Skip to main content

الشهادة والمشروع النهضوي الإسلامي المعاصر

التاريخ: 10-06-2026

الشهادة والمشروع النهضوي الإسلامي المعاصر

- المعنى الأول: الرقيب والحجة على الأمة أو الجماعة من الناس، بل قد يكون حجة على عصر محدّد أو عصور متتالية: "لِتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً" (سورة البقرة، الآية 143).

شفيق جرادي

 

يحمل اسم الشهيد، في ما يحمل، معنيين:

- المعنى الأول: الرقيب والحجة على الأمة أو الجماعة من الناس، بل قد يكون حجة على عصر محدّد أو عصور متتالية: "لِتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً" (سورة البقرة، الآية 143).

- المعنى الثاني: المقتول في سبيل الله سبحانه عن وعي، أو حمية بالدفاع عن الحق، أو نصرة لقضية العقيدة ومظلومية المستضعفين في الأرض.

 

في الحالة الأولى من كونه رقيباً وحجة؛ لا يشترط أن يكون مقتولاً حتى يُسمّى شهيداً بمعنى الشاهد. كما هو الحاصل مع النبي (ص) وأمّته التي صاحبت مشروعه، وبذلك فيه كل ما تملك من عمر وجهد وعلم وعمل، إلى أن توّجهم الله بالشهداء على الناس، ليكونوا الأمة النموذج في عمارة الأرض، وبناء الإنسان. وجعل مثالهم الأعلى وحجّته عليهم النبي الأكرم. ولم تنقضِ سنّة النبي في مشروعه الإلهي النهضوي لبناء حضارة الإنسان؛ خليفة الله في أرضه.

 

أمّا في الحالة الثانية، فلا تقتصر على المقتول نصرةً للدين، بل المُنافِح والمُدافِع عن أرضه وحقّه وماله، هو شهيد طالما كان مقاوماً لجلاوزة وتجار الباطل، وسُرّاق الشعوب. وإن كان المقتولون في سبيل الله، أي نصرة للدين والمستضعفين، من الرجال والنساء والولدان، هم أعظم الشهداء عند الله سبحانه؛ لأن عظمة المرء بعظمة القضايا التي يدافع وينافح عنها. وطالما كانت القيم الإنسانية الساعية هي مورد رفعة المجتمعات وبناء الحضارات، فإن الموت في سبيلها أعظم القربات، بحيث عدّ الله المقتولين في سبيلها: "أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ" (سورة آل عمران، الآية 169)، بل زاد في الأمر تكريماً إذ قال: "فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ" (سورة آل عمران، الآية 170).

 

وبفضله الذي أكرم به فعل المقاومة والنهضة والجهاد، قال: "وَفَضَّلَ اللهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً" (سورة النساء، الآية 95).

عليه، فإن الشهادة فعل إرادي واعٍ وشجاع حكيم، يبذله المقاومون لبناء وقيام حياة طيبة عادلة وسليمة، وهم بهذا الفعل ينالون المكرمات في دنيا الناس وعالم الآخرة. أمّا الآخرة، فرضوان وجنة نعيم. وأمّا الدنيا، فهم عنوان قضية الحق والتحرير وبناء صروح الحضارة الإنسانية ومجتمعات ودول القسط والعدالة؛ إذ لطالما بحثت الشعوب عن رمز هويتها الحضارية. وفي المشروع النهضوي الإسلامي المعاصر، إنّ رمز الهوية هم الشهداء. ولعل من أبلغ من عبّر عن هذا سيد شهداء المقاومة الإسلامية، السيد عباس الموسوي (قدّس سرّه)، إذ قال: "شهداؤنا عظماؤنا، شهداؤنا تاريخنا، شهداؤنا هم قرآننا الناطق". لقد وضع في هذه المقولة عناوين ثلاثة لموقع الشهداء:

 

- العنوان الأول: رمز العظمة والبطولة، فأمّة لا عظمة لها هي أمّة مهينة، ولكل أمّة وحضارة اسم أو عنوان تقتبس منه روح عزتها وتسميه البطل. قد تعتبر هذه الحضارة أو تلك أن الزعيم هو البطل، أو القائد العسكري، أو السياسي المُحنّك، لكن في الإسلام البطل الحقيقي هو الشهيد. وهنا أهمية حمزة بن عبد المطلب، وعلي بن أبي طالب، والحسين بن علي، وصولاً إلى الإمام الشهيد الخامنئي، وسيد شهداء الأمة السيد حسن نصر الله. وهي أسماء تتضمّن قوافل مباركة من شهداء كُثُر هم قادة المسير الجهادي والاستنهاضي.

