تهذيب النفس والمحافظة على الوحدة
التاريخ: 15-06-2010
التاريخ: (خلال الفترة من 1965 م- أيلول 1967 م) المكان: النجف الأشرف، مسجد الشيخ الأنصاري الموضوع: تهذيب النفس والمحافظة على الوحدة الحاضرون: العلماء والفضلاء وطلبة الحوزة العلمية في النجف المصدر: صحيفة الإمام، ج2، ص: 22 أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم كنت أعتزم اليوم أن يكون درسنا (مباحثة)، إلا أن اثنين من الإخوة المحترمين قصداني بالأمس، وذكرا لي أموراً تدعو للأسف، مما حدا بي إلى جعل موضوع اليوم تذكير الأخوة ببعض الأمور
التاريخ: (خلال الفترة من 1965 م- أيلول 1967 م)
المكان: النجف الأشرف، مسجد الشيخ الأنصاري
الموضوع: تهذيب النفس والمحافظة على الوحدة
الحاضرون: العلماء والفضلاء وطلبة الحوزة العلمية في النجف
المصدر: صحيفة الإمام، ج2، ص: 22
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
كنت أعتزم اليوم أن يكون درسنا (مباحثة)، إلا أن اثنين من الإخوة المحترمين قصداني بالأمس، وذكرا لي أموراً تدعو للأسف، مما حدا بي إلى جعل موضوع اليوم تذكير الأخوة ببعض الأمور. فقد بلغ الأمر درجة من التدهور أن بعضهم أسرَّ قائلاً: إن لم ينبر أحد لإصلاح الأمر، فمن المحتمل وقوع اختلاف شديد واشتباك وصدام في بعض الحالات. وإني لفي حيرة في سبب هذه الاختلافات؟ أهي من أجل الدنيا؟ إنكم لا دنيا لكم، فنحن وإياكم ليس لدينا دنيا نختلف عليها. إن جميع ما نملكه من أسباب الحياة لو جمع كله فلن يعادل ما يملكه أحد المرفهين لوحده. فهل يستحق أمر تافه ورخيص أن يدفع الإخوة المحترمين إلى القيام وتشكيل جبهات متضادة؟ وأن يبلغ الأمر إلى الخشية من اقتتال ثلاث مجموعات منا في بعض الحالات؟ ألا تحتملون وجود يد في الأمر تهدف إلى إسقاط هيبة ومكانة هذه الحوزات أكثر مما هو حاصل لها؟ ألا تحتملون حضراتكم أن العدو يهدف إلى هذه النتيجة، وأن له يداً في ما يحدث دون أن تشعروا بذلك؟ فيكمن مستتراً ويثير هذه الأمور بما عرف عنه من دهاء وسياسة ومكر- بواسطة أياديه القذرة- هادفاً إلى إلحاق الخزي بكم أمام المجتمع، والقضاء عليكم بعد ذلك، ثم يكون ذلك سبباً في شكر الجماهير لتخلصها من هكذا معممين؟ ألا تحتملون؟
يندس بينكم بعض الأشخاص باسم التدين، أو بلباس بعض المقدسين أو المتظاهرين بالصلاح، أو يقوموا باستغفال البعض منكم، ليقوموا بنشر بعض الأمور التي تؤدي إلى ظهور مفاسد فوق المفاسد التي يراها الإنسان في الحوزات.
كم هو عددنا أصلًا؟ كم عددكم، سواء الموجودون هنا في النجف، أو في سائر العتبات المقدسة، وفي إيران وباقي البلدان التي تعتبر مناطق شيعية؟ هل يبلغ عددكم العشرين ألفاً؟ هل تضم حوزاتنا عشرين ألفاً؟ لنفترض أن عددكم يبلغ مائتي ألف معمم ممن ينتشرون في القرى وغيرها. فلنقل أنكم مائتا ألف نفر، فلو كان هؤلاء المائتا ألف مجتمعين ومتحدين وملتزمين بتعاليم الإسلام لتمكنوا من انجاز الكثير. ولكن إذا لم نقل أن هؤلاء المائتي ألف يحملون مائتي ألف رأي، فهم حتماً يحملون آراءً مختلفة ومتباعدة. كل واحد منهم، وكل جبهة- على زعمكم- لها رأي مستقل تسفه على أساسه آراء الجبهات الأخرى.
