تصاعد الروح الثورية في نفوس المنتظرين

 

إن ما يميّز عقيدة المسلمين وفكرهم أن الاعتقاد بالمهدوية - عندهم- يمثّل عنوان الأمل في وجودهم وبقائهم وقوّتهم، كون هذه القضية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بحاضر الإنسانية ومستقبلها، ولأن إقامة دولة الحق والعدل على امتداد العالم، وانتشار الأمن والسلام، يوفّر للمجتمع البشري حاجاته في مختلف المجالات، وتحفظ له حقوقه، فيأخذ كل ذي حق حقه.‏

 

* المبادئ الإيمانية والروحيّة للمنتظرين: ترتبط قضية تصاعد الروح الثورية والمعنوية في نفوس المنتظرين بمبدأين أساسيين:‏

 

الأول: يتضمّن المبادئ النظرية المرتبطة بالمعرفة الإيمانية والعقائدية بالإمام، ووظيفته في قيادة المجتمع البشري وإصلاحه. ويمكن تحقيق هذا المبدأ من خلال عنصرين هما : المعرفة الحقيقية والاعتقاد السليم:‏

 

- المعرفة الحقيقية بالإمام: عن رسول الله(ص): "من مات بغير إمام مات ميتةً جاهلية". ولا نقصد هنا المعرفة التاريخية بقدر ما نتحدّث عن معرفة حقيقة وجوده المبارك، وسلامة الاعتقاد والإيمان به، وفهم أن قضية انتظار مصلح عالمي – كالإمام المهدي- من القضايا التي تمس وجود الإنسان وحركته، وهي تنسجم مع تطلعاته وطموحه إلى الحياة الأفضل والأكمل.‏

 

- الاعتقاد السليم: إن الاعتقاد بالإمام المهدي (عليه السلام) يعني أن ارتباط الناس بعالم الغيب لم ينقطع، وإن من يعتقد بظهور ذلك المصلح العظيم، يجب أن يعيش الأمل دائماً، وأن يربي نفسه على الروح الثورية العالية التي تستند في سموّها وتصاعدها إلى المعرفة المعمّقة للمبادئ الإيمانية والعقائدية للقضية التي ينتمون إليها، ويستندون إلى سموّ غاياتها وقداستها في مقام العمل والثورة والإصلاح. وهذا يعني أن انتظار الإمام (عليه السلام) لا يعني أن يتخلى المنتظرون عن مسؤولياتهم، بل على العكس من ذلك تماماً، فيجب عليهم - مهما كانت الظروف - مواجهة الظلم والفساد والانحراف، والدعوة إلى العدل والسلام، وأن يعملوا باستمرار على تهيئة الأرضية المساعدة لقيام حكومة العدل، من خلال تربية النفوس.‏

 

الثاني: ويتضمّن الجنبة العملية المرتبطة بفهم حقيقة الانتظار ومتطلباته، من الولاية و الطاعة والارتباط الروحي والعاطفي، وروح الشجاعة والثبات...، والاستعداد التام والشامل لظهور الإمام، وهو ما سيؤدي إلى تصاعد الروح الثورية في نفوس المنتظرين وفي مجتمعهم، مما سيضفي عليه القوة والشجاعة والثبات مهما قست الظروف، وهذا ما يتحقّق بالعناصر الآتية:‏

 

1- البيعة للإمام المهدي: عن رسول الله(ص): "من مات وليس في عنقه بيعة لإمام المسلمين فميتته ميتة جاهلية"(1). والمقصود بالبيعة التسليم والاعتقاد بولايته التي لا تنفصل عن ولاية الله ورسوله(ص).‏

 

