(يحيى بنو) يتحدث عن قصه اكتشافه للإمام الخميني (1)

((محطات على مسار التحوّل الصعب))

"يحي بنو" من قلق الحضارة المادية إلى الإسلام

كانت الصالة تموج بالحركة وقد تحلق الضيوف مجموعات صغيرة يتعارفون ويتبادلون أطراف الحديث فيما بينهم, سواه هو الذي آثر أن ينزوي جانباً فيما يشبه العزلة أو من يريد أن يرقب المشهد ويتابع حركات الضيوف من موقعه الهادىء.

لم يكن هناك ما يجذبنا إليه سوى هدوءه الملفت, فقامته التي تميل إلى القصر, وجسمه الضئيل ووجهه الصغير وقد وضع على عينيه نظارة طبية, تعينه جميعاً على موقف الإنزواء, وتزيده هدوءاً إلى هدوئه. عرفت من معلوماتي الأولية التي استقصيتها عنه, أنه فرنسي اعتنق الإسلام واتجه لدراسة الفلسفة, وهو مشغول الآن بتحضير رسالة دكتوراه إلى جامعة السوربون, لم تكن معلوماتي تتجاوز هذه المفردات البسيطة وأنا اقترب منه بفضول صحفي واضح, وفي ذهني أن أدير معه حواراً يتجاوز ـ فيما أظن ـ تلك الأسئلة التقليدية المكررة, وتطل أسئلته على الآفاق التي تشغله في محاولة لاكتشاف أعماق تحوله إلى الإسلام وهو الغربي المسكون بثراء التقدم التكنولوجي والمدني الباهض الذي تعيشه حضارته الغربية ويحياه في بلده فرنسا.

بدأت بأسئلة عامة عن رموز معروفة في الثقافة الفرنسية أردت أن تكون مفاتيح للحوار المهم فسألته عن ميشال فوكو وجاك دريدا وفرانسوا شاتليه وقبلهم ليفي شتراوس والتوسير وغيرهم, وهؤلاء جميعاً كما يعرف المتابع للشأن الثقافي الفرنسي هم من مثقفي الموجة ورموز اللحظة الأخيرة في المشهد الثقافي الفرنسي.

اهتمامات لا طائل ورائها

دار الحوار حول أولئك عابراً وقد بدأ محدثي يخرج شيئاً فشيئاً عن حال الانزواء والهدوء, وبدت معالم الحيوية بادية تنبسط على لمحات وجهه وطريقة حديثه, أخذ يتفاعل أكثر وهو يتحدث عن ساحة بلده الثقافية, واكتسب دفعة أكبر من الجدية حينما تحولنا من أسماء الرموز إلى الاتجاهات التي يطلق عليها مثقفونا ـ مبالغة ـ وصف المدارس مع أنها لا تزيد على كونها نزعات, فلبثنا هنيهة مع البنيوية وما آلت إليه بعد شترواس, ثم مع التفكيكية في النزعة التي يحركها فكر فوكوا ومنهجه الحفري في المعرفة, وأخيراً تفكيكية دريدا التي تتحرك صوب تفكيك ما يطلق عليها في الغرب بمركزية العقل.

حظر لي أن أسأله عن الثقل الفكري الذي تمثله هذه الأسماء والنزعات في الساحة الثقافية الفرنسية, ومقدار ما لها من حضور وتأثير على القاعدة العريضة للرأي العام الفرنسي, فأجابني بالقول: إن هؤلاء الذين ذكرت أسماءهم يكادوا يكونوا مجهولين مع النزعات الفكرية التي يمثلوها, لدى الأوساط الفرنسية حتى المتعلمة منها, والجهل بهم وبأسمائهم وبكتبهم يكاد يكون كاملاً لدى الفرنسيين.

حاول أن يدعم إجابته هذه بمثال من جاك دريدا, حيث ذكر أن نسبة من تعرف اسمه من الفرنسيين لا تتجاوز الواحد من الألف, ثم عاد ليستدرك وهو يقول: بل الواحد من عشرة آلاف وأكثر.

أوضح أن الذي وفّر لهؤلاء فرص المعروفية والاشتهار, هم النخب المثقفة والمتعلمة في العالم الثالث ومنه العالم الإسلامي, فمثقفوا الشمال الأفريقي يلقفون بحكم معرفتهم اللغة الفرنسية جميع هذه الأسماء والنزعات ويسوقوها في ساحاتهم المحلية على أساس كونها اتجاهات منهجية ومدارس فكرية رصينة تحمل الجديد على صعيد المنهج والأفق المعرفي, في حين لا يعدو بعضها في بلد المنشأ أن يكون تعبيراً عن أزمة شخصية يعيشها صاحبها نفسياً واجتماعياً أو فكرياً وحضارياً.

