آية الله أشرفي أصفهاني

 

 المولد والنسب

 

في شهر شعبان 1322 هجري قمري (1381هـ ش) وفي مدينة خميني شهر (سده) من توابع مدينة أصفهان، وفي بيت العلم والدين، ولد طفل سمّي عطاء الله، وكان الابن البكر للمرحوم حجة الإسلام ميرزا أسد الله، حفيد المرحوم ميرزا محمد جعفر من علماء (سده) المعروفين، الذي كان جده من علماء جبل عامل بلبنان.

 

وأمّه المحترمة سيّدة جليلة من سادات أصفهان الأجلاّء.

 

الدراسة

 

درس الشهيد أشرفي أصفهاني الدروس الابتدائية في مسقط رأسه، وعندما بلغ الثانية عشرة من عمره هاجر إلى أصفهان، وخلال عشر أكمل سنوات المقدمات والسطوح ودورة من البحث الخارج في الأصول على يد الأساتذة الآيات السيد مهدي درجيي، والبروجردي، والسيد محمد نجف آبادي، وفشاركي، ومدرّس.

 

وهاجر إلى قم لإكمال دروسه الدينية في عام 1343هجري قمري. وبعد ثلاث سنوات من السكنى في مدارس مختلفة، استقر في حجرة بالمدرسة الفيضية، وعاش لمدة عشرين سنة بعيداً عن زوجته وأطفاله نتيجة العسر والعوز وعدم استطاعته تأجير منزل.

 

حضر الشهيد في قم دروس الخارج لدى الآيات العظام الشيخ عبد الكريم الحائري، وحجت كوه كمريي، والسيد محمد تقي خوانساري، والسيد صدر الدين الصدر. ونتيجة جدّه وجهده الوافر في دروسه أصبح موضع اهتمام وعناية الآيات العظام وبالخصوص السيد محمد نقي خوانساري، وأعطي أول إجازة في الاجتهاد منه.

 

إمامة الجماعة في المدرسة الفيضية

 

كان المرحوم آية الله العظمى محمد تقي خوانساري يقيم الجماعة في المدرسة الفيضية، وفي غيابه كان الإمام الخميني (ره) يؤمّ الجماعة، وفي غياب هاتين الشخصيتين يقيم الجماعة، بإصرار من الطلبة، آية الله أشرفي أصفهاني، حتى إن الإمام الخميني (ره) قد اقتدى به ذات مرة، مما يدل على زهده وتقواه.

 

وبعد مجيء آية الله العظمى البروجردي إلى قم، حضر الشهيد عنده دروس الفقه والأصول، واهتم كثيراً بدروسه بصورة جعل الأستاذ يعتني به عناية خاصة حتى إن الأستاذ قد زاره مرات، وعندما رأى تقريرات درسه، بجّله وأكرمه.

 

وبعد فترة أمره آية الله العظمى البروجردي بالذهاب إلى مدينة كرمانشاه وجعله وكيلاً له هناك.  

 

من 15 خرداد 1342هـ ش إلى انتصار الثورة الإسلامية

 

بعد وقوع واقعة 15 خرداد 1342هـ ش والمجزرة الدموية التي ارتكبها نظام الشاه، بدأ الشهيد أشرفي أصفهاني تبعاً للإمام الخميني (ره) جهاده في غرب البلاد وفي كرمانشاه ضد النظام، وعكف على تنمية وتوسيع رقعة الثورة عن طريق إصدار البيانات وإلقاء المحاضرات.

 

وبعد اعتقال الإمام (ره)، بدأ جهوده لإقناع علماء قم وخصوصاً مراجع التقليد بالاستمرار في القيام والثورة، فالتقى آية الله العظمى الگلبايگاني ثم آية الله العظمى المرعشي النجفي، وطلب منهما الدعم للإمام (ره)، واستطاع أن يكسب تأييدهما وتنسيق برامجهما.

 

وبعد إطلاق سراح الإمام (ره)، سافر الشهيد مع جمع من العلماء إلى قم لالتقاء الإمام (ره)، وكسب منه إجازة مكتوبة ووكالة مطلقة في الأمور الحسبية، وأصبح وكيل الإمام التام في محافظة كرمانشاه.