وأكّدت الروايات على الثبات على ولايته، فعن الإمام علي (ع) قال: "إنّ للقائم منا غيبتين، إحداهما أطول من الأخرى، فلا يثبت على إمامته إلاّ من قوي يقينه، وصحّت معرفته"(2). ويلازم الثبات على الإمامة الطاعة للإمام (ع) ولنائبه في عصر الغيبة الولي الفقيه، الذي يتمتع بصلاحية إدارة شؤون البلاد والعباد، وحفظ ورعاية المصالح العليا للإسلام والمسلمين، تمهيداً لقدومه الشريف.‏

 

2- الارتباط الروحي والعاطفي بالإمام: فالمعرفة والبيعة والولاء ترتكز على سموّ الروح وصفائها، والانجذاب العاطفي نحو الإمام، وهذا ما يقتضي زيارته والدعاء الدائم له(عج).‏

 

3- فهم حقيقة الانتظار ووظيفة المنتظرين: الانتظار يطلق عادة على حالة من يشعر بعدم الارتياح من الوضع الموجود، ويسعى إلى إيجاد الوضع الأفضل والأحسن. ويمكن القول إن الانتظار مركب من أمرين: الأول عدم الانسجام مع الوضع الموجود، والآخر السعي للحصول على الأفضل. ولهذا فانتظار الإمام المهدي(ع)يلازمه عدم الرضا والانخراط في الواقع المنحرف أو الفاسد، والقيام بواجب الإصلاح ومواجهة كل أشكال وأنواع الفساد والانحراف والباطل، مهما غلت التضحيات، وهو ما يستدعي شمولية في تربية المنتظرين. ولهذا نلاحظ أن الروايات(3) قد وصفت الانتظار بالعبادة، والمنتظرين بالمجاهدين والشهداء بين يدي رسول الله (ص). قال رسول الله(ص) ـ كما روي عنه ـ: "أفضل أعمال أمتي انتظار الفرج من الله عز وجل" وفي رواية: "أفضل العبادة انتظار الفرج".‏

 

ولانتظار الفرج مفهومان:‏

 

- المفهوم السلبي: يرتكز على مبدأ الاستسلام أمام الفساد والظلم والانحراف، واليأس من إصلاح العالم ونشر العدل قبل ظهوره، بل إن الفساد والظلم من أسباب الظهور.‏

 

- المفهوم الإيجابي: ويستند إلى أن الانتظار باعث على التحرّك لا الركود وعامل وعي ويقظة. ويسعى المنتظرون لإيجاد الوضع الأفضل والأصلح، وأنه يخلق روح المسؤولية، وأنه مصداق للعبادة. قال رسول الله(ص) كما روي عنه: "أفضل العبادة انتظار الفرج"، بل لقد تحدّثت الروايات عن أن الانتظار توأم للجهاد.‏

 

سأل رجل الإمام الصادق(ع): ماذا تقول فيمن مات وهو على ولاية الأئمة بانتظار ظهور حكومة الحق؟ فقال(ع): هو بمنزلة من كان مع القائم في فسطاطه ـ ثم سكت هنيئة ـ ثم قال:هو كمن كان مع رسول الله(ص). ونقل هذا المضمون في روايات كثيرة منها:‏

 

أنه بمنزلة المجاهد بين يدي رسول الله(ص)، وأنه بمنزلة من استشهد مع رسول الله(ص)، وأنه بمنزلة من كان قاعداً تحت لواء القائم(عج)(4).‏

 

4- تربية المجتمع على الاستعداد الشامل:‏

 

الانتظار يعني الاستعداد التام والشامل للأفراد والمجتمعات، وعلى مختلف المستويات البنيوية والسياسية والعسكرية والعلمية، التي تشمل:‏

 

- بناء العناصر الإنسانية المستعدة لتحمّل المسؤولية تجاه الإمام ودولته.‏

 

- الاهتمام بأعمال الرعاية والبناء الاجتماعي والتربوي.‏

 

- إصلاح المجتمع وبناءه وتماسكه وتآلفه وإحياء روح الجماعة في مختلف المجالات‏

 

- عدم الذوبان في المحيط الفاسد ومواجهة كل أشكال الظلم.‏

 

