كتب المرجع الديني آية الله لطف الله صافي الكلبايكاني مقالا تطرق فيه إلى عظمة نبيّ الرحمة والإمام الصادق عليهما السلام.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

ما كتب من الكتب والآثار في خصائص نبيّ الإسلام وخاتم المرسلين نبيّنا محمد المصطفى صلى الله عليه وآله ومناقبه كثيرة جداً.

 

* في كلام الكتّاب والشعراء:

 

ما أكثر من كتب في فضائل النبي صلی الله عليه وآله ومدحه من المسلمين سنة وشيعة ومن المستشرقين، وما أكثر من نظم في مدحه من شعراء العرب والعجم، والكل منهم يعترف بعجزه ويذعن بقصوره في وصفه ومدحه.

 من شعراء العرب أحمد شوقي اذ يقول:

وُلِدَ الهُدى فَالكَائِناتٌ ضِياء * وفَمُ الزَّمانِ تَبَسُّمٌ وثَناء

الرُّوحُ وَالملأ المَلائكُ حَولَه * لِلدِّينِ وَالدُّنيا بِه بُشرَاء

 وَالعَرشُ يَزهُو وَالحَظيرةُ تَزدَهي * والمُنتَهى وَالسِّدرَة العَصمَاء

إلى أن يقول: بِكَ بَشَّرَ اللهُ السَّماءَ فَزُيِّنَت * وتَضَوَّعَت مِسكاً بِكَ الغَبراء

يَــومٌ يَتيهُ عَلَى الزَّمانِ صَبــاحُهُ * ومَسَاؤُهُ بِمُحمَّدٍ وَضَّاء (1)

 

ومن شعراء العجم سروش الاصفهاني الملقب بشمس الشعراء، اذ يقول:

امروز فسرد آذر برزين * كردند براق مَحْمِدَت را زين

امروز بهشتيان به استبرق * بستند بهشت عدل را آذين

امروز شكست صفّه كسري * وآمد به جهان يكي درست آيين

سالار پيامبران ابوالقاسم * آن كرده خطاب، ايزدش: ياسين

چون شعله كشد جحيم آتش را * حبّ وي وآل وي دهد تسكين

 

كان هذا نموذجاً من الأشعار في وصف النبي الخاتم ومدحه صلی الله عليه وآله.

 

* في القرآن الكريم

مهما قلنا نحن في مدح النبي صلی الله علیه وآله أو اعترف الآخرون، إلا أنّ القران الكريم فوق الجميع:

«لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ ويُزَكِّيهِمْ ويُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ والْحِكْمَةَ وإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ.»(2)

أجل، يقف الانسان عاجزا أمام هذه الشخصية العظيمة، بل حتى العظماء من البشر اعترفوا بقصورهم.

 

* في کلام أمير المؤمنين عليه السلام

 

علينا أن نقتفي آثار مدح النبي صلی الله علیه وآله في كلام امیرالمؤمنین علیه الصلاة والسلام، فمثله هو من يؤدي حق مديحه ويصف مكارم أخلاقه ونبل شخصيته، إن أردنا أن نتعرف على عظيم سيرته وصفاته الحميدة فعلينا أن نقرأ خطبته علیه السلام الشريفة في نهج البلاغة التي يقول فيها «إِنَّ اللهَ تَعَالَى بَعَثَ مُحَمَّداً نَذِيراً لِلْعَالَمِينَ وَأَمِيناً عَلَى‏ التَّنْزِيلِ‏ وَأَنْتُمْ مَعْشَرَ الْعَرَبِ عَلَى شَرِّ دِينٍ وَفِي شَرِّ دَارٍ مُنِيخُونَ بَيْنَ حِجَارَةٍ خُشْنٍ وَحَيَّاتٍ صُمٍّ تَشْرَبُونَ الْكَدِرَ وتَأْكُلُونَ الْجَشِبَ وَتَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَتَقْطَعُونَ أَرْحَامَكُمْ الْأَصْنَامُ فِيكُمْ مَنْصُوبَةٌ وَالْآثَامُ بِكُمْ مَعْصُوبَة.»(3)

