البُعد المعنوي في حياة الإمام الخميني(قدس سره)

موضوع العرفان في شخصية الإمام الخميني(قده)، تتداخل فيه السلوكيات الحياتية اليومية للإمام(قده) . فكيف يمكن أن نستشفّ من هذه السلوكيات معالم الاتجاه العرفاني له؟ وما هو مضمون فهم الإمام لمسألة العرفان؟

تقديماً لهذا البحث، لا بدّ من توضيح أمرين:

الأمر الأول: كيف يمكن أن نتفهّم العرفان بحسب رأي الإمام، من نفس حياته(قده)؟

نحن اعتدنا أن نفهم أيّ موضوع من الموضوعات حينما يتحدّث الشخص عنه، أمّا أن نستفيد المفهوم من نفس العمل الذي يقوم به، ومن نفس الممارسة، فهذا قلّما اعتدناه.

بالواقع، أستطيع الجزم بأنّ كثيراً ممّا تعوّدناه في مجال البحث والتّفكر والتّأمل، يحتاج إلى إعادة النظر والتدقيق؛ لنرى مدى صلاحيته وصوابيته، ومن هذه الموارد: أنّنا إذا أردنا أن نستعلم عن فكر إنسان ما، ينبغي أن يكون واحد من موارد البحث في شخصيته، هو سلوكه الحيّ، وكيف انسجمت النظرية التي يمتلكها مع طبيعة التطبيق والممارسة التي يقوم بها. هذا بالعموم، فكيف إذا تحدّثنا عن العرفان؟!

العرفان عبارة عن جملة من القيم والممارسات التي يقوم بها العارف؛ حتى يُحصّل نحواً من المعرفة؛ أيّ أنّ هناك جملة من القيم التي يلتزم بها العارف ، ويعتمدها ويؤمن بها. وهناك جملة من الممارسات العملية، سواء كانت الأفكار، الارتياضات، أو العلاقة مع الخلق، أو العلاقة مع الباري عزّ وجلّ، فهذه الممارسات هي التي تصنع عرفان العارف.

إذا كان العرفان هو هذا المعنى، فهذا يعني أنّ العرفان هو تجربة يقودها العارف. لندقِّق في معنى التجربة التي نمارسها: عند العارف حقل التجربة؛ أيّ المكان الذي تحصل فيه تجربة العارف، هذا الحقل هو النّفْس؛ لذلك يقول العرفاء: إنّ بداية العرفان، وطريقه، ومنتهى مقصده هو النفس.

نحن نعلم أنّ النفس هي صاحبة تأثير على البدن وحركته؛ بمعنى إذا أراد أحد أن يسأل: فلان قوله طيّب أو خبيث؟ فعله طيّب أو خبيث؟ كيف يُعبّر عن قوله وفعله وتفكيره؟

يُعبّر بـ (نفسه)؛ لأنّ للنفس هذا المستوى من القدرة في التأثير على البدن في حركته، على القرار الذي نتّخذه، وعلى الذّهن فيما يتولّد فيه ويخرج منه من تعابير، فلا نستطيع أن نُعبّر عن المفاهيم الذهنية إلا من خلال الأقوال.

إذاً، تؤثر النفس على التجربة الحيوية للإنسان كفرد، تأثيراً كبيراً؛ فإذا كانت النفس حقل العرفان، فإنّ التجربة العرفانية للعارف سوف تنعكس على مستوى نفسه، تنعكس على قوله وفعله وعلاقاته وممارساته ونظرته للأمور ... ؛ لذلك ينبغي أن نلتفت في موضوع العرفان إلى ضرورات وتأثيرات هذه التجربة العرفانية ، ومظاهر هذه التجربة هي مصدر من مصادر فهمنا لشكل واتجاه عرفان العارف.