كان مراده من هذه النقطة أن ينتبه المثقفون في العالم الإسلامي للحدود الفاصلة بين الفكر الجاد والمناهج المبدعة التي تثبت في الساحة الغربية, وبين تلك النزعات المشوشة التي تحكى هواجس مضطربة, تعكس اضطراب أصحابها نفسياً وفكرياً.

كما أراد أن ينبّه إلى انه ليس هناك حاجة لكي يعطي مثقفوا العالم الإسلامي أوسمة مجانية لبعض الأسماء الغربية, من خلال منحهم فرصاً لا يستحقونها في التعريف بهم وبذل الجهد في ترجمة كتبهم وتسويق أفكارهم, خصوصاً وإنهم مغمورون في بلدانهم لا يكاد يعرفهم فيها أحد.

كما اراد ثالثاً لمثقفي العالم الإسلامي أن لا يكون شغلهم الشاغل السعي, بل الركض واللهاث وراء ما تنتجه الساحة الغربية من "موضات" فكرية وثقافية و"صرعات " منهجية, تبذل الجهود لمعرفتها والتعريف بها وإشاعتها دون طائل, فللعالم الإسلامي قضاياه ومشكلاته واهتماماته, وعلى مثقفي هذا العالم أن يبذلوا جهودهم حثيثاً للاهتمام بما يشكل شواغل حقيقية في بلدانهم, وفي وسط مجتمعاتهم.

تحذير فرانسوا شاتليه

أعادتني هذه الملاحظة إلى عظة بليغة كانت قد صدرت من مثقف فرنسي هو فرانسوا شاتليه (توفي مطلع 1986) الذي بدأ حياته بميول يسارية ـ ماركسية قبل أن ينقلب على الشيوعية, وأساساً على مبدأ التغيير الاجتماعي من خلال النمذجة كما يدل على ذلك كتابه "الثورة بدون نموذج" (1974) ويتحول إلى موقع النقد المزدوج للأميرياليتين الأمريكية والسوفياتية اللتين تعكسان كلتاهما سلطة راس المال كما يقول.

لقد تعامل فرانسوا شاتليه مبكراً وبشكل جدي مع مقولة "الاستعمار الثقافي" وفاق في جديته معها الكثير من مثقفي المنطقة الإسلامية, حيث سبق وان طرح المقولة لحيز التداول عام 1970.

في سياق اهتمامه بموضوع الاستعمار الثقافي كان شاتليه يكرر تحذيراته لمثقفي العالم الثالث من أن يقعوا ضحية اهتمامات ثقافية لا طائل من ورائها, ولا فائدة منها, وإنما كل ما يدفع مثقفي العالم الثالث للاهتمام بها أنها تنتسب إلى الغرب وتصدر من كتّابه وباحثيه. كان يقول في هذا المضمار: "والطريف في الموضوع وجود عدد من المثقفين في البلدان ذات الثقافة الفرنسية يسعون إلى تبني مفاهيم كنا نحن نتسابق للتخلص منها". وكانطباع مباشر يعكس هذه الحال من العبث الثقافي الذي يسود بعض أوساط المثقفين في بلدان العالم الثالث, وبضمنه المجال الإسلامي, يذكر شاتليه عقب زيارته احد هذه البلدان: "واجهت وضعاً بدا لي متخلفا إذ رأيت الناس يعانون من عجزهم عن صياغة مفاهيم تسعى إلى التخلص منها, كونها تندرج ضمن فلسفات التاريخ" ( من لقاء مع شاتليه, الفكر العربي, العدد 41 آذار 1986).

وعن استغناء الثقافة في العالم العربي ـ الإسلامي وثراء إمكاناتها الذاتية التي تؤهلها لمنطلق ومسار خاصين بها, أي عن إمكانها في بناء مرجعيتها الأساس من داخلها, صدر عن فرانسوا شاتليه رأي جريء يقول فيه نصاً: " أنا اعتقد أن الثقافة العربية لديها ما يكفي من الشخصيات الفذة لكي تبتكر بطريقة مستقلة كلياً, دون أن تلجاً إلى تقليد الغرب, إذا وجدت أشياء صالحة للاقتباس عند الغرب فليكن, ولكن على نفس المستوى الذي يفرض اخذ أشياء من البلدان العربية أو من مكان آخر".

