القيمة الكبيرة لمجالس العزاء وقدسيتها ومسؤولية علماء الدين الخطيرة
التاريخ: 05-08-2010
المكان: طهران، حسينية جماران المناسبة: على أعتاب شهر رمضان المبارك المصدر: صحيفة الإمام، ج16، ص: 261 التاريخ: صباح 31 خرداد 1361 ﻫ
المكان: طهران، حسينية جماران
المناسبة: على أعتاب شهر رمضان المبارك
المصدر: صحيفة الإمام، ج16، ص: 261
التاريخ: صباح 31 خرداد 1361 ﻫ.ش/ 28 شعبان 1402ﻫ.ق
الموضوع: القيمة الكبيرة لمجالس العزاء وقدسيتها مسؤولية علماء الدين الخطيرة مؤامرات أميركا في المنطقة
الحاضرون: محمدرضا مهدوي كني، محمد تقي فلسفي، العلماء ورجال الدين، أئمة الجماعات وخطباء طهران وقم
بسم الله الرحمن الرحيم
القيمة الكبيرة لمجالس عزاء سيد الشهداء
يجب أن أشكر سلفاً السادة علماء الدين والخطباء من طهران، وأولئك الذين شرّفوا من قم كما قيل لي، والتقيناهم، آملين أن يوفق الجميع لخدمة الإسلام والمسلمين.
المواضيع كثيرة، ولكنني سأتحدث لكم عن موضوع يتعلق بالسادة الخطباء والعلماء، وموضوع حول قضايا الساعة التي نواجهها اليوم. أما الموضوع المرتبط بالسادة الخطباء فهو أن عمق هذه المهمة التي تضطلعون بها، وعمق قيمة مجالس العزاء لم يتضحا إلا قليلًا، ولعلها لم تتضح أبداً لدى البعض. وإن القيمة الكبيرة التي توليها رواياتنا لقطرة واحدة من الدموع لمظلوم كربلاء، بل وحتى للتباكي والتظاهر بالبكاء[1]، ليست من باب أن سيد المظلومين بحاجة إلى ذلك، وليس لأن تحصلوا أنتم ومستمعوكم على الثواب، رغم أن في ذلك الثواب الكبير، ولكن لماذا خصص هذا الثواب وبهذا الحجم الكبير لهذه المجالس، ولماذا جعل الله تبارك وتعالى كل ذلك الثواب للدمع بل وحتى قطرة واحدة منه بل وحتى التباكي؟ إن هذه القضية تتضح شيئاً فشيئاً من ناحيتها السياسية، وسوف تتضح أكثر من ذلك فيما بعد إن شاء الله.
إن كل هذا الثواب الذي خصص للعزاء، لمجالس العزاء، لرثاء الإمام الحسين، يكمن في قضية سياسية مهمة، فضلًا عن جوانبها العبادية والروحية. فذلك اليوم الذي صدرت فيه هذه الروايات، كان يوماً كانت فيه الفرقة الناجية مبتلاة بالحكم الأموي، والحكم العباسي في الغالب، وكانت هناك أقلية قليلة للغاية في مواجهة القوى الكبرى آنذاك، ومن أجل تنظيم النشاط السياسي لهذه الأقلية فقد تم وضع أسلوب هو بحد ذاته من شأنه أن ينظّم، وهو النقل عن مصادر الوحي بأن هذه المجالس لها كل هذه العظمة، وهذه الدموع التي تراق في هذه المجالس، فكان الشيعة يجتمعون على أقليتهم آنذاك، ولعل الكثير منهم لم يكونوا يعلمون ما هو الموضوع، ولكن الهدف كان تنظيم مجموعة من الأقلية أمام تلك الأغلبيات. وهكذا كانت هذه المجالس طيلة التاريخ تنظيماً عاماً في البلاد، البلاد الإسلامية، وفي إيران التي هي مهد التشيع والإسلام والشيعة، كانت مجالس العزاء هذه، وهذه المواكب تقف في مقابل أنظمة الحكم التي كانت تتوالى، وكان هدفها القضاء على الإسلام والقضاء على أساس علماء الدين فكانت هذه المجالس تخيفهم.
