القسم الأول

 

لقد تبلورت فكرة هذه الدراسة في ذهني عندما أردت أن أدرس وصية الإمام الخميني دراسة مستفيضة, فوجدت أنّ وصية الإمام هي مجموعة كبيرة من العناوين والمفردات والتعبيرات الثقافية والعسكرية والاقتصادية والسياسية والأخلاقية، أو أنها مختصر لعمل موسوعي ضخم لو أراد المرء تغطيتها، وتغطية كل ما حظي بخصوصية، لاحتاج إلى تركيز استثنائي في سياق هذه الوصية، ولذا فإنني عندما أردت أن أتناول الوصية بالدراسة وقعت في إشكال منهجي؛ لأنني لم أنوِ أساساً، ولا أدّعي لنفسي القدرة على تغطية الوصية في أبعادها الموسوعية, وفي محتواها الشمولي والتفصيلي.. وعندما حاولت أن أرجع الوصية إلى انتمائها الخطابي كمحاولة للتسهيل... وجدت أنّ الخطاب الثوري لدى الإمام هو الآخر يحتاج إلى جهود تحليلية كبرى، لا أدعّي أيضاً أنني قادر لوحدي على القيام بها.

 

ولكن وإيماناً منّي بأهمية الوصية كمحور, وأهمية الخطاب الثوري كمكوّن من مكوّنات المشروع الإسلامي الكبير, الذي نظّر له الإمام فكرياً وثورياً واقترن اسمه به.. حاولت أن أقف في هذه الدراسة على (بعض) ثوابت خطاب الإمام الثوري, وكان ذلك من خلال مجموعة من المقالات التي كتبتها ونشرتها الصحف، مع إجراء بعض الإضافات عليها.. وأكرر هنا كلمة (بعض) وأؤكّد عليها؛ لأن هذا الخطاب الثوري يبقى أعقد وأشمل من محاولتي الأولية هذه لتحليل بعض صفاته ورصد بعض ثوابته.. هذه الثوابت التي اختزنتها الوصية كعينة شاملة جامعة لهذا الخطاب الثوري، أو المقالة الثورية، ولذا فإن الذي فعلناه هنا هو أننا وقفنا على ثوابت الخطاب الثوري لدى الإمام بناءً على نصوص الوصية المباركة، وبناءً على النصوص العامة المأخوذة من أحاديث وتصريحات الإمام التي قالها في حياته؛ لكي نشكّل بذلك الملامح والسمات والمكوّنات الخطابية من جهة، وتتّضح الصورة المفرزة التي تشكّلها الوصية لهذه السمات والمكوّنات من جهة أخرى.

 

وبمعنى آخر، لتشكّل (الجسم) الخطابي الثوري لدى الإمام إذا صحّ التعبير، ولنرى كيف تجسّد هذا (الجسم) الخطابي مرّة أخرى من خلال الوصية، أو كيف تحوّلت هذه الوصية إلى عيّنة من عيّنات الخطاب الثوري.. هي الأشمل والأثرى من غيرها، والأصلح مشروع عمل يهدف إلى دراسة الخطاب الثوري لدى الإمام, ومن ثم مكوّنات المشروع الثوري أو النهضوي.

 

أما فيما يخص الفضاء الذي يتحرّك فيه أو يتعاطاه الخطاب كنموذج متجسّداً بالوصية، وهو ما سميّناه بالفضاء الموسوعي بكل مجالاته الثقافية والسياسية والتربوية، فإننا تحرّكنا في داخله حركة تحددها الإثارة المهمة في ثنايا الوصية تارةً ويحددها الثقل التكراري لأي مفهوم ثقافي أو سياسي أو فكري تارةً ثانية، وتحددها القوة التحليلية التي يجسّدها النص الخطابي ـ نص الوصيةـ تارةً ثالثة، وتحددها ضرورة تكامل المفاهيم المثارة بما تمثّله ثوابتها الخطابية من ثقل أصلي في الشكل الخطابي العام تارةً رابعة. فما يجب أن يقال هنا هو: أنّ ثوابت الخطاب الثوري تبقى أيضاً متفاوتة الأهمية والثقل والمساهمة في تركيب أو رسم الشكل النهائي لهذا الخطاب.