 

    الشهادة فعل إرادي واعٍ وشجاع حكيم، يبذله المقاومون لبناء وقيام حياة طيبة عادلة وسليمة، وهم بهذا الفعل ينالون المكرمات في دنيا الناس وعالم الآخرة

 

- العنوان الثاني: هم الذاكرة المفتوحة على التاريخ، والتاريخ كما فيه الماضي فيه الحاضر والمستقبل، بل وفيه الآخرة باعتبارها المُستقر والمصير. وإذا كان التاريخ عند الطغاة يكتبه أزلام الظالمين، فإن تاريخنا يكتبه الناس بحبّهم وشفويتهم وارتباطهم بشهدائهم. ويبقى محفوظاً في العقول والقلوب والأهداف. من ذلك ما ورد في آخر زيارة عاشوراء: "اللّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ حَمْدَ الشَّاكِرِينَ لَكَ عَلى مُصابِهِمْ، الحَمْدُ للهِ عَلى عَظِيمِ رَزِيَّتِي، اللّهُمَّ ارْزُقْنِي شَفاعَةَ الحُسَيْنِ يَوْمَ الوُرُودِ وَثَبِّتْ لِي قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَكَ مَعَ الحُسَيْنِ وَأَصْحابِ الحُسَيْنِ الَّذِينَ بَذَلُوا مُهَجَهُمْ دُونَ الحُسَيْنِ عَلَيهِ السَّلامُ". من أكثر من ألف سنة صاغ الإمام الباقر (عليه السلام) هذه الزيارة وهو الذي حضر واقعة الطفّ عندما كان طفلاً، حملها بوجدانه وبثّها رسالة للتاريخ تنبض بالحياة والوجدان المقاوم، والعقل المفتوح على صراع الحق ضد الباطل. مُذَّاك الزمن وإلى يومنا هذا، وللآتي من الأيام عندما يتلوها الزائر يقف عند هذا المقطع الأخير: "اللهم لك الحمد، حمد الشاكرين لك على مُصابهم".

 

يتحوّل المُصاب في نفوسهم إلى إحساس عميق بالنعمة، فالقاعدة أن النعم الإلهية تربو وتنمو عند الصبر على الشدائد والأهوال. ولا يكتفي بذلك، بل يربط رزية شهادة الإمام الحسين (ع) وأبنائه وصحبه، وسبي أهله. إنها رزية شخصية للفرد، عبر التاريخ، ممن والى قضية الحسين ولرمزية الشهادة الكربلائية؛ إذ يعتبر ويعبِّر قائلاً: "الحمد لله على عظيم رزيتي"؛ رزية الحسين هي رزيتي وعليها أقيس كل رزية لاحقة. ولأن في الرزايا بلاءات قد يضعف المرء أمامها فإنه يلجأ إلى الله مفوِّضاً الأمر إليه طالباً أموراً منها شفاعة الحسين يوم الورود، وهنا تتجلّى الآخرة يوم الورود على الله كموجِّه لمسار تاريخ الدنيا بأبعاده الثلاثة، ومنها الثبات، "وثبّت لي قدم صدق"، وليس أيّ ثبات، بل ثبات الصادقين فيما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر.

 

أمّا ثالثها فهو الانتماء إلى الهوية الحسينية "وأصحاب الحسين الذين بذلوا مهجهم دون الحسين (ع)". يتحوّل الماضي الممتدّ إلى وعي اللحظة والزمن المعاصر الذي ما زالت القيم فيه هي الجامعة لخصائص الهوية، بذل المهج دون الحسين، الوليّ، الإمام القائد، المجاهد، الشهيد... وهكذا تتحوّل التلاوة إلى تاريخ عُصبة من المقاومين هويتهم الشهادة بما هي "كرامة" كما قال الإمام زين العابدين: "وكرامتنا من الله الشهادة"، وفعلهم الجهاد، أمّا هدفهم فنصرة الحق ومقاومة مغتصب الحقوق والقيم وعزة الإنسان.

 

- العنوان الثالث: "هم قرآننا الناطق"؛ إنّ القرآن كتاب هداية، وحياة الكلمات والآيات فيه حينما تتحوّل الكلمات إلى أفعال، والآيات إلى نظام عيش ناظر إلى الدنيا كمحلّ لصراع المظلوم، وثورته في وجه الظالم من أجل إقامة العدل وإنشاء الحرية المسؤولة بين الأمم وشعوب الأرض. ولعل من أعظم مكرمات الشهيد حينما يصبح تجلّياً لنور الهداية الإلهية، صادحاً بقيم ومعاني وأبعاد الأهداف القرآنية التي توجّه بها الله إلى العالمين. الشهادة هنا، تأخذ أبعد من كونها هوية، أو من كونها التاريخ، بل تأخذ أبعد من كونها تجاوزاً للموت بالحياة الأبدية. إنها المشروع الهادي لبناء الإنسان في إنسانيته وللحضارة في قيمها، والمشروع من طبعه أن لا يشيخ ولا ينتهي إلا إذا انهزم أو غفل عنه حَمَلتُه.

