاق، ضع أعمالك أمام عين الإنصاف، أتقوم بها لأجل الوصول إلى الشهوات النفسانية والجلوس على سرر مطعّمة بالزبرجد، ومعانقة الضحوكات والدعوبات في الجنة، ارتداء الحرير والإستبرق، والسكنى في القصور الفارهة الجميلة، والوصول إلى الأماني النفسية؟ أفينبغي أن تمن بهذه الأعمال على الله وهي جميعا لأجل النفس ومن أجل عبادتها، وتعدّها عبادة لله؟ هل يختلف حالكم عن ذلك الأجير الذي ينجز عملا من أجل الأجر، ثم يقول: إنني أنجزت ذلك العمل لأجل صاحب العمل فحسب؟ أفلا تكذبوه؟

ألستم كاذبين حينما تقولون: إننا نصلّي تقرباً إلى الله تعالى؟ ألأجل التقرب

إلى الله هذه الصلاة أو لأجل التقرب لنساء الجنة وإشباع الشهوة؟ أقولها صراحة، إن جميع عباداتنا هذه لهي من كبائر الذنوب عند العرفاء بالله وأولياء الله.

أيها المسكين! أنت في حضرة الله جلّ جلاله، وفي محضر الملائكة المقربين، تعمل خلاف رضا الله تعالى، والعبادة التي هي معراج القرب من الله، تؤديها لأجل النفس الأمّارة بالسوء ولأجل الشيطان، وعندها لا تستحي أن تكذب في العبادة عدة أكاذيب في حضرة الربّ والملائكة المقربين وتفتري عدة افتراءات، وتمنّ وتعجب وتتدلل أيضا، ولا تخجل بعد كل ذلك! بماذا تختلف عبادتي هذه وعبادتك عن معصية أهل العصيان، وأشدها الرياء؟ فالرياء شرك وقبحه ناشئ من أنك لم تؤد العبادة لأجل الله. جميع عباداتنا شرك محض ولا أثر فيها للخلوص والإخلاص، بل حتى أن رضا الله لا يشترك في الدافع إلى إنجاز هذه العبادة فهي لأجل الشهوات وإعمار البطن والفرج فحسب.

أيها العزيز، إن الصلاة التي تكون لأجل المرأة، سواء أكانت في الدنيا أم في الجة، لا تكون لله، الصلاة التي تكون من أجل الحصول على أمال الدنيا أو آمال الآخرة، لا علاقة لها بالله فلماذا إذاً تتدلل إلى هذا الحد، وتنظر إلى عباد الله بعين الاحتقار، وتحسب نفسك من خواص الله تعالى؟ أيها المسكين! أنت بهذه الصلاة مستحق للعذاب ومستوجب لسلسلة طولها سبعون ذراعا. فلماذا إذاً تحسب نفسك دائناً لله، وتهيأ لنفسك بهذا التدلل والعُجْب عذابا آخر؟ أعمل الأعمال التي أُمرت بها، واعلم أنها ليست لأجل الله، واعلم أن الله يدخلك الجنة بتفضله وترحمه، وأن الله تعالى خفف عن عباده لضعفهم بالتجاوز عن نوع من الشرك وأسدل عليه بغفرانه ورحمته حجاب ستره، فحاذر أن يتمزق هذا الحجاب وليبق حجاب غفران الله على هذه السيئات التي أسميناها عبادة. فإذا حدث لا سمح الله أن انطوت صفحتك هذه ورحلت من هذه الدنيا وجاءت صفحة العدل فإن عفونة عبادتنا عندئذ لن تقل عن عفونة المعاصي وال موبقات التي يرتكبها أهل المعصية. وقد أشرنا فيما مضى إلى حديث ينقله ثقة الإسلام الكليني في كتاب (الكافي) بسنده إلى الإمام الصادق عليه السلام، وهنا ننقل قسماً من هذا الحديث بنصه تبركاً وتيمناً: عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال الله عزّ وجلّ لداود عليه السلام: {يا داودُ بَشِّر المُذْنِبينَ وَأَنْذِرِ الصِّدِّيقينَ. قال: كَيْفَ أُبَشِّرُ المُذْنِبينَ وَأُنْذِرُ الصِّدِّيقينَ؟ قال يا داوُدُ بَشِّرِ المُذْنِبينَ أنّي أَقْبَلُ التَّوْبَةَ وَأَعْفُو عَنِ الذَّنْب وَأَنْذِرِ الصِّدّيقينَ أَنْ لا يُعْجِبُوا بِأَعْمالِهِم فَإِنّهُ لَيْسَ عَبْدٌ أَنْصِبُهُ لِلْحِسابِ إلاّ هَلَكَ}([14]). لأنه مستحق للعذاب وفق العدالة فإن ثواب عبادات العبد لا تعادل شكر واحد من نعمائه.

فإذا علمت الصديقين، على الرغم من أنهم مُطهَّرون من الذنب والمعصية، جميعاً هالكون في الحساب، فماذا نقول أنا وأنتم؟... هذا كله عندما تكون أعمالي وأعمالكم خالصة من الرياء الدنيوي ومن الموبقات والمحرمات وقلما يحصل لنا خلوص عمل من الرياء والنفاق.

وعليه إذا استدعى العمل العُجب والتدلل والتغنج، فافعل. وإذا أستدعى الخجل والتذلل والاعتراف بالتقصير فيجب عليك بعد كل عبادة أن تنوب من تلك الأكاذيب التي قلتها في حضرة الله تعالى، ومما نسبته إلى نفسك دون دليل. ألا ترى أن عليك أن تنوب من قولك وأنت تقف أمام الله قبل الدخول في الصلاة: {إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ}([15])، {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}([16]). فهل وجوهكم متوجهة إلى فاط ر السماوات والأرض؟ هل أنتم مسلمون وخالصون من الشرك؟ هل صلاتكم وعبادتكم وحياتكم ومماتكم لله؟ ألا يبعث على الخجل ـ بعد هذا ـ أن تقولوا في الصلاة [الحمدُ لله رَبِّ العالمين]؟ فهل حقا تقرّون بأن المحامد كلها لله؟، في حين أنك تقرّون بالحمد لعبادة، بل ولأعدائه؟، أليس قولكم [ربّ العالمين] يكون كذبا لأنكم تقرون في الوقت نفسه بالربوبية لغيره تعالى في هذا العالم، أفلا يحتاج ذلك إلى التوبة والخجل؟. وحينما تقول {إيّاك نَعْبُدُ وإيّاك نَسْتَعينُ} فهل تراك تعبد الله أم تعبد بطنك وفرجك؟ هل أنت تطلب الله أو الحور العين؟ هل تطلب العون من الله فقط؟ إن الشيء الذي لا يأخذ بعين الاعتبار في الأعمال هو الله، وأنت إذا ذهبت إلى زيارة بيت الله، فهل أن مقصدك ومقصودك هو الله، وأن مطلبك ومطلوبك هو صاحب البيت؟ وهل قلبك مترنم بقول الشاعر:

وما حُبُّ الديار شغفنَ قَلبي *** ولن حُبُّ من سكنَ الديارا

أباحثٌ أنت عن الله؟ أتطلب آثار جمال الله وجلاله؟ ألأجل سيد المظلومين تقيم العزاء؟ ألأجله عليه السلام تلطم على رأسك وصدرك أم لأجل الوصول إلى آمالك وأمانيك؟ أهي بطنك التي تدفعك لإقامة مجالس العزاء، وشهوة الظهور هي التي تدفعك للذهاب إلى صلاة الجماعة، وهوى النفس هو الذي يجرك للمناسك والعبادة؟.

فيا أيها الأخ، كن حذرا تجاه مكائد النفس والشيطان، وأعلم أنه لن يدعك أيها المسكين بأن تؤدي عملا واحدا بإخلاص، وحتى هذه الأعمال غير الخالصة التي تقبّلها الله تعالى منك بفضله، لا يدعك ـ الشيطان ـ أن تصل بها إلى الهدف فيعمل عملاً تحبط به أعمالك كلها، وتخسر حتى هذا النفع بسبب هذا العجب والتدلل في غير موقعه. وبغض النظر عن بُعد الوصول إلى الله ورضاه، فإنك لن تصل إلى الجنة ولا إلى الحور العين، بل تخلد في العذاب وتعذب بنار الغضب كذلك.

أنت تظن أنك ب هذه الأعمال المتفسخة المتعفنة الهزيلة الممزوجة بالرياء وطلب السمعة وألف مصيبة أخرى التي تحول دون قبول العبادات كلها، تظن إنك بها تستحق الأجر مَن الحق تعالى أو أنك أصبحت بها من المحبين والمحبوبين. أيها المسكين الجاهل بأحوال! يا سيئ الحظ الذي لم يطلع على قلوب المحبين، وعلى لهب شوقها تجاه الحق سبحانه، أيها المسكين الغافل عن حرقة المخلصين ونور أعمالهم! أو تظن أن أعمالهم أيضا مثل أعمالي وأعمالك؟ أوَ تتوهم أن ميزة صلاة أمير المؤمنين عليه السلام عن صلاتنا أنه عليه السلام كان يمدّ «الضالّين» أكثر أو أن قراءته أصحّ أو أن سجوده أطول وأذكاره وأوراده أكثر؟ أو أن ميزة ذلك الرجل العظيم في أنه كان يصلّي عدة مئات من الركعات ليلياً؟ أو تظن أن مناجاة سيد الساجدين علي بن الحسين هي مثل مناجاتي ومناجاتك؟ وإنه كان

يتحرق ويتضرع بتلك الصورة من أجل الحور العين والكمثرىوالرمان من نعم الجنة؟.

أقسم به صلوات الله وسلامة عليه {وإِنَّهُ لَقَسَمٌ عَظِيمٌ} لو أن المحبين كان بعضهم ظهيرا للبعض الآخر، وأرادوا أن يتفوهوا بكلمة (لا إله إلا اللهَ) مرة واحدة بمثل ما كان يقولها أمير المؤمنين عليه السلام لما استطاعوا. فكم أكون تعيساً وشقيا أن لا أكون على خطى علي عليه السلام وأنا من العار فين لمقام ولاية علي عليه السلام؟.

أقسم بمقام علي بن أبي طالب عليه السلام، لو أن الملائكة المقربين والأنبياء المرسلين ـ عدا الرسول الخاتم الذي يكون مولى علي وغيره ـ أرادوا أن يكبروا مرة واحدة، تكبيرا على غرار ما كان يكبر علي عليه السلام، لما استطاعوا. وأما الوقوف على قلوبهم فلا يعرف أحد شيئا إلا حملة تلك القلوب وأصحابها!.

