تمهيد:

 

تزامنت النعمة الكبرى التي مَنَّ الله تعالى بها على الأمة في هذا العصر- نعمة التوفيق المميز لعبده الخميني - مع نهاية دورة جَزْرٍ واستلاب، استمرت منذ مرض الدولة العثمانية وإلى كامب ديفيد.

 

وما يزال هدير الخمينية المحمدية يصيخ في سمع الزمان، تتوالى ثماره والتداعيات، وما يزال الصوت الخميني- في البعد التنفيذي لمسار خط الإمام- يتخذ سبيله إلى القلوب سَرَباً، في أربع رياح الأرض.

 

ولئن كان خط الإمام قد شهد هذا العام - في أجواء ذكرى المولد النبوي المبارك - أحد أبرز انتصاراته العلمية المفصلية في تاريخ الأمة والعالم، فإن ذلك يتخذ بعداً شديد الاختلاف والتجذر حين يوضع في سياقه الطبيعي:

 

أ‌-  نبض الأمة وخفق الفؤاد: تحرير فلسطين.

 

ب‌- والصمود السوري الفريد واليتيم في العالم العربي.

 

ت‌- وجناحي تحليق الأمة وممانعتها ضد كل محاولات الإسقاط والإلغاء: الانتفاضة: حماسها والجهاد، والمقاومة الإسلامية في لبنان

 

ورغم أن الجزم بأننا في عصر الظهور، غير متاح بمنهجية علمية، إلا أن الجزم بأن الأحداث النوعية التي تعيشها المنطقة يمكنها أن تكون من إرهاصات عصر الظهور المبارك، هو جزم بالإمكان حذر، وفي غاية الموضوعية، بل إن الإعراض عنه ضرب من العمى والجهل المطبق.

 

والمحور المركزي الذي ينبغي أن يكون مصب الحديث والاهتمام: هل ما يزال "خط الإمام" على الخط ؟

 

لقد كانت خاتمة ربع القرن الأول من صدر الإسلام، ما أخبر به القرآن الكريم عن " الإنقلاب على الأعقاب "! فماذا كانت حصيلة ربع القرن الأول من تجديد الإسلام على يد قائد التجديد الأبرز للإسلام المحمدي الأصيل عبد الله المسدد روح الله الموسوي الخميني؟

 

كانت ثقة الإمام الخميني بالأمة في هذا العصر أن فيها من الخير ما يجعلها تتجنب الكثير من الأخطاء التي وقعت فيها الأمة في الماضي، فهل طابق البيدر الحقل، والواقع المرتجى؟

 

***

 

تمس الحاجة إلى مقاربة هذا الحديث بروح المسؤولية بين يدي الله تعالى، وعلى قاعدة وجوب حفظ "خط الإمام" وحراسته، انطلاقاً من الأساس النبوي المبارك: كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته، فليس الالتزام بمبدأ ولاية الفقيه إعفاء للأمة من مسؤوليتها، وإنما هو تكريس عملي لهذه المسؤولية التي هي في صلب أصل الالتزام بالتكليف الشرعي.

 

يبلور هذا الوجوب:

 

1- أن الأمة لم تعرف منذ إسقاط كيانها السياسي، وتمزيق دارها والشعوب، راية هدى ترتفع لجمع الشمل وتوحيد الكلمة غير هذه الراية الخمينية المباركة.

 

2- أن الحاجة إلى رفع الصوت يجب أن تتناسب مع الخطر المحدق، فلا يجوز ترك الظواهر المرضية لتنتشر وتستشري بحجة الحفاظ على الصحة والسلامة!

 

عندما يخفض التحريف صوته، يمكن لطلب الإصلاح في أمة المصطفى الحبيب أن يصلي إخفاتاً، ولكن عندما ينبري التحريفيون للضجيج المدوي، فلا بد من صرخة خمينية كربلائية.

 

وبديهي أن المسار العملي لأي تجربة لابد وأن يشهد الصعود والهبوط، والنجاح والإخفاق، وحسن الأداء أو ضعفه، ومن الخطورة بمكان أن تسبغ القداسة على تجربة عملية بكل مظاهرها.

 

3- أن " الشيطان الأكبر" - الذي لقنه الإمام الخميني دروساً تفوق كل ما واجهه هذا الشيطان منذ إقامة كيان تجبره الفرعوني على أنقاض" الهنود الحمر"- قد أضاف إلى كل مظاهر شيطنته، غزواً عسكرياً مباشراً، وأقام قواعده العسكرية الجديدة في كثير من البلاد الإسلامية، معلناً بكل وضوح أنه يريد إزالة آثار المرحلة الماضية من مراحل توثب الأمة نحو حريتها واستقلالها، والقضاء على الصحوة الإسلامية لتثبيت دعائم استعمار البلاد والعباد، وحماية "الغدة السرطانية": "إسرائيل".

 

***

 

* أبرز معالم خط الإمام:

 

لو لم يكن " خط الإمام" عبارة عن " تقديم الإسلام للأمة كما هو، بعيداً عن التحريف والانتقاء ولوثة البعد الواحد" لما كان ثم مسوغ للالتزام به، فضلاً عن الذوبان فيه والتفاني.

 

من هنا فإن أطروحة" خط الإمام" تعني: "الأصالة" التي يشعر معها وبها المسلم ببراءة الذمة، ونقاء المسار وحسن العاقبة والمصير بحوله تعالى.

 

إنها الصورة الصافية عن المحمدية البيضاء، التي بدونها لا سبيل إلى الإستقلال واليقين الفكريين أولاً، واللذين هما منطلق كل فتح في جميع الميادين.

 

يغلب على المؤمنين من الأمة، ممن التحقوا بالركب الخميني، أنهم لم يسيسوا انتماءهم، بل " دَيَّنوا" سياستهم.

