وصايا الإمام الخميني‏ (قدّس سره)

ليست عاشوراء أحد أبرز مرتكزات خطاب الإمام الخميني الثقافية والسياسية فحسب، بل تكاد تكون المرتكز الأساس لمنهجه العملي ببعديه التثقيفي والتعبوي.‏

ونظراً إلى أن السجال قائم حول مجالس العزاء، ولم يتم التوصل فيه بعد إلى ما يحسم مادة النزاع، كان من المفيد القيام بمحاولة للتعرف على رأي الإمام الخميني في ذلك، كمساهمة في بلورة التصور والموقف، في سياق معرفة نوع تلقي العلماء الأعلام من نصوص المعصومين (عليهم صلوات الرحمن)، التي يقع الخلاف لتعدد التلقي منها.‏

وتأتي أهمية معرفة رأي الإمام من السمات التالية:‏

1ـ كونه فقيهاً ومن كبار مراجع الفتوى.‏

2ـ وكونه أيضاً مجدداً من الدرجة الأولى.‏

3ـ وكونه حسينياً عاشورائياً بامتياز.‏

4ـ كون وجهة نظره تحظى بقدسية خاصة لدى شريحة واسعة تمتد على مساحة «خط الإمام» وتحظى باحترام خاص عند غيرهم.‏

5ـ كون السجال المذكور يحاول أن يأخذ منحى الحداثة والتجديد في مقابل التقليد والتقليديين، في لحظة اختلال في المشهد الثقافي، تتلاطم فيها أمواج الحداثة التي يتداخل فيها الزبد بما ينفع الناس.‏

لذلك كان الوقوف على تفاصيل ما تبناه الإمام في هذا المجال، وعمل له طيلة عمره المبارك، بالغ الأهمية.‏

وسأعتمد في التعرف على رأيه (رضوان الله عليه) ما يلي:‏

1ـ البدء بذكر ما ورد حول عاشوراء في وصيته للأمة، بل لجميع المستضعفين، كما يأتي تصريحه بذلك.‏

2ـ تتبع نصه منذ بدايات حركته السياسية، مروراً بالإنتصار، وإقامة الجمهورية الإسلامية، وهو ما يبرز ثبات الرأي في المراحل المختلفة.‏

3ـ تحليل كل نص بالإجمال عند إيراده.‏

4ـ ختام ذلك بوقفة تحليلية وافية.‏

يقول الإمام:‏ لقد وصلنا خبر، آمل إن شاء الله أن يكون كاذباً، وقد اعتبرته محاولة إعلامية منهم إلا أنه محتمل وهو أن هؤلاء (النظام) أعلنوا أن الناس أحرار غداً وبعد غد في مراسمهم الدينية ومواكب العزاء.‏

ومن جهة أخرى بلغنا أن هناك مؤامرة وهي أن يرسلوا عدداً من الأشرار بين الناس للتخريب والفوضى، فيندسون بين المتظاهرين في مختلف أنحاء إيران ليقول النظام في ما بعد:‏

حسناً، نحن لم نتدخل، تركنا الناس أحراراً وانظروا ماذا حدث، لقد أطلقوا النار على الناس، إذاً لم تكن القضية قضية مراسم دينية.‏

يضيف الإمام:‏ وأنا أحتمل أن في نشر هذه الشائعة محاولة لمنع الناس من المشاركة في المظاهرات غداً.‏

يضعنا الإمام أمام مسؤولية المشاركة في المجالس العامة، وأمانة حفظ الأمن والنظم والنظام فيها، كما يضعنا أمام واجب إدراك أن مجالس العزاء لما تتمتع به من قدرة تعبوية مميزة، هي عمل جهادي سياسي و«ثوري» ولئن نسينا نحن هذه الحقيقة، فإن الأعداء يتصرفون على هذا الأساس.‏

ـ المظاهرات، مواكب عزاء:‏

يحرص الإمام (رضوان الله تعالى عليه) على تظهير البعد العبادي في العمل السياسي، فهو يعتبر أن شعار ألله أكبر الذي كان وما يزال يرفع في التظاهرات هو ذكر لله تعالى.‏