إذا كان المقرر لجماعتنا أن تكون هذه حالها من الداخل، بحيث نقوم بتسقيط بعضنا البعض، ويقوم الشيوخ بهتك الشبان، ويقوم الشبان بهتك الشيوخ، وتقوم العجائز بهتك الشابات، علاوة على وجود أياد تهدف إلى تصعيد الخلافات لتثير في الحوزات فوق ما هو موجود فيها تدهوراً واضطراباً باسم الجبهة الفلانية، والجبهة الكذائية، وما يستتبع ذلك من نتائج سيحصلون عليها أولئك الذين يهدفون إلى القضاء على الحوزات التي يعتبرونها ضارة بمصالحهم. إذا كان هذا هو وضع جماعتنا، فإن الشعب لن يأسف على ما سيحدث لكم، ولسوف يقولون: إن وضع هؤلاء كان هكذا، فوصلوا إلى هذا الحد الذي ترون.
أحد الشبان الذي كان قد قدم من أوروبا جاء وبقي هنا حوالي الأسبوع، بقي هنا مدة قصيرة جداً، جاء للقائي مرة أو مرتين، قال لأحدهم- لم يقل لي أنا، بل قال لأحد الروحانيين-: حسناً كان أن الذي جاء للنجف هو أنا، فأنا ابن أحد العلماء وأستطيع أن أقدر الموقف، ولو أن شخصاً غيري جاء وأبصر هذا الوضع فماذا سيكون رد فعله؟ يا للأسف! إني لا أعلم ما الذي عاينه هذا الطالب الجامعي- الدارس في الخارج- في هذه الحوزة المباركة، وهو ليس روحانياً مثلنا- وإن كان أبوه عالماً- ما الذي رآه خلال هذه الأيام القلائل؟ وبأي أشخاص التقى؟ وما الذي نقله إليه هؤلاء، حتى جعله- وهو الطالب الغريب عن أجوائنا- أن يبدي أسفه على وضع النجف، ويتساءل عن علة هذا الوضع؟
إذا كان في الأمر ثمة أياد هي التي دفعتكم إلى القول «أنا من الجبهة الكذائية» و«زيد من جبهة كذا» و«ذلك من جبهة كذا» وهي التي جعلتكم جبهات مختلفة، حتى في المدرسة الواحدة، إذا صح هذا الأمر- لا سمح الله- فإن انفجاراً سيقع في إحدى المدارس ذات يوم، ويسري منها إلى المدارس الأخرى، ومن هذه الفئة إلى الفئات الأخرى، والأيادي الآثمة هي التي تضرم الفتنة تلك، وتزيد من اشتعال هذه النيران، وبالنتيجة وعلاوة على أننا سنبدو كذلك في الدنيا، وعلاوة على انهيار النجف واضمحلالها، فأن الأمر سوف لا يقتصر عليَّ وعليكم، بل سيشمل حوزة دينية ناهز عمرها الألف عام وسيشمل أشخاصاً متدينين- وهم بحمد الله كثر- أولئك أيضاً يسقطون في نظر المجتمع أيضاً، وفوق كل ذلك فماذا سيكون عذرنا أمام الله تعالى؟!
ورد في الحديث أن «أهل النار يتأذون من ريح العالم التارك للعمل بعلمه»[1] فما السبب في ذلك؟ لابد أن ذلك بسبب الفرق بين العلم وغير العالم، ومن عدة جوانب. فالعالم إذا انحرف- لا سمح الله- فإنه يتسبب في انحراف أمة بكاملها. أنا شخصياً رأيت هذا المعنى في بعض المدن التي كنا نذهب إليها أيام الصيف، فقد كنت أرى أهالي بعض المدن يتمتعون بمستوى رفيع من التمسك بآداب المجتمع هناك، وآداب الشرع، كما في مدينة (محلات). وبقليل من التأمل يكتشف الإنسان أن السبب في ذلك هو وجود عالم جيد في تلك المدينة.
إن وجود مجموعة من المعممين الجيدين المهتمين بأمر الدين، العقلاء العاملين بعلمهم في أي مجتمع أو مدينة، يكون بحد ذاته موعظة، حتى وإن لم يقوموا بوعظ الناس. رأينا أمثال هؤلاء ممن كان نفس وجودهم يؤثر في الناس، كما في (قم) فقد كان هناك بعض العلماء ممن كان مجرد النظر إليهم يترك أثراً وعظياً في النفس. من جانب آخر نرى مثلا في طهران، حيث أني على اطلاع بأحوالها إلى حد ما، ثمة مناطق متباينة. إذ ترى في إحدى مناطقها أن شخصاً منحرفاً أصبح معمماً أو إمام جماعة، فأدى إلى انحراف طائفة من الناس. فما هو مقدار الريح النتنة التي تنبعث منه؟ أنه المقدار ذاته الذي يصل مشامنا في هذه الدنيا. إنها ريحنا نحن، وكل ما يجري في الثانية علينا أساسه عملنا في هذه الدنيا، عملنا الذي لحقنا في الثانية، فلا نجزى هناك بغير أعمالنا.