الأمر الثاني: بعد التأكيد على ضرورة قراءة الفعل عند العارف، نريد أن نبيّن: ما هو العرفان؟

في اعتقادي أنّه من المواضيع الملتبسة في التعريف؛ لأنّ وظيفة التعريف أن يكون من خلال الحدّ التام؛ أيّ أن يكون جامعاً مانعاً.

في الفاصل بين التّصوُّف والعرفان، لا يوجد تعريف محدّد لكلّ منهما بحيث نقول: إنّ هذا عرفان وذاك تصوّف؛ لذا نرى الكثير من أشكال وممارسات المتصوّفة، قريبة من مناخ وجوّ العرفان. إذاً، ما هو المائز ما بين التصوّف والعرفان؟ لنكتشف ما هو العرفان؟

ما أظنّه ظناً قوياً، أنّ التصوّف في بداياته الأولى هو نفس العرفان المقصود؛ أيّ عبارة عن عيش خاص، ضمن قناعة علاقة خاصة بالله، يُراد لهذا العيش وجه الله، ومن يُرد وجه شيء لا بدّ له أن يعرفه ولو بوجه، فكيف إذا طلب أن يعرفه بالكلّ؟! قد تتعجبون من ذلك؛ لأنّ "من تفكر في ذات الله هلك"، فهل يمكن أن يُعرف الله؟ غايته أن يعرفه بالكل، وهذا أمر واحد بين التصوّف والعرفان، ولكن فيما بعد؛ حينما ابتدأت بعض أعمال وحركات الاختلال عن السياق المرسوم، والمحدّد، والمباح، والمحبّب باتجاه العرفان والتصوّف، بدأ الحديث عن المتصوّفة بطريقة سلبية، حيث صار المتصوّف يسعى لتأكيد معارفه ولو بطريقة غير شرعية. والطرق غير الشرعية صنفين:

صنف يُقصد به تقوية النفس فقط، ولو بأمور فيها حماقات الشعوذة والسحر، على طريقة أهل الهند، التي تقام بشكل سلبي جداً.

وصنف باسم الإسلام، وهي طرق لا تنسجم مع معطيات وأوامر الكشف المحمّدي التام، الذي يُقصد به الوحي.

البعض يقول: "نحن غير ملتزمين بظاهر الشريعة؛ لأنّ الدين يحوي على ما هو أعمق من ظاهره، فإذا التزمناه صرنا أصحاب معرفة". وهذا نحو من الشّطط الذي وقع فيه الكثير من المتصوّفة.

لقد برز موضوع التصوّف بشكل جادّ، عندما تحوّل أهل الصوفية إلى فرق وجماعات؛ فرق القادرية، والنقشنبدية، و... ولديهم ممارسات خاصة، من تعبّد وطقوس، ولهذه الفرق تأثيرات، حتى من الناحية السياسية، إلى أن جاء القرار السياسي الذي أنهاها تقريباً.

في هذا الوقت حافظ العرفان على الجنبة المتعلّقة في العلاقة بالله ومعرفته، إلى أن تطوّر العرفان في صورة من صوره، وهنا بدأ بالافتراق عن الصوفية؛ بأن بقي حالة وتجربة فردية يعيشها الإنسان مع الله؛ ويُقصد بها (المعارف الإلهية).

أؤكّد على (المعارف الإلهية) وليس كثرة الحركات تحت عنوان الدين والإسلام، بل المقصد هو المعارف الإلهية، إلى أن تحوَّل العرفان إلى جنبة نظرية، في مرحلة من مراحل تطوره. وهذا لا يعني أنّ العرفاء الذين تحدّثوا بالنظريات، ليس لديهم تجربتهم النابعة من قيم العلاقة بالله، لكنّهم تحدّثوا بطريقة غلبت عليها السِّمة الفلسفية. ولدينا كتب تتناول الجانب العرفاني، مثل "الفتوحات المكية"، "فصوص الحكم"، "مصباح الأنس"، وغيرها، هذه كتب عرفانية وليست صوفية. وفي المقابل، وجدت كتب صوفية تميّزت لغتها بطابع الحكمة، لكنّها لم تدوِّن نظاماً معرفياً كالعرفان، الذي دوَّن نظاماً معرفياً على مستوى فهم العرفان، وفهم المعارف الإلهية.