 

على أية حال: هذه الحالات الأربع, وحالات التعاطي الأخرى كانت تتجاوز في أكثر الأحيان نص الوصية لتشريحه بنصوص أخرى سابقة للإمام.

 

كما أنها كانت تشكّل في موضوعاتها الثقافية وغير الثقافية نوعاً من الجدلية والتواصل والارتباط التبادلي؛ لتضفي على الخطاب لوناً من ألوان المرونة في إدراك أهدافه وتجعله ينفرد بمثل هذه الجدلية وما تؤدّيه من دور إيضاحي؛ لتركيب النص الخطابي الثوري.

 

إنها محاولة إذاً لإثبات(لا عفوية) الخطاب الثوري لدى الإمام، ومحاولة لتسليط الضوء على جوانب المنهجية والتخطيط والاتّساق والانتظام التي تحقق الأهداف الفكرية، أو لتترجم المدرسة الفكرية التي يمثلّها الإمام ويروّج لها من خلال خطابه هذا، ومحاولة لتحليل عناصر ومكوّنات الخطاب ودوره في تجسيد الفكرة أو المبدأ الإسلامي.

 

إنّ الخطاب الثوري لدى الإمام الخميني لم يسقط في قطيعة زمنية مع نفسه، ولم يقع في مطبّات الصعود أو الهبوط أو الاهتزاز أو التناقض، وعبّر عن نفسه بشكل تتطابق فيه البدايات(مراحل العمل الثوري الأولي) والنهايات(الوصية).

 

وإذا كان لهذا الثبات من معنى: فمعناه يرتبط بسعي الإمام إلى تأسيس دولة ثورية تصبح مصداقاً للخطاب وضمانة لتواصله.

 

كما أنها تتحوّل إلى جنب الخطاب الثوري إلى أداة من أدوات المشروع الإسلامي الثوري الذي قاده الإمام.. وربما أنّ هذه العلاقة هي التي تقود الباحث إلى الوقوف على جهود الإمام لتأسيس الدولة الثورية, فيما هو يسعى إلى دراسة مكوّنات وثوابت الخطاب الثوري لدى الإمام.. لأن قسماً كبيراً من هذه الثوابت ترتبط بتأسيس الدولة الثورية وما انطوت عليه من نظريات أو خطوط نظريات تحوّلت إلى ممارسة في مجالات الدفاع والثقافة والقيادة والنقد والإعلام وغيرها، لاسيّما في نصوص هذا الخطاب التي جاءت في أحاديث الإمام بعد انتصار الثورة الإسلامية.

 

باختصار أراد الإمام أن يجعل من الخطاب الثوري عاملاً في بناء الدولة الثورية، وأراد أن يجعل من الدولة الثورية ضمانة لتواصلية هذا الخطاب، وأن يتحوّل الخطاب والدولة إلى أدوات ذات علاقة جدلية في المشروع الإسلامي الثوري.

 

وهل تؤخذ ملامح ونظريات وخطوط هذا المشروع الإسلامي السياسي من غير الإمام؟ فالإمام بحكم قدراته الفقهية والعلمية.. وبحكم قدراته الحركية السياسية تحوّل إلى مرجع لاستلهام الإسلام السياسي الذي تعرّض إلى مؤامرات دولية كبرى سعت إلى إبعاده عن مسرح السياسة العالمية وبالإضافة إلى هذا.. فإن حياة الإمام السياسة قاربت السبعة أو ثمانية عقود زمنية.. ليست كسواها من حيث التحوّلات الفكرية والسياسية والإنهيارات والنهضات التي شهدتها الإنسانية.

 

لقد واكب الإمام الخميني هذه التحوّلات بدرجة كبيرة من درجات التماس والتفاعل وعايش انهيار الكيان الإسلامي ـ المتمثّل بالدولة العثمانية ـ والحروب العالمية التي شهدها القرن الماضي، وانبعاث الكثير من الرموز والحركات النهضوية، كما أنه رصد(البدائل) الدولية للإسلام المنهار وعدداً كبيراً من الطروحات القومية واليسارية، ومارس وسط هذه المعايشة والمراقبة دوره السياسي الإسلامي.. وبالتالي فإن وعيه السياسي اختصر زمن تلك التحوّلات، وأنّ فكره السياسي هضم كمّاً كبيراً من التجارب الحركية والسياسية.. وانطلاقاً من هذه الثروة المعرفية والمواكبة استطاع الإمام أن يشخّص تحدّيات المواجهة الإسلامية ـ الدولية واستطاع أن يؤسس للمشروع الإسلامي كخطاب نظري أولاً، وكدولة ثورية في جزء من العالم الإسلامي ـ إيران ـ ثانياً، وكوعي ثوري طامح لأن ينجز مفردات المشروع الإسلامي الكبير ثالثاً.