ويقول في موضع آخر من كتاب نهج البلاغة : «أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ أَرْسَلَهُ وَأَعْلَامُ الْهُدَى دَارِسَةٌ وَمَنَاهِجُ الدِّينِ طَامِسَةٌ فَصَدَعَ بِالْحَقِّ وَنَصَحَ لِلْخَلْقِ‏ وَهَدَى إِلَى‏ الرُّشْدِ وَأَمَرَ بِالْقَصْدِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّم‏.»(4)

وينقل عليه السلام في خطبته المعروفة بالقاصعة معجزة للنبي صلی الله عليه وآله يقول أحد المؤرخين فيها: لا أشك أن من عاصر النبي صلی الله عليه وآله حين وقوع تلك المعجزة وشاهدها كان منهم من يسمع هذه الخطبة لأمير المؤمنين علیه السلام ويقر بوقوع تلك المعجزة.

يقول عليه السلام فيها : «لَقَدْ كُنْتُ مَعَهُ لَمَّا أَتَاهُ الْمَلَأُ مِنْ قُرَيْشٍ. فَقَالُوا لَهُ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّكَ قَدِ ادَّعَيْتَ‏ عَظِيماً لَمْ يَدَّعِهِ آبَاؤُكَ ولَا أَحَدٌ مِنْ بَيْتِكَ ونَحْنُ نَسْأَلُكَ أَمْراً إِنْ أَنْتَ أَجَبْتَنَا إِلَيْهِ وأَرَيْتَنَاهُ عَلِمْنَا أَنَّكَ نَبِيٌّ ورَسُولٌ وإِنْ لَمْ تَفْعَلْ عَلِمْنَا أَنَّكَ سَاحِرٌ كَذَّاب. فَقَالَ: ومَا تَسْأَلُونَ؟ قَالُوا: تَدْعُو لَنَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ حَتَّى تَنْقَلِعَ بِعُرُوقِهَا وتَقِفَ بَيْنَ يَدَيْكَ فَقَالَ: إِنَّ اللهَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ. فَإِنْ فَعَلَ اللهُ لَكُمْ ذَلِكَ أَ تُؤْمِنُونَ وتَشْهَدُونَ بِالْحَقِّ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: فَإِنِّي سَأُرِيكُمْ مَا تَطْلُبُونَ وإِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّكُمْ لَا تَفِيئُونَ إِلَى خَيْرٍ وإِنَّ فِيكُمْ مَنْ يُطْرَحُ فِي الْقَلِيبِ ومَنْ يُحَزِّبُ الْأَحْزَابَ. ثُمَّ  قَالَ: يَا  أَيَّتُهَا الشَّجَرَةُ  إِنْ كُنْتِ تُؤْمِنِينَ بِاللهِ والْيَوْمِ الْآخِرِ وتَعْلَمِينَ  أَنِّي رَسُولُ الله فَانْقَلِعِي بِعُرُوقِكِ حَتَّى تَقِفِي بَيْنَ يَدَيَّ بِإِذْنِ اللهِ.»

«فَوَالَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ لَانْقَلَعَتْ‏ بِعُرُوقِهَا وجَاءَتْ ولَهَا دَوِيٌّ شَدِيدٌ وقَصْفٌ كَقَصْفِ أَجْنِحَةِ الطَّيْرِ حَتَّى وَقَفَتْ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ مُرَفْرِفَةً وأَلْقَتْ بِغُصْنِهَا الْأَعْلَى عَلَى رَسُولِ اللهِ وبِبَعْضِ أَغْصَانِهَا عَلَى مَنْكِبِي وكُنْتُ عَنْ يَمِينِهِ. فَلَمَّا نَظَرَ الْقَوْمُ إِلَى ذَلِكَ قَالُوا: عُلُوّاً واسْتِكْبَاراً فَمُرْهَا فَلْيَأْتِكَ نِصْفُهَا ويَبْقَى نِصْفُهَا.

