ينشر موقع KHAMENEI.IR الإعلامي تقريراً يُلقي الضوء على تاريخ الدعم الأمريكيّ للكيان الصهيوني في جرائمه ضدّ الفلسطينيّين، مدنيّين ونساء وأطفال، وكيف أنّه استخدم الفيتو كسلاح دبلوماسي قوي مراراً وبما يعادل نصف المرّات التي استخدم فيها على مرّ تاريخه هذا الحقّ في الأمم المتحدة، من أجل دعم الكيان الصهيوني وسياساته العدوانيّة ولمحاربة قضيّة فلسطين.

 

يدّعي بعض الأشخاص كون لغة الجسد لغة عالميّة. لكن هناك شواهد تُثبت عكس هذا الادّعاء، فإنّ إشارة اليد اليُمنى لممثّل الولايات المتحدة الأمريكيّة في مجلس الأمن الدولي التي ارتفعت في 8 ديسمبر 2023 كانت مفهومة جدّاً لطيّاري المقاتلات الصهيونيّة. لقد كانت يده كيد موجّه الرحلات في المطار، وبمثابة منح الإذن بالإقلاع وقصف بيوت الفلسطينيّين في غزّة.

 

منذ بداية العدوان العسكري الوحشي للكيان الصهيوني على قطاع غزة عقب العملية التاريخية لـ «طوفان الأقصى» في 7 تشرين الأول/أكتوبر، كانت أمريكا دائماً من أشد المعارضين للتوصل إلى وقف لإطلاق النار ووقف حمّام الدم في غزة. طبعاً، حاول المسؤولون في واشنطن في هذه المدة إظهار انزعاجهم مما يحدث في غزة عبر اتخاذ مواقف منافقة بين الحين والآخر، ولكنهم في الواقع اتخذوا إجراءات تدلّ على سعي واشنطن المستمر إلى توفير الغطاء السياسي من أجل مواصلة قتل المدنيين في قطاع غزة. وكانت إحدى الأدوات التي لم تتردّد واشنطن في استخدامها لتوفير الغطاء السياسي لجرائم الحرب التي يرتكبها الكيان الصهيوني بحق النساء والأطفال الفلسطينيين، هي «ورقة الفيتو».

 

في هذا الصدد، استخدم الأمريكيون أولاً حق النقض (الفيتو) ضد القرار الذي اقترحته روسيا بشأن ضرورة تحقيق وقف فوري لإطلاق النار في اجتماع مجلس الأمن في 16 أكتوبر/تشرين الأول. للمرة الثانية أيضاً، في 18 تشرين الأول/أكتوبر، ضد القرار البرازيلي، الذي أكّد ضرورة وقف الهجمات الوحشية التي يشنها الكيان الصهيوني على قطاع غزة في أسرع وقت ممكن، وهذا يدل على أن واشنطن - كعادتها - استخدمت «ورقة الفيتو» بوصفها أداة قوية من أجل توفير الدعم السياسي للكيان الصهيوني.

 

طبعاً لا ينبغي التغاضي عن أن استخدام «ورقة الفيتو» ضد قرارات مجلس الأمن يعني بالضرورة تمسّك الأمريكيين والتزامهم بالقرارات الصادرة، وكمثال على ذلك، تُمكن الإشارة إلى غياب التزام أمريكا بالقرار الذي صدر في 25 تشرين الثاني/نوفمبر الذي يدعو إلى «هِدَن إنسانية» في غزة، ورغم موافقة أعضاء مجلس الأمن على هذا القرار - الذي قُدّم بناء على اقتراح مالطا - ولكن الأمريكيين لم ينفذوه أبداً.

 

على ما ينصّ القراران الروسي والبرازيلي؟

 

أكدت البرازيل في قرارها المقترح ضرورةَ إقامة هدن إنسانية في قطاع غزة من أجل تسهيل تقديم المساعدات الإنسانية إلى سكان هذا القطاع. كما أُكّدت في هذا القرار ضرورة وقف التهجير القسري للفلسطينيين من شمال غزة إلى جنوبها. بطبيعة الحال، أخذت البرازيل ضمن قرارها المقترح مصالح الكيان الصهيوني في الحسبان أيضاً، وذلك لكونها أدانت العملية التي فعلتها حركة المقاومة الإسلامية «حماس» في السابع من أكتوبر/تشرين الأول، كما طالبت بالإفراج الفوري وغير المشروط عن أسرى الكيان الصهيوني المحتجزين لدى «حماس». رغم إيلاء اهتمام خاص لمصالح الصهاينة في القرار البرازيلي، فإن النهج الشمولي لأمريكا في دعم الصهاينة جعلهم غير مستعدين حتى لقبول أبسط حقوق الفلسطينيين، أي الحصول على المساعدات الإنسانية.

 

أُكّدت في مسودة القرار الذي اقترحته روسيا ضرورة فتح ممرات إنسانية، ووصف مندوب روسيا في مجلس الأمن القرار بأنه «نص إنساني بحت»، وقال: «إن هذا المشروع يدين أشكال العنف كافة ويدعو إلى فتح ممرات إنسانية والإفراج الآمن عن الأسرى جميعهم».

