Skip to main content

الانتفاضة في سبيل الله يحالفها النصر

التاريخ: 29-01-2011

الانتفاضة في سبيل الله يحالفها النصر

المكان: فرنسا، نوفل لوشاتو   المصدر: صحيفة الإمام، ج: ‏5، ص: 109   الموضوع: الانتفاضة في سبيل الله يحالفها النصر   التاريخ: 11 آذر 1357هـ

المكان: فرنسا، نوفل لوشاتو

 

المصدر: صحيفة الإمام، ج: ‏5، ص: 109

 

الموضوع: الانتفاضة في سبيل الله يحالفها النصر

 

التاريخ: 11 آذر 1357هـ.ش/ 1 محرم 1399هـ.ق‏

 

الحاضرون: مجموعة من الإيرانيين المقيمين في الخارج من الجامعيين وغيرهم‏

 

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم‏

 

بسم الله الرحمن الرحيم‏

 

برغم أننا نعارض حكم الملك (الشاه) منذ سنين طويلة، إلا أن بعضهم ما زالوا يتغافلون، ويصمون أسماعهم. لقد عرفنا حقيقة هذا الشخص الذي يصب كل يوم مصيبة على الشعب الإيراني، ويذبح شبابنا، ومنذ ظهور هذه المعارضة التي تصاعدت تدريجياً صار الوضع أنه كلما اشتدت جرائمه اشتدت المعارضة.

 

وقد تمادى في جرائمه، ورأينا كيف ضيّع كل ما لدينا، وقدم كل ثرواتنا الوطنية للأجانب، ومنع جميع طاقاتنا الفعالة من النمو والتطور، وجعل ثقافتنا العلمية متخلفة وهدر كل ما لدينا.

 

واليوم بلغت معارضة الشعب له ذروتها، وانتفض الجميع عليه، فسيطر عليه الجنون حتى إنه لا يستطيع أحد أن يتصور طبيعة وضعه ووضع حكومته، فقد أتى بشرذمة من العساكر والجناة، وشكل بهم الحكومة، لتكون من سنخه بالكامل وسلطها على بلدنا، وأورد بعضهم أرقاماً كبيرة لتعداد الذين قتلوا خلال الأربع والعشرين ساعة الأولى التي انقضت من شهر محرم، ولا أستطيع الآن تصور الأمر، فقد وصلت الأخبار من مصدرين مختلفين، وهي تذكر أن العدد قارب العشرين ألف قتيل خلال هذه الأربع والعشرين ساعة، والوضع القادم مجهول.

 

وأنا لا أستطيع أن اصدق ذلك، لكنه ورد من مصدرين مختلفين، وقد قيل: إن العدد أقل من ذلك أيضاً. فما الذي فعله هذا الشعب وأي جرم أرتكبه؟ هل هو سوى النطق بالحق والقول: نريد حكماً عادلًا يصرف ثروات البلاد فيما ينفع البلاد نفسها؟ عندما نكرر المطالبة بإقامة الحكومة الإسلامية يتوهم السادة أنها آتية من العالم الآخر، فلا يمكن لأحد أن يتصور حقيقتها.

 

نحن نقول: ليعزلوا هذا اللص، وينصبوا إنساناً سليماً محله، فهل هذا أمر يصعب فهمه؟!

 

الإسلام حدد شروطاً يجب أن تتحلى بها الحكومة كالعدالة والثقة والأمانة، فلتأت حكومة أمينة للسلطة وباقي الأحكام الإسلامية، يعرفها الجميع. نحن نطالب بالحكومة الإسلامية لأنها تمنع تسلط مثل هذا المرء على جميع مقدرات الشعب، لكي لا تقع مثل تلك الحوادث. لقد دمر هؤلاء (الأسرة البهلوية) هذه البلاد كلها طوال ما يقارب خمسين عاماً.

 

وقد جاء الأمريكيون بهذا (الملك) للحكم، فهو الآن في قبضتهم، وكل ما في إيران من طاقات وثروات جوفية وغيرها تذهب إلى جيوبهم أو جيوب هذه الفئة أو يعرضونها للتدمير والضياع.

