الآية الثالثة

ومن الآيات قوله تعالى في سورة الأحزاب: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُوْلُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَن تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُم مَّعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾[1].

فالجملة الأولى من هذه الآية تدل على أن النبي صلى الله عليه وآله أولى بجميع المؤمنين من أنفسهم، وظاهرها أن كل ما كان نفس المؤمنين فيه ولاية على أنفسهم فهو مشمول لولاية النبي بنحو الأولوية، وإذا راجعنا الأمور التي بأيدي المؤمنين وتحت ولايتهم نرى أن لهم الولاية على كل ما يتعلق بأشخاصهم إلا ما نهاهم الله تعالى عنه، كما أنه إذا كان هنا أمر مرتبط بعدة منهم فلا محالة هذا الأمر تحت ولايتهم إذا توافقوا عليه، فالنبي بمقتضى إطلاق الآية أولى من هذا الجمع المؤمنين في هذا الأمر أيضاً، فإذا كان هنا أمر مرتبط بهم لأنه متعلق بمحلتهم أو بقريتهم أو بمدينتهم، فإذا توافقوا فيه على جهة فهو تحت ولايتهم، وإذا كان لهم عدو قطعاً أو من هو محتمل العداوة والمضرة لهم فتوافقوا لدفعه بعمل جمعي فهو تحت ولايتهم، وإذا رأوا مصلحة أمر اقتصادهم بأن يحدثوا ارتباطاً مع أهل مدينة أخرى أو مع أهل مملكة أخرى فهو تحت ولايتهم، وإذا رأوا مصلحة أمر اقتصادهم بأن يحدثوا ارتباطاً مع أهل مدينة أخرى أو مع أهل مملكة أخرى فهو تحت ولايتهم، وإذا كان لهم هدف مشروع عالٍ رأوا لبسطه وإصداره إلى سائر الأقوام والملل مصلحة فتوافقوا على إرسال جمع إلى هؤلاء الملل والممالك فهو تحت ولايتهم، كما أنهم إذا توافقوا على تعيين من بيده إدارة أمر بلدهم أو بلادهم كان لهم ذلك.

فالحاصل: حيث إن المؤمنين أنفسهم أولياء أمر نفسهم في كل ما يتعلق بهم فهذه الولاية الوسيعة ثابتة للنبي الأعظم صلى الله عليه وآله بنحو أولى، وهذه الولاية الوسيعة إذا ثبتت للنبي أو لأحد آخر فلا محالة يكون هو متكفلاً لأمور المؤمنين وكل ما يتعلق بهم سواء في ذلك أمور أشخاصهم أو جماعاتهم الأقل عدداً أو كلهم والأمور المربتطة بقراهم وبلادهم والأمور المتعلقة بتوسعة الهدف الإسلامي العالي المتوقفة على الجهاد لدعوة الناس إلى الإسلام والإيمان ولرفع موانع انجذاب الناس إلى الدين الحنيف.

فدلالة الآية المباركة على ثبوت منصب الولاية بمعنى تكفل أمور المؤمنين والمسلمين وبلادهم للنبي صلى الله عليه وآله واضحة وهي كما ترى أمر أعطاه الله تعالى إياه وليس فيه أي شائبة دخالة الناس ولا إمضاء ما يبنون عليه.

ثم إن ظاهر الجملة الثالثة من الآية أعني قوله تعالى: (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفاً) أن الأولوية المذكورة فيها مرتبطة بالأمور المالية وبمسألة الإرث وذلك أن الاستثناء المذكور آخرها شاهد على أنه أمر يمكن الخروج عنه بمشية المؤمنين المخاطبين، وأنهم إذا أرادوا وفعلوا إلى أوليائهم معروفاً بطلت تلك الأولوية المذكورة وتعلق هذا المعروف بالأولياء الذين أرادوهم، ولا محالة يراد به أن المؤمنين إذا جعلوا معروفاً وقسماً من أموالهم التي هي متعلقة بهم لأوليائهم فلا تعبتر فيه تلك الأولوية ويعطى هذا المعروف أولياؤهم ولا محالة لا يكون ذلك إلا بعضاً من أموالهم، ولازمه أن الأولوية المذكورة فيه أولوية الأرحام على الأجانب في تعلق أموال رحمهم بهم لا بالأجانب لكنه يستثنى منه مورد مثل وصية الرحم نفسه بالنسبة لبعيد أجنبي.