 

شدهم إلى الإمام الخميني، في البعد السياسي:

 

1- لأول مرة في هذا القرن، وجدت الأمة ذاتها، واستشعرت وحدتها، وتلمست قلبها يخفق بهمِّ "الجسد الواحد" بعيداً عن التشظي القومي، والمذهبي، وسائر التشظيات من قبيل: " اليميني" و" اليساري" و" التقدمي والرجعي" و"الحداثوي والمتحجر" و" الجامعي" و " الحوزوي" و" العوام" و"النخب" أو "الخواص" وغير ذلك.

 

2- لأول مرة طرق مسامع قلوب الأمة حديث جذري عن تحرير فلسطين، لا يقيم لسايكس بيكو وزناً، فضلاً عن الرأي العالمي العام!

 

3- لأول مرة أيقنت الأمة بأن بين الطروحات السياسية، طرحاً يهدف حقيقة إلى حل أزمة الأمة، بعد أن هدها الركض وراء "الممثلين" المناورين الذين يجيدون فن "اللعبة السياسية" ليحلوا بها مشاكلهم على أساس التلاعب بمصير الشعوب ووجودها، سواءً أرادوا ذلك أم لم يريدوه.

 

ولقد تماوجت شغاف القلوب المحمدية ترنماً بالشكر، حين رأت أن هذا الزئير الخميني، ينبعث من لهيب باطني توحيدي، قرآني، مما جعل المحمديين يجيدون الإصغاء إلى " المنطلق العقائدي" المتجلي في كل نفس خميني.

 

* قرأت الأمة في صحيفة أعمال الإمام الخميني، في البعد العقائدي:

 

1- أن توحيد الله تعالى هو أصل فقه القلب والحياة، ولذلك فإن الدين كل شيء: "ديانتنا عين سياستنا، وسياستنا عين ديانتنا".

 

2- أن التدين والتقوى رهن اليقين بالقانون الإلهي: كتاب الله تعالى والسنة الشريفة، ورعاية " حدود الله تعالى"، وتعظيم ما عظَّم سبحانه، وتصغير ما صغَّر.

 

3- أن رسول الله صلى الله عليه وآله، سيد الخلق، وهو رسول الله تعالى لكل عصر، ولا سعادة للبشرية في هذا العصر وكل ألفية إلا بالإقتداء به، وكل تجاوزٍ لهذا الأصل يعني التخلف والهلاك.

 

4- أن كل خيرٍ عند الأمة كربلائي: كل ما عندنا من عاشوراء. وعلى هذا الأساس صارت حقيقة " انتصار الدم على السيف" مثلاً، ونبراساً ومنهجاً.

 

5- أن العناية التامة بإعمار الدنيا- وفي الطليعة إقامة الحكم لخدمة الناس، وليس للتسلط على رقابهم- هي من شؤون الآخرة، ولذلك فلا نظرة إلى أي من أمور الممر إلا بمنظار الآخرة والمستقر.

 

6- أن الواقعية الحقيقية، والموضوعية السليمة، والمنطقية المستقيمة، هي أن الغيب هو الواقع الموضوعي، وفي إطاره تقع الرحلة البشرية كلها، ومن هنا فإن عمى القلب الأخطر هو البناء على أن الغيب نقيض الواقع الموضوعي! وبالتالي: الدين نقيض العقلانية! والحداثة أكبر من الخلود!!

 

وعلى أساس هذه المنطلقات العقائدية بايعت قلوب الأمة عبد الله المسدد الإمام الخميني، إلى حد أن فقيهاً ومرجعاً نوعياً هو الشهيد الصدر رضوان الله تعالى عليه، ورغم أنه كان مؤسس " الدعوة الإسلامية" - وهي آنذاك، العمل الحركي الأبرز في الوسط الشيعي- ذاب في حب الإمام وطاعته، وأمر كل من يلتزم بقيادته أن يذوب في الإمام الخميني بقدر ما ذاب هو في الإسلام.

 

***

 

* المنجزات:

 

ما هي المنجزات التي أمكن للأمة أن تحققها بفضل الله تعالى في هدي خط الإمام رضوان الله تعالى عليه؟

 

يتركز الجواب في مجالين:

 

الأول: خط الإمام في المسار السياسي.

 

والمراد به مدى انسجام المسار السياسي للملتزمين ب" خط الإمام" مع النهج الذي طرحه الإمام وأمضى عمره الشريف يجاهد لجمع كلمة الأمة حوله.

 

الثاني: خط الإمام في المجال الفكري والثقافي.

 

والمراد به:

 

أ- مدى النجاح في التعريف بالإسلام، ومواجهة الغزو الثقافي.

 

ب- مدى رعاية الملتزمين بخط الإمام للحكم الشرعي، باعتبار أن " حدود الله تعالى" هي المنطلق والطريق والغاية، ننطلق منها للعمل على تطبيقها، ونسير وفقها وفي هديها للوصول إلى الهدف النهائي الذي هو تطبيق شريعة الله تعالى ورعاية حدوده التي هي " القانون الإلهي" الذي يميز الحق من الباطل، والدين من الهوى، وعبادة الله تعالى من عبادة الطاغوت، حيث إن الثقافة الإسلامية هي ثقافة القانون الإلهي، و" الأحكام الخمسة".

 

وفي ما يلي موجز في المجالين.

 

* في المسار السياسي:

 

رغم ضراوة التيه الذي أربك المسار التنفيذي في المركز في كثير من المنعطفات، إلا أن انتخاب الرئيس أحمدي نجاد، آذن- في المسار الحكومي- بانبلاج فجر جديد لتتواصل الأمة مع النور الخميني المتوهج.

