نشر موقع KHAMENEI.IR الإعلامي رواية للسيدة زينب حسيني تعرض كواليس لقاء قائد الثورة الاسلامية اية الله السيد علي الخامنئي بتاريخ 4/1/2023 مع فئات نسائية مختلفة في حسينية الإمام الخميني (قده) حيث عرضت الكاتبة تفاصيل ذلك اليوم منذ توجهها إلى الحسينية ودخولها إليها والأجواء الأنوثية التي كانت سائدة فيها إضافة إلى أجواء الأنس والمحبة وحسن الضيافة وصولاً إلى إطلالة الإمام الخامنئي وأهم ما أشار إليه سماحته في هذا اللقاء.

 

الأربعاء 2023/1/4، صبيحة يوم غائم في الشتاء؛

 

مع أنني لم أنم أكثر من ساعتين أو ثلاث، تناولت طعام الفطور الذي كان حبة من الشوكولا وخرجت من المنزل. كانت الطرقات مكتظة لكني لم أتأخر. وصلت على الموعد إلى المكان المتفق عليه، وحصلت على بطاقة الدخول الخاصة بي واتجهت نحو حواجز التفتيش خارج الحسينية.

 

أمضيت الانتظار في الصف الطويل خلف الحاجز بالضحك والمزاح مع السيدات هناك، سيدات لم أرهن من قبل. أخيراً دخلنا إلى الحسينية. كان الأطفال يتحركون بحرية ويركضون على البُسط الزرق القديمة داخل الحسينية، وأرجاء الأخيرة تعج بأصوات ضحكاتهم البريئة والطفولية. الأعمدة التي نُقشت عليها ورودٌ زاهية جعلت الأجواء أكثر أنوثة وزادت رقة القلوب، فقد كانت بارزة جداً وتشد أنظار كل من تدخل وترسم ابتسامة على شفتيها؛ إنه لقاء نسائي بالكامل! انشغلت بالحديث مع القريبات مني وكن من الفئات كلها: طالبات في الحوزات والجامعات وطبيبات ومؤلفات وكاتبات ومهندسات وأمهات جئن مع أبنائهن. أنا أيضاً طالبة جامعية منشغلة بالدراسة والبحث في شؤون المنطقة، وقد جلست آخر الحسينية وأسندت ظهري إلى الحائط.

 

نظرت إلى الأمام فلفتتني قدما طفل صغير لعلهما أصغر من كف يدي، وقد خرجتا من جانب أحد الكراسي. بعد ثوانٍ، أطلت علي من بين الكراسي عينا طفلة مليئتان بعلامات المشاغبة الطفولية. التقت عيناي بعينيها، وصفنت بي لحظات ثم ضحكت بدهاء، وضحكتُ أيضاً! تمتمتُ قائلة: معك حق... هو بيت الأب والمشاغبات الطفولية التي تعم أرجاءه!

 

كن قد جئن من مختلف الأماكن في إيران: همدان وكيلان وخوزستان وسيستان وبلوشستان. كانت إحدى السيدات الجيلاكيات تقول: تحركنا من مدينتي فأخذني النعاس ولم ألتفت إلى القيادة السريعة لسائق الحافلة. حين استيقظت رأيت أن الساعة تشير إلى الثالثة صباحاً وقد وصلت منذ الآن إلى حواجز التفتيش عند بيت القائد، واللقاء سيبدأ عند الثامنة صباحاً! سألناها: ماذا فعلت هذا الوقت كله! ضحكت وقالت: الحراس أشفقوا علي وأرسلوني إلى غرفة الأخوات في قسم الحماية.

 

في الواقع، كنت مستحضرة باستمرار أخواتي العربيات، فأنا أعلم أنهن بالآلاف، وأن قلوبهن تخفق للحضور في هذا المكان وهذا المبنى الذي أتنفس الآن تحت سقفه. أخواتي من جغرافيا المقاومة: سوريا والعراق واليمن والسعودية ولبنان... ولو كان الأمر في يدي، لرغبت أن تتسع جدران الحسينية ليتمكن جميعهن من الحضور تحت سقفها.