فيا أيها العزيز! لا تتباهى بقربك من الله ولا تبالغ في حبك له، أيها العارف، أيها الصوفي، أيها الحكيم، أيها المجاهد، أيها المرت اض، أيها الفقيه، أيها المؤمن، أيها المقدس، أيها المساكين المبتلون يا سيئي الحظ المغلوبين بمكائد النفس وهواها، أيها المساكين المبتلون بالآمال والأماني وحب النفس، كلكم مساكين، كلكم بعيدون فراسخ عن الإخلاص وعبادة الله، لا تحسنوا الظنّ بأنفسكم إلى هذا الحد، لا تتغنجوا ولا تتدللوا. اسألوا قلوبكم: هل تبحث عن الله، أم تريد ذاتها؟ هل هي موحدة وتطلب الواحد أم مشركة وتعبد أثنين؟ فماذا يعني إذاً كل هذا العُجب؟ ماذا يعني إذاً التعالي بالعمل إلى الحد؟ وهو إذا صحّت جميع أجزائه وشروطه وخلا من الرياء والشرك والعُجْب وباقي المفسدات، فهدفه الوصول إلى إشباع شهوات البطن والفرج، فما قيمته كي تنقله الملائكة؟ هذه الأعمال من القبائح والفجائع، وينبغي للإنسان أن يخجل منها ويسترها...

إلهي... بك نعوذ نحن المساكين من شر الشياطين والنفس الأمارة بالسوء، اللهم فاحفظنا من مكائدهم بحق محمد وآله.

الحَديث الرَابع: الكبر

بالسند المتّصل إلى محمّد بن يعقوب عن عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى، عن يونس، عن أبان، عن حكيم، قال: «سألت أبا عبدالله ـ عليه السلام ـ عَنْ أَدْنَى الإِلْحَادِ، فَقَاَل: الكِبْرُ أَدْنَاهُ»([17]).

الشرح:

الكبر عبارة عن حالة نفسية تجعل الإنسان يترفع ويتعالى على الآخرين. ومن إماراته تلك الأعمال التي تصدر عن الإنسان، والآثار التي تبدو منه بحيث يقال عنه أنه متكبر. وهذه الصفة هي غير العُجب، بل هي كما سبق قوله، صفة رذيلة وخبيثة، تنجم عن العجب، لأن العجب هو الإعجاب بالذات، والكبر هو التعالي والتعاظم على الناس. فعندما يتوهم الإنسان أي فيه صفة من صفات الكمال، تنتابه حالة، هي مزيج من السرور والتدلّل والتغنّج وغيرها. هذه هي صفة «العُجب» ولكونه يرى الآخرين لا يملكون تلك الصفة التي يتوهمها في نفسه، ينتابه شعور آخر هو تصور التفوق والتقدم، وهذا يؤدي إلى التعاظم والترفع، وهذه هي صفة «الكِبَر».

إن كل هذه الحالات تكون في القلب وفي الباطن، وتظهر آثارها على الظاهر، في الملامح وفي الأفعال وفي الأقوال. وبهذا يصبح الإنسان مغروراً وإذا ازداد أصبح معجبا بنفسه، وعندما يطفح إعجابه بنفسه يتعاظم ويترفع ويتكبر.

واعلم أن الصفات النفسانية، سواء أكانت من صفات النقص والرذيلة أم من صفات الكمال والفضيلة، فإنها دقيقه ومبهمة جدّاً. ولهذا فإن التمييز بينها والتعرّف عليها يكون في غاية الصعوبة، ولربما يقع الكثير من الاختلاف بين العلماء الأعلام عند تحديدها، أو أنه يصعب وضع تعريف لهذه الصفة الوحدانية من دون أن تصيبها منقصة. لذلك فمن الخير ترك هذه الأمور للوجدان نفسه، ونحرر أنفسنا من

اصطناع لمفاهيم حتى لا نتخلف عن الهدف المقصود والمنشود.

فلا بد أن نعرف أن للكبر درجات تشبه الدرجات التي ذكرناها في العجب. ويضاف عليها درجات أخرى ذات صلة بالعجب أعرضنا عن ذكرها هناك لعدم أهميتها، ولكننا نتعرض إليها هنا لكونها مهمة فنقول:

أما الدرجات التي ورد شبيهها في العجب فهي أيضاً ست:

1 ـ الكبر بسبب الإيمان والعقائد الحقّة. ويقابله الكبر بسبب الكفر والعقائد الباطلة.

2 ـ الكبر بسبب الملكات الفاضلة والصفات الحميدة. ويقابله الكبر بسبب الأخلاق الرذيلة والملكات القبيحة.

3 ـ الكبر بسبب العبادات والصالحات من الأعمال. ويقابله الكبر بسبب المعاصي والسيئات من الأعمال.

وكل درجة من هذه يمكن أن تكون وليدة مثيلتها من الدرجات العجب. وقد تكون وليدة سبب آخر سوف تأتي الإشارة إليه فيما بعد. أما الذي نحن بصدده هنا على وجه الخصوص فهو الكبر بسبب أمور خارجية، مثل الحسب والنسب والمال وا لجاه والرئاسة وغيرها. ولسوف نشير إن شاء الله خلال الفصول اللاحقة إلى بعض مفاسد هذه الرذيلة وعلاجها قدر الإمكان، سائلين الله تعالى التوفيق لحصول تأثير ذلك فينا وفي الآخرين.

فصل: في بيان درجات الكبر

اعلم أن للكبر، من منظور آخر، درجات:

الأولى: التكبر على الله تعالى.

الثانية: التكبر على الأنبياء والرسل والأولياء صلوات الله عليهم.

الثالثة: التكبر على أوامر الله تعالى، وهذا يرجع إلى التكبر على الله.

الرابعة: التكبر على عباد الله تعالى، وهذا أيضا يراه أهل المعرفة راجعا إلى التكبر على الله.

أما التكبر على الله فهو أقبحها وأشدها هلكة ويأتي على رأس درجات الكبر، وتراه في أهل الكفر والجحود ومدّعي الألوهية، وقد تراه أحيانا في بعض أهل الدين ولا يناسب ذكره هنا. وهذا هو منتهى الجهل وعدم معرفة «الممكن» حدود نفسه وعدم معرفة مقام «واجب الوجود».

وأما التكبر على الأنبيء والأولياء، فكثيرا ما كان يحصل في زمان الأنبياء قال تعالى على لسانهم:

{... أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا...}([18]).

وقال تعالى على لسان آخرين منهم: ـ

{... لَوْلاَ نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ}([19]).

وفي صدر الإٍسلام وقع الكثير من التكبر على أولياء الله، وفي هذا الزمان أيضاً نجد نماذج منه في بعض المحسوبين على الإسلام.

وأما التكبر على أوامر الله فيظهر في بعض العاصين، كأن يمتنع أحدهم عن الحج بحجة أنه لا يستسيغ مناسكه من إحرام وغيره. أو يترك الصلاة لأن السجود لا يليق بمقامه، بل قد يظهر ذلك أحيانا عند أهل النسك والعبادة وأهل العلم والتدين، كأن يترك الآذان تكبرا، أو لا يتقبل مقولة الحق إذا جاءت ممن هو قريب له أو دونه منزلة.

فقد يسمع الإنسان قولاً من زميل له فيردّه بشدة ويطعن في قائله، ولكنه إذا سمع ذلك الق ول نفسه، من كبير في الدين أو الدنيا، قَبِلَهُ([20]). بل قد يكون جادا في ردّ الأول وجادّاً أيضا في قبول الثاني. إن شخصا هذا شأنه لا يكون من طلاب الحق، بل يكون تكبره قد أخفى عنه الحق، وأعماه تملّقه لذاك الكبير وأصمّه. ومثل هذا التكبر يتصف به أيضا من يترك تدريس علم أو كتاب باعتباره لا يليق به، أو يرفض تدريس أشخاص لا مركزية لهم، أو لأن عددهم قليل، أو يترك صلاة الجماعة في مسجد صغير ولا يقتنع بعدد من المأمومين حتى وإن علم أن في مثل تلك الجماعة رضا الحق تعالى. وقد تصبح هذه الحال من الدقة بحيث أن صاحبها لا يدرك أن عمله هذا يرجع إلى الكبر، إلاّ إذا تدارك الأمر بإصلاح نفسه وتخلّص من مكائد هذه الحال.

أما التكبر على عباد الله فأقبحه التكبّر على العماء بالله، ومفاسده أكثر من كل شيء وأهم. ومن هذا التكبر رفض مجالسة الفقراء، والتقدم في المجالس والمحافل، وفي المشي، وفي السلوك. وهذا النوع من التكبر رائج وشائع بين مختلف الطبقات، ابتداء من الأشراف والأعيان والعلماء والمحدّثين والأغنياء حتى الفقراء والمعوزين، إلاّ من حفظة الله من ذلك.

إن التمييز بين التواضع والتملّق، والتكبر والإباء يصبح أحياناً على درجة كبيرة من الصعوبة، فلابُدَّ للإنسان أن يتعوذ بالله ليهديه إلى طريق الهداية، وإذا تصدّى الإنسان لإصلاح نفسه وتحرك نحو المقصود، فإن الله تعالى سوف يشمله برحمته الواسعة وييسّر له سبيل الهداية.

فصل: في الأسباب الأساسية للتكبر

للكبر أسباب عديدة ترجع كلها إلى توهم الإنسان الكمال في نفسه، مما يبعث على العُجب الممزوج بحب الذات، فيحجب كمال الآخرين ويراهم أدنى منه ويترفع عليهم قلبياً أو ظاهرياً. فمثلاً، قد يحصل ب ين علماء العرفان أن يتصور أحدهم نفسه من أهل العرفان والشهود ومن أصحاب القلوب والسوابق الحسنى، فيترفع على الآخرين ويتعاظم عليهم. ويرى أن الحكماء والفلاسفة سطحيون، وأن الفقهاء والمحدّثين لا يتجاوزون الظاهر في نظراتهم، وأن سائر الناس كالبهائم. وينظر إلى عباد الله بعين التحقير والازدراء. ويذهب هذا المسكين ينمق الحديث

عن الفناء في الله والبقاء بالله، ويدق طبل التحقق. مع أن المعارف الإلهية تقضي حسن الظن بالكائنات، فلو أنه كان قد تذوق حلاوة المعرفة بالله لما تكبّر على مظاهر جمال الله وجلاله بحيث أنه في مقام العلم والبيان يصرح خلاف حاله، ولكن الحقيقة هي أن هذه المعارف لم تدخل قلبه، بل إن هذا المسكين لم يبلغ حتى مقام الإنسان ولكنه يتشدق بالعرفان، ومن دون أن يكون له حظ من العرفان يتحدث عن مقام التحقق.