 

يكفي "خط الإمام" فخراً أنه حقق خلال حوالي ربع قرن نقل الأمة من مرحلة الضياع إلى مرحلة الحضور الفاعل في ميدان الإمساك بزمام المواجهة للشيطان الأكبر الذي وجد نفسه فجأة على مشارف الزوال، فاتخذ أحداث 11 أيلول ذريعة للهروب إلى الأمام، وإذا به يضطر إلى كشف قرون تخلفه حين مارس لغة الحروب الصليبية تحت برقع " التحالف الدولي"، ولكنه سرعان ما اكتشف أن كل مخططاته لا تعدو كونها جعجعة لا يرى معها طحناً.

 

لقد تحول التغني الأمريكي بنشر الديمقراطية في العالم الإسلامي إلى قبر للصهاينة والعملاء من الحكام، والأدهى من ذلك، للتحالف الدولي نفسه، فهاهي الصورة أمامه كما يلي:

 

" إسرائيله" في مأزق وجودي خطير، لا يعرف حكماء صهيونها متى تبدأ مرحلة " الفرار" : إن يريدون إلا فرارا"!

 

وأكياس رمله من الحكام العملاء الذين سلطهم على رقاب الأمة محبطون، تحولوا إلى عبء على " الشيطان الأكبر" كما هو الآن بدوره عبء عليهم.

 

ومئات الآلاف من جنوده المحتلين حيارى في صحاري أفغانستان والعراق، ينتظرون مصيرهم البائس، وتنتظر الأمة أن " يشبع الطير من لحوم الجبارين"!

 

لم تُسْد أمريكا في تاريخها الفرعوني أي خدمة للمستضعفين، إلا خدمة تاريخية واحدة، هي أنها حشدت كل هذه الأعداد من قوى الكفر والطغيان، لتضعها على حافة مصيرها الكارثي، طعمة لسلاح المستضعفين، ورهائن تشل قدرة أمريكا على استعمال صواريخها العابرة للقارات، وسائر حمم ترسانتها العسكرية الجهنمية.

 

لو لم تزج أمريكا بجيشها والحلفاء في هذه المنطقة، لكانت أقدر على إلحاق الأذى بنا، ولكن الله بالغ أمره، قد جعل لكل شيء قدرا.

 

 هذه المرة: تشكل رسالة الرئيس نجاد التاريخية إلى "هرقل" الرقيم النجادي الأول، والرقيم الخميني الثاني، بعد رسالة الإمام إلى جورباتشوف.

 

إنها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، لا كما يزعمه دهاقنة الصهاينة والمتصهينين.

 

ولتعلمن نبأه بعد حين!

 

* في المجال الفكري، والثقافي:

 

يكفي خط الإمام فخراً في هذا المجال أنه استطاع إنجاز الآتي:

 

أ‌- على صعيد الأمة، أصبح الإسلام محط اهتمام كل الشرائح على اختلاف مشاربها، وأصبح التعامل معه يحظى باحترام خاص لم يبلغه يوماً، منذ إسقاط الكيان السياسي الذي كان قائماً باسم الإسلام.

 

تراجعت كل الدعوات والمشارب الفكرية التي كان يزخر بها المشهد الثقافي في بلاد المسلمين، ليتقدم الإسلام طليعة العناية والاهتمام والإصغاء، وها نحن نشهد عودة شاملة ولو متفاوتة إلى الاستقلال الثقافي، واليقين بأن في الإسلام الغاية التي بحث عنها مخلصون كثر من هذه الأمة ممن كانوا يطلبون الحق فأخطأوه.

 

هاهو اليسار على وجه العموم يدرك أن ما يمكن تحقيقه للمستضعفين من خلال الإسلام، لا يمكن تحقيقه من طريق آخر.

 

وها نحن- الإسلاميين- ندرك أن المجموع المكور لحركة اليسار في البعد الاجتماعي- السياسي، كانت تهدف إلى ملء الفراغ الذي أنتجه نكوصنا عن حمل الراية.

 

وهاهو اليمين على العموم يدرك أن يمينيته التي عززها بالفرار من سلبيات اليسار، تفقد مسوغاتها بالرجوع إلى أحضان الوسطية الإسلامية، ومطابقتها للفطرة البشرية.

 

لقد أثبت خط الإمام أن القصور والتقصير في عرض الإسلام كما هو، كانا السبب في تنكب الكثيرين للصراط المستقيم الذي هو الإسلام.

 

شهدت الأمة من عهود الاستعمار والاستلاب ما حال بينها وبين دينها، إلا أنها استطاعت ولو متأخرة أن تهتدي الطريق إلى رحلة التعرف عليه، لأنها بدأت تعقد عليه لباب العقول و حبات القلوب.

 

ورغم أننا ما نزال في بداية الشوط في مجال التعريف بالإسلام على قاعدة التفريق الموضوعي الجريء بين القداسة الحق للنص المعصوم، وبين وهم القداسة التي لا ترتبط بالمعصوم بل تحاول التستر به - رغم ذلك- فإن الغزو الثقافي لبلادنا يواجه اليوم المأزق الذي يضيء عليه بكل جلاء، المأزق السياسي- الأمني – العسكري للتحالف الدولي المستنسخ عن الحروب الصليبية.

 

وما كان ذلك ليتحقق، ولا شيء منه، إلا بتوفيق الله تعالى ل" خط الإمام".

 

ب‌- وعلى الصعيد العالمي، - وبالرغم من الكثير جداً الذي لابد من العمل الجاد لتحقيقه- إلا أن ما أنجز هو التالي:

 

1- تشهد الساحة العالمية بداية واعدة في مجال التطلع إلى الإسلام باعتباره قادراً على ملأ الفراغ لعالم أيقن بالخواء الفكري للرأسمالية والاشتراكية.

