Skip to main content

الأبعاد السياسية والعبادية للإسلام وخصائص الحكومة الإسلامية

التاريخ: 30-06-2010

الأبعاد السياسية والعبادية للإسلام وخصائص الحكومة الإسلامية

المكان: باريس، نوفل لوشاتو   المصدر: صحيفة الإمام، ج‏4، ص: 119   الحاضرون: جمع من الطلبة والإيرانيين المقيمين في الخارج‏   التاريخ: 6 آبان 1357 ﻫ

المكان: باريس، نوفل لوشاتو

 

المصدر: صحيفة الإمام، ج‏4، ص: 119

 

الحاضرون: جمع من الطلبة والإيرانيين المقيمين في الخارج‏

 

التاريخ: 6 آبان 1357 ﻫ.ش/ 25 ذي القعدة 1398 ﻫ.ق‏

 

الموضوع: الأبعاد السياسية والعبادية للإسلام وخصائص الحكومة الإسلامية

 

بسم الله الرحمن الرحيم‏

 

هناك فروق كثيرة بين الإنسان والحيوان. فللإنسان خصائص يمتاز بها على جميع الموجودات. كما أن هناك ما يشابه حياة الإنسان في عالم الطبيعة عند الحيوانات .. فالحياة ليست حكراً على الإنسان وإنما يشاركه فيها النبات والحيوان، ويمتاز الإنسان من بين جميع الكائنات الحيّة بالمنزلة الروحية .. وكذلك ثمة قوة تفوق المنزلة العقلية يتحلى بها الإنسان- بالقوة- تمكّنه من اجتياز عالم الطبيعة والوصول إلى منازل لا يمكن تصورها ..

 

وإن مختلف أبعاد الإنسان بحاجة إلى التربية والإنماء. فكما أن هناك أساليب وطرق تتناسب مع الطبيعة أو الحياة، فإن هناك أساليب أيضاً تتناسب مع المراتب التي يتصف بها الإنسان، وبإمكان الإنسان أن يدرك بعضها أو ربما أكثرها، وقد بعث الله تبارك وتعالى الأنبياء والرسل لأجل إعداد وتربية البشر وإيصالهم إلى أعلى مراتب الكمال التي لا يسع احد الاطلاع عليها لولا الأنبياء والرسل (عليهم السلام).

 

وما لم يتم التعرفّ على الداء لا يمكن المباشرة بالعلاج. والأنبياء بعثوا لإيصال الإنسان إلى تلك المراتب التي لم يتمكن علماء الطبيعة من اكتشافها .. فمهما عمل علماء الطبيعة فان غاية ما يمكن أن يتوصلوا إليه لا يتجاوز إدراكهم لخصائص عالم الطبيعة، ولكن ماذا عن عالم ما وراء الطبيعة؟ هذا مالا يمكن لهم أن يقدموا أية إجابة عنه. إذ أنه يختلف عن عالم الطبيعة من حيث الكمالات والمراتب. فهناك في عالم الطبيعة اعتبارات أكثر سمواً من الاعتبارات الدنيوية، ونحن غافلون عنها ولا يمكننا رؤيتها بالعين، وبإمكان الإنسان أن يصل إلى هذه المراتب من خلال المجاهدات والسير على الصراط المستقيم الذي رسمه له الأنبياء والرسل والذي يعجز الإنسان عن الإتيان بمثله. فان الله تبارك وتعالى بعث الأنبياء من اجل تربية هذا الإنسان كي يصل إلى مراتب ما وراء الطبيعة، ولتكون التربية تربية إلهية.

 

العبادات وصفات كتبها أطباء حقيقيون للسمو بالإنسان في مدارج الكمال‏ وأنتم أيها السادة تعيشون حالياً خارج بلادكم وأنا اعتبركم بمثابة أبنائي وأكنّ لكن كل المحبة والتقدير، وما أريد أن أقوله لكم هو أنكم ترون الآن الهيئة الظاهرة من عالم الطبيعة واغلب نشاطاتكم تتعلق بهذا العالم، وان اغلب الأمور التي تشاهدونها هي ذات صلة بهذا العالم المحسوس، كالأحداث التي تدور في إيران بما فيها الاشتباكات بين الجماهير وجلاوزة النظام.

