ينشر موقع KHAMENEI.IR الإعلامي مقالاً للباحث في الشؤون الإسرائيليّة والأستاذ في الجامعة اللبنانيّة الدكتور عبّاس إسماعيل الذي يتناول فيه الحديث عن الأزمة التي يعاني منها الكيان الصهيوني في مشروعه ويستدلّ على حتميّة انهياره وزواله مشيراً إلى الدور الحاسم والرئيس للعامل الديمغرافي في الكيان الذي يمثّل الوقود الذي يتحكّم بسرعة حركة قطار الكيان ووصوله إلى محطّة الزوال والانهيار.

 

الكاتب: الدكتور عبّاس إسماعيل

 

هل يمكن الحديث عن "أزمة" يعانيها المشروع الصهيوني؟ صحيح، إنّ الإجابة عن هذا السؤال تفرض العودة إلى بدايات الحركة الصهيونيّة؛ للإضاءة على جملة من العناوين، أهمّها: الهدف الحقيقيّ والرئيس للمشروع الصهيونيّ؛ المرحليّ والإستراتيجيّ، سماته ومرتكزاته والإشكاليات التي واجهها والإنجازات التي حقّقها، ثمّ الانتقال السريع إلى المرحلة الراهنة لقراءة الوضع الحالي للمشروع الصهيونيّ في ضوء المرتكزات والعناصر الأساسية التي يُجمع القادة الصهاينة على ضرورة توفّرها وديمومتها لضمان وجود المشروع الصهيونيّ واستمراريّته، ومن ثم محاولة استشراف المستقبل الصهيونيّ على خلفية التحدّيات التي يواجهها. غير أنه يمكن القول

إنّ الخطاب السياسيّ والثقافيّ والأكاديميّ السائد في " إسرائيل"، يسمح بالقفز فوق العديد من العناوين البحثيّة ذات الصلة بالسؤال، والوصول إلى إجابة لا نقاش فيها حول أزمة بنيوية حقيقية تعانيها "الدولة اليهودية"على أنها ثمرة المشروع الصهيوني.

 

لا شكّ أنّ المشروع الصّهيونيّ حقّق نجاحات كثيرة منذ نشأته، ولاسيّما احتلال الأرض الفلسطينيّة بالقوة، وطرد أعداد كبيرة من الفِلسطينيين من ديارهم، ووضع الباقين منهم تحت قبضته الإداريّة والعسكريّة الحديديّة. وقد نجح أيضاً في نقل كتلة بشريّة ضخمة استوطنت هذه البقعة، وأسّست بُنية تحتيّة زراعيّة وصناعيّة وعسكريّة، وانتصرت في عدّة حروب ضدّ جيوش الدول العربيّة، وهي إنجازات يمكن إدراجها ضمن خانة تهويد فلسطين جغرافيّاً وبشريّاً، مع الالتفات إلى أنّ هذه الإنجازات ما كان ليُكتَب لها النجاح من دون حصول المشروع الصّهيونيّ على الدّعم غير المشروط من التشكيل الحضاريّ والسّياسيّ الغربيّ، وخاصة من الولايات المتحدة التي تقف في الوقت الحاضر على رأس هذا التشكيل.

 

ولكن، رغم كلّ هذه الإنجازات المهمة التي لا يمكن التقليل من شأنها، يردّد أصحاب المشروع الصهيونيّ أنفسهم أنّ مشروعهم يواجه أزمة حقيقيّة، حتى إنّ عبارة "أزمة الصهيونيّة" أصبحت مصطلحاً أساسيّاً في الخطاب السياسيّ والثقافيّ والأكاديميّ، وتحفل العديد من الأبحاث والدراسات الصّهيونيّة بعبارات مثل "صهيونيّة من دون روح صهيونيّة" و"انحسار الصهيونيّة" وصولًا إلى دقّ جرس الإنذار من قِبَل مسؤولي الصف الأول في " إسرائيل"، من بينهم رئيس الحكومة الحالي والسابق وهما بنيامين نتنياهو ونفتالي بينت، وتحذيرهم مما أسموه " لعنة العقد الثامن" ومن " خراب الهيكل الثالث"، في إشارة إلى أنّ الكِيان الصّهيونيّ كدولة قد لا يتجاوز العقد الثامن من عمره، لتكون المرة الثالثة بحسب رواياتهم، الذي تنهار فيه " دولتهم اليهوديّة"، ويُدمَّر فيها هيكلهم في ضوء السوابق التاريخية التي يتحدثون عنها في سرديتهم الدينية-التاريخية، والتي تُعيد سبب الخراب والانهيار إلى الشحناء والبغضاء والكراهية والانقسام بين صفوف اليهود.