 

2-  تشكل المحاور الفكرية الرئيسة للإسلام، الشغل الشاغل لعلماء الاجتماع والحقل التربوي، و"الإنسانيات" عموماً، وأقصد بالتحديد: قيمة المعرفة. القانون. حقوق الإنسان. الأخلاق.

 

وسواء عرف المعنيون بهذه المحاور أنهم وصلوا في بداية الألفية الثالثة إلى ما أكده الدين منذ فجر البشرية أم لم يعرفوا، وسواءً عرفنا نحن الإسلاميين أي مجازر نرتكب بحق المعرفة الدينية، فإن مسيرة التكامل الإنساني ماضية قدماً ليشهد العالم كله فجر الحكومة العالمية الواحدة كثمرة لانفتاح العقول والقلوب على حقيقة التوحيد.

 

3-  على النقيض من السائد حول التناقض بين الدين والتقدم التقني وسائر ألوان التطور العلمي الهائل في شتى المجالات، فإن الحق الذي لا لبس فيه أن هذا الرشد البشري في المجال النظري يأخذ بأيدي الشعوب في أربع رياح الأرض إلى الإذعان بالعقل الأكمل الذي يمكنه التفريق بين الغيب كواقع موضوعي وبين الخرافة، ليتم اكتشاف تلاقي الفطرة مع خالص لباب العقل، وتنحسر أمواج الميول الجارفة والغرائزية الأمية بل البهيمية لصالح سلطان العقل، وتتحقق التوأمة بين الكتاب التدويني والكتاب التكويني، التي تشكل الحكومة العالمية الواحدة بداية تبلورها.

 

ولم يكن بالإمكان تحقق ذلك لو بقي الخطاب الديني على ما كان عليه قبل الإمام و" خط الإمام".

 

* التحديات:

 

يجدر بالسائرين في " خط الإمام" في هذه المرحلة التنبه إلى المخاطر التي هي التحديات الراهنة، وهي كما يلي:

 

* في البعد العقائدي:

 

1-الإبتعاد – لا سمح الله - عن الأساس العقائدي التي يجسد الذوبان فيه، وقوة استحضاره الدائم أبرز معالم "خط الإمام" وأقصد به وحدة ولاية الله تعالى وولاية رسوله، وأهل بيته صلى الله عليه وعليهم، فهذا الأصل الأصيل هو الذي يعطي لأطروحة ولاية الفقيه زخمها في الميدان العملي باعتبارها تظهير ولاية الله تعالى في البعد التطبيقي، بُعدِ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بمظهرهما الأتم وغير المُبْتسر.

 

يجب المحافظة في العمل التبليغي المسجدي، وفي وسائل الإعلام وحركة الفكر والثقافة، على أن يتخذ الارتباط بالله تعالى موقعه الذي أدرك الإمام تأكيد الإسلام عليه، حين قال: "الدنيا محضر الله فلا تعص الله ف محضره".

 

تجدر الإشارة هنا إلى ضرورة دراسة نص الإمام السياسي لتظهير حقيقة الوآمة في المدرسة الخمينية بين السياسي والديني إلى حد أنه في أحد بياناته من العراق ضد الشاه، يتحدث عن الصورة الباطنية للإنسان التي هي رهن ما اكتسب، كما أنه رضوان الله تعالى عليه يصرح بأن السبب الأساس لطغيان الدول المتجبرة ليس إلا هوى النفس.[1]

 

*يجب المحافظة على:

 

أ‌- شديد الارتباط الدائم برسول، فهو الله صلى الله عليه وآله يرى عملنا: وقل اعملوا فسير ى الله عملكم ورسوله والمؤمنون.

 

ب‌- وعلى أن تتناسب معرفتنا- والمراد بها دائماً المعرفة التي لا تنفك عن أقوى الحضور في المسار العملي الفردي والجماعي تخطيطاً و تبليغاً - بأمير المؤمنين عليه السلام، مع كونه عليه صلوات الرحمن نفس المصطفى الحبيب صلى الله عليه وآله، مع ما أكده الإمام في كتاب: الأربعون حديثاً، بالخصوص.[2]

 

ت‌- وعلى أن تتناسب معرفة الصديقة الكبرى عليها السلام مع ما أكده الإمام في معرض الحديث عن " الصحيفة الفاطمية" في وصيته عليه الرحمة، وفي معرض الحديث عن أن هذه المنقبة هي أعظم مناقبها، وكلها عظيمة.[3]

 

ث‌-  وعلى أن تتناسب معرفتنا بالإمام الحسن المجتبى عليه السلام مع كونه إمام زمان الإمام الحسين عليهما السلام.

 

ج‌-  وعلى أن تتناسب معرفتنا مع سيد الشهداء عليه السلام مع حقيقة أن " كل ما عندنا من عاشوراء".

 

ح‌- وعلى أن تتناسب معرفتنا بالتسعة المعصومين عليهم صلوات الرحمن مع كونهم أئمة المسلمين ومن الخلفاء الإثني عشر للمصطفى الحبيب الوارثون له صلى الله عليه وآله ولجميع الأنبياء، والذين لا يمكن أن يكون مقامهم الإلهي دون ما يتناسب مع كونهم من المصطفى الحبيب، وبضعة شجنته، كما لا يمكن أن ينسجم الاعتقاد بهم مع عدم حمل هم وحدة الأمة.