 كريستيان والبدايات القلقة

بعد التداعي الذي قادنا إلى ملاحظة فرانسوا شاتليه اقتربت من محدثي أكثر, وأردت أن انتقل وإياه إلى أبرز التيارات الصاعدة الآن على الساحة الفرنسية, في محاولة للنفوذ من خلال ذلك إلى ما يشغل القاعدة الاجتماعية, وما يؤثر في العقول ويوجهها.

أراد كريستيان أن يحدثني عما أسماه هناك بـ "الفراغ المعنوي" على نحو تعززه الأرقام والشهادات, وما يصنفها من أسماء وعلامات, فقلت له دعنا ننطلق من تجربتك الخاصة, لأنك بالذات مثال نموذجي للحالة التي تروم أن تحدثنا عنها.

أوجز رحلته بقلق اكتشفه مبكراً في وجوده وقد أمسى ذاك القلق محركاً له يدفعه نحو البحث والتنقيب عن شيء لم يكن قادراً على تحديده على وجه الدقة. عندما انتهى من دراسته الابتدائية والثانوية, تحول إلى الدراسة الجامعية, بيد انه سرعان ما تركها لأنها بدت أمامه بدون جدوى, لا تشبع تطلعه للمجهول الذي يبحث عنه ولا تقربه من هدف.

ذكر في صراحة انه تحول بين الاتجاهات والمدارس الشرقية الآتية أساساً عبر البوذية والهندوكية وغيرهما من ديانات الشرق, عله يعثر من خلالها على ضالته, بيد أن شيئاً من المواقع الجديدة لم يروِ ظمأه, فسقط بهوة التي لا تخضع فيها الحياة لأية ضابطة, ولكن الحياة في هذا الوسط لم تقنعه ووضعته كما الديانات الشرقية "الهندية" التي انتمى لها, على حافة الطريق المسدود, رأى في لحظة مراجعة أن تطلعات نفسه وأشواق روحه هما اثمن من أن يضيعهما في الهيبز, كما أخذت قدراته الفكرية تقوده للبحث عن مخرج بدا له أكثر جدوى وإن احتاج إلى جهد اكبر, خصوصاً وان الفلسفة الهندية والبوذية كانتا بمثابة وسيط فعّال لتنمية قابلياته الفكرية وتأهيل عقله لتمرين أعقد من بين الخيارات المطروحة أمامه.

لقد قرر أن يفتتح لعقله نافذة على الفلسفة, ولكان أي فلسفة وقد جرب الأديان الهندية دون جدوى؟ لقد حاول أن يطل على فلسفة الإسلام من خلال باحث فرنسي هو اونية كينتو الذي توفي سنة 1951 بعد أن ترك مجموعة من الكتابات عن الإسلام بالفرنسية.

والشيء الذي اعترف به أني لم أكن قد سمعت شخصياً باسم هذا المسلم الفرنسي وبكتاباته قبل أن يحدثني عنه كريستيان, الذي ذكر أن كتابات كينو ترتفع إلى مستوى الكتابات الفلسفية, كما انه يستحق أن يحمل لقب الفيلسوف.

الانعطافة .. من الفلسفة إلى الإسلام

لماذا اختار كريستيان الفلسفة, وكيف شكلت منعطفاً في حياته نحو الإسلام؟ بودّي أن أترك الجواب لمحدثنا, وهو يقول نصاً: إن السؤال عن سبب اختياري لدراسة الفلسفة, له مساس بحياتي جميعها تقريباً, فلقد كان انتخاب الفلسفة توأماً لانتخاب الاسم في حياتي, فأنا شخصياً قبل أن اعتنق الإسلام لم أكن مسيحياً بالمعنى الديني الصحيح, فقد كنت كبقية الأوربيين العاديين حيث يعيش أكثرهم بلا دين, فنحن في الحقيقة وإن كنّا نحمل المسيحية كعنوان انتماء, إلاّ أننا نفتقد حقيقة هذا الدين.

كنت منذ دخولي المدرسة بدءاً من الثانية تقريباً وأنا أبحث عن شيء, لم أكن راضياً عن المسار المتمثل بأن يتحول الدرس إلى وسيلة للعمل, ولماذا العلم؟ العمل يكون من أجل الحياة المادية, لا, لم أكن قانعاً بهذا المنهج الغربي الخيالي ولم أكن راضياً به.