إن من بين الحكماء أيضاً أناساً، يرون أنهم بما يملكون ن براهين ومن علم بالحقائق، وبكونهم من أهل اليقين بالله وملائكته وكتبه ورسله، ينظرون إلى سائر الناس يعين التحقير، ولا يعتبرون علوم الآخرين، علوما، ويرون عباد الله جميعا ناقصي علم وإيمان، فيتكبرون عليهم في الباطن، ويعاملونهم في الظاهر بكبرياء وغرور، مع أن العلم بمقام الربوبية، وفقر الممكن (المخلوق)، يقضيان بخلاف ذلك. والحكيم من تحلّى بملكة التواضع بوساطة العلم بالمبدأ والمعاد.

لقد وهب الله لقمان الحكمة بنص من القرآن الكريم ومن جملة وصايا ذلك العظيم لإبنه، كما ورد في القرآن الكريم:

{وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ}.

ونجد في الذين يدّعون الإِرشاد والتصوف وتهذيب الباطن، أشخاصا يعاملون الناس بالتكبر ويسيؤون الظن بالعلماء والفقهاء وأتباعهم، ويطعنون بالعلماء والح كماء، ويرون الناس، عدا أنفسهم ومن يلوذ بهم، من أهل الهلاك. وبما أنهم صفر اليدين من العلوم، يصفون العلوم بأنها أشواك الطريق، ويرون أصحابها شياطين طريق السالك، مع أن كل ما يزعمونه لأنفسهم من مقام يقتضي خلاف ذلك كله. إن من يدعي أنه هادي الخلائق ومرشد الضالّين يجب أن يكون هو بنفسه منزّها عن المهلكات والمُوبقات، زاهداً في الدنيا، غارقاً في جمال الله، لا يتكبر على حلقه ولا يسيء الظن بهم.

كذلك نجد أحيانا بين الفقهاء وعلماء الفقه والحديث وطلاّبهما من ينظر إلى سائر الناس بعين الإحتقار ويتكبّر عليهم، ويرى نفسه جديرا بكل إكرام وإعظام، ويعتقد إن من المفروض على الناس أن يطيعوا أمره إطاعة عمياء، وأنه {لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ}، وما من أحد يستحق الجنة، في رأيه، إلاّ هو مع أفراد معدودون مثله وكلما جاء ذكر طائفة مقترنا بأيعلم من العلوم طعن فيهم، من دون أن يعترف بأي علم سوى علمه القليل الذي يتمتع به ويرى أن تلك العلوم تافهة وغير نافعة ومدعاة للهلاك، فيرفض العلماء وسائر العلوم جهلا وسفها، ويُظهر كأن تديّنه هو الذي يحتم عليه أن يحتقرهم ويستهين بهم مع أن العلم والدين منزّهان عن أمثال هذه الأطوار والأخلاق. إن الشريعة المطهرة تحرم التصريح بقول من دون علم. وتوجب الحفاظ على كرامة المسلم. أما هذا المسكين الذي لا معرفة له بالدين ولا بالعلم، فيعمل على خلاف قول الله ورسوله، ثم يقول إن ذلك من صلب الدين، مع أن سيرة السلف والخلف من العلماء العظام تكون مغايرة لهذا. إن كل علم من العلوم الشرعية يقضي بأن يتصف العلماء بالتواضع، وأن يقتلعوا جذور التكبر من قلوبهم. ولا يوجد علم يدعو إلى التكبر ويرفض التواضع. وعليه، سوف نبيّن العلة في كون علم هؤلاء الأشخاص يخالف عملهم.

إن الكبر منتشر بين علم اء سائر العلوم الأخرى أيضا، في الطب والرياضيات والطبيعة، وكذلك أصحاب الصناعات الهامة، كالكهرباء والميكانيك وغيرهما. إنهم أيضا لا يقيمون وزناً للعلوم الأخرى مهما تكن، ويحتقرون أصحابها، وكل منهم يحسب أن ما عنده وجده هو العلم، وما عند غيره ليس بعلم، فيتكبر على الناس في باطنه وظاهره، مع أن ما عنده من علم لا يستدعي مثل هذا التكبر. وهناك من غير أهل العلم، مثل أهل النسك والعبادة، من يتكبّر أيضا على الناس ويتعالى عليهم، ولا يعتبر الناس حتى العلماء من أهل النجاة، كلها جرى حديث عن العلم قال: ما فائدة علم بلا عمل؟ العمل هو الأصل. إنهم يهتمون بما يقومون به من عمل وطاعة، وينظرون بعين الاحتقار إلى جميع الطبقات، مع أن المرء إذا كان من أهل الإخلاص والعبادة ينبغي لعمله أن يصلحه. فالصلاة تنهى

عن الفحشاء والمنكر، وهي معراج المؤمن، ولكن هذا الذي أمضى خمسين سنةفي الصلاة وأداء الواجبات والمستحبات مصاب برذيلة الكبر التي هي من الإلحاد، وبالعُجب الذي هو أكبر من الفحشاء، وبالتقرب من الشيطان وخلقه.

إن الصلاة التي لا تنهى عن الفحشاء ولا تحافظ على القلب، بل لكثرتها تبعث على ضياع القلب، إن مثل هذه الطاعة ليست بصلاة. إن صلاتك التي تحافظ عليها كثيرا وتحرص على إقامتها، إذا كانت تقربك من الشيطان وخصيصته من الكبر، فهي ليست بصلاة، لأن الصلاة لا تستدعي ذلك.

كل هذه الأمور تحصل من العلم والعمل. أما الذي يحصل من غير ذلك فيرجع أيضا إلى تصور المرء بأنه يمتلك إحدى الكمالات وأن غيره يفتقر إليها. فهذا الذي يملك الحسب والنسب يتكبّر على من لا يملكهما. وقد يتكبر صاحب الجمال على فاقده، وطالبه، أو إذا كان كثير الأتباع والأنصار أو ذا قبيلة كبيرة أو له تلامذة كثيرون، وأمثال ذلك، فإنه يتعالى ويكتبّر على الذي ليس له مثل ذلك.

وبناء على ذلك، فإن سبب الكبر إنّما هو تصور وجود كمال موهوم، والابتهاج بذلك والعُجب به، ورؤية الآخرين خلواً منه. وقد يحدث أحيانا أن صاحب الأخلاق الفاسدة والأعمال القبيحة يتكبّر على غيره، ظانّاً أن ما فيه، ضرب من الكمال. وعلى الرغم من أن المتكبر قد يمتنع أحيانا لسبب ما من إظهار التكبر علانية، ولا يفصح عن أي أثر لذلك، إلا أن هذه الشجرة الخبيثة تمد جذورها في قلبه ولا بُدَّ أن يتبين أثر ذلك منه إذا خرج عن طوره الطبيعي، كأن يستولي عليه الغضب فيفلت منه الزمام، وإذا به تظهر عليه إمارات الكبرياء والتعاظم، ويباهي الآخرين بما عنده من علم أو عمل أو أي شيء آخر ويفاخرهم به.

وفي أحيان أخرى قد لا يهتم بإخفاء تكبره على من حوله، كما لو كان العنان قد أفلت من يده فتظهر آثار الكبر في أعماله وحركاته وسكناته، كأن يتقدم في المجالس ويسبق الآخرين في الدخول والخروج، ولا يسمح للفقراء بحضر مجالسه، ولا يحضر مجالسهم، ويحيط نفسه بهالة من الحرمة، ويظهر التعالي في مشيته وفي نظرته وفي حديثه مع الناس.

 

يقول أحد المحققين، والذي أخذنا منه الكثير من أصول هذا البحث

وترجمناه: «إن أدنى درجة الكِبر في العالِم هي أن يدير وجهه عن الناس كأنه يعرض عنهم، وفي العابد هي أن يعبس في وجوه الناس ويقطب جبينه، وكأنه يتجنبهم أو أنه غاضب عليهم، غافلا من أن الورع ليس في تقطيب الجبين، ولا في عبوس ملامح الوجه، ولا في البعد عن الناس والإعراض عنهم، ولا في ليّ الجِيد، وطأطأة الرأس، ولملمة الأذيال، بل الورع يكون في القلب» لقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «هاهنا التقوى» وأشار إلى صدره.

وقد يظهر الكبر على اللسان بتبيان المفاخرة والمباهاة وتزكية الذات. فهذا العابد، وهو في مقام التفاخر، يقول: إنني قمت بكذا عمل. فينتقص بهذا من الآخرين عن طريق إضفاء الأهمية على أ عماله. وأحيانا لا يصرح بذلك، ولكنه قد يتفوه بما يوحي بأنه يزكّي ذاته. والعالم يقول للآخرين: ما أدراك أنت؟ إنني طالعت الكتاب الفلاني مرات عديدة، وأمضيت سنوات لدى المجامع العلمية، ورأيت عددا من أساطين العلم وأساتذته، لقد أجهدت نفسي كثيرا، صنّفت وألّفت الكتب الكثيرة، وما إلى ذلك. وعلى كل حال. ينبغي أن نتعوذ بالله من شرَّ النفس ومكائدها.

 

فصل: في مفاسد الكبر

اعلم أن لهذه الصفة القبيحة بحد ذاتها مفاسد كثيرة، وهذه المفاسد تتمخض عنها مفاسد أخرى كثيرة. إن هذه الرذيلة تحول دون وصول الإنسان إلى الكمالات الظاهرية والباطنية والاستمتاع من الحظوظ الدنيوية والأُخروية. إنها تبعث في النفوس الحِقد والعداوة، وتحط من قدر الإنسان في أعين الخلق وتجعله تافهاً، وتحمل الناس على أن يعاملوه بالمثل تحقيراً له واستهانة به.

جاء في «الكافي» عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال:

 (مِنً عَبدٍ إلاَّ وَفِي رَأْسِهِ حِكَمَة وَمَلِكٌ يُمْسِكِهَا، فَإِذَا تَكَبَّرَ قَالَ لَهُ: اتّضعْ وَضَعَكَ اللهُ، فَلا يَزَالُ أَعْظَمُ النَّاسِ فِي نَفْسِهِ وَأَصْغَرُ النَّاسِ فِي أَعْيُنِ النَّاسِ. وَإِذَا تَوَاضَعَ رَفَعَهُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ. ثُمَّ قَالَ: انْتَعِشْ الله، فَلا يَزَالُ أَصْغَرُ النَّاسِ فِي نَفْسِهِ وَأَرْفَعُ النَّاسِ فِي أَعْيُنِ النَّاسِ) ([21]). أيها فيا أيها العزيز ما يحتوي عليه رأسك من الدماغ، تحتويه رؤوس الآخرين أيضاً، إذا كنت متواضعا، احترمك الناس قهرا واعتبروك كبيرا، وإذا تكبرت على الناس لم تنل منهم شيئا من الاحترام. بل إذا استطاعوا أن يذلوك لأذلوك ولم يكترثوا بك. وإن لم يستطيعوا إذلالك، لكنت وضيعا في قلوبهم، وذليلا في أعينهم، ولا مقام لك عندهم. افتح قلوب الناس بالتواضع فإذا أقبلت عليك القلوب ظهرت آثارها عليك وإن أدبرت تكون آثارها على خلاف رغباتك.