 

وقد أخرجوا مؤخراً عدة مليارات من أموال البلاد إلى الخارج وقد رأينا أرقامها، ولعلكم رأيتموها أيضاً، ثم أخذوا- بعد أن أخرجوا الأموال ونهبوها وضيعوها- يفكرون بمنع إخراجها.

 

فإلى أين يمنع إخراجها! لقد سرقوها وانتهى الأمر، فالملك وبطانته خونة قد سرق كل منهم، وأخرج قسماً من مبلغ (800) مليون دولار، فأحدهم نهب (200) مليون دولار، والآخر (300) مليون أو (500) مليون وهكذا. أتوا بقائمة طويلة رأينا فيها أسماء هؤلاء السراق من القادة العسكريين والمرتبطين بالبلاط الملكي والوزراء وأعضاء منظمة الأمن وغيرهم من بطانته الذين أغروا على أموال الشعب، ونهبوها وأودعوها في المصارف، وهم الآن نقلوها إلى الخارج خشية احتمال أن يمنعوا يوماً عن التصرف بها.

 

على أبناء الشعب الإيراني أن لا يسمحوا لهؤلاء بالذات بالخروج، بل عليهم أن يأخذوا بخناقهم ويسترجعوا منهم الأموال التي نهبوها، فهي جميعاً ملك شعبنا وأمواله التي أودعها في جيوبهم، ولو اعتزل هذا الملك، فعليهم أن يأخذوا بخناقه، ويسترجعوا منه ما نهبه، ويقتصوا منه على الجرائم التي ارتكبها، ويجبروا الأمر.

 

بعد أن قتل كل هذه الأعداد من البشر تاب صاحب الجلالة اليوم، وهذه هي (توبة) السيد التي أعلنها قبل أيام لخداع الشعب ... وثمة مجموعة من الأشخاص يتظاهرون بالانخداع، وليس هذا ناتجاً من عدم فهمهم للحقائق، بل إنهم إما متهاونون، أو لهم مصالح، فيتظاهرون بتصديق توبته، ولذلك يقترحون بقاءه قائلين: لقد أعلن توبته، فماذا تقولون بعد أن تاب واعتذر من الشعب والعلماء الأعلام، وقال: لقد ارتكبنا أخطاءً غير مقصودة ولن نكررها مستقبلاً.

 

ولكن هذا السيد الذي يقول ذلك، ويزعم أنه لن يكرر الأعمال السابقة هو نفسه الذي ارتكب كل تلك الفعال- التي نشاهدها- على شعبنا خلال هذه الأربع والعشرين ساعة، وما هذا الذي يفعله الآن؟

 

لا أعلم بالتحديد، لكن من المؤكد أنهم منهمكون بالقيام بتلك الأعمال السابقة، فالاتصالات الهاتفية الواردة من الخارج أو التي يجريها السادة تفيد أن هذه المذابح مستمرة بكثافة في جميع المدن وكل شوارع طهران والكثير من المدن الإيرانية مضطربة، وقد أنزلوا فيها القوات الخاصة وهؤلاء الغجر، وهم من منظمة الأمن نفسها ليقوموا بتلك الفعال، لتتحقق الكلمة التي أطلقها (الملك) بنفسه حيث قال لو أردت الرحيل، فسأحول إيران إلى تلال من الأنقاض قبل ذلك، أي أنه أدرك أن عليه أن يرحل، وهو يسعى الآن إلى ترجمة مقولته عملياً.

 

وعلى كل حال يجب علينا- نحن الذين نقيم هنا- أن نبني أنفسنا، وإذا أراد شعب تحقيق كلمة، فعليه أن يستفيد من التأريخ، والتأريخ الإسلامي، ويتدبر فيما شهده، ففيه أسوة لنا، لقد تحرك الإمام سيد الشهداء بثلة قليلة لمواجهة يزيد الذي كان يمثل حكومة متجبرة وقوية تتظاهر بالإسلام، وتربطها أواصر قرابة بالإمام، فكان يزيد يعتبر حكومته إسلامية- وأنه خليفة رسول الله- حسب زعمه-، لكن الإشكال هو في أنه كان ظالماً تسلط على مقدرات الدولة دون حق ولذلك نهض الإمام أبو عبد الله- عليه السلام- وثار عليه بتلك الثلة القليلة مبيناً أن تكليفه الشرعي يقتضي الاستنكار والنهي عن المنكر، وان على علماء الأمة أن يقوموا بواجب النهي عن المنكر إذا تسلط حاكم ظالم على الناس.