 

طبعاً تتسم هذه الأحداث بطابع معنوي أيضاً، إذ أن ثورة الشعب هي من أجل إحقاق الحق- ما لا يحصى من الأمور التي ترتبط بعالم الطبيعة- ولكن هناك مراتب أعلى وأسمى من المراتب الدنيوية يجب أن ننتبه إليها ونهتم بها كالعبادات التي أوصى بها الأنبياء ودعونا إليها كأداء الصلاة والصوم والحج ... الخ، والتي تمثل علاجاً حقيقياً من أطباء حقيقيين وحاذقين في عملهم، أطباء جاؤوا لإيصالكم إلى مدارج الكمال، ويتعين عليكم الاستفادة منها والأخذ بها مادمتم تحيون في هذا العالم. وعندما تفارق أرواحنا هذا العالم وترحل إلى العالم الآخر وتحيا حياة أخرى، ستكون حينها مزدانة بالتربية الصحيحة التي تضمن لنا حياة سعيدة في الحياة الأخرى.

 

تماهل بعض الشباب في أداء العبادات‏

 

ومما يؤسف له أنني سمعت عن وجود تقصير من قبل بعض شبابنا في العمل بهذه الأحكام الإسلامية كأداء الصلاة التي لها أهمية كبيرة في الإسلام. وربما أهملت هذه الوصفات العلاجية نتيجة لعدم معرفتكم بقيمتها وأهميتها. فهلموا قبل فوات الأوان وقبل يوم لا ينفع فيه الندم.

 

ولابد من الإشارة إلى أن الإسلام لم يعتن بأحد الأبعاد على حساب بقية الأبعاد التي يحتاجها الإنسان في حياته كما تفعل المسيحية، بل أن الأحكام التي جاء بها الإسلام سواء ما يتعلق منها بالشؤون السياسية، أو أحكام الثقافة الإسلامية، ينسجم مع احتياجات الإنسان. فبمقدار حاجة الإنسان إلى الطبيعة توجد هناك أحكام خاصة بالطبيعة، كذلك ثمة أحكام لما وراء الطبيعة- التي غافلين عنها الآن أنا وأنتم- أحكام لتلبية احتياجات الإنسان، وبتعبير آخر تربيته تربية سليمة وتحقيق سعادتنا.

 

إن الله تبارك وتعالى غني عن أعمالنا وعباداتنا. الأنبياء (عليه السلام) أيضاً لا حاجة لهم بأعمالنا. وعندما نراجع تاريخ وسيرة الأنبياء، نجد أنهم بذلوا كل ما بوسعهم وتحملوا من العناء ما تحملوا في سبيل تربيتنا وسعادتنا.

 

فعندما تدرسون أو تراجعون حياة النبي موسى (عليه السلام) والنبي عيسى (عليه السلام) أو حياة نبينا محمد (ص) خاصة، أو عندما تراجعون التاريخ الإسلامي، تجدون أن بعض الأنبياء قد أقام دولة وكانت لهم سلطة على الناس، ولكنهم لم يكونوا يتصرفون كما يتصرف رؤساء الجمهوريات والزعماء السياسيين اليوم.

 

ومع أن رسول الله (ص) كان قد بسط في حياته رسالته على بلاد العرب وبعض البلدان الأخرى، ولكنه لم يقم بما يقوم به رؤساء جمهوريات وزعماء العالم، وكان (ص) حينما يجلس في المسجد يقرّب أصحابه ويتحدث إليهم بكل تواضع بحيث لم يكن بمقدور القادمين من خارج المسجد والذين لم يرووا الرسول من قبل، التعرف على الرسول (ص) من الآخرين.

 

وعلى هذا النحو كانت معاشرته لأصحابه، لا تتصوروا انه كان يجلس على مثل هذا المقعد الذي أجلستموني عليه. بل كان يجلس على بساط شبيه بهذا البساط الذي جلستم عليه. بحيث كان القادم من خارج المسجد يجد عناء في التعرف عليه (ص). وكان بإمكان من يروم لقائه أن يلتقي به بكل بساطة وسهولة خلافاً لرؤساء الجمهوريات اليوم، إذ على كل من يريد أن يلتقي بهم أن يتحمل المشقة والعناء وقد لا تتحقق أمنيته أبداً. فجميع الناس كانوا يحدثون الرسول (ص) ويتحدث معهم ويسمعون إجابته على أسئلتهم.