كما يعتبر أن المظاهرات هي مواكب عزاء على سيد الشهداء (عليه السلام).‏

على أبواب مظاهرات تاسوعاء وعاشوراء ينبه الإمام إلى أمرين:‏

الأول: أن لا تسلبكم التظاهرات العزاء، اخرجوا في الشوارع للعزاء، تظاهروا بحالة عزاء، اجتمعوا مع بعضكم للعزاء.‏

عندما يقال مظاهرة لا تتخيلوا أننا لا نريد إقامة مراسم العزاء.‏

نحن بالإسلام ومظاهر الإسلام وشهداء الإسلام نستطيع أن نحقق ما نريد وإلا فلا مدفعنا ولا دبابتنا تستطيع مقابلة مدفع أمريكا وروسيا ودبابتهما.‏

نحن نريد شعباً متحداً من أجل الإسلام، واطمئنوا أنه عندما يتّحد شعب في أمر إسلامي (..) فلا تستطيع أية قدرة أن تفرض عليه التراجع.‏

ـ في مكان آخر:‏

غداً وبعد غد حيث ستكون مظاهرات، يجب أن تكون مراسم العزاء أيضاً، غاية ما في الأمر أن مراسم العزاء تارة تكون في مكان وتارة تكون في كل الشوارع.‏

ـ سر الإنتصار:‏

إلى جانب تأكيده (رضوان الله تعالى عليه) على أن كل ما لدينا هو من عاشوراء، يؤكد على أن مراسم عزاء سيد الشهداء (عليه السلام) هي سر الإنتصار، وقد تحدث عن ذلك في العديد من خطبه.‏

ومن ذلك:‏

لولا مجالس الوعظ والخطابة والعزاء واجتماعات التعزية، لما انتصرنا.‏

ثار الجميع تحت بيرق الإمام الحسين (سلام الله عليه)، وترون الآن في الجبهات كيف يملأ المجاهدون هذه الجبهات بعشق الإمام الحسين.‏

 محرم وصفر سبب حياة الإسلام:‏

وليست عاشوراء سبب انتصار الثورة الإسلامية في إيران فحسب، بل هي سبب بقاء الإسلام حياً.‏

يتحدث الإمام عن ذلك بشي‏ء من التفصيل فيقول:‏

ـ يجب أن نحافظ على هذه العادات الإسلامية، يجب أن نحافظ على هذه المواكب الإسلامية المباركة في عاشوراء في محرم وصفر وفي الأوقات التي ينبغي أن تتحرك، وينبغي أن نؤكد على الإهتمام بها أكثر.‏

محرم وصفر سبب بقاء الإسلام، تضحية سيد الشهداء هي التي أبقت الإسلام لنا حياً.‏

يجب المحافظة على إبقاء عاشوراء حية باعتماد ذلك الوضع التقليدي نفسه من جهة الروحانيين، وكذلك من جهة الخطباء، بنفس الوضع السابق، ومن جهة عامة الناس أيضاً بنفس الوضع السابق الذي هو مواكب معظمة ومنظمة، تخرج مواكب العزاء على شكل مجاميع.‏

يجب أن تعلموا أنكم إذا أردتم أن تبقى ثورتكم مصانة، فيجب أن تحافظوا على هذه العادات.‏

طبعاً إذا كانت هناك ثمة أشياء غير مناسبة في السابق وكان السببَ فيها أشخاص لا معرفة لهم بالإسلام فيجب تصفية ذلك بعض الشي‏ء، إلا أن مجالس العزاء يجب أن تبقى على قوتها، والخطباء بعد أن يتحدثوا عن المستجدات، يجب أن يقرؤوا العزاء كما كانوا يقرأون سابقاً، وأن يقرأوا المرثية كما كانوا يقرأونها في السابق، ويعدّوا الناس للتضحية.‏

إنه دم سيد الشهداء عليه السلام الذي جعل دماء كل الشعوب تغلي.‏

وإن هذه المواكب العاشورائية العزيزة هي التي حرَّكت همم الناس وهيأتهم للإسلام، لحفظ أهداف الإسلام.‏

لا يصح التساهل في هذا الأمر، طبعاً يجب بيان المسائل المستجدة، والتي هي محل الإبتلاء.