 

وفي الوقت نفسه كان يعلم بمصيره- وكان الأمر واضحاً حسب القواعد المتعارفة أيضاً، فمعظم الأربعة آلاف الذين رافقوه تخلوا عنه في تلك الليلة ولم يبق معه إلا ثلة قليلة من ثمانين أو اثنين وسبعين شخصاً، وبرغم ذلك كان- عليه السلام- يرى أن تكليفه هو أن يقاوم هذه السلطة، ويضحي بنفسه، لكي تتزعزع الأوضاع، ويفضح هذه الحكومة بتضحياته هو والثلة المرافقة له.

 

لقد رأى حكومة جائرةً تتسلط على مقدرات بلاده، فحدد أن تكليفه الإلهي يوجب عليه أن ينهض ويتحرك للمعارضة والاستنكار مهما كانت العواقب، فهذا تكليفه برغم أن الحسابات المعروفة تحكم بأن تلك الثلة القليلة لا تستطيع مواجهة تلك الحكومة، كما كان واضحاً، وفي هذا الموقف أسوة لكم ولنا، فحتى لو كان عددنا قليلًا يجب أن نستنكر هذا الوضع، لأن امرأً غصب حكم إيران الإسلامية، وجلس في المقام الذي ينبغي أن يجلس فيه أمير المؤمنين عليه السلام والإمام الحسين عليه السلام وهو يتصور أنه يجلس على عرشه، ويتظاهر بالإسلام مثلما كان يفعل يزيد ومعاوية اللذان كانا يؤمان صلاة الجماعة!

 

لذا تجب مواجهة هذا الذي غصب هذا المقام والحكومة الإسلامية، ويسعى للتسلط على مقدرات المسلمين، فحتى إذا لم يكن خائناً، فقد كان غاصباً غصب هذا المقام الذي حدد الإسلام شروطاً معينة أوجب توفرها على من يتسنمه ويتكفل إدارة أمور المسلمين.

 

إذن حتى إذا لم يقم هذا الملك بتضييع كل هذه المقادير من ثرواتنا النفطية والمراتع الخصبة لبلدنا، ولم يدمر زراعة إيران وثقافتها وجيشها واقتصادها وجميع شؤونها، فهو حتى في هذه الحالة غاصب يجب استنكار عمله ونهيه عن مواصلة حكمه، فكيف الحال وهو يجمع كل تلك الصفات (الخبيثة) وقد ارتكب كل هذه الأعمال ودمر إيران بمختلف المحاولات الخيانية فيها؟!

 

فالقضية هي التكليف الشرعي الإلهي، فإن كانت له الغلبة، فقد عمل بتكليفه الشرعي وان لم يغلب، فقد قام بتكليفه الشرعي أيضاً، فالأصل هو القيام بالتكليف ومواجهة من ينتهك كل كرامة للإسلام والمسلمين وقد تسلط على مقدرات المسلمين، وسلط عليهم الكفار، وجعل الجيش الإيراني في قبضة الخبراء الأمريكان وقدم ويقدم الثروات الإيرانية لهذا وذاك، ودمر ثقافة إيران، وحوّل البلاد إلى نموذج تقليدي تابع للآخرين، واستحوذ على المقام الذي ينبغي أن يجلس فيه أمثال الإمام الحسين- عليه السلام- لذا يجب على الجميع نهيه عن ذلك والاعتراض عليه لعزله عن هذا المقام، وهذا تكليف شرعي واجب على الجميع.

 

لقد انتفض الشعب الإيراني اليوم عليه، وتصدى لمواجهته، لذا يجب علينا جميعاً، ويجب على العلماء والمراجع والكسبة والتجار والمثقفين والأحزاب كافة أن يتحركوا مع هذا السيل الجماهيري لتطهير البلاد من هذه الحثالات، وكل من يتهاون في ذلك أو يتخلف عنه- أيا كان- فهو خائن للإسلام والمسلمين، وكل من يؤيده ولو بكلمة واحدة، فهو خائن للإسلام، لأن هذا المرء يخون الإسلام، ويسحق كل كرامة إسلامية بعدما نهب كل ثرواتنا، وحول الشعب إلى حياة الفقر.