 

أمامي، على الحائط الذي تقع أسفله المنصة التي يدخل الإمام الخامنئي ويقف عليها، يتوسط تلك الورود الوردية نفسها حديث عن الإمام الصادق (ع): «أكثرُ الخير في النساء». كنت أشعر بالفرحة تجتاحني كلما وقعت عيناي على هذا الحديث، ويلفتني اختلاف الرؤية لدى سماحة القائد إلى المرأة عن بعض أصحاب الفهم التقليدي للدين، الذين لا ينفكون عن تكرار عبارات من قبيل: النساء مكرهن عظيم، والنساء ناقصات عقل! وقفت على قدمي وتفحصت الحسينية من زاوية أعلى. كم كنت متلهفة إلى ما سأسمعه اليوم من سماحة القائد خاصة في ظروف نشبت خلالها فتنة جديدة أطلقها معسكر الشيطان لتستهدف معسكر الحق بذريعة «المرأة» والقضايا ذات الصلة كالحجاب، التي كنت أقرؤها في أخبار الدول العربية أيضاً، إذ إن هناك من يحاولون مع التذرع بهذه الأحداث تشويه صورة النظام الإسلامي.

 

كانت هذه الأفكار تتجاذبني حين شعرت فجأة بشيء يصعق وجودي... وقعت عيناي على تلك النقطة في الحسينية التي دوماً جلس فيها قائدنا الشهيد وناصر المستضعفين كلهم حول العالم، الحاج قاسم سليماني... تذكرت أنه دوماً تنفس تحت هذا السقف قبل ذاك اليوم المشؤوم في مطار بغداد، الذي نعيش اليوم ذكراه السنوية الثالثة، أي لعل عطر أنفاسه لا يزال حاضراً في هذه الأجواء. لا بد أن أقر بأنني بعد أيام من الحيرة والتيه نتيجة غياب الحاج قاسم أشعر الآن بسكينة غريبة لحضوري في هذا اللقاء. جلست مرة أخرى وأسندت رأسي إلى الحائط ثم أغمضت عيني. كان قلبي يزداد سكينة مع انقضاء كل لحظة، لكن حين تذكرت سهر رفيق دربي وزوجي الليالي وبذله كل ما لديه من أجل سيد شهداء مقاومتنا، غمرت قلبي حسرة، وحدثت نفسي: ليت الإخوة كان مسموحاً لهم باللقاء، لعل قلبه المتلوع والمثخن بالجراح يهدأ قليلاً، فأنا لم أعتد أن أشعر وحدي بهذه السكينة.

 

علت أصوات الهمهمات، وحين فتحت عيناي، رأيت السيدات في الصفوف الأولى وما خلفها ينهضن ويقفن. عرفتُ فوراً معنى ذلك، فنهضت من مكاني سريعاً كي أتأمل محيا قائدنا وحامل راية مسيرتنا. لم أحاول التقدم إلى الأمام، ورغبتُ لو تستطيع الأمهات حمل أبنائهن الرضع بسهولة أكبر ويهتفن معاً: «لبيك يا خامنئي» كي تُنقش هذه الذكرى الحُلوة من اللقاء في أذهان جنود المستقبل لهذه النهضة حتى الأبد وتنير دروبهم وتشد على قلوبهم. أطل الإمام الخامنئي، وكما جرت العادة، رد سلام الحضور بتلويحات من يده. كانت الحاضرات كلهن يهتفن ويطلقن الشعارات بأصواتهن الهدارة. أشار سماحة القائد إلى الحضور أن تفضلن بالجلوس. هدأ الحضور رويداً رويداً وعم الصمت أرجاء الحسينية. عملت بما عاهدني زوجي عليه، فقرأت سورة «التوحيد» وآية «الكرسي» أربع مرات بنية حفظه وسلامته وعزته وكف الأعين كلها التي تتربص به سوءاً عنه. اعتلت مقدِمة الحفل المنصة. كانت من الأمهات الشاعرات والباحثات. طلبتْ من الإمام الخامنئي أن يتكرر هذا اللقاء مع السيدات سنوياً في حال كون ذلك ممكناً. وقرأتْ شعراً جميلاً أنشدت أبياته وقدمته إلى الحاج قاسم. ارتسمت ابتسامة على شفتي. ثم جاءت فرقة من الفتيات الصغيرات أيضاً وألقين نشيداً. كان نص النشيد وموسيقاه منسجمين وجميلين لدرجة أن الأطفال الصغار أيضاً كفوا عن اللعب وراحوا يتفرجون على فرقة الإنشاد ثم دعت مقدمة الحفل الضيوف واحدة تلو أخرى ليرتقين المنبر ويطرحن ما لديهن من هواجس وكلام.