فإذا فرضنا أنك كنت من المبتغين للاحترام والمقام الرفيع، لكان اللازم عليك أن تسلك الطريق الذي يفضي بك إلى الاحترام والسمو، وهو مجاراة الناس والتواضع لهم. إن التكبر ينتج ما هو على خلاف طلبك وقصدك. إنك لا تكسب من وراء التكبر، نتيجة دنيوية مجديه، بل ستحصد من ورائه نتيجة معكوسة. ويضاف إلى ذلك أن مثل هذا الخلق يوجب الذل في الآخرة والمسكنة في ذلك العالم. فكما إنك احتقرت الناس في هذا العالم، وترفعت على عباد الله وتظاهرت أمامهم بالعظمة والجلال والعزّة والاحتشام، كذلك تكون صورة هذا التكبر في الآخرة، الهوان كما ورد في الحديث الشريف من كتاب أصول الكافي:

بإسناده، عن داود بن فرقد، عن أخيه، قال: «سَمِعْتُ أبا عَبْدِاللهِ عليه السّلام يقول: إِنَّ المُتَكَبِّرينَ يُجْعَلُنَ في صُوَرِ الذَّرِّ يَتَوَطّاهُمُ النّاسُ حَتّى يَفْرَغَ اللهُ مِنَ الحِسابِ» ([22]).

 

وجاء في وصايا الإمام الصادق عليه السلام لأصحابه:

«إِيّاكُمْ وَالعَظَمَةَ وَالكِبْر، فإنَّ الكبرَ رِداءُ الله عَزَّ وجَلَّ فَمَنْ نازَعَ اللهَ رِداءَهُ قَصَمَهُ اللهُ وَأَذَلَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ»([23]).

 

ولا أعرف بأن الله تعالى إذا أذل شخصاً ماذا يصنع به؟ وبماذا يبتليه؟ لأن أمور الآخرة تختلف عن أمور الدنيا كثيراً، فإن الذل في الدنيا يغاير الذل في الآخرة، كما أن نعم الآخرة وعذابها، لا تتناسب مع هذا العالم، إن نعمها تفوق تصورنا، وإن عذابها لا يخطر على بالنا. إن كرامتها أسمى من تصورنا، والذل فيها يختلف عن الذل والهوان الذي نعرفه، وتكون عاقبة المتكبر النار ففي الحديث «الكبرُ مَطايَا النّارِ» ([24]) فلا يرى الجنة من كان في قلبه كبراً. كما روي عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم «لَنْ يَدْخُلَ الجَنّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ كِبْرٍ» ([25]). وقد حدث الإمام الباقر والإمام الصادق ـ عليهما السلام ـ أيضاً بهذا المضمون. وفي حديث الكافي الشريف أن الإمام الباقر عليه السلام قال:

«العِزُّ رِدَاءُ اللهِ، والكِبْرُ إِزَارُهُ، فَمَنْ تَناوَلَ شِيْئاً مِنْهُ أَكبَّهُ اللهُ في جَهنَّمَ» ([26]).

وما أدراك ما جهنم التي أعدها الله للمتكبرين. فهي غير جهنم التي أُعدَّت لسائر الناس. يكفي ن نورد هنا الحديث الذي سبق أن ذكرناه:

عن محمّد بن يعقوب، عن عَليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن أبن أبي عمير، عن أبن بكير، عن أبي عبدالله عليه السلام قال: «إِنَّ في جَهَنَّمَ لَوادياً لِلْمُتَكَبِّرِينَ يُقالُ لَهُ» سقَرُ «شكى إلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ شِدَّةَ حَرِّه وِسَأَلَهُ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ أَنْ يَتَنَفَّسَ فتَنَفَّسَ فَأَحْرَقَ جَهَنَّمَ» ([27]). والحديث في غاية الاعتبار (من حيث السند) بل هو كالصحيح.

 

أعوذ بالله من مكان رغم كونه دار عذاب، تشكو حرارته، فتتنفس فتحترق جهنم من جرّاء تنفسها. إننا لا نستطيع أن ندرك شدة حرارة نار الآخرة في هذا العالم، إذ أن أسباب شدة العذاب وضعفه تختلف مع أسباب شدة العذاب الدنيوي وخفتها من جهات عديدة:

فمن جهة، تتبع قوة الإدراك وضعفه؛ إذ كلما كان المدرك أقوى والإدراك أتم وأنقى كان إدارك الألم والعذاب أكثر.

ومن جهة أخرى، تعتمد على اختلاف المواد التي يقوم بها الحس في تقبّل الحرارة، لأن المواد تختلف من حيث تقبل الحرارة. فالذهب والحديد، مثلاً، يتقبلان الحرارة أكثر من الرصاص والقصدير. وهذان يتقبلانها أكثر من الخشب والفحم، وهذان أكثر من الجلد واللحم.

كما أن لمستوى ارتباط قوة الإدراك بالموضع المقابل للحرارة أثراً في شدة وضعف العذاب. فمثلاً المخ الذي يكون تقبله للحرارة. أقل من العظام، يكون تأثره أشد، لأن قوة الإدراك فيه أكبر. وأن للحرارة نفسها من حيث كمالها ونقصانها، دوراً في الشدة والضعف فالحرارة التي تصل إلى مائة درجة تؤلم أكثر من الحرارة التي تصل إلى درجة خمسين.

كما أن لمدى ارتباط المادة الحرارية الفاعلة بالمادة المتقبلة لها سبباً في تخفيف أو تشديد العذاب. فمثلا، إذا كانت النار قريبة من اليد كان الاحتراق أخف مما إذا لتصقت النار باليد.

جميع هذه الأٍسباب الخمسة المذكورة تكون في هذه الدنيا في منتهى النقص وفي الآخرة في منتهى كمال القوة والتمامية. إن جميع إدراكاتنا في هذا العالم ناقصة وضعيفة ومحجوبة بحجب كثيرة لا يتسع المجال لذكرها ولا تناسبه. إن أعيننا لا ترى اليوم الملائكة ولا جهنم، وآذاننا لا تسمع الأصوات العجيبة والغريبة التي تصدر من البرزخ وأصحابه ومن القيامة وأهلها، وحواسنا لا تحس بالحرارة هناك، كل ذلك لأنها ناقصة جميعاً. إن الآيات والأخبار الواردة عن أهل البيت صلوات الله عليهم مشحونة بذكر هذا الأمر، تلويحاً وتصريحاً. إن جسم الإنسان في هذا العالم لا يتحمل الحرارة، إذ لو بقى ساعة واحدة في النار الباردة من الدنيا لاستحال إلى رماد. ولكن الله القادر يجعل هذا الجسم يوم القيامة قابلا للبقاء في نار جهنم ـ التي شهد جبرائيل بأنه لو جيء بحلقة واحدة من سلاسل جهنم التي طول الواحد منها سبعون ذراعاً إلى هذه الدنيا لأذابت جميع الجبال من شدة حرارتها ـ من دون أن يذوب. فقابلية جسم الإنسان للحرارة يوم القيامة لا تقاس بقابليته لها في دار الدنيا.

أما ارتباط النفس بالجسد في هذت الدنيا فضعيف وناقص، ففي هذا العالمُ يستعصي على النفس أن تظهر فيه بكامل قواها، أما الآخرة فهي عالم ظهور

النفس. إن نسبة النفس إلى الجسد نسبة الفاعلية والخلاقية، كما هو ثابت في محله، وهي أتم مراتب النسبة والارتباط.

ونار هذه الدنيا نار باردة ذاوية وعرضية ومشوبة بمواد خارجية غير خالصة. أما نار جهنم، فنار خالصة لا تشوبها شائبة، وجوهر حي قائم بذاته ذو إرادة يحرق أهله بإدراك وإرادة، ويشدد الضغط عليهم بقدر الإمكان. ولقد سمعت الصادق المصدق الأمين جبرائيل، وهو يصفها. والقرآن والأخبار مليئة بوصفها. أما ارتباط نار جهنم والتصاقها بالجسم فلا شبيه له في هذا العال، ولو تجمّعت جميع نيران العالم وأحاطت بإنسان لما أحاطت بغير سطح جسمه. أما نار جهنم، فتحيط بالظاهر والباطن وبالحواس المدركة وما يتعلق بها. إنها نار تحرق القلب والروح والقوى، وتتحد بها بنحو لا نظير له في هذا العالم.

فيتبيّن مما ذكر أن هذا العالم لا تتوافر في وسائل العذاب بأي شكل من الأشكال، فلا مواده ـ العالم ـ جديرة بالتقبل، ولا مصادره الحرارية تامة الفاعلية، ولا الإدراك تام. إن النار التي تستطيع أن تحرق جهنم بنَفَسٍ منها، لا يمكن أن نتصورها ولا أن ندركها، إلاّ إذا كنا ـ لا سمح الله ـ من المتكبرين، انتقلنا من هذا العالم إلى الآخرة قبل أن نطهّر أنفسنا من هذا الخُلق القبيح، حيث نراها رأي العين {فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ}([28]).

 

فصل: في بيان بعض عوامل التكبر

اعلم إن من عوامل التكبر، فضلاً عمّا سبق ذكره من الأسباب، هو صغر العقل، وضعف القابلية، والضعة، وقلة الصبر. فالإنسان لضيق أُفقه ما أن يجد في نفسه خصلة مميّزه حتى يتصور لها مقاماً ومركزاً خاصاً. ولكنه لو نظر بعين العدل والإِنصاف إلى كل أمر يتقنه وكل خصلة يتميز بها، لأدرك أن ما تصوره كمالاً يفتخر به ويتكبر بسببه، إمّا أنه ليس كمالاً أصلاً، وإمّا أنه إذا كان كمالاً فإنه لا يكاد يساوي شيئاً إزاء كمالات الآخرين، وأنه كمن صفع وجهه ليحسب الناس احمرار وجهه نتيجة النشاط والحيوية. كما قيل: «اِسْتَسْمَنَ ذا وَرَمٍ» ([29]). فعلى سبيل المثال أن العارف الذي ينظر من خلال عرفانه إلى الناس جميعاً بعين الازدراء متكبّرا، أو يقول عنهم أنهم قشريون وسطحيون. ترى أنه لا يملك شيئاً من المعارف الإلهية، سوى حفنة من المفاهيم التي لا تعدو جميعا من أن تكون حُجُباً تغطي الحقائق، أو مطبات في الطريق، ومجموعة من المصطلحات ذات البريق الخادع مما لا علاقة لها بالمعارف الإلهية، وبعيدة كل البعد عن معرفة الله وعن العلم بأسمائه وصفاته؟ إن المعرفة صفة القلب. وكاتب هذه السطور يعتقد أن جميع هذه العلوم هي علوم عملية، لا مجرد معرفة نظرية وحياكة مصطلحات. لقد رأينا خلال هذا العمر القصير والمعرفة القليلة ضمن من يسمون بالعرفاء والعلماء في سائر العلوم، أشخاصا ـ أقسم بالعرفان والعلم ـ إنهم لم يتأثروا قلبيا بهذه الاصطلاحات، بل كان لها تأثير معكوس عليهم.