 

واعلموا أنه لو بقي في الحكم سنين أخرى لقدم كل ثرواتكم النفطية لأميركا مثلما فعل الى الآن، وماذا يتسلم ثمناً لها؟ لا شي‏ء ينفع بلادنا، بل انه يتسلم بدلًا من هذه الثروة أشياء تضر مصالح البلاد، فهو يصنع قواعد عسكرية لأمريكا!

 

لقد ضيّع هذه الثروة وجميع ثرواتنا الواحدة بعد الأخرى، وأعطاها هذا وذاك، فطائفة أعطاها المراتع الطبيعية الغنية وأخرى أعطاها الغابات تحت شعار التأميم، وجفف الأنهار في بعض المناطق، ووهب الثروة السمكية لآخر، فقدم كل ما لدينا، وكانت لإيران ثروة زراعية، فدمرها تحت شعار (الإصلاح الزراعي) ولم يبق لنا زراعة الآن، والذين يقومون بالإنتاج الزراعي السليم في بعض المناطق الإيرانية هم الإسرائيليون الذين أعطاهم خيرة أراضينا الزراعية، وقد قيل مؤخراً: إن الإسرائيليين الذين قدموا إلى إيران يرتكبون فيها الآن هذه المذابح، فمقابل الخدمات التي قدّمها هذا الملك لليهود وإعانته لهم في حربهم الإسلام والمسلمين بتقديم النفط لهم، يردون الآن له الجميل فقد أرسلوا قوات إسرائيلية خاصة من الذين يعرفون جيداً كيف يقتلون الإنسان، وقد وصلوا إيران- كما قيل-، فهؤلاء الذين يأمرون بالقتل لا يتجرءون على إصدار مثل هذه الأوامر لجنودهم فطلبوا من الإسرائيليين مجموعة من القتلة، وهذا هو حال حكم الملك، فحيثما توجهت وجدت الخيانة أو الجريمة.

 

ومعارضة هذا الرجل تكليف شرعي إلهي يشملنا جميعاً، يشمل كل المسلمين العلماء والمثقفين والساسة كافة وكل إنسان، ومن أحجم عن معارضته فقد تحرك خلاف التكليف الإلهي الشرعي وخلاف قيم الشرف، فلا نستطيع حينئذ أن نصفه بأنه شريف، بل هو وضيع رذيل.

 

وهذا هو حال كل من يدعمه- ككارتر وأمثاله- فهم خونة يخونون شعبا كاملًا يقف اليوم مطالباً بالحرية، إذ يرتكبون عليه كل هذه المذابح!

 

إنه يرفض هذا المجرم، ويعلن هذا الموقف فإذا بهم يشهرون المدافع عليه ويقولون: كلا يجب أن ترضى بهذا الحكم الملكي! فالسلطنة حتى لو كانت صحيحة حسب الدستور- وليست كذلك في الواقع- فيجب أن يصادق عليها الشعب حسبما ينص عليه الدستور، والشعب الآن يعلن الرفض، وهؤلاء يرفعون عليه الحراب لإجباره أن يقول: نعم لهذا السلطان!

 

علينا نحن أن نبني أنفسنا، أي أن ننتبه إلى سيرة عظمائنا وأئمتنا وما قاموا به من أجل الإسلام والمسلمين وما أرادوا تحقيقه، لقد تحمل النبي الأكرم الأذى والتضييق عليه والإهانات والمشاق ثلاث عشرة سنة قضاها في مكة وصبر عليها مواصلًا دعوته، وعندما لاحظ فقدان إمكانيات تحقيق المزيد من التقدم في مكة هاجر إلى المدينة، والتحق به آخرون، وعاش فيها عشر سنين وكان أكبر همه مجاهدة أولئك الجبابرة والظلمة الذين كانوا يسعون لنهب الناس وسلب ثروات الأقوام المختلفة، وحاربهم وأطاح بالذين استطاع الإطاحة بهم منهم.