 

فهذا الوعي الذي تفجّر في الشارع الإسلامي مع انفجار الثورة الإسلامية في إيران، تحوّل بحدّ ذاته إلى مصدر جدلي لحركة الوعي السياسي الإسلامي إلى جانب الدولة الإسلامية الثورية كممارسة وخطاب سياسي يشكّل امتداداً لخطاب الإمام الخميني في ثوابته وقيمه ومفاهيمه الثورية.

 

الإمام الخميني إذاً هو رجل القرن الماضي ـ بما استوعبه وعايشه من أحداث القرن الماضي ـ ورجل القرن الجديد ـ على أكثر الاحتمالات ـ لِمْا خلّفه من تراث سياسي ومن تأسيس محكم لمجمل أدوات المشروع النهضوي الإسلامي.

 

وربما أنّ الإمام نفسه، كان يقرأ أفق حركة المشروع الإسلامي عبر مجموعة استشراقات ورؤى استباقية قائمة على قدرة هائلة في التحليل السياسي، وقائمة على تراكم الخبرة السياسية الكبير الذي أشرنا له.. وهذا الاستباق والاستشراق على أكثر من محور سياسي الذي تحوّل إلى مصاديق أو حقائق على الخريطة السياسية العالمية، يكرّس من ناحية أخرى أهمية قراءة حركة المشروع الإسلامي وموقعه المستقبلي العالمي على ضوء تجربة الإمام، وقيمه السياسية ونظرياته الثورية التي أسسها.

 

وعلى الرغم من أنّ القرن الماضي شهد انبعاث أحزاب وحركات ورموز إسلامية مهمة بقيت تمارس العمل السياسي الإسلامي، بشكل علني تارةً، وسري تارةً أخرى. قبل انتصار الثورة الإسلامية في إيران إلاّ أنّ هذه الحركات والأحزاب والرموز ما استطاعت بالتأكيد أن تؤسس للإسلام بصفته السياسية العالمية، والإمام الخميني فقط هو الذي استطاع أن يؤسس المشروع الإسلامي العالمي.. وأغلب الظن أنّ فكر الإمام السياسي الذي نحاول أن نسلّط الأضواء هنا على بعض جوانبه وملامحه قد فتح أبواب المواجهة بشكل لم يستطع أحد إغلاقها, وأنّ حلبة الصراع ستشهد أشكالاً وفصولاً قادمة معنونة بإسم الإمام الراحل كرمز غائب .. حاضر.

 

 مصطلح الخطاب الثوري

 

 لقد شكّل الخطاب الثوري واحداً من الأدوات الثورية التغييرية في المشروع الإسلامي العالمي الذي ارتبط بنهضة الإمام واسمه وأفكاره.

 

وبادئ ذي بدء لابدّ أن نشير إلى ما نعنيه في موضوعة الخطاب الثوري، ومكوّناته الأساسية وصفاته العامة، ثم نحاول أن نسبر غور هذا الخطاب قراءةً وتحليلاً وتنظيراً. وإذ نخوض غمار البحث في النص الخميني الثوري لنرى ما يختزنه هذا النص من مفاهيم وآليات ومحاور وقضايا إسلامية سنسترشد بها إلى فضاء المشروع الإسلامي العالمي، ونرى كيف أنّ الخطاب الثوري كان يمثّل ركيزة من ركائز هذا المشروع.

 

فماذا نعني بالخطاب الثوري لدى الإمام؟ هل هو النص الديني التقليدي أو الفتوى الشرعية أو الحكم الفقهي الإسلامي أو الخطاب السياسي العام؟ أو هل الخطاب الإسلامي بدلالاته المطلقة السياسية والثقافية والدينية؟

 

هذه الأسئلة وأخرى كثيرة غيرها ربما تتوالد على الفور أمام عنوان الخطاب الثوري، وللإجابة عليها لابدّ من القول:

 

1 ـ إنّ مفردة الثورية هي مفردة غير مؤدلجة بحد ذاتها، ولذا فإن استخدامها بشكل مجرد لا يشكل استعارة مضمونية مؤدلجة، ولا إيحاءً مصطلحياً تبعياً من الناحية الثقافية والفكرية.