في المرة الأولى التي اعتقلوني فيها في قم، كان البعض من رجال الأمن يقول لي في السيارة، إنهم جاؤوا لاعتقالي ولكنهم كانوا يخشون الخيم المنصوبة في قم، يخشون أن يبلغ الخبر مسامعهم فلا نستطيع القيام بمهمتنا. وبغض النظر عن هؤلاء، فان القوى الكبرى تخشى هي أيضا هذه الخيم. إن القوى الكبرى تخشى هذا التنظيم دون أن تكون هناك يد واحدة تجمع كل هؤلاء الناس، بل إن أبناء الشعب يتلاحمون من تلقاء أنفسهم في أرجاء البلاد، في هذا البلد الواسع، في أيام عاشوراء وفي شهري محرم وصفر وفي الشهر المبارك. فهذه المجالس هي التي تجمع أبناء الشعب مع بعضهم. فإذا أراد شخص أن يقدم خدمة للإسلام، وأراد أن يصرح بموضوع، فانه ينتشر في جميع أرجاء البلد بواسطة هؤلاء الخطباء وأئمة الجمعة والجماعة، فيؤدي اجتماع الناس تحت هذا البيرق الإلهي، هذا البيرق الحسيني، إلى أن ينظّموا. في حين أن القوى الكبرى إذا أرادت أن تقيم تجمعاً في مناطقها، فان هذا الاجتماع لا يتم إلّا بعد جهود كبيرة قد تستغرق عدة أيام أو عدة أسابيع، فيجتمع عدد نفترض أنه مائة ألف شخص، أو خمسون ألفاً بعد نفقات كثيرة وجهود كبيرة، ليستمعوا إلى حديث ذلك الشخص الذي يريد أن يتكلم. ولكنكم ترون أنه بمجرد أن تحدث قضية في مدينة بل في جميع أرجاء البلاد، فان جميع شرائح الشعب والمشاركين في عزاء سيد الشهداء ستجتمع دون أن تكون هناك حاجة إلى كل هذه الجهود والإعلام، وذلك بفضل مجالس العزاء هذه التي جعلت أبناء الشعب يتلاحمون؛ فبكلمة واحدة تخرج من فم سيد الشهداء ـ سلام الله عليه ـ نرى الجميع يجتمعون. وإن ما تفضل به بعض الأئمة ـ لعله الإمام الباقر، علماً أنني لا أذكر ذلك جيداً ـ قائلًا [ما مضمونه] آتوني بشخص يرثي الإمام الحسين في منى كي يبكي لي، ويقيم مجلس العزاء[2]، ليس سببه أن الإمام الباقر سلام الله عليه بحاجة إلى ذلك، وليس لأنه يعود بفائدة شخصية عليه، ولكن انظروا إلى طابعه السياسي. ففي منى وعندما يتقاطر الناس من جميع أقطار العالم إلى هناك، ويجلس شخص أو أشخاص ليرثوا الإمام الحسين للإمام الباقر، ويذكر جريمة الأشخاص الذين عارضوه، وتسببوا مثلًا في شهادته، فإن هذه القضية ستنتشر انتشار الموج في كل العالم، وهكذا فقد استصغروا مجالس العزاء هذه.
تأثير دم سيد الشهداء (عليه السلام) في انتفاضة 15 خرداد
لعل المتأثرين بالغرب يقولون لنا إننا «شعب البكاء»، ولعل أصحابنا لا يستطيعون أن يتحملوا الثواب العظيم الذي تحمله قطرة واحدة من الدمع. والثواب الكبير الذي يتمخض عنه مجلس عزاء واحد. لعلهم لا يستطيعون هضم تلك الأمور التي ذكرت للأدعية والثواب الذي ذكر لسطرين من الدعاء. إنهم لا يستطيعون إدراك ذلك وهضمه، إن الجانب السياسي من هذه الأدعية وهذا التوجه إلى الله وتوجه جميع الناس إلى نقطة واحدة كل ذلك هو ما يعبئ الشعب للهدف الإسلامي. إن مجلس العزاء ليس هدفه البكاء لسيد الشهداء والحصول على الثواب- علماً أن هذا الهدف مقصود أيضاً ويستتبع الأجر الأخروي للآخرين- بل إن المهم هو الجانب السياسي الذي خطط به أئمتنا في صدر الإسلام كي يبقى حتى النهاية، وهو أن الاجتماع تحت لواء واحد، وتحت فكرة واحدة، وليس بإمكان أي شيء أن يترك التأثير بمقدار ما يتركه العزاء لسيد الشهداء فيه.