فحينما يكون أحد المعممين مفسداً بحيث يعرض حوزة بكاملها إلى الخطر، فإن ريحه النتنة ستنتشر على رقعة تعادل حوزة بكاملها، بل أمة كاملة، وهي ذات الريح النتنة التي تعجز شامتنا الآن عن تحسسها، في حين أن المشام ستتحسس بها حينما نلقى في جهنم- لا سمح الله- بحيث تصبح هذه الريح- التي صعدت من هذا العالم بسبب أعمالنا- مؤذية لأهل جهنم.
في نفس الرواية ورد أن «أشد الناس حسرة»[2] هم أولئك الذين يدعون الناس إلى الخير والصلاح فيستجيبون لهم، ويعملون بقولهم، حتى ينتهي بهم الأمر إلى الجنة والى النعيم، في حين ينتهي الأمر بذلك العالم الذي لم يعمل بعلمه إلى جهنم! ولعله يرى هؤلاء في الثانية. يرى مثلًا أن هذا كان بقالًا ووصل بفضل إرشاده وأوامره ونواهيه إلى الجنة، في حين أنه هو لم يعمل بعلمه، فدخل النار، ويا لها من حسرة حينئذ!
إن مسؤوليات العالم كثيرة جداً، كثرة المديح الوارد في الأحاديث الشريفة والقرآن الكريم لمقام العالم .. راجعوا ما وردت الإشارة إليه من مسؤولياته في رواياتنا الشريفة، راجعوا كتاب (الكافي) وكتاب (الوسائل) وتأملوا في الأبواب والفصول التي خصصت لهذا الموضوع. راجعوا بالأخص (الأصول في الكافي) وانظروا المسؤوليات التي انيطت بالعالم، وبأهل العلم، واطلعوا على الآداب التي سنت للمفيد والمستفيد.
إخواني، إن هذه (المصطلحات) التي نقرأها وبال علينا. يعلم الله أنها كذلك، يعلم الله أن هذه (المصطلحات) كلما كثرت دون أن يرافقها تهذيب للنفس، فإنها ستؤدي إلى ضياع الدنيا والثانية للمجتمع الإسلامي بأسره دون أن يكون لها بذاتها أثر يذكر.
علم التوحيد بحد ذاته إذ اقترن بهوى النفس فإنه سيصبح وبالًا على الإنسان، وما أكثر أولئك الذين أتقنوا علم التوحيد، ثم أضلوا الخلائق! وحرفوا الآخرين، في حين انهم كانوا علماء بعلم التوحيد! ما أكثر أولئك الذين فاقوكم علماً، لكنهم تسببوا في انحراف المجتمع كلياً- بمحض اتصالهم به- لما كانوا يحملونه من الانحراف في داخلهم.
من الأمور التي ينبغي عدم الغفلة عنها، حساسية وضع العالم بالنسبة لغيره، والسرّ في ذلك هو أن الناس يحكمون هكذا، فهم يقولون عن (البقال) إنه إنسان سيئ لو ارتكب معصية ما أو مخالفة ما، وهكذا بالنسبة للعطار أو الموظف أو ما شابههم، لكنهم إذا رأوا مخالفة من معمم فإنهم يقولون: المعممون كلهم هكذا! لا يقولون: بأن هذا المعمم (كذا)، فهم في هذه الحالة لا يميزون ولا يفرقون بين المعممين. لا يقولون مثلًا أن هؤلاء المعممين هم بشر أيضاً، وفيهم الصالح والطالح- نعوذ بالله- أبداً، لا تمييز في النظر إلى المعممين. إذا اقترفت أنا عملًا سيئاً قالوا: إن المعممين كذا! والضرر في هذا يعود على الإسلام، وعلى الحوزات العلمية الدينية، وعلى أحكام الإسلام.
إذا قمتم بتسقيط بعضكم البعض هكذا، وإذا اشتبكت الجامعات العلمية فيما بينها، وحاولت إحداها تسقيط الأخرى، وقام البعض بقذف البعض الآخر بشائن الألفاظ وفسقّه وكفّره، ثار الهرج، وعمت الفوضى. إذا حطما أنفسنا بأنفسنا، وقضينا على أنفسنا، فلا يبقى لكلامنا الفاعلية في ترسيخ الإسلام في المجتمع، ولن نتمكن من نشر الإسلام.
