هذا هو الخميني!

في يوم الجمعة الموافق 7 ذو القعدة 1426هـ الموافق 9 ديسمبر 2005م وبعد صلاة الظهرين، ألقى السيد عبد الله بن السيد حسين الموسوي خطبة في جمع من المؤمنين تناول من خلالها شخصية الإمام روح الله الخميني (قدس سره) مبيناً مقام هذا العالم الذي عرفه التاريخُ عالماً وعابداً ومرجعاً وقائداً، متطرّقاً لمواقف هذا الإمام قبل وبعد الثورة الإسلامية في إيران، وكيف أن المرجعية والقيادة لم تغيّره أو تُثنيه عن أخلاقيات التعامل مع الله والنفس والآخرين، موضحاً حقيقة علمه وورعه وتقواه، معرّجاً على مقام الإمام من خلال عيون المراجع من أساتذته وزملائه وتلامذته..

فيما يلي نصّ الخطبة:

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين أبي القاسم محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين،،

حَلَفَ الزَّمَانُ لَيَأَتِيَنَّ بِمِثْلِـهِ             حَنَثَتْ يَمِيْنُكَ يَا زَمَانُ فَكَفِّرِ

ورد في الخبر: «إذا مات العالِمُ ثلم في الدِّينِ ثُلْمَةٌ لا يَسُدُّهَا شيءٌ» وفي رواية أخرى: «إلا عالِمٌ مثلُه».

في الأسبوع الماضي كان من المقرر أن أتحدث عن فكر الإمام في الإمامة أساساً وأكتفي بذلك إحياءً للذكرى السنوية لرحيل الإمام الخميني (قدس سره)، إلا أن إصرار كثير من المؤمنين على الحديث عن شخصية الإمام أجبرني في الحقيقة أن أتطرّق لذكر الإمام وشخصية الإمام (رضوان الله عليه). فلم يكن من المقرر أني أتحدث عن الإمام لأنني تحدثتُ عن نظرية الإمام في الإمامة إلا أنه استجابة لرغبة هؤلاء المؤمنين فسأتحدّث اليوم عن الإمام وعن بعد أبعاد شخصيته.

رجل علم وصاحب مبادئ

الإمام (رضوان الله عليه) إذا أردنا أن نتحدث عن شخصيته فإننا ولا شك نتحدث عن تجسُّم وتجسُّد للمبادئ في شخصية هذا الرجل، فهناك فرق بين عالم بمعنى أنه متخصص في الفقه، أو في الأصول، أو في اللغة مثلاً، وبين شخص إضافة إلى علمه هو جسّد هذه المبادئ التي أحاط بها، فهناك فرق بين الأمرين، وربما نجد رجلاً على المنبر يأمر بالحلم، وإذا ما جلسنا معه أو صار لنا معه شيء من الاصطدام نجده وقد فقد حلمه، وربما نجد رجلاً يأمر بالعدل، وعندما يوضع على المحك، يترك العدل، وكما يقول الشهيد الصدر (رضوان الله عليه): «لنا موقف سلبي من هارون الرشيد، فهل حصلت لنا دنيا هارون الرشيد، ولم نقتلْ موسى الكاظم؟!» وهذا هو المحك وهذا هو الفرق، فمن حصلت له دنيا هارون الرشيد ولم يقتل موسى الكاظم، يكون هو الرجل صاحب المبدأ.

والإمام (رضوان الله تعالى عليه) حقيقة يجسد هذا المفهوم، فإذا ما أردنا أن نتحدث عن الإمام فإننا ولا شك يجب أن نتحدث عن الإمام في أمرين مهمين:

نتحدث عن الإمام في جانبه العلمي:

* فما مقدار علمه؟ وهل هو مجرد مجتهد من ضمن المجتهدين؟

* هل الإمام هو طلبة في سلك الطلبة وحسب؟

* هل الإمام علمه متميز عما سواه أو لا؟ أم أن الإمام من طبقة معينة من الطبقات؟

نعم فعندما نعرف مركز الإمام، فمنه حينئذٍ نستطيع أن نعرف مقدار عظمة الإمام، هذا هو الجانب الأول، أما الجانب الثاني ينبغي أن نتحدث عن الجانب المعنوي والسلوكي لدى الإمام (رضوان الله تعالى عليه).