فَأَمَرَهَا بِذَلِكَ. فَأَقْبَلَ إِلَيْهِ نِصْفُهَا كَأَعْجَبِ إِقْبَالٍ وأَشَدِّهِ دَوِيّاً فَكَادَتْ تَلْتَفُّ بِرَسُولِ اللهِ. فَقَالُوا: كُفْراً وعُتُوّاً. فَمُرْ هَذَا النِّصْفَ فَلْيَرْجِعْ إِلَى نِصْفِهِ كَمَا كَانَ. فَأَمَرَهُ  فَرَجَعَ»

لذا قال علیه السلام: «فَقُلْتُ: أَنَا لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ إِنِّي أَوَّلُ مُؤْمِنٍ بِكَ يَا رَسُولَ اللهِ وأَوَّلُ مَنْ أَقَرَّ بِأَنَّ الشَّجَرَةَ فَعَلَتْ مَا فَعَلَتْ بِأَمْرِ اللهِ تَعَالَى تَصْدِيقاً بِنُبُوَّتِكَ وإِجْلَالًا لِكَلِمَتِكَ»(5)

 

* المستشرقون وشخصيّة النبي صلی الله عليه وآله

 

أجل، مهما تحدثنا لا نستطيع أن نلم بجانب واحد فضلا عن جميع أبعاد وجوانب شخصية النبي  صلی الله علیه وآله حتى الأجانب والمستشرقين اعترفوا مجبرين وانحنوا أمام عظمة هذه الشخصية :

طوماس كارلايل ذكر في كتابه «الأبطال» أسماء الأبطال في مختلف الأصناف، مثل في صورة القائد، والبطل في صورة الشاعر، يذكر: البطل في صورة النبي، ويقول البطل هو ليس موسى ولا عيسى ولا إبراهيم، وإنما يقول: بطل النبوة هو محمد.

 

* شخصية الإمام الصادق عليه السلام:

شخصية الإمام الصادق علیه السلام كشخصية جدّه شخصية عظيمة ايضاً. عرف بمدرسته الكبرى التي أسسها مناراً للأمة الإسلامية، والتي لا نبالغ إن قلنا أنه لولاها لأضحى ما وصلنا من الدين ناقصاً.

يقول أبو حنيفة: «ما رأيت أفقه من جعفر بن محمد.»(6)

 وقد ألف ابن عقدة المتوفى في سنة 333 هجرية ، كتابا باسم «أسماء الرجال الذين رووا عن الصادق عليه السلام" ذكر فيه أسماء أربعة الاف رجل ممن نقل الحديث عن الامام عليه السلام وأخذ عنه العلوم، ولكن للأسف هذا الكتاب الذي أشار إليه بعض الأعاظم ضاع أو ضيع كغيره.(7)

ينقل النجاشي في رجاله عن أحمد بن عيسى الأشعري : «قَالَ: خَرَجتُ إلَى الكُوفَةِ فِي طَلَبِ الحَديثِ فَلَقيتُ بِها الحَسنَ بنَ عَلي الوَشّاء فَسَألتُهُ أنَ يَخرُجَ إلي كِتابِ العَلاء بنِ رَزين القلاء وأبان بن عُثمان الأحمر فَأخرَجَهُما إليّ فَقُلتُ لَهُ: أحَبُّ أن تُجيزَهُما لِي. فَقَال لِي: يَا رَحِمَك اللهُ وما عَجَلتُك أذهَب فَاكتُبهُما وأسمع مِن بعد. فَقُلتُ: لا آمُنُ الحَدثان‏. فَقَال: لَو عَلِمتُ أنَّ هذا الحَديثَ يَكُونُ لَه هذَا الطَّلب لاستَكثَرتُ مِنهُ فَإنّي أدرَكتُ فِي هذَا المَسجِد تِسعمِائة شيخٍ كُلٌّ يَقُولُ حَدَّثَني جَعفَرُ بنُ مُحمَّد»(8)

 

* مكانة أهل البيت عليهم السلام

 

ما أعظمها من مدرسة؟! وما أعظم ما اشتملت عليه من علوم ؟!