- الاهتمام الشامل بالبنية الجهادية والعسكرية على مستوى الأفراد والتشكيلات‏

 

فإن المنزلة الرفيعة والخاصة للمنتظرين – الواردة في الأخبار والروايات – ترتبط بالوظيفة الملقاة على عاتقهم والتكاليف الواجبة عليهم تجاه الرسالة والمجتمع والأمة، لناحية التمهيد، وحفظ الدين، والدفاع عن الأعراض والأموال والكرامات والأوطان، وتشيد أسس الدولة المهدوية الموعودة والعادلة، وهذا ما يستلزم تربية النفس والمجتمع على مبادئ هذه العقيدة وقيمها.‏

 

5- إعداد العناصر الإنسانية المقتدرة:‏

 

إن انتظار مصلح عالمي كالإمام المهدي (ع)يتطلّب تربيةً تنسجم في مبادئها ومعاييرها مع هذه العالمية والشمولية، لأن أوّل وأكثر ما يحتاجه هذا التحوّل العالمي هو بناء العناصر الإنسانية التي يجب أن تتصف:‏

 

- بقوة الإيمان والعقيدة.‏

 

- المستوى الفكري والعلمي الكبيرين.‏

 

- الاستعداد النفسي والروحي للتضحية.‏

 

- الاستعداد الجهادي والفكري والسياسي.‏

 

- الثبات على الدين مهما قست الظروف وانتشر الفساد.‏

 

- الثبات على الإمامة والولاية وتجديد البيعة.‏

 

ولعل العنصر الأهم في بناء العناصر الإنسانية المقتدرة، والذي يساهم في تصاعد الروح الثورية والمعنوية في نفوس المنتظرين، هو ما ذكره الإمام الحجة (عج) في رسالته للشيخ المفيد(قده) حيث ورد فيها:‏

 

"فليعمل كل امرئ منكم بما يقرّبه من محبتنا ويتجنّب ما يدنيه من كراهتنا وسخطنا... ولو أنّ أشياعاً وفقهم الله لطاعته على اجتماع من القلوب في الوفاء بالعهد عليهم، لما تأخّر عنهم اليُمن بلقائنا، ولتعجّلت لهم السعادة بمشاهدتنا على حق المعرفة"(5).‏

 

حيث لخّصت هذه الكلمة مجموع المبادئ والعناصر التي يحتاجها المنتظرون في تربيتهم الإيمانية والروحية والعملية، مما يوفّر الأرضية والمناخ الملائمين لعلاقة وطيدة بدولة الإمام المهدي(عج)، التي تقتضي استجماع كل عناصر القوّة في الأمة على اختلاف ميادينها وعناصرها وتخصّصاتها، في مقابل قوى الشر والظلم والاستكبار، حيث الوعد الإلهي المحتوم بالقضاء عليها، وببسط دولة العدل والحق على أرجاء المعمورة.‏

 

وهذا ما لا يتحقّق إلا بالتربية على الروح الثورية المتصاعدة في النفوس والمستندة إلى العقيدة السليمة والإيمان القوي، مما سيخلق فيها الإرادة القوية والصبر وروح التضحية والإيثار. وفي الحديث "لو يعلم المؤمن ما له من الأجر على المصائب لتمنى أنه قرض بالمقاريض"(6).‏

 

و"المؤمن أصلب من الجبل ،الجبل يستفلُّ منه .. والمؤمن لا يستفلّ منه شيء".‏

 

---------------------

 

(1) بحار الأنوار، الجزء 23/76.‏

 

(2) ينابيع المودة.‏

 

(3) الخصال للشيخ الصدوق: 2/ 610، كمال الدين: 645، تحف العقول: 106.‏

 

(4) المصدر نفسه.‏

 

(5) الاحتجاج: الطبرسي، ج2، ص600.‏

 

(6) الشيخ الكليني: أصول الكافي، ج2.