لا تتصوروا أن الخامس عشر من خرداد كان من الممكن أن يحدث لو لم تكن مجالس العزاء هذه قائمة ولو لم تكن مواكب اللطم والرثاء هذه قائمة. فلم تكن هناك أية قوة كان بإمكانها أن تجعل 15 خرداد على هذه الكيفية لو لا قوة دم سيد الشهداء. وليس بإمكان أية قوة أن تفشل هذه المؤامرات التي تحاك ضد هذا الشعب الذي تعرض للهجوم من كل جانب، والذي تحوك القوى الكبرى المؤامرات ضده، إلّا مجالس العزاء هذه. ان مجالس العزاء والرثاء هذه لسيد المظلومين، والتعبير عن الظلم الذي تعرّض له؛ ولشخص ضحّى بروحه وبأصحابه وأولاده في سبيل الله ولرضاه، هي التي خرّجت هؤلاء الشباب الذين يتوجهون إلى الجبهات ويطلبون الشهادة ويفتخرون بها، يحزنون إن لم تصبح الشهادة من نصيبهم، وهي التي تصنع مثل تلك الأمهات اللاتي يفقدن أبناءهن ومع ذلك فإنهن مستعدات لتقديم أبنائهن الآخرين. إن مجالس عزاء سيد الشهداء ومجالس الدعاء ودعاء كميل والأدعية الأخرى هي التي تصنع هذا الشعب على هذه الشاكلة، وقد شيد الإسلام الأساس منذ البدء بشكل بحيث يمضي إلى الأمام بهذه الفكرة وبهذا البرنامج. وإذا ما فهموا وأفهموا حقاً ما هي القضية، والهدف من مراسم العزاء هذه، ولماذا اكتسب هذا البكاء كل هذه القيمة والأجر عند الله، فحينئذ سوف لا يصفوننا بأننا «أهل البكاء»، بل يعتبروننا «شعب الملاحم». لو أدركوا ما فعلته الأدعية التي وصلتنا من الإمام السجاد، وكيف من شأنها أن تجهزنا لما استهانوا بهذه الأدعية التي رويت عن السجاد سلام الله عليه الذي فقد كل ما يملك في كربلاء وكان يعيش تحت ظل حكومة كانت تهيمن على كل شيء؟! لو أن مثقفينا أدركوا ما هي الجوانب الاجتماعية والسياسية لهذه المجالس وهذه الأدعية وهذه الأذكار وهذه المجالس، لما تساءلوا: لماذا نقوم بهذا العمل؟ لو اجتمع جميع المثقفين وجميع المتأثرين بالغرب وجميع أصحاب السلطة، لما كان بإمكانهم خلق حادثة أخرى مثل 15 خرداد. إن من يمتلك هذه القوة هو من اجتمع الجميع تحت لوائه.
إننا لا نطلق صرخاتنا معلنين أننا نريد الإسلام والجمهورية الإسلامية، إلّا لأن جميع أبناء الشعب مجتمعون في الجمهورية الإسلامية باعتبارها «إسلامية» ومن أجل الله، وقد رأينا القوة التي تتمتع بها هذه الجمهورية الإسلامية من هذا الشعب والبلدان الأخرى أيضاً بسبب أنهم ثاروا في سبيل الله.
ثورة إيران هي ثمرة مجالس العزاء
إن على شعبنا أن يعرف قدر هذه المجالس، المجالس التي تبقي الشعوب حية، والتي تزداد وتتزايد في أيام عاشوراء وفي سائر الأيام أيضاً غير هذه الأيام المباركة هناك أسابيع وتظاهرات من هذا القبيل، لو أنهم أدركوا بعدها السياسي، فان هؤلاء المتأثرين بالغرب سيبادرون هم أيضاً إلى إقامة مجالس العزاء، إذا ما أرادوا الشعب وأرادوا بلدهم. وأنا آمل أن تقام هذه المجالس أكثر فأكثر وبنحو أفضل. والجميع له دور في ذلك اعتباراً من الخطباء الكبار وحتى منشدي المراثي. فكل من الذين يقفون عند المنابر وينشدون بعض الأشعار، والخطباء الجالسين على المنابر، لهما كليهما أثر في هذه القضية؛ أثر طبيعي. حتى وإن لم يدرك بعض الأشخاص ما يفعلون، فهم يؤثرون من حيث لا يشعرون.