أيها العزيز! إن العرفان بالله، كما تعلم، يحيل القلب إلى محل تتجلى فيه أسماء الله وصفاته وينزل فيه السلطان الحقيقي الذي يمحو آثار التلوث ويطرد التعيّن:

{... إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ}([30]). إنه يجعل القلب أحدياً أحمدياً، فلماذا صار قلبك والهاً بجمالك، وزاد في تلونك، وضاعف في تعيناتك وإضافاتك وأبعدك عن الحق تعالى وتجليات أسمائه، وجعل قلبك موطناً للشيطان فتنظر عباد الله، وأصحاب أبواب الحق، ومظاهر جمال المحبوب، نظرة تحقير وازدراء؟ إنك تتكبر على الله، وتتفرعن في حضرة ذات الله وأسمائه وصفاته.

يا طالب المفاهيم، ويا مضيّع الحقائق! تمهل، أنظر إلى ما لديك من المعارف فما الأثر الذي تراه من الحق وصفاته في نفسك؟ ولعل علم الموسيقى والإِيقاع أدق من علمك، واصطلاحات العلوم الأخرى كالفلك والميكانيك وسائر العلوم الطبيعية والرياضية، تساوي اصطلاحات علمك ودقته تماماً، فكما أن تلك العلوم ليس لها عرفان بالله، فكذلك علمك الذي حجبته الاصطلاحات وسجف المفاهيم والاعتبارات، لا يرجى منه تغير في نفس ولا حال، ([31]) بل إن تلك العلوم لدى منطق العلوم الطبيعية والرياضية أفضل مما هو لديك من العلم، لأن تلك العلوم تنتج شيئاً، وليس لعلمك ناتج، أو أن ناتجة معكوس. فالمهندس ينال نتيجة هندسته والصائغ نتيجة صنعته، أمّا أنت فقد قصرت يدك عن النتائج الدنيوية، ولم تصل إلى نتائج عرفانك. فحجابك أثقل وأسمك، وما أن يدور الكلام عن الأحديّة حتى يغشاك ظلام غير متناه، وما أن تسمع عن حضرة أسماء الله وصفاته حتى تتصور كثرة غير متناهية. إذاً لم تعثر على الطريق إلى الحقائق والمعارف من هذه الاصطلاحات، بل صارت مدعاة للتفاخر والتكبر على العلماء الحقيقيين. إن المعارف التي تزيد من كدر القلب ليست بمعارف، والويل لمعارف تجعل عاقبة صاحبها وارثاً للشيطان!

إن الكبر من أخلاق الشيطان الخاصة. فقد تكبّر على أبيك آدم، فطرد من حضرة الله، وأنت أيضاً مطرود لأنك تتكبر على كل الآدميين من أبناء آدم. ومن هنا أيضاً يجب أن تفهم حال سائر العلوم الأخرى. إن الحكيم إذا كان حكيما وعرف نسبته إلى الخلق وإلى الحق، خرج الكبرياء من قلبه واستقام أمره. ولكن هذا المسكين الذي يركض وراء المصطلحات والمفاهيم يظن أنها هي الحكمة، وأنها هي التي تصنع العالم والحكيم، فمرة يرى نفسه متصفة بالصفات الواجبة، فيقول: «الحكمةُ هِيَ التَشَبُّهُ بِالإِله([32]ِ)» ومرة يحسب نفسه في زمرة الأنبياء والمرسلين، فيقرأ: {وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ}([33])، وأحيانا يقرأ: «الحِكْمَةُ ضالَةُ المُؤْمِنِ» ([34]). {وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا}([35])، ولكن ما أجهله بالحكمة وما أبعده عنها وعن خيراتها؟!

يقول الحكيم المتألّه وفيلسوف الإسلام الكبير، المحقق الداماد([36])، رضوان الله عليه: «الحكيم من كان جسده كالرداء له، متى ما شاء خلعه». فانظر إلى ما يقوله هو وما نقوله نحن! وما أدركه هو من الحكمة وما أدركنا نحن منها! إذاً، فأنت الذي تتباهى ببضعة اصطلاحات ومفاهيم وتتكبر على الناس، إنما ذلك دليل ضيق نفسك وقلة صبرك وعدم أهليتك!.

إن من يرى نفسه مرشد الخلائق وهاديهم، ويجلس على كرسي التصوف والتوجيه، يكون أسوأ حالا من المسعف والمتصوف، وأكثر دلالاً منهما. إنه سرق المصطلحات منهما وأسبغ بعض المظاهر على بضاعته في السوق، وصرف قلوب الناس عن الله ووجّهها نحو نفسه ودفع بذلك الإنسان الطيّب النقي السريرة، على إساءة الظن بالعلماء وعامة الناس. ولكن يعطي أسواقهم شيئاً من الرواج، يطعمون الناس، عن وعي أو بدون وعي، بعضا من مصطلحاتهم الجذّابة، ظانّين أن ألفاظاً مثل «مجذوب علي» أو «محبوب علي» سوف تمنحهم حقا حالاً من الانجذاب والحب!.

نتيجة هذه الأسماء التي يستعملها الدراوشة والمدعون للعرفان. أنت يا طالب الدنيا وسارق المفاهيم، إن عملك هذا كما تظنه لا يدعو إلى الفخر والتكبر! إن المسكين لقلة صبره وصغر عقله ينخدع حتى بنفسه، فيرى لنفسه مقاما، وقد امتزج فيه حب النفس وحب الدنيا مع المفاهيم المسروقة والإضافات والاعتبارات، فأصبح مولوداً مشوهاً، إذ نشأ عن تجمعها مزيج عجيب وخليط غريب. وعلى الرغم من كل هذه العيوب يحسب نفسه مرشد الخلائق وهادي الأمة إلى النجاة، ومالك سر الشريعة! بل قد تتجاوز وقاحته الحدود، فيرى نفسه في مقام الولاية الكلية. وهذا ناشئ أيضاً من صغر العقل وضيق القلب والصدر وقلة الاستعداد والأهلية.

وأنت أيضاً يا طالب علوم الفقه والحديث وسائر العلوم الشرعية، لا تملك من علمك أكثر من حفنة من الاصطلاحات الخاصة بالأصول والحديث، فإذا لم يضف إليك علمك هذا الذي كله عمل، شيئاً ولم يستطع إصلاحك، بل أنتج المفاسد الأخلاقية والعملية، فإن عملك أحط من عمل علماء العلوم الأخرى وأتفه بل أقل عمل كل العوام. إن هذه المفاهيم العرضية والمعاني الحرفية والدخول في منازعات لا طائل وراءها ولا علاقة لمعظمها بدن الله بالعلوم حتى تسميها بالثمرة العلمية، أن هذه المفاهيم لا تستوجب كل هذا الابتهاج والتكبر. والله يشهد وكفى بالله شهيدا أنه لو كانت هذه هي نتيجة العلم، دون أن تستطيع هدايتك، ودون أن تبعد عنك المفاسد الأخلاقية والسلوكية، فإن أحط الأعمال خير من عملك لأن تلك نتائجها عاجلة ومفاسدها الدنيوية والأخروية اقل. وأنت أيها المسكين لا تنال سوى الوزر والوبال، ولا تحصد غير المفاسد الأخلاقية والأعمال القبيحة. وعليه، فإن عملك من حيث الاعتبار العلمي ليس فيه ما يدعو إلى التكبر، بل كل ما في الأمر إنك أفقك العلمي، ما أن تضع اصطلاحاً فوق اصطلاح حتى تحسب نفسك عالما وسائر الناس جهلاء وتفترش أجنحة الملائكة تحت أقدامك وكأنها تطير بك، وتضيّق على الناس في المجالس وفي الطرقات. وتقدح بالعلم وعلمائه وتحتقر نظرائك في النوع.

ولكن الأحطَّ من هذا والأحقر مكانة هو ذلك الذي يتكبّر ويتباهى بالأمور الخارجية، مثل المال، والجاه، والخدم، والحشم والقبيلة. فهذا المسكين بعيد عن الخلق البشري والأدب الإنساني فارغ اليد من كل العلوم والمعارف. ولكن بما أن ملابسه من أجود الأصواف، وأباه فلان ابن فلان، فهو يتكبّر على الناس. فما أضيق عقله وأشد ظلام قلبه! إنه يقتنع من كل الكمالات باللباس الجميل، ومن كل جمال بالقبعة والرداء! يرتضي المسكين مقام الحيوانية ويقبل بحظها، ويقتنع من جميع المقامات السامية الإنسانية بالصورة الخالية من كل شكل ومضمون، والفارغة من الحقيقة، ظانّاً نفسه بهذا أنه ذو مقام. وفي الواقع إنه على درجة من الضعة ومن عدم اللياقة، بحيث أنه إذا شاهد أحداً أعلى منه مرتبة واحدة دنيوية تخضّع له كما يتخضّع العبد لسيده. لا شك أن من لا همّ له سوى الدنيا، لا يكون إلاّ عبداً للدنيا ولأهلها. وأن يغدو ذليلا لدى من يتزلف ويستذل لديهم.

وعلى كل حال، يعتبر ضيق أُفق الفكر وانحطاط القابلية من هم عوامل الكِبرٍ، لذلك فمن يتصف بهذا يتأثر بالأمور التي ليست من الكمال، أو ليست من الكمالِ اللائق، تأثراً شديداً يدفع به إلى العُجْب والكبر. وكلما كثر حبه للنفس وللدنيا، ازداد تأثرا بهذه الأمور.

 

فصل: في بيان معالجة الكبر

بعد ما عرفت مفاسد الكبر، حاول أن تعالج نفسك مشمّراً عن ساعد الجد للبحث عن العلاج، واشحذ همّتك لتطهير القلب من هذا الدرن، وأزل الغبار والأتربة عن مرآته. فإذا كنت ممن قويت نفوسهم، واتسعت صدورهم، ولم يتجذر حب الدنيا في قلبك، ولم يبهرك زبرجها وزخرفها، وكانت عين إنصافك مفتوحة، فإن الفصل السابق خير علاج علمي لك. وإذا لم تكن قد دخلت هذه المرحلة، ففكّر قليلا في حالك، فلعل قلبك يصحو.

