للوقاية دور كبير في حماية وأمن الإمكانات الماديّة، والمعنويّة، والبشريّة، وكذلك التقوى والوقاية الروحيّة لها دور في ذلك، إذا عمّمنا مفهومها إلى الاجتناب والتورّع عن مخالفة القوانين، والقواعد، والضوابط، وتطبيق الإجراءات المطلوبة في حماية الإمكانات ووقايتها، كما روي عن الإمام عليّ عليه السلام: "التقوى اجتناب"(1)، بحيث يكون للقوانين جهة شرعيّة مستمدّة من وجوب حفظ النظام، وإمكانات المجتمع الإسلاميّ، وقواه، وحرمة الإضرار بها وإضعافها، وتمكين العدوّ منها، فتصير المخالفة محرّمة ومخالفة لتقوى الله، كما روي عن الإمام الصادق عليه السلام عندما سُئل عن التقوى: "أن لا يفقدك الله حيث أمرك، ولا يراك حيث نهاك"(2).

 

•نتائج التقوى

بما أنّ الإسلام والإيمان مرتبطان بالهدف الإلهيّ، فبقدر ما يطبّق العبد مفهوم الوقاية في الأنظمة والقوانين، بقدر ما يقترب من هذا الهدف، وتتحقّق العصمة من العدوّ الظاهريّ والباطنيّ، الماديّ والروحيّ، فعن الإمام الصادق عليه السلام: "بالتقوى قرنت العصمة"(3). وتكون التقوى حصناً يحمينا من رؤية العدوّ الظاهريّ ورصاصه، ومن الشيطان، العدوّ الباطني، وغوايته، كما عن الإمام عليّ عليه السلام: "التقوى حصن حصين لمن لجأ إليه"(4)، وتؤمّن لنا حرزاً يحمي ديننا وإمكاناتنا وأسرارنا من وصول العدوّ إليها، فعن أمير المؤمنين عليه السلام: "التقوى حرز لمن عمل بها"(5)، فمن كان له عدوّ استخدم معه الحذر، ودفعه الحذر إلى التوقّي والوقاية، كما عن الإمام عليّ عليه السلام: "أواخر مصادر التوقّي أوائل موارد الحذر"(6).

 

•أهميّة الوقاية قبل المرض

كما أنّ الوقاية المعنويّة تتطلّب من الإنسان أعمالاً وإجراءات قبل الابتلاء بالمرض، وكذلك في الوقاية الماديّة والطبّية، حيث يقول الله عزّ وجلّ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ‏ وَأَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ (التحريم: 6)، وأيضاً في الوقاية الأمنيّة والعسكريّة. والتقوى هي شرط أساسيّ في هذه الوقاية، بل هي وقاية قبل الوقاية؛ لأنّ من لا يمنع نفسه أو غيره من الوقوع في المعاصي الموجبة للغضب والعقاب الإلهيّين، والدخول إلى النار، لا يتورّع عن المخالفات الأمنيّة، والعسكريّة، والتنظيميّة، والإداريّة التي هي مخالفة شرعيّة من جهة ما تتسبّب به من خطر على الدين، والمجتمع، والمقاومة.

 

•ارتباط التقوى بالمواجهة الأمنيّة والعسكريّة

نجد في القرآن العظيم والحديث الشريف أنّ التقوى لا تُستخدم فقط في مواجهة العدوّ الروحيّ، بل نجد أنّ لها أهميّة عظيمة في مواجهة العدوّ المادّيّ، والأمنيّ، والعسكريّ، كما يفيد قول الله عزّ وجلّ: ﴿... وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى‏ وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَديدُ الْعِقابِ﴾ (المائدة: 2)، حيث جعل الله تعالى التقوى والتعاون عليها وسيلة لمنع عدوان العدوّ على المؤمنين، كما هي وسيلة لمنع الفساد والإثم ونشره في المجتمع. ويفيد قوله تعالى: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذينَ كَفَرُوا في‏ قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكينَتَهُ عَلى‏ رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى‏ وَكانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شيء عَليماً﴾ (الفتح: 26)، أنّ كلمة التقوى كان لها دور في تحقيق الأمن النفسيّ، والسكينة، والأمن العسكريّ في الحرب.

وفي قول الله تعالى: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحيطٌ﴾ (آل عمران: 120)، نجد التقوى والصبر وسيلة للوقاية من كيد العدوّ ومكائده وخططه.