لقد بلغنا تقريباً هذه الدرجة وهي أن شعبنا قام بثورة على حين فجأة، وحدث فيه انقلاب لا نجد نظيره في أي مكان آخر. لقد حدث فجأة انفجار في شعب كان كل شيء فيه مرتبطاً [بالأجنبي]، وكان هذا النظام السابق قد فقد كل شيء، وفقد الكرامة الإنسانية لهذا البلد، فجعل جميع أمورنا ترسف تحت قيود التبعية، وإذا بانفجار يحدث فجأة ببركة هذه المجالس التي كانت تجمع كل البلد، وكل أبناء الشعب مع بعضهم البعض، فكان الجميع ينظرون إلى نقطة واحدة يجب على السادة الخطباء وأئمة الجماعة وأئمة الجمعة أن يشرحوا للشعب أكثر من المقدار الذي أعرفه تماماً كي لا يظن أننا شعب البكاء. إننا شعب استطعنا بهذا البكاء أن نقضي على سلطة عمرها 2500 سنة.
المسؤولية الخطيرة لعلماء الدين في المرحلة الحالية
وهنا سوف أتحدث بشكل مختصر من باب أن الذكرى تنفع المؤمنين ومضمون هذا الحديث أن على جميع السادة في أي مكان من هذا البلد، ويسمعون صوتي، سواء كانوا من طبقة العلماء وأئمة الجماعات والجمعة أو من طبقة الخطباء ـ الذين يعتبرون علماء هم أيضاً ـ والأشخاص- من علماء الدين ـ الذين يتولون هذه الأمور، عليهم أن ينتبهوا إلى أن كرامة الجمهورية الإسلامية معقودة بأيديكم. إذا مارستم ـ لا سمح الله ـ تدخلات غير مناسبة ولا داعي لها، وأعمالًا ينبغي أن لا تصدر من علماء الدين، فان هذه الجمهورية الإسلامية سوف تتلطخ سمعتها. بل يجب أن تبقى الحكومة على قوتها. والحكومة هي اليوم حكومة إسلامية ومن الواجب علينا جميعاً أن ندعم هذه الحكومة الإسلامية. والموظفون الذين يأتون من جانب الحكومة، في كل مكان، هم موظفو الحكومة الإسلامية. وإذا ما صدر من أحد الموظفين ـ لا سمح الله ـ أمر يتعارض مع أذواقكم أو يتعارض مع المسائل الإسلامية من حيث أنه غير مطلع بشكل صحيح على الأمور أو يرتكب خطأ، فعليكم أن لا تواجهوه، ولا تضعفوه، بل يجب أن تنصحوه. وإذا ما لم يستمع إلى النصيحة، فعليكم أن ترجعوا إلى مصادر الأمور. وعلى أئمة الجمعة في البلاد أن لا ينصبوا ولا يعزلوا.
وعلى الأشخاص الذين يديرون الاتحادات الإسلامية بين أفراد الجيش أو المؤسسات الأخرى، أن لا يمارسوا تدخلات هي ليست من اختصاصهم. عليهم أن يرشدوا الحكومة، ويرشدوا موظفي الحكومة وجميع الأشخاص الذين بين أيديهم. وإذا ما لم يعمل أحد منهم بالإرشاد، فعليهم أن يرجعوا إلى المسؤولين، لتحل القضية.
عليكم أن لا تتصرفوا بشكل مباشر، بل أن ترشدوا الجميع حفاظاً على كيان الإسلام الذي تعتبرون حراساً له وحفاظاً على كيان الجمهورية الإسلامية الذي تحافظون عليه، وأن تتجنبوا الأعمال التي يجب أن لا تقوموا بها، والأعمال التي تعد تدخلًا في الشؤون التنفيذية. وإذا ما صدر خطأ من محافظ أو قائم مقام فعليكم أن لا تعلنوا ذلك على المنابر وتفضحوه. فهذا أمر لا يرضى الله عنه. بل عليكم أن تتحدثوا معه على انفراد وتتفاهموا معه وتطلبوا منه أن يغير وجهته. فان لم يعر أهمية فعليكم أن لا تراجعوا المسؤولين. أما إذا أردتم أن تفعلوا ذلك بشكل مباشر، فسوف تتم الإساءة إلى سمعة الجمهورية الإسلامية وسمعة الإسلام في العالم. في حين أنكم المحافظون على هذه السمعة ومن الواجب علينا جميعاً المحافظة على كيان هذه الجمهورية الإسلامية. أنتم ترون اليوم أن جميع الأقلام وجميع الألسنة من القوى الكبرى أو الحكومات المرتبطة بها، قد تم تجهيزها ضد هذه الجمهورية الإسلامية، وأن الجميع يعمل وفق أسلوب خاص؛ فعلينا إذن أن لا نعطيهم ذريعة.