إذاً، المائز الأوّل في التصوف هو: الوقوع في الشّطط، من خلال اعتماد أمور؛ لتقوية النفس، لا تستند إلى الإسلام، أو إذا استندت إلى اسم الإسلام، فلا تستند إلى الشريعة، والشريعة هي"الكشف المحمّدي الأتمّ" -واستخدمت هذا التعبير؛ لأنّه متداول عند كلّ العرفاء والصوفيين- وعندما لا يستندون إليها، يستندون إلى ما يخالفها.

المائز الثاني: تحوُّل الصوفية إلى فرق، عكس العرفان.

المائز الثالث: في اللغة، الصوفية تعتمد على الحكمة، على القول الذي يحوي "بارقة". أمّا العرفان، فتحوّل في تطوراته إلى نظام، وبقي على العلاقة الفردية، ومقصد البُعد الإلهي، وإنشاء نظام معرفي خاص به، من ضرورياته العُزلة، حتى تمادى البعض في مسألة العُزلة، لدرجة عدم الاختلاط ومعرفة أمور الناس؛ لأنّ أيّ اختلاط أو تعرّف يساوي المعصية من منظارهم، بحجّة بعدها عن الله؛ لأنّ عدم المعصية –حسب اعتقادهم- هو النظر الدائم إلى الله، والالتفات إلى الخلق يُبعد عن الحقّ إلى غيره.

ماهية العرفان عند الإمام الخميني (رضوان الله تعالى عليه):

يبدو أنّ الإمام الخميني(قده) قد انخرط في عالم العرفان، منذ بداية شبابه؛ فكان عنده حالة من حالات الانجذاب إلى المعرفة الإلهية بشكل استثنائي، بحيث إنّه بعد التزامه درس أستاذه بفترة وجيزة، اعتبر الأستاذ أنّ ما يريد أن يوصله إليه قد وصل، وأنّه أصبح بمستوى يتعلّم منه أستاذه في كثير من الأحيان. ليس المقصود أنّه يتعلم الأمور النظرية؛ لأنّ الأستاذ كان ما زال يُعلّم الإمام الأمور النظرية. الظاهر أنّه كان يتعلّم من قدسية نفس الإمام عند الشيخ؛ لأنّ واحدة من شروط العلاقة بين الشيخ والمريد، أن تنكشف نفس المريد لنفس الشيخ؛ أي أن تصبح صفحة واحدة بيضاء مقروءة.

وأمّا بالسلوك: هل كان الإمام يتعبّد؟

نعم، بالطبع، لكنّه لم يختلط بفِرَق وجماعات، لم يُحدث ظاهرة اسمها "مجموعة الإمام العرفانية"، إنّ أقصى شيء فعله الإمام لإيصال الموضوعات العرفانية من خلال الدروس، أنّه جمعها في كتاب "الأربعون حديثاً"، وهو يستند فيه إلى الروايات، وله سمة أخلاقية، كما يقول الإمام، والذين يحضرون هذا الدرس، من أمثال الشهيد مرتضى المطهري والشهيد بهشتي؛ أيّ طبقة العلماء والمفكرين، وغيرهم من الشخصيات.

في الأخلاقيات، لا بدّ من سمة عرفانية، لكن أن يتحوّل العرفان إلى وسيلة نعتمدها؛ كي نُخضع قلوب الناس ورقابها لنا، فهذا الأسلوب كان الإمام خارجاً منه بالكامل، خارجاً عن تأسيس فرقة، أو مجموعة، وبالتالي فهو ليس صوفياً، وبالتالي كل الذين يؤسسون –ولو باسم الإمام الخميني- مجموعات وفرق ليس لهم علاقة بالعرفان.