ويدلّ قوله تعالى: ﴿ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنينَ عَلى‏ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَميزَ الْخَبيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ ولكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبي‏ مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظيمٌ﴾ (آل عمران: 179) على أنّ التقوى شرط في اختيار حامل الرسالة والخبر المهمّ الاستراتيجيّ والسرّيّ الغيبيّ الموثوق، بعد تجربته واختباره، ليميز الخبيث من الطيّب.

 

•كلام القائد المعظّم في القوى الأمنيّة والوقائيّة

يقول الإمام القائد المعظّم دام ظله: "أنتم عملكم المراقبة المعلوماتيّة، ولكن أنا أريد أن أوصيكم: توجّهوا نحو مراقبة أنفسكم في الدرجة الأولى، هذا الأمر أكثر أهميّة. إن لم تستطيعوا أن تراقبوا أنفسكم، فاعلموا أنّكم لن تحصلوا على النجاح في التكاليف التنظيميّة والإداريّة".

 

•ارتباط حفظ السرّ وأمن المعلومات بالإيمان والتقوى

عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: "الإيمان سرّ، وأشار إلى صدره، والإسلام علانية"(7). إنّ المواجهة التي بدأت مع بداية البشريّة، جعلت المؤمن في حالة حرب دائمة على الصعيدَين الماديّ والروحيّ، لذلك كان لا بدّ من حفظ أسرار الدين وأسرار المجتمع المؤمن، كي لا يتسبّب كشف الأسرار بقتل المؤمنين والقضاء عليهم كليّاً. وقد استمرّ هذا العمل السرّيّ حتّى زمان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وصار حفظ السرّ عنواناً للإيمان والتقوى، ودليلاً عليهما، فعن الإمام أبي عبد اللَّه عليه السلام: "يا أبا محمّد، إنّ عندنا -واللَّه- سرّاً من سرّ اللَّه، وعلماً من علم اللَّه، واللَّه ما يحتمله ملك مقرّب ولا نبيّ مرسل ولا مؤمن امتحن اللَّه قلبه للإيمان..."(8).

لذلك، كان حفظ الأسرار علامةً على الاستقامة على الصراط، والارتباط بعالم الأسرار الإلهيّة، فعن الإمام الصادق عليه السلام: "... واستقامة السرّ: السرور بعالم الأسرار"(9). فالمؤمن المستقيم لا يأنس بعالم الظاهر ويبدي أسراره، بل يأنس بعالم السرّ والأسرار، فيحفظها في سرّه، ويأنس به، فإن احتاج إلى البوح بها أسرّها إلى ربّه بتعابير العشق، والحبّ والشوق، كما عن الإمام أبي عبد الله عليه السلام في حديث طويل في أوصاف المؤمنين، إلى أن قال: "قلوبهم خائفة وجلة من الله، ألسنتهم مسجونة، وصدورهم وعاء لسرّ الله، إن وجدوا له أهلاً نبذوا إليه نبذاً، وإن لم يجدوا له أهلاً ألقوا على ألسنتهم أقفالاً غيّبوا مفاتيحها، وجعلوا على أفواههم أوكية، صلب صلاب، أصلب من الجبال، لا ينحت منهم شيء"(10).

هؤلاء هم حملة نور الله، وعباده الذين ينير الله بهم الطريق، ويهدي بهم الناس، ويبذلون جهدهم، ويجاهدون ببذل طاقاتهم في سبيل أمن، ووقاية، وحماية المؤمنين بالله، والدعوة إليه، فعن الإمام الصادق عليه السلام: "رحم الله قوماً كانوا سراجاً ومناراً، كانوا دعاة إلينا بأعمالهم ومجهود طاقاتهم، ليس كمن يذيع أسرارنا"(11).

 

1.ميزان الحكمة، محمّد الريشهري، ج4، ص3638.

2.(م.ن).

3.(م.ن).

4.(م.ن)، ص 3627.

5.(م.ن).

6.(م.ن)، ص 3638.

7.مجمع البيان، الطبرسي، ج1، ص86.

8.الكافي، الكليني، ج1، ص402.

9.الخصال، الصدوق، ص404.

10.مستدرك الوســــائل، النوري الطبـرسي، ج12، ص300 - 302.

11.(م.ن)، ص291 - 293.

المصدر: مجلة بقية الله