 

وكان يلتزم في كل ذلك على الرغم من قلة عددهم، ففي احدى الهجمات قال قائدهم: ليأت معي تسعة وعشرون، فنصبح ثلاثين ونهاجم عساكر الروم- وكان عدد طلائعهم الحربية ثلاثين ألفاً، بل ستين ألفاً فيما كان عددهم في معسكرهم (800) ألف- فنلقنهم درساً لا ينسونه.

 

فاعترضوا عليه بأن من غير الممكن القيام بذلك بثلاثين نسمة فقط، وبعد مساومات طويلة أقنعوه بتشكيل قوة من ستين رجلًا، أي: أعدوا رجلًا واحداً مقابل كل ألف، فهاجموهم وهزموهم، لأنهم كانوا يمتلكون قوةً خاصة هي قوة الإيمان بالله.

 

عليكم أن تكتسبوا الإيمان بالله- تعالى- لكي تكون لكم تلك القوة، ولو توكلنا على الله، لما رهبنا شيئاً. أما إذا كان عملنا من أجل الدنيا، فعلينا أن نرهب كل شي‏ء، فلو كان سعي من أجل الحصول على الدنيا، فلماذا أضحي بدنياي من اجل الحصول على الدنيا؟!

 

الذي يضحي بشبابه لا يخسر شيئاً إذا كان متوكلًا على الله، لأنه سيفوز برضا الله وبالحياة الاسمى والأرفع من هذه الحياة الدنيا.

 

أما إذا كان سعيه من أجل الدنيا، فالأمر ينتهي إذا قدم حياته من أجلها، لكنه ينتهي هنا، وعليه أن يلاقي في العالم الآخر خسائر أخرى. اجتهدوا من أجل أن تكون أعمالكم وقيامكم لله: (أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى)[1]، فالموعظة واحدة وهي إلهية يأمر الله- تبارك وتعالى- نبيه- صلى الله عليه وآله وسلم- بأن يعظ الناس بها، وهي: أن يكون تحركهم وقيامهم خالصاً لله، لا أن يكون سعياً إلى اعتبار ما أو جاه أو منصب أو مالٍ أو غير ذلك.

 

فإذا كان القيام لله كان الله عماده، وظهرت في النفس حالة من الاطمئنان لا سبيل للهزيمة مع وجودها.

 

تظهر في الإنسان حالة نفسانية خاصة نتيجة اتصاله بالقوة الأزلية، وحال الذي يتحرك إتباعاً لإرادة الذات المقدسة للحق- تبارك وتعالى- هو كحال القطرة المتصلة لبحر المحيط الذي لا انتهاء له. نحن لسنا شيئاً بأنفسنا، نحن مثل القطرة بل، أصغر منها، لكننا إذا اتصلنا بذاك البحر غير المتناهي اكتسبنا حكمه: (وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى)[2].

 

فالله- تبارك وتعالى- يقول للنبي: انك أنت الذي رميت السهم، لكنك لم ترمه بنفسك، بل الله الذي رمى، أي أن يدك هي يد الله، ورميك هو رمي الله، لأنك اتصلت به تعالى ولم تعد شيئاً بنفسك، فكل الموجود هو- تبارك وتعالى- وفي هذه الحالة يكون الحال (ما رميت إذ رميت)، أي انك رميت، لكنك لم ترم في الواقع، وإنما رميت في الظاهر، والرامي يد الله، والذين بايعوك (إنما يبايعون الله) «17»، فالبيعة هي مع الله، لأنه (ص) متصل بالله، وهو القوة المطلقة، ولذلك فان البيعة لهذه اليد هي بيعة لله تبارك وتعالى لان هذه اليد ليست يد (النفس) بل هي يد الله.

 

وهذا بالطبع مقام سام لا يتيسر لي ولكم الوصول إليه، لكنّ العمل في سبيل الله ممكن لنا.

 

تارةً لا يرى المرء سوى الله، ولا يتحرك إلا لله، ولا يريد إلا ما يريد الله، ولا يسير إلا (سير الله)، فالصراط صراطه- تعالى- وليس صراط نفسه، فلا يبقى أثر لنفسه، إذ إنه يفني هذه (النفسانية) وتحل محلها تلك القوة المطلقة، وهذه هي الحال في مرتبة (وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى) أو هي مرتبة أسمى من هذه.