إنها أمانة بأيدينا أيها الإخوة، إن الله تبارك وتعالى وضع دينه أمانة بأيدينا- نحن الموجودين هنا، ومن يتواجد منا في أماكن أخرى- إن الله وضع هذا الدين أمانة بأيدينا، فلا تخونوا هذه الأمانة. إن هذه التحزبات خيانة، وإلا هل أنتم أهل ديانتين؟ هل أن في دينكم أقساماً مختلفة؟ هل يدعو كل واحد من علمائكم إلى دين مختلف عن الآخر؟ ما معنى هذه التكتلات؟ هذا يتبع ذلك العالم، وذاك يتبع هذا. إن هذا خطأ وكفر، هذا من الكبائر، بل من أكبر الكبائر.
لا تتصرفوا هكذا، إنها اختلافات هامشية للغاية، وأمور غاية في التافهة وغاية في السطحية، حتى لو حسبت من الناحية المادية، فلن تكون منافعها المادية شيئاً ذا بال، وإلا فماذا سيعطيكم الكبار!؟ ثمن سجائر!
قرأت في صحيفة أو مجلة ذات مرة- لا أذكر الآن أين قرأت ذلك- قرأت أن المخصصات التي يدفعها (البابا) الى (القسيس) الذي يمثله في (واشنطن)، أذكر أني حسبتها حينا، فكانت تلك المخصصات التي يدفعها لذلك القسيس وحده أكثر من جميع ما يصرف على جميع الحوزات العلمية لدى الشيعة. أنتم لا تملكون شيئاً حتى تختلفوا عليه؟ فهل نـزاعكم من أجل الدين؟ الدين لا نـزاع فيه.
أنتم أهل دين ولله الحمد، غير أن الدين لا نـزاع فيه!. إن السبب الأساس في كل هذا النـزاع يعود إلى الدنيا، ويخدع نفسه من يقول «إني صرت في الجبهة الفلانية لما اقتضاه مني التكليف الشرعي!» وإلا كيف يقتضي التكليف الشرعي من الإنسان أن يوجه الإهانة للمسلمين؟ أن يوجه الإهانة للعلماء ولزملائه؟ أهذا تكليف شرعي؟! إنها الدنيا يا إخوة، وأهواء النفس. لو أن الطالب المشغول بتحصيل العلم تقدم خطوة باتجاه تهذيب النفس تقارناً مع العلم، لبقيت الحوزات في منأى عن أمثال هذه الأحداث.
«دعنا من هذا فلان ليس سوى أحد أهل المنبر!» ما الضير في أن فلاناً من أهل المنبر؟ لقد كان أمير المؤمنين (عليه السلام) من أهل المنبر أيضاً! إنهم إنما يحاولون إسقاط هذه المعنويات عن الحوزات التي تفتقر إلى القدرة المادية أيضاً، وذلك لأن هذه الحوزات لها موقع متميز في المجتمع، والحكومات تخشى من موقعها الاجتماعي المتميز هذا. فهم لا يخشونني أنا أو أنت، أنا أو أنت لا قدرة لدينا نخفيهم بها، إنهم إذا كانوا يخشون أحد المعممين أو أحد المراجع، فليس ذلك لأنهم يخافون دعاءه أو لعنته. فمتى كان لهؤلاء اعتقاد بالدعاء أو اللعنة، إنهم يخشون الشعوب ويخافونها. يخافون أنهم لو أهانوا فلاناً فإن الشعوب ستنتفض بوجههم.
فإذا اشتبكنا فيما بيننا، وكفرت أنا فلاناً، وكفرني هو، فإن كلينا سنسقط في نظر الناس وسينفضوا عنا، كما هو حالهم معنا الآن، إذ لم يبق معنا منهم سوى القليل، وأما القسم الأعظم، فقد تفرق عنا وابتعد. وطبيعي حصول هذا عندما يكثر سماعهم عن المشاكل الكثيرة، وعن وضع المعممين كذا وكذا، وخصوصاً في النجف التي تمتاز بأمور تميزها عن الأماكن الأخرى حديثة النشأة، والحوزة في النجف تجاور مرقد الإمام علي (عليه السلام). في حين تحرم من ذلك بقية الحوزات.