 

2ـ ولأن فكر الإمام هو فكر إسلامي فبالتأكيد إننا نعني بالخطاب الخطاب الإسلامي الثوري، ولكن الثورية التي تشكّل محصَلة إضافة نابعة من تجربة الإمام الخميني الخاصة أولاً, ومن فهمه الخاص للإسلام ثانياً، ومن استيعابه لخلفية الصراع الحضاري والفكري وأدوات القوى العدوة للإسلام في هذا الصراع ثالثاً.

 

ولعلّ هذه العناصر الآنفة الذكر ستشكّل المكوّنات الرئيسية للخطاب الثوري لدى الإمام, فعنصر التجربة الخاصة ستنضوي تحته كل الملامح والخصائص والصفات التي يتّسم بها الخطاب الثوري، وهذه الملامح والخصائص والصفات هي في الحقيقة تعبير عن القدرة الذاتية والملكات الذهنية التي ترتبط إلى حدٍّ ما بالشخص القائد أكثر مما ترتبط بطبيعة الأفكار التي يحملها.. أما العنصر الثاني، وهو عنصر استيعاب الخلفية الصراعية للفكر الإسلامي وتشخيص المؤامرات التي استهدفت الإسلام تاريخياً فهو الآخر يتضمّن بعد الكفاءة الشخصي في قراءة تاريخ المواجهة الإسلامية الاستكبارية مثلما أنّ هذا البعد يتجسّد أيضاً من خلال قراءة الفكر الإسلامي، وذلك بدرجة أقل، وهو ما شكّل العنصر الثالث من مكوّنات الخطاب الرئيسية لدى الإمام. ومن خلال ما تقدم يمكن القول أيضاً: إنّ مفردة الخطاب رابعاً هي مفردة حيادية بحد ذاتها، فنحن نسعى ليس فقط إلى إبراز فهم الإسلام الثوري لدى الإمام، وإنما نسعى أيضاً إلى قراءة القدرة الخمينية على الفن الخطابي، ونسعى إلى الوقوف على ثوابت هذا الخطاب الحيادية، أي: تلك المرتبطة بالخطاب كبنية وإيقاع، بالإضافة إلى قراءة المحتوى الإيديولوجي والفكري من خلال حركة الحدث السياسي، أو من خلال حركة الإسلام السياسية أو عبر الحركة المضادة له.

 

وانطلاقاً من هذه المقدّمات أطلقنا إسم الخطاب الثوري ليفهم في طيّاته ليس المحتوى الفكري والأيديولوجي للخطاب, وإنما ليبرز الصفات الخطابية البُنيوية التي تشكّل بحد ذاتها علامة على قدرة غير طبيعية.

 

وهذا ما يمثّل بُعداً خامساً في هذا السياق.

 

وبناءً على ما تقدّم سيكون المصطلح المتداول في هذا البحث هو الخطاب الثوري لدى الإمام الخميني ببعده الذي يرتبط بخصائصه البنُيوية, وببعده المضموني الأيديولوجي الفكري، وببعده المرتبط بالقراءة الخمينية لحركة الإسلام التاريخية من جهة, والمخططات والأساليب والمؤامرات التي واجهت الإسلام كفكر ذي أبعاد حضارية وأثّرت إلى درجة كبيرة في حركته السياسية من جهة أخرى.

 

أما أهمية هذا الخطاب، وأهمية قراءته وتحليله بُنيةً ومضموناً، فهي لا تتأتّى من الأسباب المعروفة في الوعي السياسي للأجيال الحالية التي عاصرت وعايشت أحداث الثورة الإسلامية في إيران وما قبلها وما بعدها فقط, ولا من الأفق المستقبلي لحركة المشروع الإسلامي الذي أسسه الإمام فحسب، إنما أيضاً مما شكّلته مرحلة الإمام الخميني، وبالذات الخطاب السياسي لديه من حالة خاصة.