* فهل حصل لدى الإمام تغير في الجانب السلوكي بعد مرجعيته؟ وبعد انتصاره؟ أو لا؟ أم أن الخميني هو الخميني قبلُ وبعدُ؟!

 في الجانب الأول:

حينما ننظر إلى الإمام باعتباره عالماً ونتحدث عنه في هذا المجال، طبعاً الإمام الآن ليس في أوساطنا حتى يقال إن السيد عبد الله يروّج لمرجعية الإمام الخميني، لأن الإمام الآن ليس في المرجعية، وعندما نتحدث هنا، فإننا نتحدث عن تقييم بحت، بمعنى أن الإمام في الوسط العلمي، ما هو مقدار منزلته؟ هذا هو المراد، بمعنى أنه من العلماء، فهل هو في الطبقة الأولى؟ أم في غيرها من الطبقات؟!

 علمٌ قيّم في وقت نادر وسنّ مبكرة

ونقصد بالطبقة الأولى هنا هي طبقة المراجع من الطراز الأول، فنحن نعرف بأن الإمام (رضوان الله عليه)، كتب كتاباً وهو شرح دعاء السحر، وعمر الإمام آنذاك كان سبعة عشرة سنة، أي قبل إكماله العقد الثاني، والذي يكتب هذا الكتاب في مثل هذا السن يعتبر هذا أمراً غريباً، ولم يكن هذا الكتاب كتاب ثقافة، وليس كتاب معلومات، بل كان كتاباً موجّهاً لأهل التخصص في علم يعتبر في ذاك الوقت من العلوم النادرة، وهو علم العرفان، وعلم المعرفة، علم الاتصال بالله سبحانه وتعالى، وعادة لا يدخل الإنسان في مثل هذه المسائل إلا بعد طي التكامل العلمي في المواد الأخرى.

يقول زميله الإمام المحقق الدامغاني «وهو زميل الإمام الخميني عند الشاه الآبادي»، يقول: «كنا نحضر أنا وهو – أي الإمام – عند الشاه آبادي (رضوان الله عليه)، حيث أن الإمام عندما يذكر الشاه آبادي دائماً يقول: روحي له الفداء، فكان الإمام كثيراً ما يتفدَّاهُ، يقول: وكنت أرى في الإمام فهماً قد يكون فهم الشاه آبادي نفسه لا يرقى إلى فهمه في شرح الفصوص» هذا الكلام ينقله المحقق الدامغاني عن الشيخ أحمد رحيميان، وهو مكتوب في كتاب والكتاب مطبوع ومنشور، يقول: «كنا حينما نجلس أجد الإمام يستنتج من شرح الفصوص أموراً قد لا يصل إليها الأستاذ، فكنتُ أسأل الإمام آغا الخميني: لماذا تحضر ما دمتَ بهذا المستوى من العلم والنضج؟! فكان يرد عليّ: «المسألة ليست مسألة تعلُّمٍ، إنما مسألة سلوك وتهذيب للنفس».

هذه القضية لها شبيه، كما ينقلها شيخ الفقهاء والمجتهدين الشيخ الآراكي (قدس سره): «إن الإمام طلب منه درساً في التفسير، يقول فألحّ عليّ فبدأنا الدرس، فرأيت المسألة عكسية، فبدلاً من أنني أفيد الإمام، بدأت أنا أستفيد، لأن ملاحظات الإمام كانت مفيدة لي، وكان الإمام يُحضّر بشكل جيد، فكنتُ أتهرّب من الدرس، لأن الدرس لا طائل منه، إلى أنْ قطعتُ الدرس لأنني لستُ في مستوى الإفادة للإمام (رضوان الله عليه)»، وهذا النقل عن رجل عالم لا يشك اثنان في تقواه وورعه وعلمه، فهو من خيرة تلاميذ الشيخ عبد الكريم الحائري (رضوان الله تعالى عليه)، هذا بالنسبة لعلم لإمام.