وعليه، فلا محل لدعوى وحدة ما فيه الأولوية في الجملة الثالثة لما ذكر في الجملة الأولى، ولا مجال لاستظهار ثبوت الولاية لأولي الأرحام برحمهم وأنهم أولى من المؤمنين الأباعد.

إلا أنه مع ذلك فهذا الاستظهار لا ينفي أن يراد من هذه الجملة الثالثة معنىً آخر من باب التأويل مثلاً كما في غيرها من الجُمل والآيات.

فهذا كلام مختصر ذيل هذه الآية، فلتكن منه على ذكر، ونرجع بعده إلى الروايات الواردة ذيل الآية المباركة. فنقول: إن الروايات الواردة عن ذيل الآية كثيرة كلها ـ سوى واحدة منها ـ متعرضة لجملتها الثالثة فقط، وحكمت هذه الأخبار بأن هذه الجملة أريد منها ولاية أمر الأئمة من ولد الحسين عليه وعليهم السلام، وصرح ثلاثة منها بأنها تأويل الجملة المباركة من الآية، فلنذكرها جميعاً. وقد وردت هنا روايات متعددة معتبرة بأن الجملة المذكورة أريد منها إرث أولي الأرحام بعضهم من بعض وأنه مع وجودهم لا تصل النوبة إلى الأجانب، وقد عرفت أنه ظاهر الجملة المباركة إلا أنه لا ينافي أن يراد منها أمر الإمرة والإمامة من باب التأويل كما في غيرها من الآيات.

وبالجملة: فالأخبار الواردة في ما نحن فيه كثيرة:

1. منها ما رواه ثقة الإسلام الكليني في أصول الكافي بسند صحيح عن عبد الله بن مسكان عن عبد الرحيم بن روح القصير عن أبي جعفر عليه السلام في قول الله عز وجل: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُوْلُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ في من نزلت؟ فقال عليه السلام: نزلت في الإمرة، إن هذه الآية جرت في ولد الحسين عليه السلام من بعده، فنحن أولى بالأمر وبرسول الله صلى الله عليه وآله من المؤمنين والمهاجرين والأنصار، قلت: فولد جعفر لهم فيها نصيب؟ قال: لا، قلت: فلولد العباس فيها نصيب؟ فقال: لا، فعددت عليه بطون بني عبد المطلب، كل ذلك يقول: لا، قال: ونسيت ولد الحسن عليه السلام فدخلت بعد ذلك عليه، فقلت له: هل لولد الحسن عليه السلام نصيب؟ فقال: لا، والله يا عبد الرحيم ما لمحمّديّ فيها نصيب غيرنا[2].

ورواه الصدوق أيضاً في علل الشرايع بسنده الصحيح عن عبد الله بن مسكان عن عبد الرحيم نحوه[3].

فدلالة الحديث على المطلوب واضحة، فإنه صرح بأن الآية المباركة نزلت في الإمرة، والإمرة هي الإمارة على المؤمنين التي هي عبارة أخرى عن تكفل أمورهم وبلادهم، مضافاً إلى وقوع هذه الجملة بهذا المعنى في ذيل الآية الواردة في أولوية النبي صلى الله عليه وآله بالمؤمنين أنفسهم قرينة كافية على أن المراد بها ولاية أمورهم وتكفل بلادهم.

وأما سند الحديث فعبد الرحيم بن روح وإن لم يصرح في كلمات أهل الرجال بوثاقته إلا أنه ممن روى عنهم الصدوق في الفقيه ولا يبعد دلالة كلامه في صدر هذا الكتاب على كون الرواة الذين يقعون في أول الحديث ويروون عن المعصوم عليه السلام ثقات، مضافاً إلى أن الراوي عنه هنا عبد الله بن مسكان الثقة العدل الذي من أصحاب الإجماع.

2. ومنها صحيحة أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام ـ التي مر ذكرها في الحديث الأول من أحاديث الآية الثانية ـ فقد قال عليه السلام فيها: (ثم صارت حين أفضت إلى الحسين عليه السلام فجرى تأويل هذه الآية ﴿وَأُوْلُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ ثم صارت من بعد الحسين لعلي بن الحسين عليهما السلام، ثم صارت من بعد علي بن الحسين إلى محمد بن علي عليهم السلام. وقال: الرجس هو الشك والله لا نشك في ربنا أبداً)[4].