 

خ‌- وعلى أن تتناسب معرفتنا بالإمام المهدي المنتظر"أرواح العالمين لتراب مقدمه الفداء" كما كان الإمام يعبر عند التشرف بذكره، مع كونه " الكوكب الدري" المدخر من قبْل الخلق، ليحقق الله تعالى على يديه رسالات الأنبياء التي كانت كلها تظهيرات لمستويات في الرسالة الخاتمة، ومع كونه عليه صلوات الرحمن " يظهر بالربوبية، بعد أن ظهر آباؤه بالعبودية"[4] ومع كون الواجب على جميع الأجيال – وعلى الأقل- من أوائل النصف الثاني للقرن الثالث الهجري انتظاره، على قاعدة إحدى الحسنيين: إدراكه، أو بناء النفس بما يناسب التشرف بالأوبة للجهاد بين يديه.

 

والمدخل إلى المهمة التي تتيح تلبية ما تقدم:

 

العناية القصوى – فرداً وجماعات- بما يلي:

 

أ‌-   القرآن الكريم. قراءة وحفظاً، وتفسيراً ودراسات علمية يسيرة التناول وتخصصية.

 

ب‌- التعامل مع الدعاء وفق المنهج القرآني: قل ما يعبؤ بكم ربي لولا دعاؤكم.

 

ت‌- نقل الاهتمام بالأحكام الشرعية من الهامش إلى المتن، انسجاماً مع كونها " حدود الله تعالى" : " ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه"، وظلم النفس وضع لها في بداية منحدر الشرك: إن الشرك لظلم عظيم.

 

ث‌- التعامل مع مجالس العزاء باعتبارها المدخل إلى المحمدية البيضاء: حسين مني وأنا من حسين" وهو ما يحتم أن يكون حضور هذه المجالس متميزاً على مدار السنة، لأنها مفتاح الأنفس والآفاق على رؤية كل فرد ملكوت الله تعالى - بما يناسبه - أو التأسيس لذلك في خط التنقل في مدارجه.

 

ج‌-  العناية المتميزة والمتفاعلة مع "الثقافة المهدوية" و" آداب عصر الغيبة" وبالخصوص: زيارة سلام الله الكامل، وسلام على آل ياسين، ودعاء الندبة، و"الدعاء في زمن الغيبة".

 

لا يمكن إطلاقاً الإقرار على أن تشي بعض ألوان أدائنا أننا نحاذر أن تكون قوة حضور الإمام المهدي في خطابنا – عموماً- حاجزاً بيننا وبين روح العصر والانفتاح!

 

* في البعد السياسي:

 

طبيعي جداً أن تفرض التطورات السياسية دائماً تكتيكاً في خدمة الإستراتيجية، ولكن من الطبيعي أيضاً أن نحرص على التدقيق في الموارد التالية:

 

أ‌- الحذر الدائم من الحرام الذي يمارسه من نوقن بعدم التزامه بولاية ولي الأمر، كما حدث في وزارة الإرشاد في عهد السيد مهاجراني، وبين التكتيك الحقيقي الذي نطمئن إلى غطائه الشرعي المستمد من رضا ولي الأمر أو إقراره.

 

ب‌- التفريق بين التكتيك الحقيقي الذي يحرص على خدمة الإستراتيجية، وبين التستر بالتكتيك الذي ينشأ إما من عدم حسن وعي خط الإمام وثوابته، أو من منطلقات مغايرة لخط الإمام لعدم القناعة به أصلاً.

 

وتحتل خطورة الخلط في هذا المجال الأولوية المطلقة نظراً إلى أن الأغلب فينا- أتباع خط الإمام- أننا جئنا إلى هذا الخط المبارك من خطوط أخرى، بين بعضها وبين خط الإمام بون شاسع جداً.

 

ت‌- حذر كل فرد من العاملين - بالخصوص - من خطورة سوء العاقبة و" الإنقلاب على الأعقاب" الذي يشكل أصلاً في مسار الفرد والجماعة، وليس مجرد واقعة في صدر الإسلام بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله، فالدنيا – كما حذر منها الرؤوف الرحيم- حلوة خضرة، والله مستعملكم فيها فناظر كيف تعملون[5]، ومن الطبيعي أن تؤدي الغفلة عن التدقيق في الالتزام بالثوابت إلى تحول الاستثناء إلى أصل، و"الحديبية" إلى نهج.

 

وأكتفي هنا بذكر مثال واحد: لقد التزم أبناء خط الإمام بنهجه السياسي الذي لا يقر مهادنة نظام كافر- وكل نظام لا يحكم بما أنزل الله ، هو نظام كافر- وعلى هذا الأساس شنت حملات من الملتزمين بخط الإمام على هذا العالم وذاك في كثير من البلدان، بل وصل الأمر إلى مواقف حادة جداً من مرجعيات مشهود لها بكل الخصائص العلمية والعملية ماعدا الموقف السلبي من الأنظمة.

 

وفي مراحل تالية برزت في عدد من البلدان ظاهرة التعايش مع الأنظمة، وقد تفرض المستجدات ضرورة مثل هذا التعامل، لكن السؤال:

 

 كيف يمكن أن نفرق بين التكتيك الذي هو أشبه بالاضطرار إلى أكل لحم الميتة، وبين تحول هذا الاضطرار إلى نهج، خاصة وأن المغريات كثيرة " حلوة نضرة " !!

 

من شأن تقنين الضرورات، والتفريق بين الأداء السياسي، وبين عملية التثقيف، إلى منع الشرخ في الجسد الواحد، والحؤول دون تحول " خط الإمام إلى " خطوط"!!

 

لا يصح أبداً أن ننكر أن البعض يفْرطون في الأكل من لحم الميتة بحجة الاضطرار.

 

ولا يصح أبداً أن ننكر أن هناك تكويناً مفَرِّطاً قد يفضل الموت على العمل بالحكم الاضطراري!

 

ولئن كان الفريقان مخطئين، فإن الخطر الأكبر على خط الإمام ليس من النمط الثاني، لأن معتمديه يسبحون عكس التيار.