 

نقول: إنّ خصوصية هذه الحالة بالإضافة إلى الأسباب المذكورة تأتي من الواقع الخاص لخطاب الإمام الخميني على نسق حركة الإسلام السياسية التاريخية، إذ إنّ نسق هذه الحركة بما اختزنته من نماذج للخطاب الإسلامي تاريخياً، كان متجانساً بغض النظر عن إيجابية أو سلبية التجانس، ولقد جاء الخطاب الثوري للإمام ليشكّل خروجاً أو بتعبير أدق لوناً جديداً من ألوان الخطاب الثوري الإسلامي، وهو لون ليس كلون القرون الزمنية السابقة من حيث حركة البشرية، وحركة الأفكار، وطبيعة هذه الأفكار، ومجمل التحدّيات التي تواجهها الحالة الإسلامية، وكذلك التطوّر الإنساني العلمي و التقني والصناعي، ولا يخفى أنّ كل هذه الأمور صبغت القرن العشرين بصبغة خاصة، فانطلق الإمام الخميني في خطابه في هذا القرن ليطرح الإسلام على ضوئه.

 

لقد بدأت حياة الإمام السياسية في لحظة سلبية سوداوية من لحظات الإسلام السياسي، هذا الإسلام الذي كان مجسّداً في الدولة العثمانية، ككيان مركزي للمسلمين، ولقد وعى الإمام الخميني مسوؤليته الإسلامية والإنسانية في مرحلة الهزيمة تلك ليعايش آثارها المدمّرة في تحطيم ذلك الكيان على يد قوى دولية كبرى، وفي ضوء معادلات سياسية صعبة حكمت بدايات القرن الماضي بتحوّلاتها الكبرى وحروبها العالمية، لتقذف فيما بعد مصير هذا العالم في معادلة سياسية أقسى وأبشع من المراحل التي سبقتها، وهي مرحلة: القطبين الأميركي ـ السوفييتي السابق، أو ما يسمّى بمرحلة القطبية الثنائية التي بدأت بالإنهيار قبل رحيل الإمام الخميني إلى الملكوت الأعلى.

 

هذا المقطع السبعيني أو الثمانيني من الزمن من عمر الإمام الخميني السياسي، بدا من خلفية سوداوية لوضع الإسلام السياسي، ولاشكّ أنّ هذه السوداوية تحوّلت إلى محفّز لدى الإمام؛ لصياغة خطابه الثوري فيما بعد بالشكل الذي يستوعب مجموع المخاطر التي يتعرّض لها الإسلام والعالم الإسلامي.

 

 سر الخطاب الخميني

 

 لقد اتّصف خطاب الإمام بنوع من أنواع القوة الشمولية؛ بفعل الملكات الذاتية, زائداً الملكات العرفانية والفهم الصحيح للإسلام المحمدي، ولكن مع هذا لابدّ أن نخرج من هذا الوصف العام إلى الولوج في العمق الحقيقي لسر قوة هذا الخطاب, الذي اقتحم جمود الإنسانية، وتجاوز بمسافات شاسعة كل المحاولات المخلصة التي أرادت أن تنتشل الإنسانية من جمودها، تجاوزها ليطرح الإسلام بإيقاع خطابي غريب الطراز بعد أكثر من ألف عام على انقطاع القوة في الخطاب الديني السياسي, التي كانت مجسّدة آنذاك بالنص النبوي أو النص الإمامي الإثني عشر, التي مثّلت بعد النص القرآني ثلاثية النص الإسلامي الأبدية، في إبقاء الإسلام حيّاً في وجدان الأجيال، رغم كل الاحتيال والدسّ والظلم الذي تعرّض له الإسلام على يد الطواغيت وعملائهم من صنّاع النص المحرّفين لمفهوم الإسلام الحقيقي.

 

ولقد جاء النص الخميني ليزيح ركام مئات السنين من هذا الاحتيال والدسّ, ويكشف مرّة أخرى عن المضمون الأبدي للإسلام؛ من خلال خطابه الثوري. والسر كما قلنا يتجاوز كل الملكات إلى ملكة اليقين.

 

فاليقين كما هو معلوم، ينتمي أساساً إلى عالم الروح والقوى الروحية، ومن ثم قدرة النفس الإنسانية على تجاوز عالم الماديات التي تحول دون انطلاق المرء إلى مواقف التفاني والتضحية.