فإذا كان الإمام في بداية سنه في هذا المستوى، حيث الذكاء الخارق، وهذا الذكاء، لم ينفصل عن الحياة الاجتماعية، فالإمام عندما تأتي لتأريخه تجده من ضمن الذين تم اختيارهم لحماية القرية، أي كان بلغتهم صاحب حمل للسلاح، وكان يعطى السلاح لحماية القرية، بمعنى أنه كان بالإضافة إلى نشاطه العلمي كان عنده نشاط اجتماعي.

والإمام (رضوان الله عليه) عندما نأتي إليه في قم المقدسة، فإنه بعد مرحلة ارتحاله إلى قم المقدسة، نجد بأن هناك مجموعة من كبار فقهاء الطائفة هم من المستفيدين من الإمام (رضوان الله عليه)، حيث بدأ دوراته في الأصول في وقت مبكر جداً، فقد انتهت دورته الأولى في عام 1368هـ، ففي هذا التاريخ يفترض أن الدورة الأصولية انتهت آنذاك بمعنى أنها قد بدأت قبل سبع أو ثمان سنوات تقريباً، في حدود سنة 60 13هـ، بدأ الأصول، أما الفقه فيكون متقدماً عادة.

 مُحقّقٌ.. وليس مجرد كاتبٌ وحسب

الإمام (رضوان الله عليه) عندما تأتي لكتبه تجد أن الإمام هو الوحيد من بين أكثر فقهائنا (رضوان الله عليهم) ممن كتب كتبه بيده، ولم يكن تقرير طلابه، فأكثر فقهائنا يجلس يلقي دروسه، والطالب يكتب ومن يقوم بتقديمها لأستاذه وبالتالي يرى فيها الأستاذ فإذا وجد أنها توافق آراءه الفقهية ووجهات نظره فيوافق عليها، ومن ثم تُطبع، أما الإمام فكان يكتب كتبه بقلمه الشريف، وعندنا مسألة هنا: كلمة والثانية يقول شخص يا مولانا... ما هذا الكلام في تعظيم الإمام في مسألة الكتابة والتأليف، يا أخي! هذا فلان وعلان كتبوا ولديهم مؤلفات، بل بعضهم لديه مائة كتاب، وهذا لديه ثلاثمائة كتاب، وذلك العالم لديه أربع مائة كتاب، وهذا وهذا، أقول: إننا عندما نأتي لعلمائنا في تقييمهم العلمي للكتابة، فهكذا يكون التقييم لديهم، ففرق بين شخص يكتب كتاباً واحداً وليس لديه غيره، فيُعْتَرف له بأنه أعلم أهل زمانه، مثل: السيد أبو الحسن الأصفهاني (عليه الرحمة) في كتابه «الوسيلة»، ومثل: السيد محمد كاظم اليزدي (رضوان الله عليه)، في «شرح المكاسب»، وثلاث أو أربع رسائل علميه صغيرة، فعندما يُسأل مثل الشيخ كاشف الغطاء (عليه الرحمة) وعن كثرة الكتابة، وهل تنمّ عن علمية معينة؟ يقول: لا! فليس دائماً أن كثرة الكتابة تدل على مستوى علمي؟ لماذا؟ لأن حشر وحشد الحوارات الفقيه، والروايات الفقهية الواردة عن أئمة أهل البيت (عليه السلام) ونقل الأقوال وتسطيرها في القرطاس، لا يدل على مستوى علمي، بل قد يدل على أن الرجل الكاتب هنا مجرد طلبة، وهو طلبة يفتهم وليس أنه لا يفتهم، وبالتالي فإنه يمكنه أن يجمع مثل هذه الروايات، أما الذي يدل على المستوى العلمي في الكتابة هو الجانب التحقيقي في المسائل، لذا فإن السيد كاظم اليزدي (رضوان الله عليه) حينما قُيّم فإنه قُيّم على أساس العروة الوثقى، بالخصوص، أي الدقة في استنباط الفروع وكثرتها وتشعبها، وهذا يدل على قدرة عند الرجل على استنباط الحكم الشرعي والتحقيق في الأدلة، والإمام (رضوان الله عليه) ينظر إليه من هذا الجانب، مع إن الإمام ليس مقلاً في كتاباته، فالذي كتب بيده قطعاً تجاوز العشرين إلى الثلاثين مؤلفاً، أقول: مؤلفاً وليس مجلداً، كتبها بيده هو غير ما كتب بأيدي طلابه، لكن كتابة الإمام كتابة محقق، وليست كتابة رجل يجمع، وليس كاتباً يحفظ الحوارات الفقهية، حيث أنه لا يوجد أسهل من حفظ تلكم المحاورات الفقهية للإنسان صاحب الحافظة، والدليل على أن كتابات الإمام كتابات تحقيق هناك أمران:

* الأمر الأول: مستوى العلماء المتخرجين على يده.

* الأمر الثاني: شهادة فطاحل العلماء في الإمام.

فهذان القسمان هما اللذان يعطيان الدليل على مستوى الإمام (رضوان الله عليه) في الكتابة والتأليف، حيث أن أكثر مراجع عصرنا الحاضر هم من تلامذة الإمام (رضوان الله تعالى عليه)، كالشيخ الفاضل اللانكراني، والسيد موسى الزنجاني، والسيد القائد، وغيرهم من كبار فقهاء الطائفة، والسيد محمد مفتي الشيعة، والسيد الأردبيلي، والشيخ يوسف الصانعي، وغيرهم من كبار فقهاء الطائفة، وكبار أساتذة الحوزة العلمية في النجف أو في قم، مثل الشيخ البرجردي، واليزدي، والكريمي، هؤلاء يعتبرون علماء طراز أول، هؤلاء هم تلامذة الإمام (رضوان الله عليه).هذا الأمر الأول.

 مكيدة مدبّرةٌ والنتيجةُ عطاء مشرِّف:

الأمر الثاني: وهو مهم جداً أن الشاه حينما أراد أن يتخلص من الإمام (رضوان الله عليه) أشار عليه بعضهم بإرساله إلى المنفى، نعم أي منفى؟ حيث قالوا له: أرسل الخميني إلى النجف الأشرف، لأن النجف الأشرف موطن العلماء، ومقر كبار العلماء، والإمام هناك من يكون في مستواه العلمي أمام هؤلاء؟! فإنه عندما يذهب إلى النجف فسيكون أحد أصحاب الدكاكين أمام فطاحلة النجف من العلماء آنذاك! فسيصبح عالماً من العلماء، لا أكثر ولا أقل، فهناك من العلماء من يفوقه، وحينئذٍ سيعرض عنه الناس، وسوف تذهب شهرته المعروفة هنا، فهو هنا متميز لأنه كما في لغة ذلك الأعوج الذي أشار على الشاه هذه المشورة أن الإمام بين العلماء كما في المثال الشعبي «الأعور على العميان باشا» فاذهب به إلى النجف وانظر ماذا سيحدث له؟! فإنه إن ذهب إلى النجف فإنه هناك سيُبزّ ولن يكون له قيمة أصلاً من الناحية العلمية، أشاروا على الشاه بذلك ونسوا أن المقدم للطاقة العلمية عادة لكل حوزاتنا تقريباً هي في قم المقدسة، لأنها مرحلة من مراحل توقُّف كثير من علماء ومراجع الطائفة حيث يبدؤون بقم ومن ثم يذهبون لبقية المناطق.