 

رغم كل الإنجازات النوعية التي حققها خط الإمام في البعد السياسي – والمقصود هنا خارج المركز- إلا أن عدم معالجة هذه الظواهر التي يجمعها الخلط بين الاضطرار والمبدأ، يمكنه أن يهدد سلامة الخط بدرجة شديدة الخطورة، خاصة وأن الكثير منا كما مرت الإشارة، خمينيون بالتطبع، ولذلك فإننا قد نرجع إلى قواعدنا غير سالمين ونحن نحسب أننا نحسن صنعا.

 

ستكون الخسارة فادحة إذا اعتقد- مثلاً- أتباع خط الشهيد الصدر الأول رضوان الله تعالى عليه، أن ما يراد لهم الآن الالتزام به هو دون أصالة خط الشهيد بكثير، مع أنهم إنما تركوا هذا الخط لأن الشهيد نفسه أمر بالذوبان في الإمام الخميني بقدر ما ذاب هو في الإسلام.

 

لقد وجد أتباع الشهيد الصدر في خط الإمام كل الإيجابيات التي عرفوها من الشهيد، مع امتيازات خمينية جليلة وخاصة، فكيف يمكن أن يقروا على مسار يرجعهم إلى ما هو دون مستوى خط الشهيد بكثير.

 

والنموذج اللبناني بارز في هذا الباب، وفي ما يأتي الآن مزيد من إضاءة.

 

* في البعد الفقهي: حدود الله تعالى:

 

ليست الأحكام الشرعية، إلا التوحيد العملي، فمن وحد الله تعالى نظرياً، لا يكون توحيده عملياً إلا بمقدار التزامه حدود الله تعالى، حيث يكشف هذا الالتزام أنه اتبع الرسول صلى الله عليه وآله، بهذا المقدار الذي يحدد بدوره نسبة جوهر توحيده وحقيقته.

 

ولا يمكن أن يحسن انتساب أي مؤمن إلى خط الإمام ما لم يدرك الترابط الجذري بين " حب الله تعالى" الذي هو مصدر اللهيب الباطني الخميني، وبين " حدود الله تعالى" كمظهرين لحبه سبحانه نظرياً، وتجليين متماهين إلى حد أنك لا تستطيع أن تتحدث عن أحدهما إلا وأنت – شئت أم أبيت – تتحدث عن الآخر.

 

هل ينفصل حب الله تعالى عن حب الصلاة؟ وكذلك هو كل واجب.

 

وهل ينفصل حبه سبحانه عن حب كل مستحب، وكراهية كل مكروه، وبغض كل حرام، والتعامل مع كل مباح على قاعدة أن الله سبحانه أباحه، فليس الدخول فيه إلا فرع إجازة الحبيب!

 

* ولابد هنا من إلفاتين:

 

1- أن ما تم إنجازه من إعادة الاعتبار للحكم الشرعي منذ انتصار الثورة الإسلامية وإلى الآن، عظيم النوعية والتميز، فها هي البشرية تسير في الاتجاه الذي سيجعلها أشد إدراكاً ولو بعد حين – يتناسب الحين هنا مع الحديث عن عمر الأمم وتحولاتها- لحقيقة أن القانون الوحيد الذي لابد من التزامه هو القانون الإلهي.

 

2- أن أي خلل من السائرين في خط الإمام، في باب تطبيق " حدود الله تعالى" يرقى إلى خدش الأساس الذي قام عليه الطرح الخميني للإسلام، وبالتراكم يتحول الخدش إلى تشويه، ثم – والعياذ بالله تعالى- إلى تحريف للخط وتزييف، وصولاً إلى الخروج من هذا الخط الأصيل والصراط المستقيم إلى السبل التي تضل بنا عن سبيله.

 

ولابد في هذا السياق من التحذير الشديد من المنكرات التي بدأت تغزو وسائل إعلامية هي في الأصل إسلامية ويؤمل أن تبقى كذلك، وأخص بالذكر قناة "العالم" وقناة "المنار".

 

ولن يمنعنا من التشهير بأي وسيلة إعلامية أنها عزيزة جداً أنها قائمة بأموال الإمام صاحب الزمان أرواحنا فداه، أو لاصطباغها بدماء الشهداء الأبرار، وقيامها على وهج إنجازاتهم، أو أن أداءها السياسي طليعي بامتياز، بل إن ذلك بعينه هو السبب الذي يحتم على كل فرد في " خط الإمام" أن يجهر برفيع الصوت احتجاجاً على غزو الثقافة المنحلة بإعلانها وأفكارها وضلالها المموسق ادعاءً إلى عقر دور قلوب المؤمنين باسم الانفتاح المزعوم، الأمر الذي ترقى خطورته لدى التفكير الموضوعي إلى خطورة الخلايا السرطانية التي يمكن أن تفتك بالجسد كله ولو بعد سنوات.

 

إن كل تجاوز لحد من حدود الله تعالى خلية سرطانية خبيثة.

 

كان حسان بن ثابت الوسيلة الإعلامية البارزة في عصر الرسول صلى الله عليه وآله، ومع ذلك فقد مدحه المصطفى بشرط بقائه في خط الاستقامة، ولم يطلق له المديح دون شرط.