 

واليقين والعلم( لا يتأتيّان إلاّ من النظر إلى النفس وقواها ومدى حاجتها إلى ربّها وفقرها إليه، وهذا ليس من العلم الفكري، ولكنه من العلم النفساني الحضوري)، وبهذا العلم النفساني الحضوري تحصل المعرفة الحقّة أي (معرفة الله بالله)، حيث يشعر الإنسان بالاقتراب من الله سبحانه وتعالى، وتزول الحجب التي أمامه.( وهنا يجد المرء أمراً عجيباً فيرى نفسه متعلّقة بالكبرياء والعظمة متّصلة في وجودها وحياتها وعملها وقدرتها وحبّها وسائر صفاتها وأفعالها بما لا يتناهى بهاءً وسناءً وجمالاً وجلالاً وكمالاً من الوجود والحياة والعلم والقدرة وغيرها من كل كمال) كما يقول صاحب تفسير الميزان[1].

 

ويرى الإمام الخميني: (إنّ هذه المعرفة الإلهية الفيضية والنورانية تصل الإنسان في حدود الزمان والمكان بالمطلق والكمال فيغيب في الحضرة الربّانية وينسى أو يغفل عن كل ما حوله ويذوب في المعشوق الإلهي)[2].

 

لقد شاء الله سبحانه وتعالى أن يذوب الإمام الخميني في عشقه، ليتسرّب هذا العشق إلى حيث ما ينطق به هذا الراحل، ولينسج عبر هذا العشق الإلهي مفردات النص وبنى الخطاب، لاستنهاض اليقين الفطري لدى أبناء الأمة الإسلامية، وليصنع ملحمة الشهادة والاستشهاد، بعد أن يبحث الإمام عبر اليقين عن رمزية اليقين التاريخية الرسالية، ليأتي الخطاب نسيجاً من كلمات العشق ورمزية القين الساعية إلى توجيه حركة البشرية بكل تعبيراتها على طريق الله الواحد الأحد، بعد أن يعمل هذا الخطاب بقوّته اليقينية على تحطيم رموز الألوهية المزيّفة وأشكال الطاغوتية التي تحول دون انطلاق الإنسان إلى ربّه وجرّه إلى وحل المادة.

 

يقول الإمام الخميني في ندائه الذي وجهه لحجاج بيت الله الحرام: (وإعلان البراءة لا ينحصر بأيام الحج ومراسيمه، بل على المسلمين أن يملأوا كل أجواء العالم بالمحبة والعشق تجاه الله سبحانه، والبغض العملي بالنسبة لأعداء الله)[3].  هكذا يتحوّل البغض لأمريكا والصهيونية إلى لون من ألوان العشق تجاه الله سبحانه وتعالى، فالحركة الإنسانية البشرية التي تتعدد بأشكالها المقاومة للطاغوت كالمظاهرات والمسيرات، أو الكفاح المسلح هي في لغة اليقين الخمينية مظهر من مظاهر العشق الإلهي، وهكذا يسمو الخطاب الخميني على كل الماديات؛ ليعطيه هذا السمو قوّته الإسقاطية في القلوب والضمائر.

 

يواصل الإمام الخميني كلامه في ذلك النداء التاريخي فيقول: (وأن يسمو الحجاج من أفضل وأقدس بقاع العشق والنور والجهاد إلى كعبة أرفع، وأن يتّجهوا كما فعل سيد الشهداء أبو عبد الله الحسين (عليه السلام) من إحرام الحج إلى إحرام الحرب، ومن طواف الكعبة والحرام إلى طواف صاحب البيت ومن الوضوء بزمزم إلى غسل الشهادة والدم.

 

وأي أمة كالبنيان المرصوص لا تعرف الهزيمة، ولا تستطيع القوى الكبرى الشرقية أو الغربية أن تقف بوجهها.. ومن المؤكّد أنّ روح الجهاد ورسالته ليست سوى أن يتلقّى المسلمون منهج الجهاد مع النفس وهكذا منهج الكفاح ضد الكفر والشرك).

 

إنّ الإمام الخميني يستدعي الرمز اليقيني التاريخي، كمثال للهيام بمعاني العشق في الله. واستدعاء لحضوره في الخطاب في ثنائية اليقين التي يتشكّل طرفها الثاني إلى جانب دم الحسين(عليه السلام)، ماء زمزم، كرمز آخر لليقين ومصدر ذي دلالات زمانية ومكانية، في يقينية أبي الأنبياء إبراهيم(عليه السلام)، مصدر تحوّل إلى استلهام يقيني خالد ودوري للأجيال الإسلامية، لترتوي منه معنى العشق الربّاني، ولتجسّد هذا اليقين بصرخة الغضب التي تطلقها بوجه الألوهية المزيّفة لأمريكا و(إسرائيل).