ودلالة هذه الصحيحة أيضاً واضحة، فقد مر صراحتها في إرادة تكفل أمر الأمة والبلاد في ما مر، مضافاً إلى ما عرفت من ظهور نفس هذه الجملة، وهذه الصحيحة إحدى الروايات الثلاث التي صرحت بأن هذا المعنى تأويل لهذه الجملة من الآية.

3. ومنها صحيحة الحسين بن ثوير بن أبي فاختة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لا تعود الإمامة في أخوين بعد الحسن والحسين عليهما السلام أبداً، إنما جرت من علي بن الحسين عليهما السلام كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَأُوْلُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ فلا تكون بعد علي بن الحسين إلا في الأعقاب وأعقاب الأعقاب[5]. ورواها الصدوق قدس سره بسند صحيح في إكمال الدين: في باب ما روي أن الإمامة لا تجتمع في أخوين بعد الحسن والحسين عليهما السلام ص414 الحديث1. والحديث تام السند والدلالة كما مر.

4. ومنها رواية أبي بصير قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام: إن رجلاً من المختارية لقيني فزعم أن محمد بن الحنفية إمام، فغضب أبو جعفر عليه السلام ثم قال: أفلا قلت له؟ قال: قلت: لا والله ما دريت ما أقول، قال: أفلا قلت له: إن رسول الله صلى الله عليه وآله أوصى إلى علي والحسن والحسين عليهم السلام، فلما مضى علي عليه السلام أوصى الحسن والحسين عليهما السلام، ولو ذهب يزويها عنهما لقالا له: نحن وصيان مثلك، ولم يكن ليفعل ذلك، وأوصى الحسن إلى الحسين عليهما السلام، ولو ذهب يزويها عنه لقال: أنا وصي مثلك من رسول الله صلى الله عليه وآله ومن أبي ولم يكن ليفعل ذلك، قال الله عز وجل: ﴿وَأُوْلُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ هي فينا وفي أبنائنا[6].

ودلالة هذه الرواية كما مر واضحة، إلا أنه وقع في سندها صباح الأزرق الذي لم يوثق.

5. ومنها رواية عبد الرحمن بن كثير قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: ما عنى الله عز وجل بقوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾؟ قال: نزلت في النبي وأمير المؤمنين والحسن والحسين وفاطمة عليهم السلام فلما قبض الله عز وجل نبيه كان أمير المؤمنين ثم الحسن ثم الحسين عليه السلام، ثم وقع تأويل الآية ﴿وَأُوْلُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ وكان علي بن الحسين عليهما السلام إماماً، ثم جرت في الأئمة من ولده الأوصياء عليهم السلام فطاعتهم طاعة الله ومعصيتهم معصية الله عز وجل[7].

ودلالة الرواية على المطلوب واضحة مثل ما سبقتها، وقد صرحت هذه الرواية أيضاً بأن هذا المعنى تأويل لتلك الآية، كما في صحيحة أبي بصير الماضية، إلا أن سندها ضعيف بنفس عبد الرحمن بن كثير الذي عن النجاشي أن أصحابنا غمزوا عليه وقالوا: كان يضع الحديث.

6. ومنها رواية عبد الأعلى بن أعين قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن الله عز وجل خص علياً عليه السلام بوصية رسول الله صلى الله عليه وآله وما يصيبه له. فأقر الحسن والحسين عليهما السلام بذلك، ثم وصيته للحسن عليه السلام وتسليم الحسين للحسن عليهما السلام ذلك، حتى أفضى الأمر إلى الحسين لا ينازعه فيه أحد له من السابقة مثل ماله، واستحقها علي بن الحسين لقول الله عز وجل: ﴿وَأُوْلُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ فلا تكون بعد علي بن الحسين عليهما السلام إلا في الأعقاب وأعقاب الأعقاب[8].

ودلالة الحديث واضحة كما سبقها إلا أن عبد الأعلى بن أعين لم يوثق وباقي رجاله ثقات أعلام، والراوي عن عبد الأعلى هنا هو حماد بن عيسى الثقة الجليل الذي كان من أصحاب الإجماع.