 

وهذه وصية الإمام الخميني بين أيدينا، فلنقرأها ولنحفها عن وسائل الإعلام السؤال، لنجد التكليف واضحاً محدداً، بنفس التوثب والزئير الخمينيين:

 

" ويجب أن نعلم كلنا أن العقل والإسلام يدين الحرية بشكلها الغربي، التي هي سبب لدمار الشباب والشابات والفتيات والفتيان، وأن الإعلانات، والمقالات، والخطب، والكتب، والمجلات المنافية للإسلام والعفة العامة ومصالح البلد حرام ويجب علينا جميعاً وعلى جميع المسلمين منعها ويجب منع الحريات المخربة، وإذا لم يُمنع بشكل قاطع ما هو حرام شرعاً، ومخالف لمصلحة الشعب والبلد الإسلامي، والمخالف لحيثية الجمهورية الإسلامية فالجميع مسؤولون. وإذا واجه شباب حزب الله بعض هذه الأمور فليرجعوا إلى أجهزتهم المختصة وإذا قصر هؤلاء فإنهم مكلفون هم بالمنع. كان الله في عون الجميع".[6]

 

ويلحق بما تقدم من تفلُّت من الحكم الشرعي في وسائل الإعلام، الجموح إلى التفلت من الضوابط الشرعية في الأعراس الجماعية، التي انتشرت في أكثر من بلد، وإن كان ما نشهده في بعضها سباقاً – لشديد الأسى والأسف- إلى عدم التدقيق في رعاية الموازين الشرعية. التي تقوم بالإضافة إلى فتوى ولي الأمر على مبدأ حرمة تقوية الثقافة المعادية.

 

* ضرورة "الشفافية" : النصح والتسديد:

 

إن أبرز سمات الهدى الإلهي الذي ليس " خط الإمام" إلا تظهيراً لأصالته، هي " كرامة الإنسان" وأن باستطاعته اختيار أحد " النجدين" و" أن سعيه سوف يرى"، وأنه ليس لأحد أن يصادر إرادة الناس" لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ ".

 

وأبرز سمات الجاهلية المستنسخة ادعاء " الشفافية" و" النظام الدولي الجديد" و"الديمقراطية"، ورغم أن هياج الكاوبوي الأمريكي ووعيده لا يذكران إلا بفرعون وشرذمته القليلين! كما لا تُذكِّر أحاديث حرب النجوم وبناء العالم كما يحلو لهم إلا برامفسيلد فرعون" هامان" : يا هامان ابن لي صرحاً لعلي أبلغ الأسباب. أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى .. غافر 35-36

 

وبديهي أن علينا أن لا نسمح لفرعون وهاماناته حتى بأن يذرفوا دموع التماسيح على " الحريات" و"الدمقرطة" لأن ذلك قد ينطلي على الكثيرين ممن يصعب عليهم التفريق عند اشتباك الدموع في الخدود بين المبدئي والممثل.

 

ويتوقف ذلك على مدى سلامة تطبيق " خط الإمام"، ويتوقف هذا بدوره على مدى إقامة تجربة ولاية الفقيه التي هي التعبير الأكثر دقة عن النهج الخميني، على قاعدة النصح والتسديد وعدم التوجس من أي نقد بناء مهما كانت قسوته.

 

وحيث إن الجهر بالنقد لا يروق لبعض المتصدين لمسؤوليات مختلفة في بعض دوائر خط الإمام، كان لابد من الوقوف عند حتمية حق النصح التي هي فرع حتمية حق حرية الرأي كما أوصى أخيراً سماحة الإمام القائد الخامنئي.

 

على الصعيد الفردي وتهذيب النفس، لابد أن تكون المراقبة والمشارطة والمحاسبة أصلاً دائم الحضور والفعالية والتغيير، كذلك هو الحال على الصعيد الاجتماعي والحركي بالخصوص.

 

لابد أن تكون روح المساءلة والنصح والنقد حاضرة باستمرار، لأن خشية النقد تفتح الباب على مصراعيه لتنامي الأخطاء وتراكمها إلى حيث تستشري ويختلط الأمر ويحسب " العامل" و" الحركي" المتبوئ لمنصب، أن عمله له طعمة، فيستعصي الحل ويصبح "خط الإمام" – لا سمح له مناخاً لتربية الطواغيت الذين تشكل الثورة عليهم فلسفة الخط وعمقه العقائدي النابع من وضع الإصر الأغلال وكسر الأصنام، وتحريق الآلهة المزيفة ونسفها في اليم واليابسة نسفاً.

 

* قال أمير المؤمنين عليه صلوات الرحمن:

 

" فعليكم بالتناصح في ذلك وحسن التعاون عليه، فليس أحد وإن اشتد على رضاء الله حرصه، وطال في العمل اجتهاده، ببالغ حقيقة ما الله أهله من الطاعة له. ولكن من واجب حقوق الله على العباد النصيحة بمبلغ جهدهم، والتعاون على إقامة الحق بينهم . وليس امرؤ وإن عظمت في الحق منزلته، وتقدمت في الدين فضيلته بفوق أن يعاون على ما حمَّله الله من حقه، ولا امرؤ وإن صغَّرته النفوس واقتحمته العيون بدون أن يعين على ذلك أو يعان عليه".[7]

 

إن استحضار وصية الإمام الخميني رضوان الله تعالى عليه، ضروري جداً لمن يريد التفكير بالإيجابيات والسلبيات في مسار الجمهورية الإسلامية وخط الإمام عموماً، وأقصد بالتحديد: كيف أن الإمام رضوان الله تعالى عليه كان لا يستنكف أن يتحدث عن كل السلبيات التي ترافق التطبيق، ثم يبدأ بتحليلها وبيان الموقف منها، فإذا باليقين الخميني يلقف ما صنعوا، إنه كيد ساحر، ولا يفلح الساحر حيث أتى.