أفلا ينبغي أن نطلع قليلا على شكل الحياه التي كان يحياها هذا الرجل العظيم (عليه السلام)! نحن ندعي أننا شيعة، أي شيعة نحن؟ لقد كان أمير المؤمنين (عليه السلام) زاهداً في حين أني لست كذلك، فهل أنا شيعي؟ كان تقياً، ونحن لا تقوى لدينا؟ أو نحن شيعة أيضاً؟ كانت حياته كذا، نحن لسنا كذلك، أفنحن شيعة رغم ذلك؟ ان الشيعة ينبغي أن يتصفوا بالمشايعة له (عليه السلام) وأن يكونوا متبعين له (عليه السلام) حتى ينطبق عليهم وصف (الشيعة).
إنني أخشى أن تدركنا المنية في وقت نكون فيه قد خرجنا من هذا التشيع تماماً، وخرجنا من الإسلام، فنغادر الدنيا على ذلك- لا سمح الله-. فلو بقيت أعمالنا على هذه الشاكلة، وإذا استمر وضع حياتنا كما هو الآن، فلتحذروا حلول الموت- لا سمح الله- وأنتم كذا ..
ورد في إحدى الروايات «أن النفس إذا بلغ هاهنا، أو النفس إذا بلغت هاهنا- مشيراً إلى الحلقوم- فلا توبة حينها للعالم» ذلك لأن الله تبارك وتعالى يقول (إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة)[3]، والعالم لديه المهلة والمتسع من الوقت لكي يتوب فهو عارف بالذنب قبل حلول الوفاة، ولكن هل أعطي أحدكم ضماناً للخروج من هذا المجلس بسلام مثلًا؟ فقد تحل بنا صاعقة بعد لحظة. هل ضمنوا لكم البقاء حتى الغد؟ يحتمل أن لا تبقوا أحياءاً إلى الغد!. هل أعطينا ضماناً للبقاء على قيد الحياة عشر سنوات أخرى؟ لعلنا نبقى!
إن الشبان إذا لم يفكروا في ذلك، وإذا لم يشغلهم هذا الأمر فهي مصيبة. نحن الذين تقدمت أعمارنا ندركها. فأنا الذي جئت أعظكم الآن، لم أفعل ذلك لأني إنسان كامل، فبلوغ الكمال محال كما يقول (الشيخ) ولكني ذكرت لكم بأني أكبركم قليلًا، ولذا فإن عليكم الإصغاء لحديثي حينما تحضرون مجلسي، ولهذا السبب أقول لكم بأنكم ما دمتم شباناً فإنكم تستطيعون أن تفعلوا شيئاً، فجذور الفساد ضعيفة في قلب الشاب، ولكن كلما تقدم بالسن ... لابد أنكم قرأتم هذه الرواية، أنا رأيتها فيما سبق، مؤداها «أن قلب الإنسان صفحة بيضاء، وما أن يرتكب ذنباً، حتى تظهر فيه نقطة سوداء تزداد أتساعاً بازدياد الذنوب» إن قلب الشاب لطيف وملكوتي، لكنه حينما يدخل هذه المجتمعات، ويتدخل في هذه الأمور فإنه يتعلم شيئاً فشيئاً- لا سمح الله- ويتعود القيام ببعض الممارسات، وما يمر عليه ليل ونهار إلا ويكون قد ارتكب ذنباً- نعوذ بالله- فتظهر في قلبه تلك النقطة السوداء، وحينما يشيب ويكون قلبه قد اسود تماماً، فلن يتمكن من إعادته إلى حالته الأولى بيسر، في حين أنتم أيها الشبان تستطيعون ذلك، فلديكم القدرة، لديكم قدرة الشباب. قدرة الشباب من جهة، وضعف هذه الأمور فيكم من جهة ثانية، يسهل الأمر. ولكن كلما تقدمت أعماركم، ومع كل خطوة تخطونها ونخطوها، فإننا نقترب من الثانية، وتزداد هذه الأمور المنافية لسعادة الإنسان، كما أن التوبة ليست أمراً يتحقق للمرء بمجرد قوله (أتوب إلى الله) فالندم، هذا الندم لا يأتي بسهولة لأولئك الذين أمضوا خمسين عاماً وهم يغتابون الآخرين! أولئك الذين أمضوا خمسين عاماً وهم يسبون، ويفحشون بالقول للآخرين، فمثل ذلك الإنسان قد سقط في الكفر والغيبة، ولن يستطيع الخلاص، وسيظل مبتلياً بذلك حتى آخر عمره. أما الشباب، فحينما يحدث لهم ذلك .. ولا تسمحوا بحدوث ذلك، فإذا رأيتم أهل مجلس يقعون في الغيبة، كأني قرأت رواية يقول المعصوم عليه السلام فيها لأحدهم (أترك ذلك المجلس) فيجيبه (لا استطيع) فيقول (عليه السلام) «لو كان قد سب أباك ألا تنهض لمنع ذلك؟» ستنهض حتماً. نعم كأن هناك رواية هكذا. فلا تدع أحداً يغتاب أحداً أمامك «أن السامع أحد المغتابين» فلا تسمحوا بحدوث هذه المفاسد، انصحوا أنفسكم. فأنتم طائفة من الشبان كرستم أعماركم في تحصيل علوم الشريعة، وإذا لم يعد عليكم هذا التوجه بالنفع والفائدة، فإنكم بذا تبدَدون أعماركم، في حين أنكم إذا كرَستم شبابكم في سبيل الله، فإنه سيحفظ لكم، ولن يذهب سدى، أما إذا صرتم مثل سائر أهل الدنيا- لا سمح الله- فإنكم ستخسرون شبابكم دون أن تحصلوا على شيء، فأهل الدنيا لهم الدنيا، في حين أنكم لا دنيا لكم (خسر الدنيا والثانية) أما أولئك فهم يملكون الدنيا على الأقل.
