الشيخ د. أكرم بركات

 

"لماذا نصوم؟" أو "ما الحكمة من الصيام؟"، سؤالٌ يتردّد في أذهان بعضنا خلال فترة الصيام، ولعلّ الإجابة عنه تكمن في جوانب متعدّدة، خاصّةً عندما نقرأ الآية الكريمة: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، نتساءل: كيف الطريق إلى التقوى عبر الصيام؟

 

•الحكمة من الصيام

تتعدد الفوائد التي يجنيها الصائم من صيامه، وكل صائم قد يهتم بجانب من هذه الفوائد أكثر من غيره، منها:

 

1. الصحّة: قد يجيب من يعتني بأمور الطبّ والصحّة الجسديّة بالحديث الوارد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "صوموا تصحّوا"(1).

 

2. الشعور بالفقراء: قد يجيب من يهتمّ بأمور المجتمع والفقراء بالحديث الوارد عن الإمام الصادق عليه السلام: "إنّما فرض الله عزّ وجلّ الصيام؛ ليستوي به الغنيّ والفقير؛ وذلك أنّ الغنيّ لم يكن ليجد مسّ الجوع فيرحم الفقير؛ لأنّ الغنيّ كلما أراد شيئاً قدر عليه، فأراد الله عزّ وجلّ أن يسوّي بين خلقه، وأن يذيق الغنيّ مسّ الجوع والألم؛ ليرقّ على الضعيف، فيرحم الجائع"(2).

 

3. الصبر: قد يجيب من يولي الأولويّة لأمور التربية النفسيّة بتفسير قوله تعالى: ﴿اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ﴾ (البقرة: 153) بكون المراد من الصبر في الآية هو الصوم(3)، فيؤكّد على ما ينتج عن الصوم من تقوية إرادة الصبر في الإنسان على المستوى الفرديّ، كما أشار إلى ذلك الإمام الرضا عليه السلام: "... وليكون الصائم خاشعاً ذليلاً مستكيناً مأجوراً محتسباً عارفاً صابراً لما أصابه من الجوع والعطش"(4)، بل قد يعمِّم ذلك إلى صبر المجتمع كما في قول الإمام الخمينيّ قدس سره حينما ردّ على الحصار الاقتصاديّ للجمهوريّة الإسلاميّة: "نحن قوم اعتدنا أن نصوم في السنة شهراً، ونحن مستعدّون أن نصوم كلّ السنة، ولا نخضع لإرادة أعداء الله".

 

4. التواضع والتذلّل لله: وقد يجيب من يلتفت إلى خُلُقيّات الإنسان بحديث أمير المؤمنين عليه السلام: "وعن ذلك ما حرس الله عباده المؤمنين بالصلوات والزكوات، ومجاهدة الصيام في الأيّام المفروضات، تسكيناً لأطرافهم، وتخشيعاً لأبصارهم، وتذليلاً لنفوسهم، وتخفيضاً لقلوبهم، وإذهاباً للخُيلاء عنهم، ولما في ذلك من تعفيرِ عتاق الوجوه بالتراب تواضعاً، والتصاق كرائم الجوارح بالأرض تصاغراً، ولُحُوق البطون بالمتون من الصيام تذلُّلاً"(5).

 

5. التحرّر من سيطرة الشهوات: قد يجيب من يتعمّق بالأخلاق الباطنيّة، التي تتعزّز من خلال سيطرة العقل على قوى الشهوة والغضب والوهم، بحديث الإمام الرضا عليه السلام في بيان فلسفة الصوم "... مع ما فيه من الانكسار عن الشهوات"(6)؛ فالصوم يعرِّف الإنسان على قدرته على السيطرة على شهواته لينظّمها بدل أن تجرفه إلى حيث تميل هي.

 

6. تثبيت الإخلاص: قد يجيب من تجذبه العلاقة الخالصة مع الله تعالى بحديث السيّدة الزهراء عليها السلام: "جعل الله الصيام تثبيتاً للإخلاص"(7). فالصوم هو إمساك عن المفطرات بنيَّة، فلا يتحقّق بمجرّد الإمساك، بل لا بدّ من أن يتقرّب باطنيّاً إلى الله تعالى، وهذا ما أشار إليه أمير المؤمنين بقوله الوارد عنه: "الصوم عبادة بين العبد وخالقه، لا يطّلع عليها غيره، وكذلك لا يُجازي عنها غيره"(8). مضافاً إلى أنَّ الإنسان يمكن له أن يتظاهر بالصوم، ويتناول الطعام والشراب، إلّا أنّه حينما لا يفعل ذلك، فلأنّه يشعر بمراقبة الله تعالى له. من هنا، فالصوم يعلِّم الإنسان، ويدرّبه على الإخلاص لله تعالى.

 

7. تذكير بالآخرة: قد يجيب من يقدّم الآخرة في تفكيره ومسلكه بأنّ الصوم هو لتذكير الإنسان بالآخرة معتمداً على حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "واذكروا بجوعكم وعطشكم فيه جوع يوم القيامة وعطشه"(9). 

 

8. التقوى: يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 183). 

 

فالتقوى تعني أن يكون الإنسان محميّاً ومحصّناً ومنيعاً من التقلُّب السلبيّ الذي يكون بارتكاب المحرّمات، من هنا عرَّف الإمام الصادق عليه السلام التقوى بقوله الوارد عنه: "أن لا يفقدك الله حيث أمرك، ولا يراك حيث نهاك"(10). وهذه الخصلة الحميدة تبرز بشدّة أثناء الصيام حينما تقوى إرادة الإنسان، ويسيطر عقله على شهواته وسائر قواه الباطنيّة.