فيا أيها الإنسان الذي لم تكن شيئاً في أول أمرك، وكنت كامنا دهور العدم والآباد غير المتناهية، ما هو الأقل من العدم واللاشيء على صفحة الوجود؟ ثم لمّا شاءتْ مشيئة الله أن يظهرك، إلى عالم الوجود فمن جرّاء قلة قابليتك الناقصة وتفاهتك وضعتك وعدم أهليتك لتقبل الفيض، أخرجك من هيولى العالم ـ المادة الأولى ـ التي لا تكون سوى القوة المحضة والضعف الصرف، إلى صورة الجسمية والعنصرية، التي هي أخسّ الموجودات وأحطّ الكائنات، ومن هناك أخرجك نطفة لو مسّتها يدك لاستقذرتها وتطهّرت منها، ووضعك في منزل ضيق رجس هو خصيتي الأب، وأخرجك من مجرى البول في حالة مزرية قبيحة، وأدخلك في رحم الأم من مكان تنفر من ذكر أسمه. وحوّلك هناك إلى علقة ومضغة، وغذّاك بغذاء يزعجك سماع أسمه ويخجلك. ولكن بما أن الجميع هذا هو حالهم وتلك هي بليتهم، زال الخجل «والبَلِيَّةُ إِذا عَمَّتْ طابَتْ».

في كل هذه التطورات كنت أرذل الموجودات وأذلها وأحطها، عاريا عن إدراك ظاهري وباطني، بريئا من كل الكمالات. ثم شملتك رحمته وجعلك قابلا للحياة، فظهرت فيك الحياة رغم كونك في أشد حالات النقص، بحيث أنك كنت أحط من الدودة في أمور حياتك، فزادت برحمته تدريجيا قابليتك على إدارة شؤون حياتك، إلى أن أصبحت جديرا بالظهور في محيط الدنيا، أظهرك في هذه الدنيا من خلال أشد المجاري ضعة، وفي أوطأ الحالات، وأنت أضعف في الكمالات وشؤون الحياة، وأدنى من جميع مواليد الحيوانات الأخرى. وبعد أن منحك بقدرته قواك الظاهرية والباطنية، ما زلت ضعيفاً وتافهاً بحيث أن أيّاً من قواك ليست تحت تصرفك، فلست بقادر على المحافظة على صحتك، ولا على قواك ولا على حياتك، ولست بقادر على الاحتفاظ بشبابك وجمالك. وإذا ما هاجمتك آفة أو انتابك مرض فلست بقادر على دفعهما عنك. وعلى العموم، ليس تحت تصرفك شيء من ذلك. لو جعت يوما لتنازلت حتى لأكل الجيفة، ولو غلبك العطش لما امتنعت عن شرب أي ماء آسن. وهكذا أنت في شؤونك الأخرى عبد ذليل مسكين لا قدرة لك على شيء. ول وقارنت حظك من الوجود ومن الكمالات بما لسائر الموجودات، لوجدت أن ك وكل الكرة الأرضية، بل وكل المنظومة الشمسية، لا قيمة لكم مقابل هذا العالم الجسماني الذي هو أدني العوالم وأصغرها.

أيها العزيز! إنك لم تر سوى نفسك، والذي رأيته لم تضعه موضع الاعتبار والمقارنة. حاول أن تنظر إلى نفسك وما تملك من شؤون الحياة وزخارف الدنيا وقارنها بمدينتك. وقارن مدينتك بوطنك، ووطنك بسائر الدول في الدنيا التي لم تسمع بأكثر من واحدة بالمائة منها، وقارن كل الدول بالكرة الأرضية، والأرض بالمنظومة الشمسية، وبالكرات الواسعة التي تعيش على فتات أشعة الشمس المنيرة، وقارن كل المنظومة الشمسية الخارجة عن محيط فكري وفكرك، بالمنظومات الشمسية الأخرى التي تعد شمسنا وجميع سياراتها، واحدة من سيارات إحدى تلك المنظومات التي لا يمكن أن تقارن شمسنا معها، والتي يقال أن ما اكتشف منها حتى الآن يبلغ عدة ملايين من المجّرات، وأن في هذه المجرة القريبة الصغيرة عدة ملايين من المنظومات الشمسية التي تكبر أصغر شمسها على شمسنا ملايين المرات وتسطع نور أكثر. هذه كلها من العوالم الجسمانية التي لا يعرفها إلاّ خالقها، وإن ما اكتشفت منها لا يبلغ الجزء الضئيل منها. وكل عوالم الأجسام هذه لا تكون شيئاً بالقياس إلى عالم ما وراء الطبيعة، فهناك عوالم لا يمكن للعقل البشري أن يتخيلها.

هذه شؤون حياتك وحياتي وهذه حظوظنا ونصيبنا من عالم الوجود. وعندما تشاء إرادة الله أن تتوفاك وتنقلك من هذه الدنيا، فإنه يأمر جميع قواك بالاتجاه نحو الضعف وجميع حواسك بالتوقف عن العمل، فتختل أجهزة وجودك، ويذهب سمعك وبصرك وتضمحل قواك وقدراتك، فتصبر قطعة جماد تزكم بعد أيام رائحتك العفنة، أنوف الناس وتؤذي مشامّهم، ويهربون من صورتك وهيئتك، وما أن تمضي عليك أيام أخر حتى تهترأ أعضاؤك وتتفسخ. هذه هي أحوال جسمك، أما أحوال أموالك وثروتك فأمرها معروف.

أما عالم برزخك: فإنك إن انتقلت من هذه الدنيا ـ لا سمح الله ـ قبل أن تصلحه فالله يعلم كيف تكون صورتك، وكيف تكون أحوالك، إذ أن قوى الإدراك في هذا العالم عاجزة عن أن تسمع أو ترى أو تشم شيئاً من ذلك العالم. إن ما تسمعه عن ظلمة القبر ووحشته وضيقه إنما تقيسه على ما في هذا العالم من ظلمة ووحشة وضيق، مع أن هذا القياس وهذه المقارنة باطلة. نسأل الله أن ينجينا مما أعددنا لأنفسنا بأنفسنا!.

إن عذاب القبر أنموذج من عذاب الآخرة والمستفاد من بعض الأحاديث أن أيدينا تقصر عن الوصول إلى شفاعة الشفعاء في القبر([37])، فيا له من عذاب! إن نشأة الآخرة أشد وأفظع من جميع الحالات السابقة. إنه يوم تبرز فيه الحقائق، وتنكشف فيه السرائر، وتتجسد فيه الأعمال والأخلاق. يوم تصفيه الحساب، يوم الذلة في المواقف. تلك هي أحوال يوم القيامة!.

أما حال جهنم التي تكون بعد يوم القيامة فأمرها معلوم أيضاً. إنك تسمع أخباراً عن جهنم! إن النار ليست وحدها عذاب جهنم. فلو أن باباً منها انفتحت على عينيك وعلى هذا العالم لهلك أهلها خوفا. وكذلك لو انفتحت باب أخرى على أذنيك، وأخرى على خياشيمك، لو أن أيّاً منها فتح على أهل هذا العالم لهلكوا جميعا من شدة العذاب.

يقول أحد علماء الآخرة: مثلما أن حرارة جهنم أشد ما تكون، كذلك برودتها أشد ما تكون. والله تعالى قادر على أن يجمع الحرارة والبرودة([38]). هكذا هي نهاية حالك.

إذاً، فالذي أوله عدم غير متناه، وهو منذ أن يضع قدمه في الوجود تكون جميع تطوراته قبيحة وغير جميلة، وكل حالاته مخجلة، وكل من دنياه وبرزخه وآخرته أفجع من الأخرى، بم يتكبر؟ بأي جمال أو كمال يتباهى؟ إن من كان جهله أكبر وعقله أصغر كان تكبره أكثر ومن كان علمه أكثر وروحه أكبر وصدره أوسع، كان تواضعه أكثر.

النبي الكريم صلى الله عليه وآله وسلم الذي كان علمه من الوحي الإلهي، وكانت روحه من العظمة بحيث أنها بمفردها غلبت نفسيات كل البشر، إن هذا النبي قد وضع جميع العادات الجاهلية والأديان تحت قدميه، ونسخ جميع الكتب، واختتم دائرة النبوة بشخصه الكريم، وكان هو سلطان الدنيا والآخرة والمتصرف في جميع العوالم بإذن الله، ومع ذلك كان تواضعه مع عباد الله أكثر من أي شخص آخر. كان يكره أن يقوم له أصحابه احتراما، وإذا دخل مجلسا لم يتصدر ويتناول الطعام جالسا على الأرض قائلا: إنني عبد، أكل مثل العبيد وأجلس مجلس العبيد([39]).

لقد نقل عن الإمام الصادق عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يحب أن يركب الحمار من دون سرج، وأن يتناول الطعام مع العبيد على الأرض، وكان يعطي الفقراء بكلتا يديه. كان ذلك الإنسان العظيم يركب الحمار مع غلامه أو غيره، ويجلس على الأرض مع العبي، وفي سيرته أن ه كان يشترك في أعمال المنزل، ويحتلب الأغنام، ويرقع ثيابه ويخصف نعله بيده، ويطحن مع خادمه ويعجن، يحمل متاعه بنفسه، ويجالس الفقراء والمساكين ويأكل معهم([40]). هذه وأمثالها، نماذج من سيرة ذلك الإنسان العظيم وتواضعه، مع أنه فضلا عن مقامه المعنوي كان في أكمل حالات الرئاسة الظاهرية.

وهكذا قد اقتدى به أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، إذ كانت سيرته من سيرته صلى الله عليه وآله وسلم([41]).

فيا أيها العزيز! إذا كان التكبر بالكمال المعنوي، فقد كان الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم والإمام علي عليه السلام أرفع شأناً، وإذا كان بالرئاسة والسلطان، فقد كانت لهما الرئاسة الحقة. ومع ذلك، كانا أشد الناس تواضعا. فاعلم، أن التواضع وليد العلم والمعرفة، والكبر وليد الجهل وانعدام المعرفة، فامسح عن نفسك عار الجهل والانحطاط، وأتصف بصفات الأنبياء، واترك صفات الشيطان، ولا تنازع الله في ردائه ـ الكبرياء ـ فمن ينازع الحق في ردائه فهو مغلوب ومقهور بغضبه، ويُكَبُّ على وجهه في النار.