 

لماذا لجأت واشنطن إلى «ورقة الفيتو»؟

 

أظهر اللجوء إلى استخدام «ورقة الفيتو» ضد الفلسطينيين دعماً للكيان الصهيوني أنّ الأمريكيين ليس لديهم أدنى رغبة في تثبيت وقف إطلاق النار في غزة ووقف الإبادة الجماعية غير المسبوقة في هذا القطاع الضيّق. أحد أهم أسباب ذلك هو أن واشنطن لا تريد وقف التهجير القسري لسكان قطاع غزة. ورد بوضوح في القرار الذي صاغته البرازيل أنه على «إسرائيل» أن توقف فوراً المحاولات الرامية إلى إعادة تهجير سكان غزة قسراً كلها، ولذلك إن الأمريكيين، عبر استخدام حق النقض على القرار المذكور، يتركون عملياً أيدي الصهاينة حرة في طرد الفلسطينيين من منازلهم  وديارهم في غزة.

 

العامل الآخر الذي دفع واشنطن إلى المسارعة إلى الدعم السياسي في المحافل الدولية للكيان القاتل للأطفال، هو افتقار قرارات وقف إطلاق النار إلى إشارات واضحة عن «حق "إسرائيل" في الدفاع عن نفسها»! أما العامل الثالث، فهو أن أيّاً من القرارات - المخالفة لرأي واشنطن - لم يأتِ على ذكر حركة المقاومة الإسلامية «حماس» بصفتها منظمة إرهابية. العامل الآخر لاستخدام أمريكا «ورقة الفيتو» لمصلحة «إسرائيل» يمكن إيجاده عبر تصريحات المسؤولين في واشنطن ومواقفهم الرسمية.

 

في هذا الصدد، صرّح مندوب أمريكا في مجلس الأمن الدولي عن سبب استخدام حق النقض ضد القرار الذي اقترحته روسيا في 16 تشرين الأول/أكتوبر: «لم تُذكر «حماس» في هذا القرار. لا يمكننا أن نسمح بأن تُحمّل "إسرائيل" مسؤولية ما يحدث في غزة».

 

في اجتماع 18 تشرين الأول/أكتوبر، أوضح نفسه سبب اعتراضه على القرار البرازيلي، وشدد على أنه «لم يُشر هذا القرار إلى حق "إسرائيل" في الدفاع عن نفسها». يأتي هذا التصريح بينما لم تذكر أي من القوانين والقرارات الدولية القتل المتواصل للنساء والأطفال والشيوخ على يد الصهاينة في غزة بصفته أحد مصاديق «الدفاع عن النفس».

 

ماذا تقول الأرقام والإحصائيات؟

 

تشير الإحصائيات والأرقام المسجلة إلى أنه منذ تأسيس الأمم المتحدة عام 1945، استخدمت أمريكا «ورقة الفيتو» 82 مرة، في حين أن نصفها، أي 46 مرة، كانت تأييداً للكيان الصهيوني وضد القضية الفلسطينية.

 

كان أحد القرارات المهمة الداعمة للقضية الفلسطينية القرار رقم 3236 الذي قدمته الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1976. اعتُرف في هذا القرار بـ«حق تقرير المصير» للفلسطينيين، ولكن الأمريكيين استخدموا حق النقض (الفيتو) ضده ليسقطوا أهميته. هذا يعني أن واشنطن حرمت الفلسطينيين حتى من أبسط حق لأصحاب أيّ أرض. في عام 1980، استخدمت واشنطن حق النقض (الفيتو) ضد قرار يدين بناء المستوطنات الصهيونية في القدس الشرقية.

 

يوضح الجدول التالي القرارات التي استخدمت أمريكا حق النقض بها في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة دعماً للكيان الصهيوني.

 

«الفيتو» مصداق واضح على دعم واشنطن لتل أبيب

 

أكّد قائد الثورة الإسلامية، الإمام الخامنئي، أثناء لقائه الأخير مع إسماعيل هنية، رئيس المكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية «حماس»: «إن جرائم الكيان الصهيوني [بحق فلسطين وقطاع غزة] تحدث بدعمٍ مباشر من أمريكا وبعض الدول الغربيّة». ومن الطبيعي أنّ استخدام «ورقة الفيتو» يُعدّ بحد ذاته أحد المصاديق الواضحة على دعم واشنطن المباشر للصهاينة.

 

كما يبدو، إن «ورقة الفيتو» أمريكا كانت دائماً «سلاحاً دبلوماسياً قوياً» لهدف دعم السياسات العدوانية لنظام الفصل العنصري الصهيوني. في كل مرة كان يستخدم فيها الأمريكيون حق النقض ضد القرارات التي قُدمت إلى مجلس الأمن في الأمم المتحدة في سياق دعم القضية الفلسطينية، كانوا يعطون الكيان الصهيوني ضوءاً أخضر للمضي في سياساته ضد الفلسطينيين، بما في ذلك: مواصلة الاستيطان وتهويد القدس المحتلة، التهجير القسري للفلسطينيين من بيوتهم وديارهم، الاعتقالات العشوائية بحق المواطنين الفلسطينيين، تدنيس المسجد الأقصى على نحو متكرر ومتواصل، تسليح المستوطنين الصهاينة بهدف قتل المدنيين الفلسطينيين، مصادرة مزيد من الأراضي الفلسطينية، تضييق الخناق على الأسرى الفلسطينيين، واستمرار حصار غزة و...

 

بناء على ما تقدّم، إن واشنطن لم تكسر عُرفها التقليدي الآن أيضاً عبر استخدام حق النقض (الفيتو) ضد قرارين يدعمان فلسطين ويهدفان إلى وقف إطلاق النار في غزة.