وفعلاً بناء على هذا الرأي تم إبعاد الإمام إلى النجف الأشرف، وبدأ الإمام دروسه في المكاسب ودرس المكاسب استقطب مجموعة من خيرة علمائنا ومراجعنا المعاصرين والراحلين، فمن ضمن تلامذة الإمام في المكاسب: السيد محمد بن السيد محمد صادق الشهيد الصدر (رضوان الله تعالى عليه)، وكان الشهيد الصدر قد أمر طلابه بأن يلتحقوا بدروس الإمام، وهذه الجزئية موجودة في «مقابلة الحنّانة»، حيث يذكر السيد محمد بن السيد صادق الصدر أنه تتلمذ على يد الإمام في المكاسب، وكذا من طلابه أيضاً: السيد محمود الشاهرودي الذي تتلمذ على يد الإمام في هذا الباب، وبدأ درس الإمام يستقطب الطاقات العلمية وليس صغار الطلبة، لا! بدأ يستقطب أمثال: السيد أسد الله مدني، والسيد مدني يعتبر مرشحاً للمرجعية بعد السيد الخوئي، يعني أنه رجل فاضل وهو من طلاب السيد الخوئي، وكان يصلي بدلاً عنه حينما يتغيّب للصلاة في تلك الفترة، كما أن درس الإمام في المكاسب استقطب آية الله مجتبى اللانكراني وهو من فضلاء طلبة السيد الحكيم والسيد أبو الحسن الأصفهاني عليهما الرحمة، وغيرهم من العلماء، وأحد المجتهدين ذوي الاعتبار، وممن استقطبهم درس الإمام أيضاً: السيد نصر الله الخلخالي.

 قصيدةٌ رائعةٌ وتحليل أروعٌ

والسيد مجتبى اللانكراني كان له شعر جميل كتبه باللغة الفارسية يصب في هذا المصب، حيث أنه يعبر من خلاله عن مرحلة تاريخية، وهو شعر لشاعر عاش تلك الفترة الزمنية وواقع الإمام العلمي (رضوان الله عليه)، يقول مقيماً للإمام (رضوان الله عليه):

تالي علامه أست وخفاجـه طوسـی      گوی سبق برده ز«بن فهد» به تقوی

من بشگفتم که زنده گشت «محقق»      نامده رجـــعت چگونه آمده دنيا

معنى البيت الأول: في المنقول لا شبيه له إلا العلامة الحلي في زمانه، وكل علمائنا مستفيد من نمير علمه، أما في المعقول لا شبيه له إلا نصير الدين الطوسي، الذي يعد أحد أقطاب علمائنا، وكل فلاسفة عصورنا هذه عيال عليه.

يقول: ويسبق في تقواه «ابن فهد الحلي» صاحب عدة الداعي، المعروف بالصلاح والتقوى، ويضرب به المثل في عرفانه، ويؤكد في شعره أن هذا الإمام لا شبيه له إلا هؤلاء، طبعاً في ذلك الوقت كما ذكرت حيث أن طلابه هم من تلامذة السيد الحكيم والسيد أبو الحسن الأصفهاني، وهم علماء من الوزن الثقيل، كما في لغتنا الرياضية.

معنى البيت الثاني، يقول: أستغرب من هذا الإمام في تحقيقاته وهل عاد المحقق الحلي، بمعنى أن هذه التحقيقات وهذا الكلام لا يصدر إلا من أمثال المحقق الحلي، وكأن المحقق الحلي قد عاد وبعث من جديد، وهذا لن يحصل إلا في الزمن الرجعة، فهل حصل زمن الرجعة بوجود الإمام أي رجعة المحقق الحلي؟! والشاعر هنا يستغرب وجود هذه الحالة من التحقيقات التي لا يستطيع عليها إلا المحقق الحلي، فيتساءل: هل عاد المحقق الحلي؟! ولو أن عصر الرجعة بدأ حتماً قلت بأن هذا المتحدث «أي الإمام الخميني» المحقق الحلي هو الذي جالس على هذا المنبر! نعم إلى هذه الدرجة كان العلماء ينظرون إلى الإمام (رضوان الله تعالى عليه).

 الإمام في عيون المراجع والمجتهدين والعلماء:

كما أن للسيد الكاشاني (رضوان الله عليه) مقالة ينقل عنه الشيخ جعفر شجوني وهو أحد كبار علماء قم أو طهران يقول في مذكراته، سمعت عن السيد أبو القاسم الكاشاني أنه يقول: «بعد السيد البرجردي أتمنّى لو يرجع الناس إلى آغا روح الله الخمينيّ» هذا الكلام كان في عهد السيد البروجردي (رضوان الله عليه).