وإذا عزمت على إصلاح نفسك، فطريقه العملي، أمر يسير مع شيء من المثابرة، وإنه طريق لو اتصفت بهمة الرجال وحرية الفكر وعلو النظر، فلن تصادفك أية مخاطر. فإن الأسلوب الوحيد على النفس الأمّارة، وقهر الشيطان، ولإتّباع طريق النجاة، هو العمل بخلاف رغباتهما. إنه لا يوجد سبيل أفضل لقمع النفس من الاتصاف بصفة التواضع ومن السير وفق مسيرة المتواضعين فحيثما تكن درجة التكبر عندك، ومهما تكن طريقتك في العلم والعمل، أعمل قليل بخلاف هوى نفسك، فإن مع الإلتفات إلى الملاحظات العلمية تجاه التكبر، والانتباه إلى النتائج المطلوبة. إذا رغبت بأن تتصدر المجلس متقدما على أقرانك، فخالفها وأعمل عكس ما ترغب فيه. وإذا كانت نفسك تأنف من مجالسة الفقراء والمساكين، فمرِّغ أنفها في التراب وجالسهم، وآكلهم، ورافقهم في السفر، ومازحهم وقد تجادلك نفسك فتقول لك: إن لك مقاماً ومنزلة، وإن عليك أن تحافظ على مقامك من أجل ترويج الشريعة والعمل في سبيلها، فمجالستك الفقراء تذهب بمنزلتك من القلوب، وإن المزاح مع مَنْ هو دونك، يقلل من عظمتك، وجلوسك في ذيل المجلس يحط من هيبتك، فلا تقدر أن تؤدي واجبك الشرعي على خير وجه!! اعلم، أن هذه كلها من مكائد الشيطان والنفس الأمارة. لقد كان مقام رسول الله صلى عليه وآله وسلم في الدنيا من حيث الرئاسة والمركز أرفع منك، ومع ذلك كانت سيرته هي التي قرأت عنها وسمعت بها.

لقد عاصرت شخصيا من العلماء من كانت لهم الرئاسة والمرجعية الدينية كاملة في دولة واحدة، بل ولكل الشيعة في العالم وكانت سيرتهم تلي سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

منهم، الأستاذ المعظم والفقيه المكرم الحاج الشيخ عبد الكريم الحائري اليزدي([42]) حيث كانت له رئاسة الشيعة ومرجعيتهم من 1340هـ([43]) حتى 1355هـ([44]). كان سيرته عجيبة، كان يرافق الخدم في السفر، ويؤاكلهم، ويفترش الأرض، ويمازح صغار الطلبة. وخلال أيام مرضه في أواخر حياته، كان يخرج بعد المغرب يتمشى في الشارع وقد لفّ رأسه بقطعة قماش بسيطة متنعلاً حذاءاً بسيطاً من دون أي اهتمام بالمظهر، وكان هذا يزيد من وقعة في القلوب، من دون أن تصاب هيبته بأي اهتزاز أو وهن.

وكان هناك آخرون من علماء قم ممن لم يلتفتوا أبدا إلى هذه التقيدات التي يحيكها لك الشيطان. كانوا يشترون حاجياتهم من السوق بأنفسهم، ويحملون الماء من مخازن المياه إلى بيوتهم، ويشتغلون في منازلهم.

وكان صدر المجلس وذيله سواء عندهم. وكانوا على درجة من التواضع بحيث تبعث على التعجب ومع ذلك كله كان مقامهم محفوظا بل كانت منزلتهم تسمو في قلوب اناس أكثر فأكثر.

وعلى أي حال، إن صفة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وصفة علي بن أبي طالب عليه السلام لا تقلل من قدر الإنسان إذا اتصف بها. ولكن لا بُدَّ من ينتبه الإنسان إلى مكائد النفس في هذه الحالات، لأنها كثيرا ما تكون قد أعدت لك فخّاً آخر لتوقعك فيه. فقد يجلس ـ أحدهم من يريد التخلص من الكبيرـ في ذيل المجلس بهيئة من يريد أن يقول أن مقامه أرفع من مقامات الحاضرين، ولكنه لتواضعه جلس حيث. وإذا التبس على الناس الأمر وقدّموا عليه من يشك في أفضليته عليه، فإنه ـ من يهرب من صفة التكبر ـ يقدم على نفسه من لا يشك في تأخره عنه لكي يزيل ذلك الالتباس بالإيحاء بأن تأخيره في الدخول على المجالس وتقديم الآخرين على نفسه يكون من باب التواضع. هذه ومئات الأمثلة الأخرى من هذا القبيل هي من مكائد النفس التي تريد للإنسان التكبر والرياء.

فلا بُدَّ من المجاهدة الخالصة الصادقة وبها يمكن إصلاح النفس. إن جميع الصفات النفسانية قابلة للإصلاح، إلاّ أن الأمر في البداية يتطلب بعض العناء، ولكن ما أن يضع قدمه على طريق الإصلاح حتى يسهل عليه الأمر. إنما المهم هو أن يشرع في التفكير في تطهير نفسه وإصلاحها، والاستيقاظ من النوم.

إن المرحلة الأولى من مراحل الإنسانية هي «اليقظة» وهي الاستيقاظ من نوم الغفلة، والصحوة من سكر الطبيعة، والإدراك بأن الإنسان مسافر، وأنه لا بُدَّ للمسافر من زاد وراحلة. وزاد الإنسان خصاله، وراحلته في هذه المرحلة الخطيرة المخيفة، وفي هذه الطريق الضيقة، على الصراط الذي هو أحدَّ من السيف وأدق من الشعرة([45])، هي همّة الرجال وعزمهم. والنور الذي ينير ظلام هذا الطريق، هو نور الإيمان والخصال الحميدة. فإذا تقاعس الإنسان ووهنت همته أخفق في العبور، وانكب على وجهه في النار، وساوى تراب الذل، وانقلب في هاوية الهلاك. فمن لم يستطع اجتياز هذا الصراط لا يستطيع اجتياز صراط يوم القيامة أيضاً.

فيا أيها العزيز، أشدد عزيمتك، ومزّق عن نفسك سجف الجهل، وانج بنفسك من هذه الورطة المهلكة! كان إمام المتقين وسالك طريق الحقيقة ينادي في المسجد بأعلى صوته حتى يسمعه الجيران: «تَجَهَّزُوا رَحِمَكُمُ اللهُ فَقَدْ نُودِيَ فِيكُمْ بِالرَّحيلِ»([46])! وما زادٌ ينفعك سوى الكمالات النفسانية، وتقوى القلب، والأعمال الصالحة، وصفاء الباطن، وخلوص النية من كل عيب وغش.

فإذا كنت من أهل الإيمان الناقص والصوري، فعليك أن تطهّر نفسك من هذا الغش حتى تنضم إلى زمرة السعداء والصالحين. والغش يزول بنار التوبة والندم، وبإدخال النفس في أتون العذاب واللوم، وصهرها في حرارة الندامة والعودة إلى الله. عليك أن تعمل في هذا العالم، وإلاّ فإن {نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ، الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الأَفْئِدَةِ}([47]). سوف تذيب قلبك. والله أعلم كم قرن من قرون الآخرة يستغرق إصلاحك هذا!! إن التطهر في هذه الدنيا سهل يسير، فالتغّيرات والتصورات سريعة الوقوع فيها، أما في العالم الآخر فالتغيير يكون بشكل آخر، فزوال صفة من صفات النفس قد يستغرق قرونا عديدة.

إذاً، أيها الأخ، ما دمت في مقتبل عمرك، وزهرة شبابك، وأوج قوتك، وحرية إرادتك، سارع لإصلاح نفسك، ولا تلق بالاً لهذا الجاه والمقام، وطأ على هذه الاعتبارات بقدميك إنك إنسان، فأبعد نفسك عن صفات الشيطان، فلعلّ الشيطان يهتم بهذه الصفة اهتماماً كبيراً لكونها صفة من صفاته. وهي التي أدت إلى طرده من حضرة الله، ولذلك فهو يريد أن يوقع الإنسان، عارفاً أو عاميّاً عالماً أو جاهلا، في مثل هذه الرذيلة، حتى إذا ما لقيك يوم القيامة شَمَتَ بك قائلاً: «ويا أبن آدم، ألم يخبرك الأنبياء بأن أتكبر على أبيك قد طردني من حضرة الحق. لقد نزلت عليّ لعنة الله لأني احتقرت مقام آدم واستعظمت مقامي، فلماذا أوقعتك نفسك في هذه الرذيلة» ؟.

وعندئذ تصبح، أيها المسكين!موضع شماتة أرذل مخلوقات الله وأحطها، فضلاً عن عذابك وابتلاءاتك وندامتك وحسرتك مما يعجز الكلام عن وصفه. إن الشيطان لم يكن قد تكبّر على الله، بل على أدم وهو من مخلوقات الحق، فقال: {خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ}([48]). فاستعظم نفسه واستحقر آدم. وأنت تستصغر بني آدم وتستكبر بنفسك عليهم، فأنت أيضاً تعصي أوامر الله. لقد قال لك تعالى: كن متواضعاً مع عباد الله، ولكنك تتكبر وتتعالى عليهم. فلماذا، تلعن الشيطان وحده؟ أشرك نفسك الخبيثة معه في اللعن أيضاً، مثلما أنت شريكه في هذه الرذيلة. إنك من مظاهر الشيطان، بل إنك تجسّد الشيطان. ولربما كانت صورتك في البرزخ وفي يوم القيامة صورة شيطانية. فإن المقياس في صورة الإنسان في الآخرة الملكات الحاصلة للنفس. فليس هناك ما يمنع من أن تكون على صورة شيطان، أو على صورة نملة صغيرة، إن موازين الآخرة تختلف عن موازين الدنيا.

 

فصل: قد يكون الحسد سببا للتكبر

اعلم أن من الممكن أحياناً أن يتكبّر فاقد الكمال على واجد الكمال، كأن يتكبر الفقير على الغني والجاهل على العالم. ولا بُدَّ أن نعرف أنه مثلما كان العُجب أحيانا مدخلا للتكبر، فإن الحسد قد يصبح أيضاً مدخلاً إليه. فالإنسان الذي يفتقر إلى كمال موجود في غيره، يندفع إلى أن يحسده، ثم يصير سبباً لكي يتكبر عليه ويسعى جهده لإذلالهِ وإهانته.