 

وفي زمن حياة المرحوم آية الله السيد محسن الحكيم، أعدّ مقدمات المرجعية المطلقة للإمام (ره)، فدعا في أشهر رمضان ومحرم وصفر وأيام شهادة الصديقة الزهراء (ع) العلماء الثوريين لتركيز المحاضرات حول موضوع مرجعية الإمام (ره)، وأدى خدمات مهمة في هذا المجال بحيث إن بعض المحاضرين قد اعتقلوا لهذا لسبب.

 

وعندما شعر النظام وكذا بعض المتلبّسين بزي العلم بالخطر على وجودهم وموقعهم من نشاطات هذا العالم الواعي، بدأوا بخلق العراقيل والمضايقات له، وهدّدوه مرات بالسجن والنفي.

 

وكانت علاقة الشهيد بالإمام الخميني (ره) واضحة في أحاديث الشهيد، حيث كان يذكر الإمام (ره) بأنه الذي لم يترك (الأولى)، ومن لا توجد فيه ذرة من هوى النفس، وبأنه قائد الثورة، والمرجع الجامع للشرائط، والأعلم، والأورع، والولي الفقيه.

 

وعندما بدأت مرحلة جديدة من الثورة اثر قيام علماء وأهالي قم في 19 دي (الشهر الفارسي السادس) عام 1356، وسرت هذه الحركة المثيرة إلى أقصى مناطق ايران، تزعم الشهيد أشرفي أصفهاني جهاد الجماهير في كرمانشاه، ودعا العلماء إلى توجيه هذه الحركة، وبعث برسائل عديدة إلى الإمام الخميني (ره) يطلب بيان تكليفه فيها، ويتلقى الأوامر من الإمام وينفذها بحذافيرها.

 

وفي إحدى المحاضرات ضد النظام في كرمانشاه، تعرض الشهيد لهجوم من قبل مرتزقة النظام وأصيب فيها. وبعد أيام داهم رجال الساواك منزله عند الفجر، ودون أن يسمحوا له بأداء فريضة الصبح، اعتقلوه واقتادوه مباشرة إلى طهران وسجن في الزنزانة الانفرادية بسجن الشرطة، إلاّ أنه اثر تصاعد الاحتجاجات الشعبية، أطلق سراحه، فعاد إلى كرمانشاه، وقادة مرة أخرى ثورة الجماهير المؤمنة هناك. وكان الشهيد في مقدمة المتظاهرين في جميع التظاهرات والمسيرات ويبقى نشطاً فيها حتى انتهائها؛ وما تظاهرات يوم عيد الفطر ويوم التاسع من محرم و... إلاّ من عداد نشاطات الشهيد.  

 

تنصيبه إماماً للجمعة في كرمانشاه

 

وبعد انتصار الثورة الإسلامية، استمر الشهيد في أداء وظائفه ومسؤولياته الدينية والشرعية في الدفاع عن هذه الدولة الإسلامية الفتية، وقدّم خدمات قيّمة في مجالات مختلفة.

 

وفي 14 ذي القعدة 1399 هجري قمري (1358 هجري شمسي) عيّنه الإمام الخميني (ره) في حكم له إماماً للجمعة في كرمانشاه، حيث بقي في هذا المتراس يخدم الثورة حتى آخر جمعة من حياته.

 

وإليكم نص حكم الإمام (ره):

 

بسمه تعالى

 

جناب المستطاب وشيخ الأعلام وحجة الإسلام الحاج عطاء الله أشرفي أصفهاني دامت إفاضاته.. آمل أن يحفظ الباري تعالى وجودكم الشريف من البليّات، وأن تكون مشغولاً بالوظائف الإلهية.

 

قد وصلنا طومار بتوقيع السادة المحترمين العلماء الأعلام بكرمانشاه، وقد طلبوا فيه إقامتكم فريضة صلاة الجمعة في تلك المدينة. ونظراً للظروف السائدة وحاجة المسلمين لمثل هذه الاجتماعات الدينية، أرى من المناسب أن تقبلوا دعوة السادة المحترمين، ولهذا يعيّن سماحتكم لإمامة الجمعة، كي تقيموا هذه الفريضة الإلهية بعظمة أكبر في هذه المدينة إن شاء الله تعالى.

 

أسأل الباري تعالى لكم التوفيق في سبيل خدمة الإسلام والمسلمين.