واسمحوا لي هنا أن أدلي بكلمة واحدة لعلي أدليت بها سابقاً وهي أنني نوهت بهذه الكلمة منذ البدء حيث كنا نتصدى لهذه القضايا، وكانت آثار الانتصار تظهر شيئاً فشيئاً، في المقابلات التي أجريتها، سواء مع الأشخاص الذين قدموا من الخارج، حتى في النجف وفي باريس، وسواء في الأحاديث التي أدليت بها أنا نفسي، وهذه الكلمة هي أن مسؤولية علماء الدين أسمى من هذه الأمور التنفيذية، وإذا ما انتصر الإسلام فان علماء الدين سوف ينشغلون بمسؤولياتهم. ولكننا عندما جئنا وخضنا المعركة، رأينا أننا إذا أمرنا علماء الدين بأن يتوجهوا إلى مساجدهم، فان هذا البلد سوف تبتلعه أميركا، أو الاتحاد السوفيتي. لقد جربنا ورأينا أن الأشخاص الذين يشغلون المسؤوليات الرئيسة ولم يكونوا من علماء الدين، لم تكن أذواقهم تستسيغ رغم البعض منهم كان متديناً الطريق الذي كنا نريد أن نسلكه، والطريق الذي يؤدي بنا إلى الاستقلال، ويتطلب منا أن نبني أنفسنا بإمكانياتنا المتواضعة، ولا نخضع لهيمنة القوى الكبرى، ولذلك فلأننا رأينا هناك أننا لا نستطيع أن نجد في كل مكان أشخاصاً يعملون بشكل كامل للهدف الذي ضحى هذا الشعب من أجله بشبابه وأمواله، فقد اضطررنا إلى أن يكون رئيس جمهوريتنا من العلماء. وأحياناً كان رئيس وزرائنا كذلك أيضاً. وفي المواضع الأخرى ليس في نيتنا كما كنا قد قلنا سابقاً أن يكون الأمر كذلك، وأنا أقولها الآن أيضاً أننا في كل يوم أدركنا فيه أن هذا البلد تديره مجموعة من الأشخاص من غير علماء الدين، بالشكل الذي أمر به الله تبارك وتعالى، فالسيد الخامنئي يتوجه إلى مسؤوليته العلمائية الكبيرة والإشراف على الأمور، وهكذا الحال بالنسبة إلى السادة الآخرين. إن من غير الصحيح أن نبقى على خطئنا حيثما قلنا كلمة ورأينا أن ذلك من مصلحة الإسلام، ثم اكتشفنا أن الأمر ليس كذلك، وإننا كنا قد ارتكبنا خطأ. إننا كلما اكتشفنا أن هذه الكلمة التي قلناها اليوم كانت خطأ، وأن من المفترض أن نتصرف بشكل آخر، فإننا نعلن أننا قد أخطأنا في ذلك، وأن علينا أن نتصرف على هذه الشاكلة. فنحن معنيون بمصالح الإسلام، لا بتطور كلامنا.
إسمحوا لي أن أدلي بحديثي للسادة- وبناء على ذلك، فان القضية لا تتمثل في أن يقول لنا السادة: لقد قلت لنا كذلك، في ذلك اليوم. هذا صحيح، فلقد كنا نتصور ذلك اليوم أن هناك بين هذه الشرائح المتعلمة والمتدينة وصاحبة الأفكار، أشخاصاً يستطيعون أن يقودوا ويديروا هذا البلد كما يريد الله. وعندما اكتشفنا أننا كنا على خطأ، جاء بعضهم وحشروا أنفسهم بيننا، ومن المعلوم أننا لا نعلم الغيب. على أن البعض منهم كان طيباً ولكن رأيهم كان يتعارض مع رأينا لقد عدلنا عن الكلام الذي أدلينا به في المقابلات، وما دام غير علماء الدين يستطيعون مؤقتاً إدارة هذا البلد، فإن السادة علماء الدين يعودون إلى إرشادهم ومناصبهم، وليوكلوا الأجهزة التنفيذية إلى الأشخاص الذين يعملون للإسلام، وما دامت القضية هكذا، والإبهام يواجهنا، فإن الاحتمال قائم.
إننا مكلفون بأن نقف ما استطعنا في وجه الشخص الفلاني أو الشريحة الفلانية التي تهدد كيان الإسلام حتى وإن كان احتمال ذلك واحداً في المليون. فليقولوا ما شاؤوا أن يقولوا عنا، ليقولوا أن بلدنا هو بلد الملالي وحكومتنا حكومة الملالي وما إلى ذلك من أقوال. وبالطبع فإن ذلك ورقة يستخدمونها كي يخرجونا من الساحة، ولكننا لا نخرج منها. هذا هو الحديث الذي قلته للسادة وآمل أن يدعوا في شهر رمضان المبارك، هذا الشهر العظيم، لهذه الجمهورية الإسلامية وأن يرشدوا الشعب كي يبقى في الساحة.