 فليس قول النبي صلی الله علیه وآله فيهم علیه السلام : «أذكركم الله في أهل بيته»(9) ولا قوله: «لا تعلموهم فهم أعلم منكم»(10) محاباة لهم لكونهم قرباه ، بل لكونهم حقا أصحاب هذه المنزلة العظيمة، وجديرون بذلك لما وصلوا إليه من العلوم والمقامات.

لأحمد بن عبد العزيز المعروف بابن عياش من كبار علماء القرن الرابع، المتوفى في عام 401 كتاب باسم «مقتضب الأثر في النص على الأئمة الاثني عشر» كنت قد اطلعت على نسخة منه قبل أكثر من 50سنة، وكانت رديئة الطباعة، لذا صممت على إعادة طبعه، بعد أن وقفت على جميع الشواهد والأدلة على صحة نسبته لمؤلفه، واستخرجت رواياته أجمع من الكتب الأخرى التي كتبت بعده.

وقدمت له مقدمة نقلت فيها كلاما للشبراوي رئيس جامعة الأزهر الأسبق. الشيخ عبد الله الشبراوي له كتاب «الاتحاف بحب الأشراف» الذي كتبه في فضائل ذرية النبي صلی الله علیه وآله، ينقل فيه عن بعض أهل العلم قوله:

«إنَّ آلَ البَيتِ حَازُوا الفَضَائلَ كُلَّها عِلماً وَحِلماً وفَصَاحَةً، وذَكاءً وبَديهَةً وجُوداً وشُجَاعَةً. فَعُلُومُهُم لا تَتَوَقَّفُ عَلى تَكرارِ دَرسٍ، وَلا يَزيدُ يَومَهُم فِيها عَلى مَا كَانَ بِالأمسِ. بَل هِيَ مَواهِب مِن مَولاهِم. مَن أنكَرَها وأرادَ سَترَها كَانَ كَمَن أرادَ سَترَ وَجهِ الشَّمسِ. فَمَا سَأَلَهُم فِي العُلومِ مُستَفيد ووَقفوا  وَلا جَرى  مَعَهُم في مِضمَار الفَضلِ قَومٌ  إلّا عَجَزُوا وتَخَلَّفُوا وكَم عَايَنُوا فِي الجِلاد والجِدالِ  أمُوراً، فَتَلَقَّوها  بِالصَّبرِ الجَميلِ،  وَمَا استَكَانُوا وما ضعفوا تقرّ  الشقائق إذا هدرت شقائقهم وتصغي الأسماع إذا قال قائلهم  ونطق ناطقهم سجايا خصهم بها خالقهم»

إلى أن يقول : «وَقَد أشرَقَ نُورُ هذِه السِّلسلةِ الهَاشِميّة، وَالبيضَةُ الطَّاهرة النبوية، والعِصَابة العَلَوية، وَهُم إثناعشر اماماً مناقبهم علية، وصفاتهم سنية، ونفوسهم شريفة ابيه، وأرومتهم كريمة محمدية. ثم ذكر اسمائهم الشريفة عليهم الصلوة والسلام»

 

ختاماً أقول علينا أن نتعرف على عظمة أهل البيت عليهم السلام، وما وصلنا من علومهم وهديهم، وأن نوصل ذلك إلى أسماع الناس كافة، ليغترفوا من بحر هذه العلوم والمعارف ان شاء الله.

 

مصادر:

1. الشوقيات أحمد الشوقي، مطبعة دار الشروق بمصر.

2. آل عمران؛ الآية164.

3. نهج البلاغة؛ الخطبة26.

4. نهج البلاغة؛ الخطبة195.

5. نهج البلاغة؛ الخطبة192.

6. طبقات الحفاظ؛ الذهبي، الطبقة الخامسة، ص166.

7. رجال العلّامة الحلي؛ القسم الثاني، الباب الرابع.

8. الرجال للنجاشي؛ شرح حسن بن على بن زياد الوشا.

9. بحارالأنوار؛ج23،الباب7،الحديث10.

10.الکافي؛ المجلد1، بَابُ مَا نَصَّ اللهُ عَزَّوَجَلَّ ورَسُولُهُ عَلَى الْأَئِمَّةِ.