إذا سمحنا لحب الدنيا وحب النفس أن يطغى فينا هكذا، ويحول بيننا وبين رؤية الحقائق وإدراك الواقع، فسيصبح سداً في طريق هدايتنا، وسوف تزداد هذه الحالة تدريجياً إلى الحد الذي يطمح فيه الشيطان بسلبنا إيماننا، فكل هذه الأمور وسائل يتوسل بها الشيطان ليسلب الإنسان الإيمان. وسيسلبنا الشيطان إيماننا آخر الأمر، وليس لدى أحدنا ضمانة ببقاء إيمانه على صفائه، فقد يكون إيماناً مستودعاً.
عليّ أن أسعى جاهداً، وعليكم أن تسعوا جاهدين، هذبوا أنفسكم، كما أنكم مكلفون- علاوة على تهذيب أنفسكم- بتهذيب رفاقكم، إذ أن ذنوبكم ليست كذنوب الآخرين، ففي الرواية إذا ارتكب العالم معصية فإن ذلك سيفسد المجتمع بأسره، «إذا فسد العالمِ فسد العالمَ» وإنه لأمر جلي أن العالم سيفسد بفساده بمقدار سعة تأثيره في المجتمع. فقد يوجد علماء في مكان ما، في طهران أو في أماكن أخرى يفسدون محلة بكاملها. حسناً، عندما يعم فساد هذا المعمم محلة بكاملها، فلا شك أن المجتمع سيتأذى من نتن ريحه في جهنم؟ أفلسنا مسؤولين؟!.
هذا القرآن أيها الأخوة، القرآن الكريم أمانة بين أيدينا، أو ليست من مسؤوليتنا المحافظة عليه؟ ألسنا مسؤولين عن حفظ الأحكام الإسلامية؟ هل إن مسؤوليتنا تنحصر في دراسة بضعة موضوعات في (علم الأصول) إلى آخر أعمارنا، ثم- وبعد خمسين عاماً- يجد الطالب نفسه وقد ألم بالمطالب الأصولية تماماً، دون أن تكون آدابه أخلاقية أو دينية.
عليكم الاهتمام بهذا الجانب منذ البداية، فأنتم شبان وتستطيعون ذلك، حاولوا منذ البداية أن تخطوا باتجاه التقوى، وباتجاه تهذيب النفس، وباتجاه الحد من هوى النفس بنفس المقدار الذي تخطونه باتجاه تحصيل العلم.
فيم التنازع فيما بينكم؟ ماذا دهاكم؟ ما سبب العداء فيما بينكم؟ كل واحد منكم من مدينة، وجميعكم أهل علم، جميعكم على خير- إن شاء الله- فلماذا تسمحون أن يبلغ الأمر حداً يقال معه: أنه إذا لم يتحدث أحد مع الإخوة، وإذا لم يقم أحد بوعظهم فإن انفجاراً سيحصل؟ وان الإخوة يمكن أن يقتتلوا فيما بينهم؟ لماذا؟ حول ماذا أنتم تتناحرون؟ هل تتخيلون أن نـزاعكم فيما بينكم هو نـزاع بين اثنين من أبطال الرياضة؟ إن تنازعكم فيما بينكم أعظم عند الله من جميع المعاصي، أعظم من الكثير من المعاصي، لأنكم بعملكم هذا تفسدون مجتمعاً بأسره. إنكم تدمرون النجف بأسرها، وفي نظر الناس فإن الإسلام سيسقط بسقوط النجف.