هجوم إسرائيل على لبنان، الفخ الأميركي لإيران
على الشعب أن لا يتصور أننا قد انتصرنا وأننا لا نحتاج إليه. فالحاجة إليه قائمة وقائمة دوماً. إن الحكومة لا تستطيع لوحدها أن تدير جميع الأمور، بل يجب أن يكون الشعب معها. كما أن حربنا لم تنته، فنحن الآن في حالة حرب، وما دمنا كذلك، يجب على شبابنا أن يقدموا الدعم للجبهات؛ فكما أن شبابنا الأعزاء كانوا وما يزالون يتوجهون، واستشهد الكثير منهم وتشرفوا بلقاء الله، فإننا نحتاج إليهم اليوم أيضاً، فالمؤامرات تتسع يوماً بعد يوم. وأما القضية التي يجب أن أطرحها في الجانب المرتبط بالظروف الحالية فهي أن القوى الكبرى وخاصة أميركا، بعد أن فشلت في جميع المؤامرات وهزمت وهي ترى الآن أن هذه الحرب التي أعلنتها علينا، في طريقها إلى النهاية هي أيضاً أن شاء الله، فقد نفذت مؤامرة أخرى أكثر عمقاً انخدعنا بها إلى حد ما وهي أنها خلقت ذلك الخطر الوشيك في نقطة كبيرة وحساسة للغاية بالنسبة إلينا كي تجعل شعبنا يغفل عن تلك القضية التي تجري في بلده وعن تلك الحرب التي تجري في بلده، ألا وهي قضية هجوم إسرائيل على لبنان. فقد كانت أميركا تعلم أننا وشعبنا نولي أهمية فائقة للبنان، وإسرائيل من الجانب الآخر. وأميركا هي التي نصبت هذا الفخ. أي أنها بعثت عميلها ذاك كي يهاجم لبنان ويتسبب في كل تلك الأضرار والجرائم. ونحن نعلم أنهم مستعدون لأن يقضوا على الجميع وعلى الملايين في مقابل أن تتحقق مصلحة واحدة لأميركا. لقد عهدنا ذلك من القوى الكبرى. إنهم لا يعنيهم ما يجري على النساء والأطفال وبلد هؤلاء المستضعفين في لبنان، بل هم يعملون على أن يبقوا صداماً في موضعه في هذا الجانب، ليحتفظوا بإيران التي تفوق أهميتها في نظرهم لبنان والمناطق الأخرى. إن أمريكا ترى أننا نجاور الاتحاد السوفيتي، على طول مئات الكيلومترات، وما يبث الرعب في أميركا هو الاتحاد السوفيتي. وهي تخشى إذا ما زال صدام أن يستطيع الاتحاد السوفيتي تهديدها ولكننا نعلم أنه لا يستطيع، فبعد أن تواجد الشعب في الساحة وما يزال فإن أي شخص لا يستطيع. وفضلًا عن ذلك، فإنهم يرون أن إيران لو هزمت العراق في الحرب لصالحها، فإن العراق سيتصل بإيران، أي، أن الشعب العراقي، الشعب العراقي المظلوم، سوف يحرر نفسه من قبضة هذا الحزب الظالم، ويتلاحم مع الشعب الإيراني، ويؤسس حكومة إسلامية تتوافق مع رغبته. وإذا ما حدث الارتباط والاتصال بين إيران والعراق، فان أميركا سوف تحرم من هذه المنطقة الغنية والتي (أي أمريكا) لا ترى ضيراً في أن تضحي بالآلاف من جنودها والآلاف من الناس. ويتمثل هذا المخطط في أن يحرضوا بيغن[3] على أن يهاجم لبنان. وعندما يهاجم لبنان فإن إيران تهتم بأمر هذا البلد، وستوظف كل قواها من أجل أن تقضي عليه. وإذا ما غفلت إيران عن الحرب ضد العراق، فإن العراق سوف يفعل فعلته، فلا تستطيع إيران أن تفعل شيئاً هنا أيضاً.