 

ويقول الإمام الخميني في ندائه هذا: (صرخة ندائنا صرخة أمة تجمّعت قوى الكفر والاستكبار للقضاء عليها، واتّجهت كل السهام والحراب نحو قرآنها وعترة نبيها العظيم، ولكن هيهات أن تخضع أمة محمد(صلى الله عليه وسلم) التي انتهلت من كوثر عاشوراء وتنتظر وراثة الصالحين للأرض.. وهيهات أن يبقى الخميني ساكتاً أمام ما يرتكبه المتغطرسون والمشركون والكافرون من عدوان على حرمة القرآن الكريم وعترة رسول رب العالمين وأمة محمد وأتباع إبراهيم الحنيف، أو أن يبقى متفرّجاً على مشاهدة ذل المسلمين وتحقيرهم، أنا أعددت نفسي ودمي المتواضع لأداء الواجب الإلهي وفريضة الدفاع عن المسلمين، وأنا في انتظار الفوز العظيم بالشهادة).

 

ومرة أخرى يستدعي الإمام الخميني اليقين الإبراهيمي وكوثر عاشوراء، دلالة اليقين الحسيني ليجسّد معرفته النورانية بالمعشوق، ويستلهم دوره ليسجّله في ملف العشق الإلهي عناءً وصبراً وخطاباً، مستعيناً باليقين بالغائب، يقين الإمام المنتظر(عج)، وساعياً إلى التمهيد لعهده ووراثة المستضعفين في الأرض.

 

لقد استطاع الإمام الخميني أن يؤدّي هذا الدور لتتشكّل على يديه فريضة العشق واليقين في معناها الاستشهادي الملحمي، وجيش العشق الإلهي الذي خاطبه يوماً ما قائلاً: (إنّ قوات التعبئة هي الشجرة الطيّبة ذات الثمار التي يفوح من براعمها ربيع الوصل وطراوة اليقين وجدّية العشق. قوات التعبئة هي مدرسة العشق والشهود والشهداء المجهولين التي ينادي السائرون على نهجها بأذان الشهداء والاستبسال. قوات التعبئة هي ميقات المستضعفين ومعراج الفكر الإسلامي الطاهر الذي يربّي جنوداً مجهولين. قوات التعبئة هم جند الله الخلّص الذي ضمّ سجله أسماء كافة المجاهدين من الأولين والآخرين.

 

إنني إغبط قوات التعبئة دائماً على خلوصهم وصفاء قلبهم, وأسأل الله أن يحشرني وإيّاهم، إنه لمن دواعي فخري واعتزازي أن أكون في هذه الدنيا أحد أفراد هذه القوات)[4].

 

لقد صبغت يقينية الإمام الخميني خطابه الثوري بمصطلحات: اليقين، والعشق، والشهادة، والاستشهاد، والميقات، والمعراج، ولقد شكّلت هذه اليقينية الأرض الصلبة، والعنصر المعنوي والروحي الذي أعطى هذا الخطاب قوّته الحقيقية، إذ بقي يجول في رحلة الرمز اليقيني ليشكّل امتداداً في القراءة الكلية لخط اليقين على طول التاريخ الإنساني، امتداداً لخط اليقين، سواء تجسّد في هجرة أبي الأنبياء إبراهيم (عليه السلام)، أو في الواقعة الكربلائية، أو في مظلومية( نهج البلاغة) وغربة أمير المؤمنين علي أبن أبي طالب(عليه السلام): (هذا العبد المتحرر في جميع القيود، المكلف بتحرير البشر من جميع الأغلال وأنواع الاسترقاق)[5].

 

هكذا تتجسّد أسس الخطاب الثوري للإمام المعنوية والروحية، بما احتاج إليه من صبر في الأداء؛ وبما احتاج إليه منهج الحضوري والإحضار الثوري في المسيرة الإسلامية للإمام من تصابر وصبر، فهذا الصبر الثوري هو ثمرة من ثمرات اليقين وه?