 

أما عن منزله فقد كان منزله (ص) لصق المسجد، ولا تتصوروا أن المسجد يشابه مساجد المدن الحالية، بل كان عبارة عن قطعة أرض أحاطوها بالخشب وأغصان الأشجار لتجنب دخول الحيوانات، ولم تشيد داخله سوى غرفة أو غرفتين بنوها بالطين. ولم يكن في مسجد الرسول سوى أشياء بسيطة إذ كان منزله بسيطاً للغاية لا كما هو الحال في بيوتنا.

 

أما عن حياة أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام) فقد بسط نفوذ حكومته وإمامته على بلاد شاسعة شملت جميع أرجاء الحجاز والعراق وسوريا ولبنان ومصر وإيران وتوحدت كل هذه البلدان تحت لوائه، فكيف يا ترى كانت حياته؟ هل كانت مشابهة لحياة الأمراء؟ كان (عليه السلام) يمتلك فقط جلد خروف يفرشه ليلًا- حسب ما يذكر التاريخ- وينام عليه هو وزوجته، وفي النهار كان يحشي جلد الخروف علفاً ليعلف به البعير. هذه هي حكومة الإسلام. وكان (عليه السلام) يحفر القناة بيده، بمسحاته، وفي ذات اليوم الذي بايعه المسلمون عاد لمواصلة عمله، ولم يكن يعمل من اجل نفسه ومن اجل منفعته الخاصة بل حفر قناة وما أن تفجرت عين الماء حتى جعلها وقفاً للفقراء.

 

ونحن أيها السادة نريد مثل هذا الحاكم، نريد حاكماً يقتدي بالرسول الأكرم (ص) والإمام علي (عليه السلام)، نحن الذين تحملنا المشقات وعانينا ما عانينا، عندما نكلم شعبنا المسلم فان خلاصة ما نريد هو مطالبتنا بحاكم لا يكون خائناً.

 

وينقل عن الإمام (عليه السلام) أنه كان يحسب عوائد بيت المال كالزكاة ومقدار ما يجب أن يدفعه الناس من ضرائب لبيت المال، وكان مصباحه الزيتي بيده ليضيء به المكان، وبينما هو منهمكاً بإعداد الكشوفات جاء شخص حسب ما تذكره الرواية[1]، وكان له حديث خاص مع الإمام، فأطفأ الإمام المصباح ثم راح يحدثه.

 

طبيعة النظام الإسلامي‏

 

والآن انتم تلاحظون ماذا يفعل رؤساء الجمهوريات وهؤلاء السلاطين، ونحن لم نطلع إلّا على القليل من جرائمهم. راجعوا أحداث إيران لتروا ماذا يفعل هذا المجرم (الشاه) وكيف يعيث فساداً في البلاد وكيف يتصرف مع بيت المال: بيت مال المسلمين. إن هؤلاء الحكام الذين يتساءلون عن هوية الإسلام عليهم ان يدركوا أن الإسلام لا يريد أن يخرب أو أن ينسف ويهدّم كل شي‏ء، وعلى العكس مما يتصورون فان الإسلام يسعى للحفاظ على نظم الطبيعة وتطهير العالم مما علق به من مفاسد.

 

ولابد من حكومة إسلامية تحقق هذا الهدف العظيم، حكومة لا تسرق ولا تخون شعبها، وقد كانت للمسلمين حكومة وسلطة لم ترافقها أعمال النهب أو السلب أو الخيانة، وانطلاقاً من ذلك لابد من حكومة إسلامية ووجود حاكم إسلامي ونظام إسلامي.

 

أن أحد أسباب مطالبتنا بوجود حكومة إسلامية، والإطاحة بالحكومة الملكية القذرة، هو أننا لم نر ولم نقرأ في كتب التاريخ أن أحداً من السلاطين والحكّام مهما كان متغطرساً وظالماً أن يخون شعبه ووطنه، صحيح أن أكثر الحكّام كانوا جبابرة فاسدين ويعتدون على الناس لكن لم يجرؤ أحد منهم أن يبيع وطنه إلى الأجانب، وتقديم ثروات شعبه إلى الأجانب مجاناً.