 

والسلام عليكم ورحمة الله

 

روح الله الموسوي الخميني   

 

دور الشهيد في فترة الدفاع المقدس

 

مع بدء الحرب المفروضة من قبل الاستكبار العالمي على الدولة الإسلامية الفتية، وتدافع قوات التعبئة الشعبية على جبهات الحرب للدفاع عن ثغور الإسلام، كان الشهيد أشرفي أصفهاني يؤكد أهمية الدفاع المقدس، ويدعو خلال (25) شهراً في جميع خطب صلاة الجمعة والمقابلات الصحفية والبيانات إلى ضرورة تواجد الشعب في الجبهات.

 

ولم يكتفِ بهذا، بل كان دائم الحضور في الجبهات، يلتقي قوات الإسلام، ويلزم نفسه بأن يلقي كلمة، ويصافحهم فرداً فرداً، ويجالسهم ويحدثهم، وكان يقول: "عندما اذهب إلى الجبهة، ترتفع معنوياتي لفترة".

 

ورغم كبر سنّه كان يطوي مسافات طويلة وطرقاً وعرة عشقاً للقاء أبطال جبهة التوحيد. وحضر مرات ومرات في المناطق الحربية من إيلام، وقصر شيرين، ومعسكر أبي ذر، وكيلان غرب، ونوسود، وبستان، وآبادان، وخرمشهر، وسومار، وكان يتواجد بين قوات الإسلام.

 

وبعد تحرير مدينة قصر شيرين، سافر إلى هذه المدينة، وصلّى ركعتين صلاة شكر لله في مسجدها.

 

وكان لحضوره في جبهات الحرب تأثير بالغ على معنويات قوات الإسلام؛ فذات مرة وحين ذهابه إلى المناطق الجنوبية، توجّه إلى مدينة بستان المحررة، ودخلها تحت القصف الشديد لمدفعية العدو، ومنها توجّه صوب مدينة آبادان.

 

وحين بدء عمليات الفتح المبين، حضر في مقر العمليات، واقترح تسمية العمليات باسم الزهراء (ع).

 

وفي ثاني زيارة له لمحافظة خوزستان بعد تحرير خرمشهر، توجّه إلى مدينة الأهواز، وصلّى مع الأهالي صلاة الشكر. وبعد ظهر اليوم نفسه، توجّه بمعية إمام جمعة الأهواز إلى منطقة خرمشهر رغم حرص القادة العسكريين على سلامتهما، وفور ورودهما المدينة توجّه آية الله الأصفهاني إلى المسجد الجامع وتواجد بين قوات الإسلام، وخاطبهم قائلاً: " إنه يوم من الأيام الإسلامية ويوم الله. إن فتح خرمشهر كان إحدى أمنياتي، والحمد لله على بقائي حيّاً وإدراكي هذا اليوم".

 

وفي عمليات مسلم بن عقيل في غرب الجبهات، كان الشهيد لحظة بدء العمليات في مقر العمليات إلى جانب جمع من المسؤولين، وكان يعيش أجواء معنوية خاصة، ولم يستقر له قرار، وكان مشغولاً بالدعاء والمناجاة حتى الصباح. وفي الصباح انفجرت قذيفة قرب خيمته، فأصرّ عليه القادة العسكريون بترك المنطقة، إلاّ أنه رفض قائلاً: "إنني لا أترك المكان وأنا مستعد لأية مسألة، ودمي ليس أكثر احمراراً، وروحي ليست أغلى من أرواح هؤلاء المقاتلين الأعزاء. وعليّ أن أبقى هنا حتى انتهاء العمليات".

 

كما كانت له نشاطات قيّمة خلف الجبهات، ومنها افتتاح حساب مصرفي لدعم الجبهات مالياً، وكذا افتتاح حساب مصرفي آخر لدعم مهجّري الحرب، وحساب مصرفي ثالث لإعادة إعمار منطقة گيلان غرب.

 

كما كان الشهيد يولي موضوع الوحدة بين الشيعة والسنة أهمية بالغة، وكان لإقداماته في هذا المجال تأثير بالغ.  

 

الاغتيالات الفاشلة

 

ولهذا كان اغتيال هذا الشهيد العزيز على رأس أولويات منظمة المنافقين؛ فقد تعرض منزل الشهيد عام 1359 هجري شمسي لهجوم بقنبلة صوتية، إلاّ أنه لم يكن متواجداً في المنزل وفشل الهجوم.

 

وفي المرة الثانية عام 1360 هجري شمسي، عندما كان متوجهاً نحو مسجد البروجردي لإقامة صلاة الظهر، وعند مدخل المسجد هاجمه ثلاثة مسلحين بأسلحتهم النارية من داخل سيارة، إلاّ انه لم يصب بأذى، وحين فرارهم ألقوا قنبلة يدوية نحوه، وأيضاً لم يصبه أذى رغم استشهاد عدد من الأبرياء في هذا الهجوم.  