نعود إلى حياة الإمام، لنرى أن القيد الشرعي عنده كان ثابتاً كلياً فهو فقيه، ومن المجموعة التي سميت بالفقهاء العرفاء؛ لأنّ الشرط الأساس عند الشيعة للدخول في العرفان، أن يكون العارف فقيهاً بكل ما للكلمة من معنى، وقد كان يشترط أحد العرفاء الكبار؛ ليسلك الإنسان في مسلك العرفان، أن يكون مجتهداً بالحد، الأدنى بحسب ما نفهمه من الإمام. إن العرفان بالمعنى الأخصّ للكلمة، ينبغي أن يكون صاحب رتبة فقهية عالية؛ لأن مدخل العرفان هو الشريعة، كما يقولون. فالحقيقة عند الإمام هي العرفان، والطريقة هي الأخلاق، وتبقى الشريعة التي هي فهم الحكم الشرعي. يجب أن تتحقق قدرات عالية في هذا الإطار، ولتؤسس الأخلاقيات على أساس التحلية والتخلية، عسى أن تكون في النفس قدرة التجلية. فالجانب الفقهي ينبغي أن يكون حاضراً، وعلى هذا الأساس، المكان الطبيعي هو جوّ الحوزات العلمية، ومشتقاتها التي يتأسس فيها الإطار الفقهي، ومنه الجانب الأخلاقي والعرفاني.

في تجربة الإمام، كان الإمام يعيش العزلة، لكنها لم تكن العزلة التي تحجبه عن الناس، هي عزلة الاستفادة من الوقت؛ حتى لا يقع الإنسان في اللهو؛ ليصبح أكثر جدية في كل ساعة ودقيقة ولحظة عنده؛ لذا كانت هموم الناس كلها حاضرة عنده.

إذاً، العرفان السلوكي عند الإمام كان له ارتباط في البعد الاجتماعي، وفي العلاقة مع هموم الأمة، من هنا كان الإمام هو الممثل للقضايا والهموم والهواجس التي تحملها الحوزة، وهذه سمة في عرفان الإمام، فمن ميزة سلوكيات العرفان عند الإمام الخميني، الصراع ضد قوى الكفر على أساس فهم الواقع، ولكن أي واقع؟

قد يقصد بالواقع: متطلبات العصر، قضايا الأمّة، إلخ. أمّا الواقع عند الإمام فهو الموجود بالفعل، وكل ما له علاقة بالصراع وبالأمّة و…، ولكن حدوده ليست الدنيا، بل تصل إلى الآخرة؛ لأنّه في الحرب، الملائكة تحارب كما يحارب الناس، إذا أحسن المحاربون كيفية جعل إرادتهم مما يستدعي لهم الملائكة لتحارب معهم، فتدخّل اللطف الإلهي هو ضمن دائرة الواقع من الصراع، لكن هذا لا يعني أن نتّكل على الغيب وننسى أمر الدنيا، هذا ليس واقعاً، ولا يعني أن ننسى الغيب ونتكل على معادلات الدنيا؛ لأنّ هذا أيضاً ليس تمام الواقع، في كلتا الحالتين الواقع منقوص، فالبحث عند الإمام هو- في الواقع- التام الذي يشمل كل الوجود بما فيه الأمر الدنيوي والأمر الأخروي.

لذلك معادلة الصراع عند الإمام كان لها سمة فهم عرفاني، ينطلق من بُعد الدين(الإسلام) في التعامل مع الواقع، في التصدي والتحديات، هذه سمة في سلوكيات الإمام، هناك شخصية إنسانية متكاملة عند الإمام الخميني ، من رأى الإمام في حياته أو حتى من خلال صوره، يرى الوقار والهيبة التي لا تحجبها الصورة، ويرى الإمام نفسه وهو يقدم الشاي لضيوفه، ويراه يداعب حفيده، ويراه جالساً على سرير المستشفى في أيام مرضه الأخيرة وهو يودّع هذه الدنيا..