روى عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال «الكِبَرُ قَدْ يَكونُ فِي شِرارِ النَّاسِ مِنْ كُلِّ جِنْسٍ... » ثُمَّ قَالَ: إِنَّ رَسولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَليهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ مَرَّ فِي بَعضِ طُرقِ المَدِيَنِة وَسَوْدَاءَ تَلقطِ السرقين، فَقِيلَ لَهَا: تَنَحِّي عَنْ طَرِيقِ رَسُولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَليهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: إِنَّ الطَرِيقَ لَمَعرض. فَهَمَّ بِهَا بَعْضُ القَوْمِ أنْ يَتَنَاوَلها، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَليهِ وآلِهِ وَسَلَّم: «دَعُوهَا فإِنَّهَا جَبَّارة» ([49]).

وقد تظهر هذه الصفة في بعض أهل العلم، مبرراً أن التواضع أمام الأغنياء غير محمود، وتقول له نفسه الأمارة بالسوء إن التواضع للأغنياء منقصة للإيمان. إن المسكين لا يميّز بين التواضع لغني من أجل غناه والتواضع لغير ذلك. فمرة يتواضع الإنسان مدفوعا برذيلة حب الدنيا والانجذاب نحو طلب الجاه والمقام. فليس هذا من خلق التواضع في شيء، بل إنه المداهنة والملق وأنه من الرذائل النفسانية، وصاحبها لا ي تواضع للفقراء، إلاّ إذا طمع فيهم بشيء أو أراد منهم شيئاً.

ومرة أخرى يكون طبع التواضع في الإنسان داعية له إلى احترام الناس والتواضع لهم. فقراء كانوا أم أغنياء، مرموقين كانوا أم مغمورين. فهذا تواضعه خالص من غير شائبة، وروحه طاهرة مطهرة، لم يجتذب قلبه الجاه والمقام. إنه تواضع محمود للفقراء ومحمود للأغنياء، فلا بُدَّ من احترام كل إنسان بما هو خليق به. أما تحقيرك لأهل الجاه والغنى والتكبر عليهم فلا يعني أنك لست متملقا، بل يعني أنك حسود، وتكون في الوقت نفسه على خطأ. ولهذا إذا رأيتهم يحترمونك على غير انتظار وتوقع، تتواضع لهم وتخفض لهم جناحك.

وعلى كل حال، إن مكائد النفس وأحابيلها من الدقة المتناهية بحيث أن المرء لا يسعه إلاّ أن يستعيذ بالله منها.

وَالحَمْدُ لله أوّلاً وآخِراً.

 ([1]) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب العجب، ح 3.

 ([2]) الوسائل في مقصد العبادات، باب تحريم الإعجاب بالنفس، ويقول العلامة المجلسي، " من الممكن أن يكون (أبو الحسن) المذكور في هذا الحديث الشريف هو الإمام الرضا عليه السلام لأن علي بن سويد يروي عنهما كليهما (عليهما السلام) الإمام موسى بن جعفر والإمام الرضا وإن يروي عن الكاظم عليه السلام أكثر من روايته عن الإمام الرضا عليه السلام. عفى الله عنه ".

 ([3]) نقلاً عن بحار الأنوار، المجلد 72، ص306.

 ([4]) في هذا الفصل نشرح العُجب في الخصال الحسنة، وسنشرح في بعض الفصول القادمة، العُجب بالخصال التي تقابل الصفات الحسنة. أيضا (منه عفى عنه).

 ([5]) سورة فاطر، آية: 8.

 ([6]) الكهف: 103 ـ 105.

 ([7]) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب العجب، ح 1 ص 212.

 ([8]) وسائل الشيعة، المجلد الأول، الباب 3 من أبواب مقدمة العبادات ح 18.

 ([9]) وسائل الشيعة، المجلد الأول، الباب 23 من أبواب مقدمة العبادات ح 8.

 ([10]) أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان، باب العجب، ح 8.

 ([11]) خصال الصدوق، باب الثلاثة، ح 86.

 ([12]) خصال الصدوق، باب الثلاثة، ح 86.

 ([13]) النساء، آية: 79.

 ([14]) الكافي، المجلد الثاني، باب العجب، ح1 ص 314.

 ([15]) سورة الأنعام، الىية: 79، الآية: 162.

 ([16]) سورة الأنعام، الىية: 79، الآية: 162.

 ([17]) " أصول الكافي " المجلد الثاني ـ كتاب الإيمان والكفر ـ باب الكبر ـ ح 1.

 ([18]) سورة المؤمنون، آية: 47.

 ([19]) سورة الزخرف، آية: 31.

 ([20]) لا يخفى أن لترك القبول ناحيتان: إحديهما تكبر على أوامر الله. وثانيهما تكبر على عباد الله تعالى. (منه عُفي عنه).

 ([21]) " أصول الكافي " المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب الكبر ح 16.

 ([22]) " أصول الكافي " المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب الكبر ح 11.

 ([23]) وسائل الشيعة، المجلد 11، أبواب جهاد النفس، باب تحريم الكبر، ح 9.

 ([24]) وسائل الشيعة، المجلد 11، أبواب جهاد النفس، باب تحريم الكبر، ح 14.

 ([25]) وسائل الشيعة، المجلد 11، أبواب جهاد النفس، باب تحريم الكبر، ح 6.

 ([26]) وسائل الشيعة، المجلد 11، أبواب جهاد النفس، باب تحريم الكبر، ح 2.

 ([27]) وسائل الشيعة، المجلد 11، أبواب جهاد النفس، باب تحريم الكبر، ح 6.

 ([28]) سورة النحل، آية: 28.

 ([29]) فوائد الأدب في تاج العروس (ج1 9 ص249) في مادة (سمن).

 ([30]) النمل: 34.

 ([31]) إشارة الى الشطر الثاني من هذا البيت:

" العلم الرسمي هو الاشتغال بالقيل والقال       فلم تحصل منه على كيفية ولا حال ".

كشكول البهائي, ج1 ص209.

 ([32]) الأسفار الأربعة, ج1 ص23.

 ([33]) النمل: 34.

 ([34]) نهج البلاغة ـ قصار الحكم ـ 80 ـ (الشيخ صبحي الصالح).

 ([35]) البقرة: 269.

 ([36]) مير محمد باقر بن شمس الدين محمد المعروف بالداماد (ـ1041هـ. ق) ولد في اصفهان ودفن في النجف, من علماء الإمامية الأفذاذ وفيلسوف تحرير جمع المعقول والمنقول تفرّد في حل العديد من المعضلات الفقهية والحديثية, وان رواج فلسفة أبي علي " ابن سينا " والاشراقيين في القرن الحادي عشر وتهيئة الارضية الملائمة لظهور الحكمة المتعالية لملا صدرا (تلميذ المير داماد) مديونة لجهود هذا الفيلسوف الكبير. من تأليفاته : القبسات, التقديسات, سدرة المنتهى حاشية على كتاب من لا يحضره الفقيه اختار لنفسه في أشعاره اسم " اشراق ".

 ([37]) إشارة للحديث : " قلت لأبي عبد الله " ع " : " أني سمعتك وانت تقول كل شيعتنا في الجنة على ما كان فيهم " قال " ع " : " صدقت كلهم والله في الجنة, قال : قلت: جعلت فداك أن الذنوب كثير, كبار, فقال " ع " : أما في القيامة فكلكم في الجنة بشفاعة النبي المطاع أو وصي النبي ولكني والله أتخوف عليكم في البرزع, قلت وما البرزخ؟ قال : القبر منذ حين موته إلى يوم القيامة.

فروع الكافي, ج3 ص242 : كتاب الجنائر, باب ما ينطق به موضع القبر " الحديث 3.

 ([38]) الفتوحات المكية, ج1 فصل 1 الباب 61.

 ([39]) في روايات متعددة أشير إلى خُلق وسلوك رسول الله " ص " بعضها وردت في هذا الكتاب. عن أنس بن مالك قال : لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الله " ص " وكانوا إذا رأوه لم يقوموا إليه لما يعرفون من كراهيته " ".

" وعن ابن عباس قال : كان رسول الله " ص " يجلس على الأرض ويأكل على الأرض ويعتقل الشاة ويجيب دعوة المملوك ويقول " ص " : أنا عبد اكل كما يأكل العبد وأجلس كما يجلس ا لعبد " كتاب مكرام الأخلاق, ص12 الفصل الثاني.

 ([40]) كان يجلس على الأرض وينام عليها ويأكل عليها وكان يخصف النعل ويرفع الثوب ويفتح الباب ويحلب الشاة ويعقل البعير فيحلبها ويطحن مع الخادم إذا اعيى... ويخدم في مهنه أهله ويقطع اللحم, وإذا جلس على طعام جلس مُحقّراً... يركب ما أمكنه من فرس أو بغلة أو حمار ويركب الحمار بلا سرج وعليه العذار.. يجالس الفقراء والسماكين ويؤاكل المساكين ويناولهم بيده.

بحار الأنوار, ج16 ص226 " تاريخ نبينا " ص " , باب مكارم أخلاقه " الحديث: 34.

 ([41]) كشف الغمة في معرفة الأئمة ج1 ص162ـ172 " في وصف زهده في الدنيا ".

 ([42]) آية الله العظمى الحاج الشيخ عبد الكريم الحائري اليزدي (1376ـ1355هـ. ق) من الفقهاء الكبار ومراجع التقليد لدى الشيعة في القرن الرابع عشر الهجري فهو وبعد أن أنهى دراسة المقدمات سافر إلى النجف وسامراء ودرس هناك على أيدي كبار العلماء كالميرزا الشيرازي الكبير والميرزا محمد تقي الشيرازي والآخوند الخراساني والسيد كاظم اليزدي والسيد محمد الاصفهاني القشاركي. عاد إلى آراك عام 1332هـ. ق, وفي عام 1340 قدم إلى قم وبعد إلحاح أعينان الناس عليه آنذاك وبعد الاستخارة ألقى برحله في مدينة قم وأسس فيها الحوزة العلمية, وقد تربى في حوزة درسه علماء كبار في مقدمتهم الإمام الخميني (ره) من آثاره: درر الفوائد في الأصول, الصلوة في الفقه, النكاح, الرضاع, والمواريث.

 ([43]) 1920م (المترجم).

 ([44]) 1935م (المترجم).

([45]) كما جاء في الحديث النبوي (ص) : " الصراط ادق من الشعر واحدّ من السيف وأظلم من الليل " علم اليقين, ج2 ص969. " المقصد الرابع في معنى الصراط " وبنفس هذا المعنى جاء في الرواية المروية عن الإمام الصادق " ع " في آمالي الصدوق, ص177 " المجلس " 33 الحديث 4 وكذلك في بحار الأنوار, ج8 ص65 " كتاب العدل والمعاد " الباب 22.

 ([46]) 1935م (المترجم).

 ([47]) الهمزة: 6، 7.

 ([48]) الأعراف: 12.

 ([49]) (أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب الكبر، ح 2)


تعليقات الزوار
ارسال تعلیق