عليكم أن تدركوا أنكم حينما تعزمون الذهاب إلى مدينة ما، فإن أهالي تلك المدينة يجب أن يستفيدوا من علمكم، من أخلاقكم، من أعمالكم، يستفيدوا من كل ذلك، ويتعظوا بكل ذلك، بما في ذلك أعمالكم حينما كنتم هنا، حينما تكونون موجودين هنا، لا تتوهموا أنكم تستطيعون تمشية أموركم إلى آخر العمر مع الناس بالتظاهر بالصلاح وبالرياء، فذلك مجرد هراء (أعمل أنا ما شئت، ثم أذهب هناك، وأتظاهر بالصلاح!) لا يمكنكم الاعتماد على ذلك حتى النهاية، فلا بد أن ينكشف الفساد يوماً ... طيب لنفترض أنك استطعت ذلك، فكم ستعمر؟ بضع سنين تقضيها بالرياء والخداع والتزوير وقذف الآخرين والفحشاء؟ مائة وعشرين سنة!؟ ليس بيننا من يعمر مائة وعشرين سنة، ليس بيننا نحن فقط، بل إنه أمر قليل ونادر جداً حتى بين سائر الناس، ولكن لنفرض أنك عمرت مائة وعشرين سنة بالخداع والغش، وأية حياة هذه حياة طالب العلوم الدينية البسيطة المضنية؟ فلنقل إنها كحياة هارون الرشيد، لنفترض هكذا، إنك ستعيش مثلًا مائة وعشرين سنة متمتعاً بحياة كحياة هارون الرشيد، لكن ما نسبة المائة وعشرين سنة إلى الحياة اللامتناهية؟ ما نسبتها لو كنت ستعذب بعدها عذاباً لانهاية له؟ هذا إذا كنت تعتقد بالإسلام، فلو بقي الإنسان محتفظاً بعقيدته مثلًا، فإنه يمحصه ويبتليه.
إن الله تبارك وتعالى ذو عناية بعباده، أعطاهم العقل، وأعطاهم القدرة على تهذيب أنفسهم، ولم يكتف بذلك، بل أرسل إليهم الأنبياء، وأنـزل عليهم الكتب، وأرسل الأولياء، أرسل المهذبين. وإذا لم يحقق كل ذلك أثراً على العباد، فإن الله تعالى يعرض عبيده للقيد والخناق، ويعرضهم للسجن، فيمنعونهم من بعض الأعمال، ويخلعون عمائمهم، ويهينونهم آلاف الإهانات. إن ذلك كله عناية من الله بكم، غير أننا لا ندرك مدى اللطف في ذلك. ومع كل ذلك إذا لم يصلح أمر الإنسان فإن الله تعالى يبتليه بالأمراض، وإذا لم يؤثر ذلك أيضاً، فإنه تعالى يضيق عليه كثيراً (عند النـزع) وإذا لم تنفع تلك الأمور أيضاً، فإن هناك مهالك وعقبات في البرزخ، إن لم تنفع هي الأخرى يتعرض في يوم القيامة إلى ضغوط عظيمة، كل ذلك من أجل ألا ينتهي به الأمر إلى جهنم، ولكن ماذا لو لم ينفع معه كل ذلك؟ حينها سينتهي به الأمر إلى (آخر الدواء الكي) ـ لا سمح الله ـ.
ورد في الحديث أن هذه الآية (لابثين فيها أحقاباً)[4] تصف حال أولئك الذين هم من أهل الهداية، أي من أمثالي وأمثال سماحتكم، هؤلاء يلبثون في جهنم أحقاباً، كل حقبة من تلك الأحقاب عدة آلاف من السنين.
إخواني، إن أحدكم اليوم لا يمكنه الإمساك بحجر محمي، فكيف هناك، إنها النار، فاحذروا النار، أخرجوا هذه النيران من الحوزات، أخرجوا هذه الاختلافات من قلوبكم، هذبوا أنفسكم، فأنتم تهدفون العودة إلى المجتمع لتهذيبه، ولن يأتي منكم التهذيب، فهل يتمكن من لا يستطيع السيطرة على نفسه أن يسيطر على الآخرين.