 

ثمّة اتفاق واسع جدّاً في الكِيان الصّهيونيّ- وهو اتفاق عابر للاصطفافات السياسيّة والإيديولوجيّة والإثنية، التي تشكّل المجتمع الفسيفسائيّ الصّهيونيّ، يشترك فيه المسؤولون والخبراء والباحثون- يفيد بأنّ عناصر الأزمة التي تعصف بالمشروع الصّهيونيّ، واتّباعاً بالكِيان السُّلطويّ الذي أنتجه هي كثيرة، ومن أهمّها: الهُويّة اليهوديّة للدولة، الهُويّة  السياسيّة للنظام، التهديد العسكريّ- الأمنيّ؛ وهذه العناصر الثلاثة التي أقامت الحركة الصّهيونيّة دولتها على أساسها، ما هي إلّا انعكاس لمُعضِلات ثلاث، واجهها المشروع الصّهيونيّ منذ بداية طريقه ورافقته حتى يومنا هذا، وهي "يهوديّة الدولة" في ظلّ الوجود العربيّ الفلسطينيّ على أرض فلسطين التاريخية بصورة عامة، وضمن الأراضي المحتلة في العام 1948 بصورة خاصة؛ ومُعضِلة العلاقة بين الصّهيونيّة والدِّين اليهوديّ التي تترك بصماتها واضحة على هُويّة النّظام و"ديمقراطيته" جرّاء موازين القوى بين العلمانيين والدِّينيين؛ ومُعضِلة العقيدة الأمنيّة الإسرائيليّة.

 

غير أنّ ما تجدر الإشارة إليه، والوقوف عنده هو الدّور الحاسم والرئيس للعامل الديمغرافيّ وليس في نشوء هذه المُعضِلات فحسب، بل في تبلورها وتفاقهما وحسم مصير الصراع فيما بينها، إذ إنّ تفاقم الأزمة الحاليّة للمشروع الصّهيونيّ، والتّوقّع الأسود لمستقبله تنبع من التغيّر الذي أنتجه اختلال الميزان الديمغرافيّ بين مكونات المجتمع الإسرائيلي، وتأثيره السلبيّ جدّاً على طبيعة المُعضِلات الثلاث المشار إليها أعلاه، وتحوّلها إلى تحدّيات ومخاطر حقيقيّة، وذلك لأنّ ما كان قد حُسم في بداية المشوار الصّهيونيّ- ولا سيّما لجهة تحييد شبح الخطر الديمغرافيّ وحسم نتيجة الخلاف بين الصّهيونيّة والدِّين وترسيخ معادلة أمنيّة- استراتيجيّة، عاد إلى دائرة النقاش، والخطر في ضوء المتغيّرات الديمغرافيّة، والعسكريّة الأمنيّة التي حصلت مع مرور السنين، والتي تفاقمت بصورة خاصة في العقدين الأخيرين، وبلغت ذروتها مع تعرقل مسار التسوية للصراع العربيّ-الصّهيونيّ، وتفجّر التناقضات داخل المجتمع الصّهيونيّ نتيجة تركيبته الهجينة، ونشوء محور المقاومة وما رافقه من إنجازات وتطور في القدرات بما يضع تحدّياً حقيقيّاً أمام مقولة التفوّق الصّهيونيّ وصولًا إلى عملية " طوفان الأٌقصى" بكلّ تبِعاتها وتجلّياتِها ، ولا سيّما مع دخول جبهات الإسناد في لبنان واليمن والعراق على خطِّ المواجهة، ومع ثبات الموقف الإيرانيّ في دعم فصائل المقاومة ابتداءً، والانخراط المباشر في عملية المواجهة استمراراً.

 

إنّ الحديث عن أزمة المشروع الصّهيونيّ ليس بجديد، والإضاءة على هذه الأزمة لم تغب يوماً عن جدول الأعمال السياسيّ والاجتماعيّ، ولا عن أجندات مراكز التفكير والأبحاث والدراسات، ولا عن الأوساط الفكريّة والثقافيّة والأكاديميّة، غير أنّ الجديد يكمن في اتّساع دائرة هذا الحديث كمّاً ونوعاً، والقلق الشديد الذي يولّده في ضوء قناعة الكثيرين في "إسرائيل" من أنّ هذه الأزمة دخلت مسار" اللّا حلّ"، وأن قطار الانهيار خرج من محطته، وأن اصطدامه بالواقع ما هو إلاّ مسألة وقت وأنّ العامل الديمغرافيّ يمثل الوقود الذي يتحكّم بسرعة حركة القطار، وبالتالي بموعد تحطّمه.