كذلك ينقل الشيخ جعفر شجوني عن الشيخ بهجت وكلاهما من مدينة «فومن» وهي مدينة تقع في الشمال، حيث أن الشيخ بهجت من مدينة فومن والشيخ جعفر شجوني أيضاً من مدينة فومن، يقول: «كنتُ أدرس عند الشيخ بهجت الكفاية آنذاك، والإمام كان يخرج، وأنا أحضر، حيث في الأعم الأغلب كان وقتنا متزامناً فنلتقي ونتحدث حتى يذهب الإمام الراحل، يقول: كنت أرى سيداً جليل القدر، ذا ملامح نورانية، فسألت بعد عدة أيام الشيخ بهجت، وقلت له: من هذا السيد؟! فقال لي: هذا السيد آغا روح الله من كبار علماء قم، وأكثر علماء إيران تلامذته» هذا الكلام كان قبل سبعين سنة، وليس كلاماً حديثاً، كل هذا لكي نعرف قدر ومنزلة الإمام عند المجتهدين والفقهاء والعلماء.

أيضاً عند السيد أسد الله مدني، وهو من هو، فبمجرد مجيء الإمام وحضوره مجلس أبحاثه نجده ترك كل البحوث واختص بالإمام رضون الله عليه، أكثر من ذلك عندما سئل في مسألة خمسية «أي تختص بالخمس» وهو مجتهد مسلّم الاجتهاد، حيث سُئل بعد انتصار الثورة عن الخمس، من تعطى وتسلم؟ هل تعطى للمرجع؟ أو تعطى للفقيه؟ قال: «أنا في الخمس مقلد للإمام» نعم! المسألة لهذه الدرجة تصل من رجل بهذا المستوى.

ماذا عنه بعد انتصاره؟!

هذا هو المستوى العلمي للإمام، طبعاً وقتنا ضيق وكان في نيتي نقل كرامة للإمام (رضوان الله عليه)، فالمسألة نقلتها بشكل خلاصة، أما مسألة الإمام بعد المرجعية وبعد انتصار الثورة في إيران:

هل وجدت حالة تغير عند الخميني؟

هل زادت رقعة ومساحة منزله؟ وهل امتلك بعد انتصار الثروة وبعد المرجعية بيتاً أو بيتين؟ أو فتح منزلاً على آخر؟ لا!

فقد كان الخميني قبل مرجعيته في قم صاحب دار واحدة، وبعدما رجع الناس له وتزاحمت على بابه (رضوان الله عليه)، فقد أجّر البيت الذي خلفه، ونقل أهله للبيت الخلفي، وجعل بيته برّانياً، نعم أقول: أجّر، ولم أقل: اشترى، وكان بإمكانه أن يشتري، وكان العلماء هذا ديدنهم هكذا يصير البراني ملكاً لهم حتى لو جاء المؤجر وأراد أن يخلي منزله لا يضطر لترك البيت كاملاً، لكن الخميني (رضوان الله عليه) يختلف في هذا الجانب.

في النجف الأشرف قيل للإمام (رضوان الله عليه)، أنت جئت وتحتاج إلى بيت في النجف الأشرف، فقال: «أنا لستُ مقيماً، وليس لدي نية تجميع أو شراء بيوت، بل يكفيني الإيجار»، وحصل أنّ رجلاً من أهل الكويت جزاه الله خيراً اشترى للإمام بيتاً بعد أن أجّر الإمام بيتاً خوفاً من أن يحتاج صاحب البيت لبيته فيُخرج الإمام، فاشترى هذا المؤمن بيتاً وعرضه على الإمام هدية، لكن الإمام لم يقبل منه ذلك، بل استأجر منه ذلك المنزل وبقي مستأجراً لذلك المنزل طوال مدة تواجده في النجف الأشرف، وهذا جزء من عظمة الإمام (رضوان الله عليه).

هذا هو الخميني!