بين شاهد وشهيد… إطلاق المشروع وبناؤه

 

لقد دشّن الإمام الخميني (قدّس سرّه) المشروع النهضوي الإسلامي المعاصر، وكان المُوجِّه لخطوطه المركزية من قيم معنوية وعملية، بحيث أرسى الثورة الإسلامية بمضامين وإجراءات وسياسات جديدة أفضت إلى انتصارها، وكان العامل الحاسم فيها وحدة القيادة والشعب بروحية كربلائية واعية وثابتة. الأمر الذي أقام دولة إسلامية بفعل الثورة التي لم تنتهِ رغم قيام إنجاز الدولة. فالدولة كانت أحد إنجازات الثورة الإسلامية الكربلائية، وليست البديل عنها. وقام المشروع كما عبَّر الإمام الشهيد (قدّس سرّه) على دعائم ثلاث أرساها الإمام الخميني هي:

 

(1)  المعنوية وروحية الثوار قادة ومجاهدين وجماهير.

(2)  العقلانية في التدبير، والإدارة، ورسم استراتيجيات بناء الدولة وانفتاحها على العالم.

(3) العدالة باعتبارها القيمة الحاكمة على كل ما ينتمي إلى الرسالة الإسلامية وما ينجم عنها من سلوك أفرادها وجماعاتها وإداراتها.

 

أخيراً، الثورية؛ وهي ليست مجرّد خاصية يجب استمرارها في كل عمل وقرار، بل إنها خاصية للمشروع النهضوي الإسلامي المعاصر، بحيث إذا خلت منها دائرة في الدولة، أو مؤسسة أهلية أو حكومية، فإنها لا تنتمي إلى خط ونهج الإسلام المحمدي الأصيل.

أمّا لو أردنا التعرّف إلى مترادفات الثورة، فهي: الجهاد، النَّفْرة، المقاومة، وهكذا... مما هو مقرون بروح الشهادة الكربلائية وأهدافها المتوخاة.

 

بعد انتهاء الحرب المفروضة على إيران في سنواتها الثماني، وبعد رحيل الشاهد الحجّة القائد العظيم روح الله الموسوي الخميني، بدأت مرحلة بناء مؤسسات الدولة الإسلامية القادرة والثورية. فإذا كان شعار الثورة مع المؤسِّس "لا شرقية ولا غربية"، هو عنوان دولة الثورة الإسلامية، فإن هذا الشعار عينه أخذه الباني لمعالم الدولة الإمام الشهيد ليكون الأصل الذي تتمحور حوله التأسيسات الناظمة لأركان الدولة وأصولها وإداراتها، وترجم الشعار بعنوان: البناء المستقل، والاقتصاد المستقل، والتطوّر العلمي والعمراني المستقل. تحوّل الشعار الثوري إلى أصل بانٍ للسياسات الداخلية والخارجية.

 

وبرغم ارتكازه في البناء على العقلانية التدبيرية التي أرست قواعد "السيادة الشعبية الدينية" كأصل من أصول إدارة الحكم، إلا أنه لم يفارق مداميك البناء المعنوي حينما فتح مبدأ "الصبر والبصيرة" في مواكبة إنفاذ سياسات البناء الداخلي، ومواجهة التحدّيات الخارجية. كما لم يفارق هدفية العدالة باعتبارها القيمة الأمثل في بناء الدول والشعوب، محافظاً في كل ذلك على نزعة الثورية الجهادية والمقاومة في تماسك وحركة الشعب والقيادة، وعلاقته مع حركات المقاومة والتحرّر في المنطقة، جاعلاً للثورية والمقاومة هدفاً عمليّاً قوامه ثلاثية الوعي المقاوم بالثقة بالذات، وعدم الغفلة عند كل مواجهة، وتحرير فلسطين والمنطقة من الاحتلال الصهيوني، وإخراج الهيمنة الأميركية، ومنع استنزافها لشعوب ومصادر الثروة والقوة في منطقة غرب آسيا.

 

وشاءت الأقدار في مواجهة هذا الواقع الاستراتيجي، بل الوجودي، بقيادة الإمام الشهيد الخامنئي، أن يسقيه رضوان الله عليه بدماء الحياة الخالدة، بشهادة خالصة لوجه الله والدفاع عن المستضعفين. وإذا كان قد سبقه على هذا الدرب الاستشهادي مُمثِّلَاه الأكثر تميّزاً، الشهيد القائد الحاج قاسم سليماني وسيد شهداء الأمة السيد حسن نصرالله، فإنما الهدف كان إحياء "المشروع النهضوي الإسلامي المعاصر" في المنطقة والعالم.

 

وهكذا، كان المشروع رؤية وهدفاً، ربط الإسلام المحمدي على رسوله الصلاة والسلام، مع واقع معاصر يخاض لحصحصة الحق وإزهاق الباطل، ورسم معادلات المنطقة على قاعدة عقل وروح مفهوم الشاهد والشهيد كمنظور للمدى في صدق العهد مع الله، والثبات الذي لا يعرف استسلاماً، والثقة بالله والأمّة أن تحقّق وعد الله بالنصر الأكيد، وما هو على الله ببعيد.

 

مدير «معهد المعارف الحكميّة»

 

المصدر: جريدة الأخبار

احدث الاخبار

الاكثر قراءة