7. ومنها ما رواه الصدوق رحمه الله في كتاب كمال الدين ـ في باب ما أخبر به علي بن الحسن عليه السلام من وقوع الغَيبة ـ بإسناد عن أبي حمزة ثابت الثمالي أنه عليه السلام قال: فينا نزلت هذه الآية ﴿وَأُوْلُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ وفينا نزلت هذه الآية ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ والإمامة في عقب الحسين بن علي ابن أبي طالب عليهما السلام إلى يوم القيامة، وإن للقائم منا غيبتين إحداهما أطول من الأخرى، أما الأولى فستة أيام أو ستة أشهر أو ستة سنين، وأما الأخرى فيطول أمدها حتى يرجع عن هذا الأمر أكثر من يقول به، فلا يثبت عليه إلا من قوى يقينه وصحت معرفته، ولم يجد في نفسه حرجاً مما قضينا ويسلم لنا أهل البيت[9].

ودلالة الحديث واضحة بالبيان الذي مر في سابقه، إلا أن في السند محمد بن محمد بن عصام الكليني وهو غير مصرح بوثاقته لكنه من مشايخ الصدوق وقد دعا له بقوله (رضي الله عنهم) وأيضاً فيه إسماعيل بن علي القزويني الذي لم أعثر على ذكر له في كتب الرجال. وباقي رجال السند ثقات على الظاهر.

8. ومنها ما رواه تفسير البرهان عن الصدوق بإسناد عن إسماعيل بن عبد الله قال: قال الحسين بن علي عليهما السلام: لما أنزل الله تبارك وتعالى هذه الآية ﴿وَأُوْلُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ سألت رسول الله صلى الله عليه وآله عن تأويلها، فقال: والله ما يعنى بها غيركم وأنتم أولوا الأرحام، فإذا متٌّ فأبوك علي عليه السلام أولى بي وبمكاني، فإذا مضى أبوك فأخوك الحسن عليه السلام، فإذا مضى الحسن فأنت أولى به، فقلت يا رسول الله: ومن بعدي؟ قال: ابنك علي عليه السلام أولى بك من بعدك، فإذا مضى فابنه محمد عليه السلام أولى به، فإذا مضى محمد فابنه جعفر عليه السلام أولى به من بعده وبمكانه، فإذا مضى جعفر فابنه موسى عليه السلام أولى به من بعده، فإذا مضى موسى فابنه علي عليه السلام أولى به من بعده فإذا مضى علي فابنه محمد عليه السلام أولى به من بعده، فإذا مضى محمد فابنه علي عليه السلام أولى به من بعده، فإذا مضى علي فابنه الحسن عليه السلام أولى به من بعده، فإذا مضى الحسن وقعت الغيبة في التاسع من ولدك، فهذه الأئمة التسعة من صلبك أعطاهم الله علمي وفهمي طينتهم من طينتي، ما لقوم يؤذوني فيهم لا أنالهم الله شفاعتي[10].

ودلالة الرواية مثل سوابقها واضحة، إلا أن في السند من ضعّفه قوم، ورجلين لم أعثر على ذكرهما في كتب الرجال، وآخرين ذكرا ولم يذكر توثيق لهما. وهذه الرواية أيضاً رواية ثالثة صرحت بأن المعنى المذكور تأويل للآية المباركة.

9. ومنها ما رواه البرهان عن محمد بن العباس ـ الظاهر أنه ابن الماهيار المعروف بابن الحجام الذي هو ثقة ثقة ـ بإسناده عن عبد الرحمن بن روح القصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إنه سئل عن قول الله عز وجل: ﴿وَأُوْلُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ قال: نزلت في ولد الحسين عليه السلام. قال: قلت: جعلت فداك نزلت في الفرائض؟ قال: لا، قلت: ففي المواريث؟ فقال: لا نزلت في الإمرة[11].

ودلالة الحديث واضحة لما مر في سوابقها، مضافاً إلى قوله عليه السلام أخيراً فيه: (نزلت في الإمرة) إلا أن عبد الرحمن بن روح القصير غير مذكور في الرجال ولعله عبد الرحمن القصير المذكور فيهم لكنه أيضاً لهم يصرح له بتوثيق.

10. ومنها ما رواه أيضاً عن محمد بن العباس بإسناد له عن محمد بن زيد عن أبي جعفر عليه السلام قال: سألت مولاي فقلت: قوله عز وجل ﴿وَأُوْلُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ قال: هو علي بن أبي طالب عليه السلام، معناه أنه رحم النبي صلى الله عليه وآله فيكون أولى به من المؤمنين والمهاجرين[12].