جاءوا للإمام الخميني مرة وقالوا: «سيدنا كل المراجع لديهم بيوت في الكوفة، وحر النجف شديد، وصيفه حارق، فلماذا إن لم ترد شراء منزل في الكوفة لا تؤجر بيتاً في الكوفة، أو على الأقل تذهب هناك لقضاء سويعات للتخفيف من وطأة الحر؟ - بل أحد العلماء كما يذكر السيد عباس خاتمي اليزدي قدس الله سره وضع بيته في خدمة الإمام وكان عنده بيت في الكوفة فقال للإمام: أنا عادة أبقى أسبوعاً أو أسبوعين لا أزور منزلي في الكوفة، فاذهبْ سيدنا إلى ذلك المنزل واسكنه في الفترة التي أتغيب فيها عنه، للترويح عن النفس، لكن الإمام (رضوان الله عليه) رفض، وقال كلمة..، قال: «أبنائي يعانون والطبقة المستضعفة من الناس تعاني من الحر فلماذا أميز نفسي عنهم لا بد أن أعاني كما يعانون» هذا هو الإمام الخميني.

والخميني عندما انتصر ووصل إلى إيران انتقل إلى داره في قم المقدسة ورفض أن يقطن بيتاً أوسع أو أكبر من بيته وبقي في ذلك البيت الذي كان ملكاً له قبل أن يكون مرجعاً وقبل أن يكون قائداً، وما انتقل إلا بعد أن أصيب بالنوبة القلبية، بعدها انتقل إلى طهران وأصر الأطباء أن يبقى قريباً منهم، فاستُئجر للإمام بيتاً لا تتعدى مساحته الثمانين متراً، مع أن الفلل والبيوت بل القصور كلها في إمرة الإمام وولايتها كانت تحت يده وطوع أمره، ومع ذلك رفض إلا أن يقطن بيتاً في حي يعتبر حياً متواضعاً، وبقي الإمام هو الإمام، نعم سواء في بيت ذي ثمانين متراً أو في قصر مشيد فإن الإمام هو الإمام.

والخاتمة كرامتانِ:

لذا وحتى أختم أود أن أختم بهاتين الكرامتين للإمام (رضوان الله عليه)، يقول أحد العلماء وهو ظاهراً السيد محتشمي أو السيد سجادي والاشتباه من عندي أنا، ينقل بأنه في سنة من السنوات وكنا اثنا عشر نفراً وأردنا الذهاب إلى الحج فأرسل الإمام الخميني في طلبنا وقال لنا: ينبغي أن لا يسافر الأصدقاء في هذا العام إلى الحج، فقلنا: سبحان الله! نحن نعرف الإمام ونعرف أن توجهاته توجهات عرفانية، وطبعاً هو بخصوص الصلاة والصيام والحج لا ينهى عنها، لكننا أخفينا ذلك الشعور والتساؤل في أنفسنا، وإطاعة للإمام لم نذهب تلك السنة للحج، وإذا في تلك السنة حدث حريق في منى، والذي راح فيه الكثيرون ضحية لتلك الحرائق، ولكن ببركة نهي الإمام لنا عن السفر في ذلك العام بقينا على قيد الحياة».

أيضاً هناك كرامة أخرى، يقول أحدهم: «كنتُ مصاباً بمرض من الأمراض، وبعد تعبٍ شديدٍ، طرحتُ المسألة على الشيخ الصانعي، وبعض حرس الإمام (رضوان الله عليه)، ففتحوا لي مجالاً للدخول عليه، وعندما دخلتُ على الإمام قبَّلْتُ يده، ووجدتُ بين يديه كأس فيه ماء وقد شرب الإمام منه شيئاً، ثم وضعه بجانبه، ثم قام أحد الحرس ليحمل هذا الكأس فطلبتُ منه أن أكمل شربه، فاستأذن هذا الحرسيّ فأعطاني الكأس فشربته، وبعد فترة وجدت أن تلك الآلام التي كانت تنتابني والمراجعات التي كنتُ التي أقوم بها للمستشفيات، لم أعد أحتاجها، ثم يقسم هذا الرجل قائلاً: واللهِ منذ أن شربتُ ذلك النصف من الكأس لم أراجع طبيباً بعدهُ». هذا وصلى الله على محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين والحمد لله رب العالمين.