 

وأذكر هنا فقرتين من الوصية المباركة توضحان ما تقدم:

 

1- "إنني لم أقل أبداً ولا أقول أنه يُعمل اليوم في هذه الجمهورية بالإسلام العظيم بكل أبعاده وأنه لا يوجد أشخاص يخالفون القوانين والضوابط جهلاً أو بسبب عقدة ما أو لعدم انضباطهم،إلا أني أقول أن السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية تبذل جهوداً جبارة لأسلمة هذه الدولة, والشعب بعشرات ملايينه يؤيدها ويمدها".[8]

 

2- "..من الواجب على شعب إيران خصوصاً وعلى جميع المسلمين عموماً أن يحفظوا بكل ما أوتوا من قوة هذه الأمانة الإلهية التي أعلنت رسمياً في إيران وحققت في مدة قصيرة نتائج عظيمة ويبذلوا جهدهم لإيجاد المقتضيات لبقائها ورفع الموانع والمشكلات, والمأمول أن يسطع سنا نورها على جميع الدول الإسلامية وأن تتفاهم جميع الدول والشعوب على هذا الأمر الحياتي ويقطعوا وإلى الأبد أيدي القوى الكبرى أكلة العالم وجناة التاريخ عن مصائر المظلومين والمضطهدين".[9]

 

لابد إذاً لدى أي نقد للتجربة، من استحضار أن حفظ نظام الجمهورية الإسلامية في طليعة الواجبات، ويلحق بذلك حفظ تعابير خط الإمام في مختلف البلاد الإسلامية، وخصوصاً "حزب الله" في لبنان الذي يشكل - بين كل تجليات البركة الإلهية في المدى الخميني - رأس الحربة، وخط الجبهة المتقدم خارج المركز.

 

* مقياس النجاح:

 

وأخلص هنا إلى تقديم الخطوط العامة التي تشكل بمجموعها " مقياس النجاح" الذي يمكننا من معرفة أن " خط الإمام" يمضي قدماً في الصراط المستقيم، بعيداً عن الاستبدال أو الإلتواء المقدمة للاستبدال، وهي كما يلي:

 

1- مدى الالتزام بالحكم الشرعي، خصوصاً في العمل الإعلامي بما يشمل التجمعات والمجالس العامة والاحتفالات.

 

2- مدى الإصغاء إلى الرأي الآخر، والتعامل مع النصح كضرورة تعادل في المسار العام، المراقبة والمشارطة والمحاسبة في الشأن الخاص.

 

3- استمرار التزام الشعارين الأبرز"الموت لأمريكا" و " إسرائيل غدة سرطانية، يجب أن تزول من الوجود" وبديهي أن هذا الاستمرار رهن مواصلة الجهد العملي في هذا الخط كما هو الحال الآن، ولا تكفي الإدعاءات مهما كانت مجلجلة.

 

4- ترشيد التعددية تحت سقف الولاية، واستلهام الأطراف في البلاد الإسلامية المختلفة لحقيقة ما يجري في المركز.

 

لقد أرسى الإمام الخميني رضوان الله تعالى عليه دعائم التعددية تحت سقف الولاية، فشملت عباءته المباركة " روحانيين مبارز" و " روحانيت مبارز" وقد رعى الإمام القائد الخامنئي هذه التعددية وأثرى تجربتها، وما انتخاب الرئيس أحمدي نجاد إلا درس نموذجي لابد من الوقوف عنده واستلهامه، فلم يكن سيادته يحظى بتأييد كل السائرين في خط الإمام، بل كان بعض كبار دعائم هذا الخط المبارك يؤيدون غيره بحماس، ويعملون لمرشحهم بكل إصرار.

 

ورغم أن الفرق كبير بين طبيعة العمل في بناء دولة، وبين طبيعة العمل الحركي، فإن ذلك يحتم أن تبذل قصارى الجهد للتفريق بحذر بين سلبيات التعددية التي قد تفتك بالعمل الحركي، وبين إيجابيات هذه التعددية التي لا يجوز التنكر لها بحجة حفظ الخط! لأن تنكب مسار التعددية وحرية الرأي والنقد، لا يمكن أن ينتج غير الديكتاتورية والاستبداد.

 

وحاشا ولاية الفقيه وهي أقدس مبدأ تنفيذي في زمن الغيبة، أن تتساوى في النتائج – بسوء تطبيق هذه القناة أو تلك- مع ذهنية صدام ونظائره.

 

***

 

وفي الختام:

 

لا تخرج هذه المقاربة عن دائرة الخضوع للنقد البناء، ويسعدني أن أتلقى التسديد، على أمل أن نوفق جميعنا للإسهام في حفظ هذه النعمة الإلهية الكبرى في هذا العصر.

 

والحمد لله رب العالمين.

 

 _______________________

 

[1] أنظر: بلسم الروح، ترجمة المؤلف. ط: دار التعارف- بيروت. رسالة الإمام إلى ولده المرحوم السيد أحمد.

 

[2] أنظر: الحديث الثالث ص 99 من الترجمة العربية، وص76 من النسخة الفارسية، ط: لجنة تنظيم آثار الإمام.

 

[3] صحيفهء نور( المجموعة الكاملة لخطب الإمام ورسائله، فارسي) ج 19 ص 278-279، وانظر: المؤلف: في محراب فاطمة عليها السلام،38-39 ط: دار الهادي- بيروت.

 

[4] من إجازة الإمام الفلسفية للميرزا جواد الهمداني عام 1354هجري قمري، صحيفه نور ج 1 ص 4-5-6 والنص في الأصل بالعربية.

 

[5] أنظر: السيوطي، الديباج على مسلم6/84 عن رسول الله صلى الله عليه وآله، وابن أبي جمهور الأحسائي، عوالي اللئالي1/371

 

والعلامة الحلي، الرسالة السعدية 159 واللفظ في المتن للأخير.

 

[6] الوصية الخالدة، خطر وسائل الإعلام.

 

[7] نهج البلاغة - خطب الإمام علي عليه السلام ج 2 ص 198

 

[8]  الوصية الخالدة.

 

[9]  نفس المصدر.