أمّا في نصّ الإمام، نراه يتحدث بأعلى لغة عرفانية في كتاب "مصباح الهداية"، وكان له تعليق على "نصوص الحكم" و"مصباح الأنس"، وتحدّث عن أعلى لغة عرفانية في بناء النظام العرفاني، التي كانت ركيزتها: أن العرفان التام للعارف الكامل هو معرفة حقيقة محمد وآل محمد. حتى في الحديث فيما يتعلّق بالإمام الحجّة(عج)، العارف الحقيقي لا ينتظر، بل يسعى للّقاء، واللقاء يتوقف على الاستحقاق، فعلينا أن نسعى لكي نصبح أصحاب استحقاق. إذاً، ما هو دورنا في الصراع بين الحق والباطل في آخر الزمان؟

الكشف عن هذا الدور، هو أحد الأمور التي تعجّل حركة آخر الزمان، وقد عُرف عن الإمام الخميني أنّه كان يقول: إنّ كل ما عندنا هو من بركات النفس المقدسة للإمام الحجّة. فأسّس لمنهج الانتظار الإيجابي، مقابل الانتظار السلبي، الانتظار الإيجابي هو الذي يدفع الأمور باتجاه الملتقى، ولا يتوقف عند مجرّد الانتظار.

إحدى الأمور المحرّمة أخلاقياً، التي نرتكبها في اتجاه العلاقة مع الإمام الخميني، هو أنّنا قبلنا بوجه واحد للإمام، وهو ذاك الوجه المتعلق بحدث انتصار الثورة المباركة في إيران، فابتعدنا عن كشف بقية السِّمات في شخصيّته، التي تستكمل حقيقته؛ فالإمام الذي حقّق الانتصار هو نفسه الذي أقام النظرية الأخلاقية في كتاب "الأربعون حديثاً"، فلماذا لا نقرأ قراءات جادّة حول النظرية الأخلاقية عند الإمام؟ لماذا لا نقرأ كتابات جادّة حول النظرية السياسية للإمام الخميني، بالمعنى الدقيق للكتابة الجادّة، بغضّ النظر عن الإنشائيّات؟!

إنّ هذا النهج من العمق؛ بحيث لا يُفهم من مجرّد النظر السطحي والخارجي، إنّ الإمام شكّل تيّاراً جديداً في العرفان لم يكن مسبوقاً من قبل؛ هو"تيار العرفان الاجتماعي والسياسي"، كل العرفاء كانوا يتحدّثون عن تجربة فرديّة للعرفان، في حين أنّ الإمام تحدّث عن الأمّة العارفة، لذلك كان بطل العرفان عند الإمام الخميني ليس صاحب العزلة، وإنّما هو ذاك الشاب، ابن الثمانية عشر ربيعاً، الذي فجّر جسده ليتقرّب لله تعالى، ووصل إلى ما لم يصل إليه ابن الثمانين عاماً (مشيراً إلى نفسه)، وقد كان الإمام جادّاً في ذلك لأنّه بحسب مقاييس العرفان الاجتماعي السياسي، هذا هو بطل العرفان، إنّه الشهيد. كان يتحدّث الإمام عن ضرورة أن تصبح أمّة المسلمين أمّة عارفة بكلِّ مقتضيات العرفان، وتصبح المقاييس التي تحكمها، ليست مقاييس الدنيا، بل مقاييس عالم الآخرة وأحكامها، في الوقت الذي كانت تُمارس فيه دورة العلاقة مع الدنيا، كيف يكون ذلك؟ مع الالتفات إلى أنّ العارف "يجب أن لا يحيد بوجهه عن الحق نحو الخلق"، كيف استطاع الإمام فعل ذلك؟ لأنّ مظهر الحق هو الخلق، والالتفات إلى الخلق ليس شركاً عند الإمام، بل هو الالتفات إلى مظهر الحق؛ لذلك كان حب الخلق هو حبٌ لله، والتضحية في سبيل الخلق هي تضحية في سبيل الله عزّ وجل, والصراع من أجل المستضعفين هو صراع من أجل الله تعالى. وأنا أدعو لإيجاد حلقة نقاش، نستخرج من خلالها موضوعات للبحث تحت عنوان "العرفان الاجتماعي السياسي"؛ لأنّنا سَنَخلُص إلى الكثير من الأبحاث في هذا المجال، وألفت نظر الأخوات الكريمات إلى كتاب مصباح الهداية، في البحث المتعلّق بالأسفار الأربعة، خصوصاً في السفر الثالث والرابع، هذا يفيد كثيراً في العلاقة بين النظريّة والتطبيق في هذا الموضوع، وفي كتاب الحكومة الإسلاميّة والجهاد الأكبر، عندما يتحدّث عن عالم الدين الذي يُعيّب عليه إذا دخل ميدان الحرب. إذاً، كيف كان يدخل أمير المؤمنين  ميادين الحرب؟ كان يلبس لامة حربه، هو والنبي محمد .