إن أكثر ما كان شائعاً في بدء الحركة في الغرب هي الأديان الشرقية خصوصاً البوذية والهندوسية, وقد كانوا يتبعون هذه الأديان, يدرسوها ثم يلتحقون بها, وهكذا كان الحال بالنسبة لي إذ تمّت صلتي الأولى مع فلسفة الشرق من خلال الديانة البوذية, ولم أكن حينها طالباً جامعياً, لأني كنت قد تركت الدراسة منقطعاً للبحث وراء فلسفة تتصل بما وراء الطبيعة, ابحث عن شيء أهم من هذه الدنيا وأكثر ثباتاً منها.

في سياق بحثي في البوذية عثرت على مؤلفات شخص يدعى اونية كينو, وهو فيلسوف فرنسي اعتنق الإسلام, وربما كان من أوائل من أسلم من الفرنسيين في المرحلة المعاصرة, لقد توفي سنة 1951, وقد كان اسلم في أوج مرحلة الاستعمار, أثناء الحرب العالمية الأولى, وقد منح هذا التوقيت خصوصية لإسلامه.

صنّف كتباً كثيرة عن الإسلام والفلسفة والعرفان, وقد انكببت على كتبه فطالعتها جميعاً واعتنقت إثرها الإسلام, أي اعتنقت الإسلام من خلال قراءتي لهذه الكتب الفلسفية والعرفانية, وربما كانت الكتب العرفانية أكثر تأثيراً, قررت إثر اعتناقي الإسلام أن أتعلّم العربية. في فرنسا الآن اختصاص جامعي يلي البكالوريوس يكون في مجال الأدب العربي أو التاريخ أو الإسلاميات, وعندما أسلمت اتجهت لاستكمال دراستي, ولم تكن لي دراية ومعرفة بالاختلاف بين الشيعة والسنة, ولم أكن اعرف أي شيء عن الاختلاف بينهما, ذهبت إلى المسجد لاعتنق الإسلام, وقد اعتنقت الإسلام, وأنا لا أعرف أي شيء عن معنى السني أو معنى الشيعي, تعرفت في السنة الأولى لإسلامي على كتب الأستاذ مطهري الذي كان تلميذاً للعلامة الطباطبائي, وأخذت أدرك التشيع وأميزه, وقد انتبهت إلى أنني حينما اعتنقت الإسلام كنت سنياً.

لقد بدأت أميل نتيجة ذلك إلى الفلسفة والعرفان أكثر, وبدأت صلتي تتوثق مع الجماعات الصوفية التي تنتمي إلى التسنن, خصوصاً في شمال أفريقيا, على اعتبار أن المنطقة الأخيرة أوثق صلة بفرنسا من غيرها.

أذكر أن احد الأساتذة الكبار من مالي, وقد كان أستاذا لي, كان رغم انتمائه إلى التيجانية شيعياً في حقيقته وواقعه, وقد توفي الآن, والذي يبدو أن أولئك مجموعة من أساتذة ـ منهم الأستاذ المالي ـ كانوا من الشيعة الذين يبلغون التشيع بشكل خفي بين خاصة تلامذتهم.

لقد بعث لي الأستاذ المالي وصية عن طريق احد أقربائه ـ صهره ـ أن انتخب التشيع, وقد تعرفت إلى التشيع عن طريق المتون العرفانية والفلسفية الأصيلة للشيعة, واخترت التشيع بعد سنة من اعتناقي الإسلام, وقد ركّزت منذ أن أصبحت شيعياً على النصوص الشيعية العرفانية والفلسفية.

بعد هذه الرحلة في التحول أنهيت دراستي الجامعية وقد قدمت لجامعة السوريون اطروحتي لما بعد البكالوريوس, وهي تدور حول التصوف, إذ كتبت دراسة حول التفسير الصوفي لأحمد التيجاني مؤسس التيجانية في المغرب.

وبعد ذلك بدأت بحثي في الدكتوراه حول نظريات العرفان الأصيلة عند الشيعة انطلاقاً من نظريات الإمام الخميني.

الشوط الآخر

هذا ما ذكره محدثنا الفرنسي كريستيان بنو عن مرحلة القلق وكيف عبرها إلى بحر الأمان من خلال مساره في التعرف على الإسلام واختيار مذهب أهل البيت"عليهم السلام" حيث تحول إلى يحيى بنو.

ولكن في مسار هذا الرجل شوطاً آخر في التحول إلى فكر الإمام الخميني فكيف كان ذاك, وما هي الأشواط التي قطعها على مسار الطريق الثاني؟