 

وتارة أخرى لا تتحقق هذه الحالة، ولكن يكون العمل لله مع ذلك، أنتم تقومون لله ونهضتكم هي في سبيله، لأن هدفها هو إقامة أحكام الله، فأنتم لا تريدون الوصول إلى مقصد دنيوي، أو استغلال الفرصة لتحقيق ذلك، بل إنكم ترون الأخطار تحيط بدين الله وبعباده الذين يحوطهم برعايته، فعباد الله يقاسون العذاب على يد هذا الظالم، وأنتم تريدون إنقاذ عباد الله وليس‏ الأعمام وأبناء الأعمام، إن عباد الله يعانون الآن العذاب، وتحوطهم الأخطار، فأعينوهم بالدعم الإعلامي الذي تستطيعون القيام به هنا، أجروا مقابلات صحفية- من استطاع منكم القيام بذلك- وبينوا حقيقة الأوضاع الإيرانية، ولكن ليكن هدفكم وعمادكم هو الله.

 

قوموا لله حتى لو كنتم فرادى، فإذا كان قيامكم لله وفي سبيله، فهو عظيم القيمة، لأنّ قيمته إلهية: (إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى).

 

اتصلوا بذلك البحر الإلهي، واجعلوا أعمالكم إلهية، واهتموا بأحكام- الله تبارك وتعالى- فهدف كل هذه التحركات النهضوية القائمة التي تفجرت منذ سنين طويلة هو إقامة أحكام الله- تبارك وتعالى- وإجراؤها في هذه الدنيا، ودحركم الشيطان، والحاكم في إيران اليوم هو الشيطان، وهذه النهضة تريد إجراء حكم الله.

 

اجتهدوا في تطبيق أحكام الله على أنفسكم، وكونوا متعبدين ملتزمين بأداء الفرائض الإلهية، واجعلوا أنفسكم إلهيين، أي: مطيعين حقاً ومسلمين لأمره صدقاً.

 

يأمر فأطيع دون أن يعنيني السؤال عن علة الأمر، فالسؤال عن العلة يصح إذا كان الآمر إنساناً معتاداً، وأمره يحتمل الصحة والخطأ.

 

أما إذا ذهبتم إلى طبيب تعلمون يقيناً أنه طبيب وأمركم بالقيام بالعمل الفلاني والعلاج الفلاني فلا تسألونه عن العلة رغم أنه طبيب بشري.

 

عليكم ببناء أنفسكم، لكي تستطيعوا القيام بالأمر. وبناء النفس (وتهذيبها) يكون بأن تتبعوا أحكام الله، وتطيعوه في كل ما أمر أو نهى دونما اعتراض، فإذا أصبح حالكم على هذا النحو وصلتم إلى احدى المراتب التي ينبغي للإنسان الوصول إليها، أي: إذا وصل إلى حالة التبعية لما أراده الحق تعالى وطاعته في جميع أوامره ونواهيه، فإنه يكون قد بلغ إحدى مراتب (الإنسانية) الحقة.

 

وثمة مراتب كثيرة بعدها، أما إذا بلغ مرتبة أن يكون عمله لله، فلا معنى للهزيمة حينئذ، فلا هزيمة فيما كان لله.

 

وما دامت نهضة الإيرانيين لله إن شاء الله فلا هزيمة فيها أصلاً، أي: حتى لو واصل هذا الشخص حكمه الظالم إلى الأبد، ولم ننجح في نزع هذا السلام الباطل عنه، فالأهم علينا ولا حزن لأننا أطعنا الله، ولأن الأمر كذلك حتى الهزيمة هي طاعة لله.

 

موفقين جميعاً إن شاء الله فأعينوا جميعاً هذه النهضة في سبيل الله تعالى (الحاضرون إن شاء الله).

 

ـــــــــــــــــ

 

[1] سورة سبأ، الآية: 46.

 

[2] سورة الأنفال، الآية: 17.

 

 

احدث الاخبار

الاكثر قراءة