 

شهادته

 

أما الاغتيال الثالث، فكان في يوم الجمعة 23 مهر (الشهر الفارسي السابع) عام 1360 عندما بدأ الخطبة الأولى من صلاة الجمعة، وفجأة هاجمه شخص، واحتضنه بقوة، ولحظات وإذا بانفجار قنبلة يدوية، فيسقط الشهيد أرضاً، ويستشهد ساجداً، فأصبح محرابه معراجاً لروحه الطاهرة.

 

وفور انتشار النبأ، نزلت الجماهير إلى الشوارع، وعطّلت المحال، وأعلن الحداد العام في ايران الإسلام. وقد شيّع الشهيد تشييعاً مهيباً في كرمانشاه، ثم نقل جثمانه الطاهر ـ حسب وصيته ـ إلى أصفهان، ودفن في مقبرة (تخت فولاد).

 

فسلام الله عليه يوم ولد ويوم استشهد ويوم يبعث حيّاً.  

 

بيان الإمام الخميني (ره) بمناسبة استشهاده

 

هذا وقد أصدر الإمام الخميني (ره) بياناً مهماً بمناسبة استشهاد هذا العالم المجاهد والشيخ العارف، جاء فيه:

 

"كم هم سعداء ومنتصرون أولئك الذين لم يسقطوا في مكائد الشيطان والوساوس النفسانية طوال حلو الحياة ومرّها، وخرقوا آخر حجاب بينهم وبين المحبوب بشيب مخضب بالدماء، ودخلوا مقر المجاهدين في سبيل الله.

 

وكم هم سعداء ومحظوظون أولئك الذين هجروا الدنيا وزخرفها، وقضوا عمراً بالزهد والتقوى، وفازوا بآخر درجات السعادة في محراب العبادة ومحل إقامة الجمعة على يد أحد المنافقين والمنحرفين الأشقياء، والتحقوا بأعلى شهيد للمحراب عرج إلى الملأ الأعلى على يد أشقى الأشقياء.

 

وشهيد المحراب العزيز في هذه الجمعة، كان من الشخصيات التي كنت مريداً ولازلت لشخصه السامي.

 

عرفت هذا الوجود المبارك والملتزم منذ ستين عاماً، المرحوم الشهيد العظيم حجة الإسلام والمسلمين الحاج عطاء الله أشرفي، عرفته في هذه الفترة الطويلة بصفاء النفس وسكينة الروح واطمئنان القلب، عرفته فارغاً من الأهواء النفسانية تاركاً هواه مطيعاً لأمر مولاه جامعاً للعلم المفيد والعمل الصالح، وفي نفس الوقت كان مجاهداً ملتزماً وقوي النفس، وكان من جملة الأشخاص الذين كانوا سبباً في رفع معنويات الشباب المجاهد في جبهات الدفاع عن الحق، ومصداقاً بارزاً لـ {صدقوا ما عاهدوا الله عليه}.

 

وبرحيله ثلم في الإسلام ثلمة، وخيّم الحداد على شريحة العلماء.

 

نسأل الله أن يجعله في زمرة شهداء كربلاء، ويلعن قاتلي أمثاله من الرجال.

 

والعار الأبدي على أولئك الذين اغتالوا أمثال هذا الشخص الصالح الذي لم يطل أذاه حتى نملة، وعرّفوا أنفسهم لدى الساحة الربوبية المقدسة ولدى شعبنا المضحّي على أنهم الأكره والأكثر إجراماً.

 

هذا العظيم كسائر شهدائنا الأعزاء التحق بجوار الرحمة الإلهية، وسيواصل شعبنا المجاهد والقوات المسلحة تحقيق أهداف الثورة بعزم راسخ.

 

وأما أولئك الذين يدّعون واهياً الدفاع عن الشعب، ويعملون مع الشعب ما يعرفه الجميع، ما تبريرهم في هذه الجريمة الكبرى؟ وماذا جنوا بقتلهم لعالم خدوم وشيخ عظيم في الثمانين من عمره؟! وما هدف أولئك الذين يذرفون دموع التماسيح حداداً على هؤلاء الجناة، ويشتكون تطبيق حكم الله على هؤلاء".