 

•كيف نصل إلى التقوى بالصوم؟

إنّ الوصول إلى التقوى والمنعة والإرادة، التي يتغلّب فيها سلطان العقل على باقي قوى النفس، يحتاج إلى أمور:

 

الأوّل: البناء المعرفيّ: يبدأ من تعزيز الاعتقاد بالله تعالى وصفاته وحكمته في أنّه قد شرّع التشريعات باعتبارها قوانين العبور في طريق كمالنا، سواء فهمنا خلفيّتها أم لم نفهمها؛ فحالنا مع تلك التشريعات كحال الطفل الذي يوقظه والداه للذهاب إلى المدرسة، وهي مصلحة له في مستقبله، لكنّ هذا الطفل قد يشعر بالانزعاج من هذا الإلزام. ويستمرّ البناء المعرفيّ حينما يعزّز الإنسان اعتقاده بحياة الآخرة، على أنّها الحياة الحقيقيّة التي تستحقّ وصفها بالحياة، وأنّ الدنيا هي محطّة عبور إلى تلك الحياة.

 

الثاني: البناء العمليّ: قد يصل أحدهم إلى اعتقاد نظريّ بما سبق، إلّا أنّ اعتقاده هذا لا يؤثِّر في سلوكه، بل قد يسلك سلوكاً منافياً لذلك الاعتقاد.

 

ويكون حاله كحال الذي أيقن أنّ الإنسان الميت لا يخيف أصلاً، ولكن حينما يقال له: اقترب ونم إلى جانبه، فإنّه يخاف من ذلك. وهنا، يُطرح سؤال مهمّ: كيف يتحوَّل الاعتقاد النظريّ إلى دافع حقيقيّ نحو السلوك الملائم؟

 

والجواب: لا بدّ من إضافة شيء إلى المعرفة والاعتقاد، ألا وهو الدخول في تدريب عمليّ بكسر الحواجز النفسيّة الموهومة، وهذا ما يحصل فعلاً في حالات دنيويّة عديدة، فإنّنا نرى من يدرس الطبّ مثلاً، قد يتفاعل سلباً حينما يرى جثّة في مكان التشريح، ولكن عند تكرار المشهد، يصل الطالب في النهاية إلى مستوى يشرِّح الجثّة بالسكّين دون أيّ مبالاة منه.

 

وهذا ما انتهجه الدين لإيصال الإنسان إلى كماله، فهو لم يقتصر في توجيهاته على الدعوة إلى التفكّر والبحث الذي يفضي إلى الاعتقاد العقليّ، بل دعا إلى أعمال وممارسات لها أثرها في تحوّل ذلك الاعتقاد إلى سلوك، كالصيام الذي شرّعه الله ليكون مدرسة عمليّة في تحقيق التقوى والمنعة والحصانة من خلال اكتشاف الإنسان لإرادته على أنّها قادرة على لجم شهواته، وهذا ممّا يساهم في تحقيق التقوى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 183).

 

الثالث: البناء الروحيّ: تتعزّز التقوى حينما يتفاعل المؤمن مع عبادة الصوم تفاعلاً قلبيّاً وروحيّاً ينتج منه عشق لهذه العبادة التي تقرِّب من المعشوق الحقيقيّ؛ ليكون بذلك أفضل الناس بتعبير الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم الذي ورد أنّه قال: "أفضل الناس من عشق العبادة، فعانقها، وأحبَّها بقلبه، وباشرها بجسده، وتفرّغ لها، فهو لا يبالي على ما أصبح من الدنيا على عسر أم على يسر"(11). ولعلّ عشق العبادة، التي منها الصيام، يتبيَّن حينما نتعرّف إلى معنى العشق في اللغة؛ فإنّ كلمة العشق مأخوذة من نبتة تسمّى "عشقة" تلصق نفسها بشجرة تعيش عليها ولا تتركها حتّى تذبل الشجرة فيقال لها: أصابتها عشقة.

 

فالعاشق إنسان أصابته العبادة، فصام لله تعالى واستكان إليه وخضع له، فاصفرَّ لونه وضعف بدنه، لذا قالوا: إنّ من أسرار الصيام هو أنّه يقلّل النشاط الحيوانيّ للإنسان مثل الشجرة التي أصابتها عشقة، فأثّر ذلك عليها.

 

وهذا العشق للصيام يوصل الإنسان إلى القرب الإلهيّ الذي يبيّن الله تعالى مرتبته بقوله في الحديث القدسيّ الوارد: "الصوم لي وأنا أجزي به"(12)، فلم يكتف تعالى بالقول "الصوم لي" بل قال: "وأنا أجزي به"، فقدَّم ضمير المتكلّم "أنا" على الفعل، ولم يقل "وأجزي به"، ليبيّن المرتبة العليا لمن سار في طريق عشق الصيام عشقاً لكاتبه. 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1. العلّامة المجلسي، بحار الأنوار، ج 59، ص 267.

2. الشيخ الصدوق، من لا يحضره الفقيه، ج 2، ص 73.

3. الراوندي، فقه القرآن، ج 1، ص 174.

4. العلّامة المجلسي، مصدر سابق، ج 93، ص 370.

5. المصدر نفسه، ج 14، ص 471.

6. المصدر نفسه، ج 93، ص 370.

7. المصدر نفسه، ج 93، ص 368.

8. ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، ج 20، ص 296.

9. العلّامة المجلسي، مصدر سابق، ج 93، ص 357.

10. المصدر نفسه، ج 67، ص 285.

11. المصدر نفسه، ج 67، ص 253.

12. المصدر نفسه، ج 29، ص 259.

 

المصدر: مجلة بقية الله