 

ولكن هذا الأمر قد حصل في عهد هذا الرجل (الشاه) وانحصرت هذه الخيانات بشخصه الفاسد إذ بدد الأجانب في عهده كل ثرواتنا، هم يعيشون حياة مترفة، والشعب يعيش فقر مدقع. ولقد كررت هذا الحديث خلال هذه الأيام أكثر من مرة، فقد اطلعت مؤخراً بأن إحدى شقيقات الشاه قد شيّدت لها قصراً لم يقدر بثمن الآن، وربما يقدر في المستقبل بمبلغ يحير العقول، فقد أنفقت خمسة ملايين دولار على تزيينه بالزهور وبستنته فقط.

 

في حين أننا نقتدي بحاكم كان يطفئ المصباح الذي هو ملك لجميع المسلمين من أجل أن يحدّث احد أصحابه حديثاً خصوصياً. وان كل تشكيلاته هو هذا المسجد. يأتي إلى المسجد ليستمع إلى الجميع. ومن المسجد أيضاً كان يتم إعزام الجيوش لتنطلق في فتوحاتها. غير أن ذلك لم يغير من بساطة حياته.

 

إننا نقتدي بإمام قصره المجد الذي حظى به دون غيره، ففي يوم حل هذا الإمام العظيم ضيفاً على ابنته وكان ذلك في الليلة الأخيرة من حياته، وكان حينها في عز عظمته، فقدمت له ابنته خبزاً مع الملح والحليب، فقال لها ما معناه: (متى رأيتيني آكل نوعين من الطعام في وجبة واحدة؟!) فقدمت له الحليب، لكنه، طلب منها أن تقدم له الخبز والملح بدل ذلك، واكتفى امير الحجاز وإيران وسوريا ولبنان والعراق وبلدان أخرى، بأكل الخبز والملح.

 

أما أخت الشاه المجرمة، فقد ضيعت خمسة ملايين دولار من أموال الشعب في أعمال تزيين وبستنة قصرها، إضافة إلى كلفة العقار التي لم يعلن عنها، وقد قرأت في الصحف ليلة أمس أن الشاه احتفل ليلة الرابع من آبان بصحبة أخته فقط، إذ هرب بقية أفراد الطغمة الحاكمة إلى الخارج بعد أن نهبوا أموال الشعب وهربوها إلى أمريكا، ويقال أنهم اتصلوا هاتفياً قبل عدة أيام بإيران وأمروا بشحن طائرة بالمجوهرات ونقلها إلى أمريكا. ولان الشاه يحتمل نهايته والإطاحة به لذا قام بعمليات نهب واسعة.

 

الحكومة الإسلامية تعني نهاية الفوضى والنهب‏

 

نحن نطالب بقيام حكومة إسلامية ولا نسمح بحدوث الفوضى، البعض يقول لنا أنكم تريدون أن تقيموا حكومة إسلامية توقف عجلة تقدم البلد ..

 

هذه إشاعات باطلة ومغرضة يروج لها الإعلام. إننا نتطلع إلى انطلاقة عجلات التقدم بما يوفر مصالحنا لا مصالح الأجانب، وسنحول دون بيع نفطنا إلى أوربا بأسعار زهيدة، سنقوم بتصدير مقداراً معقولًا من النفط، ونشترط أن نكون أحراراً في التصرف بعائدات النفط، لا أن يشيدوا بعائدات النفط قواعد عسكرية أمريكية.

 

نحن ضد الفوضى ولكننا في الوقت نفسه نسعى للإطاحة بحكومة تنهب شعبنا وتخون وطنها، ونطالب بقيام حكومة إسلامية مخلصة لشعبها المسلم، ونطالب بحكومة لا تخون ولا تقتل شعبها لمجرد انه يهتف ضد الشاه ويعلن تذمره واستياءه منه.

 

وخلاصة القول، أرجو أن لا يثيروا الذعر في نفوسكم من الحكومة الإسلامية، لان الحكومة الإسلامية حكومة العدالة، وتسعى إلى تحقيق حياة سعيدة لشعبها أن شاء الله تعالى، ونأمل من الله تعالى أن تقام مثل هذه الحكومة في القريب العاجل.

 

ــــــــــــــــ

 

[1] راجع مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب، الجزء الثاني.

 

 

احدث الاخبار

الاكثر قراءة