من هنا كان الإمام الخميني يؤسّس للعرفان الاجتماعي السياسي؛ لأنّ شرط التأسيس لأيّ مشروع فكري جديد هو -أولاً وقبل كل شيء- التأسيس له بالمرجعية الدينية النصوصية، وهكذا فعل الإمام قبل أن يطرح العرفان الاجتماعي السياسي.

تغمّد الله روح الإمام بواسع رحمته،وجعلنا سبحانه وتعالى ممن يستشفعون فيُشفَّعون بقدسية نفس الإمام الهادئة المطمئنة، إنّ ربي سميع الدعوات.

حوار من وحي الندوة:

س: تفضلتم بأن العرفان التام هو معرفة حقيقة محمد وآل محمّد(عليهم السلام). ومن المعلوم أن منازل المعرفة لها درجات عالية، حيث إنّ الإنسان لا يستطيع الوصول إلى معرفة هؤلاء العظام؛ ليرقى إلى منازل المعرفة، فكيف تفسّرون ذلك؟

ج: يجب أن نفرّق بين الجانب النظري والجانب العملي في العرفان، حركة العرفان هي التي تسمى بالسير والسلوك، وصاحب السير والسلوك يسمى "السالك"، ولدينا تسمية "الواصل"؛ وهو الذي قطع كل الأحوال والمقامات فوصل، هذا الوصول يعبَّر عنه بالبقاء بعد الفناء، إذا وصل الإنسان -وصل أي انتهى- انتهت الحركة فيه، لكن في الواقع، أكبر حركة يمكن أن تقع في العرفان هي بعد الوصول؛ لأنّه إذا كانت هناك مقامات وأحوال محسوبة ومحددة لدى السالك، فعند الواصل هناك مدى لا حدود له من الحركة؛ لأنّه عندما يفنى عن خصوصيته المحدودة، يبقى بالله اللامحدود، فالوصول هنا حركة لا محدودة في رحمة الباري، وإذا كان المظهر الأتمّ للباري سبحانه وتعالى؛ هو محمد وآل محمد ومعرفتهم تساوي الوصول؛ أي البداية في حركة لا نهاية لها، فهل هذا يعني استحالة معرفتهم؟ كلا، وإنما يعني استحالة عقلية للإحاطة بهم، نعايشهم ونعرفهم لكن لا نحيط بهم، تماماً كمعرفة أي أمر هو أوسع منّا فلا يمكن أن نحدّه، لكن يمكن أن نتعايش معه ونفنى فيه، ولذلك هناك غاية لا تنتهي أبداً عند العرفاء.