إن هذه التحزبات خطأ وفسق، هذه الممارسات تدمر الحوزات، كفوا عن أمثال هذه الأمور الشائنة، إني دائم الخشية من احتمال ظهور بعض الأشخاص، أو من احتمال أنهم قد ظهروا في أوساطنا، فلعلهم موجودون هنا، قد لا يكونون في المدارس، قد ينعدم وجودهم في المدارس أصلًا، فالجميع في المدارس مهذبون وصالحون، غير أنهم يصلون إليكم عبر وسائط، واسطة بواسطة حتى يصل الأمر الى أن يحددوا لنا تكليفاً شرعياً (تكليفي الشرعي أنا أن أفعل كذا) و(تكليفه الشرعي هو أيضاً أن يفعل كذا) وبهذه التكاليف الشرعية يوجدون الفساد في حوزة النجف.
إن هؤلاء يخشون الإنسان الصالح، يريدون إسقاط الأفراد الصالحين، فتلك الأيادي تستهدف الحوزات، وتفعل ذلك، للقضاء على من يتوجس فيه أن يكون مفيداً لمستقبل الإسلام في المجتمعات، يفعلون ذلك حتى يمنعوا هؤلاء الشباب من تحقيق أي نفع للإسلام والمسلمين، فالمفروض إنكم ستحققون فائدة ما للإسلام، وإلا ما هي فائدة مَنْ يتواجد هنا دون أن يترتب على وجوده أي نفع، لا يدرس ولا يدّرس، ولا يمارس أي عمل؟!
إن على هؤلاء إذا كانوا قد درسوا كما ينبغي، وأتموا استعدادهم، وأضحى لا ضرورة لوجودهم هنا، أن يذهبوا لأداء دور ما، والقيام بتهذيب الناس.
أما أنتم أيها الشبان فعليكم أن تعدوا أنفسكم للمستقبل، ومستقبلكم أسوأ من مستقبلنا، فنحن قد انتهى مستقبلنا، فكم سنة أخرى سأبقى على قيد الحياة؟ لي من العمر الآن سبعون عاماً، لم يبق لنا شيء، نحن نعد أنفاسنا الأخيرة، وما هي إلا بضعة أيام أخرى، وينتهي كل شيء.
والمفروض أن تكونوا أنتم النافعين لمستقبل الإسلام، والمستقبل الذي ينتظركم.
ــــــــــــــــــ
[1] أصول الكافي، ج 1، ص 44.
[2] عن الإمام الصادق(عليه السلام) قال: «أشدُّ الناس حسرةً يومَ القيامةِ مَنْ وَصَفَ عَدْلًا ثم عَمِلَ بغيره».
[3] سورة النساء، الآية 17.
[4] ينظر معاني الأخبار، ص 220.

احدث الاخبار
قائد الثورة الإسلامية: على أمريكا أن تعلم إذا أشعلت حربا فستكون هذه المرة حربا إقليمية
قائد الثورة الإسلامية يعزي بوفاة حجة الإسلام عبدخدائي
الإمام الخامنئي يجدد العهد والبيعة لمبادئ مفجر الثورة الإسلامية الإمام الخميني
السيد حسن الخميني: الثورة الإسلامية كان لها بطل واحد، وهو "الشعب"
الجيش الإيراني يحذر.. قواعد أمريكا في مرمى نيراننا
شباب العراق: إمامنا وقائدنا اليوم هو آية الله الإمام السيد علي الخامنئي
العميد وحيدي: تصريحات المسؤولين الأمريكيين لا تُخيفنا
الحرس الثوري: مسيطرون على تحركات العدو ولدينا خطط عمل لكل سيناريوهاته
مقر خاتم الأنبياء: أي تهديد للأمن القومي سيواجه بقرار فوري وحازم
الشيخ نعيم قاسم: قيام الجمهورية الإسلامية هي أكبر ضربة وُجهت إلى الولايات المتحدة و"إسرائيل"
الاكثر قراءة
أربعون حديثاً عن الإمام الكاظم (عليه السلام)
أحكام الصوم للسيد القائد الخامنئي
ما أنشده الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري في حق الإمام الخامنئي
أربعون حديثا عن الإمام الهادي (ع)
مختارات من كلمات الإمام الخامنئي حول عظمة السيدة فاطمة الزهراء(عليها السلام)
مبادئ الإمام الخميني العرفانية
أربعون حديثاً عن الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام)
شهيد المحراب (الثالث) آية الله الحاج السيد عبد الحسين دستغيب
ماذا يقول شهداء الدفاع عن العقيلة؟.. الشهيد السيد إبراهيم في وصيته: لقد ذهب زمان ذل الشيعة+ صور
تقرير مصور عن شهداء الحجاز الذين استشهدوا في جبهات الحرب المفروضة على الجمهورية الإسلامية