ودلالة الحديث مثل سوابقه، وقوله عليه السلام في آخره: (من المؤمنين والمهاجرين) قرينة واضحة على أن المراد بها هي الجملة الواقعة ذيل آيتنا، فإن هذا الفضل عليه واقع فيها لا في آية سورة الأنفال. وبالجملة: فدلالة الحديث تامة، إلا أن سنده غير تام فإن محمد بن زيد متعدد فلا يعلم وثاقة هذا الراوي ومحمد بن عبد الرحمن وجعفر بن الحسين وأباه لم أعثر على ذكر لهما في كتب الرجال.

11. ومنها ما رواه فيه عنه أيضاً بإسناد له عن محمد بن علي المقري بإسناده يرفعه إلى زيد بن علي في قول الله عز وجل ﴿وَأُوْلُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ قال: رحم النبي صلى الله عليه وآله أولى بالإمارة والإيمان[13].

ودلالته واضحة، إلا أن سنده غير معتبر مضافاً إلى أن قول زيد أيضاً لم يعلم اعتباره.

ومنها ما رواه فيه عن تفسير القمي أنه قال: وقوله ﴿وَأُوْلُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ قال: قال: نزلت في الإمامة[14].

وهو كما ترى السند إلى الإمام عليه السلام أن الجملة المذكورة نزلت في الإمامة، فيدل على المطلوب مثل ما سبقته، إلا أنه كما ترى مرسل لكنه أسنده جزماً إلى الإمام عليه السلام.

فهذه الجملة من الروايات عثرتُ عليها في بيان أن المراد بهذه الجملة المباركة من الآية الشريفة هو إمارة الأئمة المعصومين عليهم السلام واقتصار بعضها على ذكر خصوص علي عليه السلام محمول على ذكر المصداق. والمتحصل من جميعها أن المراد بها هو مسألة إمارة الأئمة عليهم السلام وأولويتهم بالمؤمنين من أنفسهم كما في رسول رب العالمين.

ولعل المتتبع يظفر بأكثر منه، وقد عرفت أن جملة منها معتبر السند، والجملة الأخرى وإن كانت غير معتبرة السند إلا أن كثرتها وتجاوزها عن حد الاستفاضة توجب الاطمئنان بصدور مفادها. فالمتحصل أن الأخبار دليل معتبر على دلالة الآية المباركة على المطلوب في الرسول وآله المعصومين عليهم السلام.

 

[1] الأحزاب: 6.

[2] الكافي: باب ما نص الله عز وجل ورسوله على الأئمة ج1 ص288 الحديث2، عنه تفسير البرهان: ج3 ص291 الحديث1.

[3] علل الشرائع: باب العلة التي من أجلها صارت الإمامة في ولد الحسين عليه السلام ص206 الحديث4.

[4] الكافي: الباب السابق ج1 ص286 ـ 288 الحديث1، عنه تفسير البرهان، ج2 ص293.

[5] الكافي: باب ثبات الإمامة في الأعقاب ج1 ص285 الحديث1، عنه تفسير البرهان ج3 ص292.

[6] الكافي: باب ما نص الله ورسوله على الأئمة ج1 ص291 الحديث7، وعنه تفسير البرهان: ج3 ص293.

[7] علل الشرائع: باب العلة التي من أجلها صارت الإمامة في ولد الحسين عليهم السلام الحديث2، ص205 وعنه تفسير البرهان ج3 ص310.

[8] علل الشرائع: الباب السابق ص207 الحديث5، وعنه تفسير البرهان: ج3 ص293 الحديث13.

[9] كمال الدين: ص323 الحديث8، وعنه تفسير البرهان: ج3 ص293 الحديث14.

[10] تفسير البرهان: ج3 ص293 الحديث15 ولم نجده في كتب الصدوق، وأخرجه في البحار: ج36 ص343 ح209 عن كفاية الأثر لمحمد بن علي الخزاز القمي.

[11] تفسير البرهان: ج3 ص293 الحديث16.

[12] المصدر السابق: ص294 الحديث17.

[13] تفسير البرهان: ج3 ص294 الحديث 18 و 20.

[14] نفس المصدر.