إن على جميع أبناء شعبنا وجميع المسؤولين أن يلتفتوا إلى أننا في نفس الوقت الذي لا نرى فيه لبنان منفصلًا عن إيران من حيث المصالح والمفاسد، ولكننا يجب أن لا نقوم بما يستوجب عجزنا عن إنقاذ كل من لبنان وإيران، بل علينا أن نتجنب ذلك. إذا كانت الأنظار اليوم متوجهة إلى لبنان، وكانت جميع القوى والخطباء والكتّاب يتحدثون عن لبنان، فإن هذا نجاح لأميركا لأن إيران نسيت حربها. كما أنها ستفقد كلًا من العراق ولبنان، فلا تستطيع أن تفقد العراق ولا لبنان. ولا تستطيع أن تفعل شيئاً في العراق ولا في لبنان، إن طريقنا هو أن نتوجه إلى لبنان عن طريق هزيمة العراق، وليس بشكل مستقل.
لاحظوا أن جميع وسائل الإعلام أقصد جميعها على حد علمي لم تعد تتحدث مؤخراً عن الحرب بين العراق وإيران، ولعلها تتحدث بكلمة واحدة، بل اتجهت جميعها إلى لبنان. فجميع الإذاعات لم تكن تتحدث إلا عن إيران وحرب العراق قبل هجوم هذا الرجل، بل هذا الرجل النذل على لبنان. وعندما أصبح مخطط أميركا يتمثل في أن تصرف إيران عن محاربة العراق، وإعادتها إلى الموضع الذي تبدي فيه الحساسية للبنان، لم تعد تلك الإذاعات والمذيعون الأجانب يتحدثون منذ ذلك اليوم عن إيران ولم يعودوا يقولون شيئاً من هذه الأحاديث. اعلموا أن ما صدر من العراق قبل بضعة أيام، من مجلس العراق، بأنهم سيخلون إيران، هو مؤامرة، ولا يعني أنهم يريدون إخلاءها حقاً، إنهم يريدون تخديرنا، ويصرفوا شبابنا عن الجبهة، ويثبطوا عزم المتطوعين الذين يسجلون أسماءهم بمئات الآلاف عندما نعلم أننا نريد عشرة آلاف أو عشرين ألفاً. وعندما لا يتوجهون [إلى الجبهات]، فإن العراق من الممكن أن يخرج منتصراً في هذه القضية لا سمح الله ـ. وإذا ما انتصر العراق، فثقوا أنكم سوف لا تستطيعون فعل أي شيء في لبنان.
إن علينا أن نفشل هذا المخطط الذي دبرته أميركا. أي، أن على جميع خطبائنا في أرجاء البلاد وجميع أئمة الجماعة أن يشرحوا هذه القضية، ويوضحوا أننا سنتوجه إلى لبنان عن طريق هزيمة العراق. علينا أن لا نسمح للعراق بأن يقف على رجليه ويستجمع قوته ويقدم الآخرون الدعم له ويقوي حدوده ثم يهاجمنا بعد ذلك بشكل مفاجئ، ويعود مرة أخرى إلى الحالة التي كانت منذ البدء. والغفلة عن ذلك انتحار. على جميع الخطباء، سواء أئمة الجمعة، أم الجماعة وسواء الخطباء، أم الكتّاب أن يفضحوا هذه المؤامرة ويذكروها وأن لا يجعلوا أبناء الشعب يغفلون عن جبهة حربنا ويبثوا الوعي بينهم. نحن نريد إنقاذ القدس، ولكننا لا نستطيع ذلك دون إنقاذ العراق من هذا الحزب المشؤوم. نحن نعتبر لبنان جزء منا، ولكن مقدمة إنقاذنا للبنان هي إنقاذ العراق. علينا أن لا نترك المقدمة ونركز اهتمامنا دون داع على ذي المقدمة ونركز جميع إمكانياتنا عليه فيعزز العراق موضعه لنفسه.
هذيانات صدام
أنا لا أعلم [الهدف] من ذلك البيان الذي أصدره صدام والذي هو مسهب ومسهب جداً والذي لاحظه السادة، فإن لم يلاحظوه، فليتابعوه، وليجدوه. يبدو لي أنهم كتبوه، وكتبه أولئك الذين بيدهم المخططات وسلموه لصدام كي يقرأه. وكما يبدو لي من حال صدام أن حالته لا تسمح له بأن يستطيع التفكير، أو كتابة شيء. فلقد فقد هذه الأشياء. أنتم لا تعلمون حجم الهذيان في هذا البيان. فلو كان يمتلك من الإدراك ما يمتلكه شاب في الصف الأول لما قرأه، لما قرأ هذا البيان الذي كتب له. أنتم لا تعلمون كم نقل من انتصاراته! وكم ذكر من بطولات جيشه الذي انتصر في جميع الجبهات! اقرأوا ذلك واضحكوا! انه يقول أن انسحابه هو انتصار كبير للشعب العراقي! لقد أنقذنا الشعب العراقي من هذا البلد. متى، مثلًا؟ من هذا البلد المسلم، اجتاحوا بلدنا وبدأوا الحرب، ونحن وقفنا في وجههم، وأجبرناهم على الانسحاب حتى آبادان والأهواز! لقد أطلق مثل هذا البشر الذي لا يبلغ مستوى عقله مستوى شاب كل تلك الادعاءات منذ البدء، وأطلق كل تلك الألفاظ النابية، وخطط لنفسه لأن يكون قائد كذا وكذا، ولعبوا عليه في ذلك الوقت، واليوم أيضا كتبوا له ورقة مثل الأوراق التي يكتبونها ويعطونها للطفل ليقرأها. وهو نفسه لا يفهم مفادها، ولكن الآخرين يفهمونه.
أنا أرغب في أن يقرأ السادة هذا البيان البطولة التي أخذت من وقتي أكثر من ساعة، ليروا ما يقوله هذا الرجل. ماذا كان يقول في البدء وماذا يقول الآن. انه يقول: من أجل أن نثبت أننا نريد السلام فإننا نأمر جيشنا كله أن يغادر الأراضي الإيرانية حتى عشرة أيام أخرى. فإن كان صادقاً في ذلك، فإن ذلك كان من ضمن القضايا التي طرحناها. ولكن هناك عدداً من المطالب الأخرى يجب أن تتم، وما لم تتم فإننا في حالة حرب. الأول كل هذه الأضرار التي ألحقتها بنا، والتي سجلها هو نفسه، واعترف بأنه إلحاق الأضرار والخسائر بإيران، وهي لا يمكن إحصاؤها، بهذا التعبير. كما أنه يقول من جانب اننا أسرنا الآلاف وهو لا يدرك أنه يجب أن يجيب على ذلك غداً، وأن يسلّم هؤلاء الآلاف من الأسرى.
ـــــــــــــــــــــ
[1] بحار الأنوار، ج 44، الباب 34، ص 296 278.
[2] بحار الأنوار، ج 79، ص 106، ذيل الحديث: 52.
[3] مناحيم بيغن، رئيس وزراء النظام الغاصب للقدس آنذاك.

احدث الاخبار
قائد الثورة الإسلامية: على أمريكا أن تعلم إذا أشعلت حربا فستكون هذه المرة حربا إقليمية
قائد الثورة الإسلامية يعزي بوفاة حجة الإسلام عبدخدائي
الإمام الخامنئي يجدد العهد والبيعة لمبادئ مفجر الثورة الإسلامية الإمام الخميني
السيد حسن الخميني: الثورة الإسلامية كان لها بطل واحد، وهو "الشعب"
الجيش الإيراني يحذر.. قواعد أمريكا في مرمى نيراننا
شباب العراق: إمامنا وقائدنا اليوم هو آية الله الإمام السيد علي الخامنئي
العميد وحيدي: تصريحات المسؤولين الأمريكيين لا تُخيفنا
الحرس الثوري: مسيطرون على تحركات العدو ولدينا خطط عمل لكل سيناريوهاته
مقر خاتم الأنبياء: أي تهديد للأمن القومي سيواجه بقرار فوري وحازم
الشيخ نعيم قاسم: قيام الجمهورية الإسلامية هي أكبر ضربة وُجهت إلى الولايات المتحدة و"إسرائيل"
الاكثر قراءة
أربعون حديثاً عن الإمام الكاظم (عليه السلام)
أحكام الصوم للسيد القائد الخامنئي
ما أنشده الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري في حق الإمام الخامنئي
أربعون حديثا عن الإمام الهادي (ع)
مختارات من كلمات الإمام الخامنئي حول عظمة السيدة فاطمة الزهراء(عليها السلام)
مبادئ الإمام الخميني العرفانية
أربعون حديثاً عن الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام)
شهيد المحراب (الثالث) آية الله الحاج السيد عبد الحسين دستغيب
ماذا يقول شهداء الدفاع عن العقيلة؟.. الشهيد السيد إبراهيم في وصيته: لقد ذهب زمان ذل الشيعة+ صور
تقرير مصور عن شهداء الحجاز الذين استشهدوا في جبهات الحرب المفروضة على الجمهورية الإسلامية