Skip to main content

نهج حكومة النبي الأكرم وجهاد الأئمة وعلماء الدين الشيعة ضد حكّام الجور

التاريخ: 17-05-2011

نهج حكومة النبي الأكرم وجهاد الأئمة وعلماء الدين الشيعة ضد حكّام الجور

المكان: باريس، نوفل لوشاتو   المصدر: صحيفة الإمام، ج‏4، ص: 140   الحاضرون: جمع من الطلبة والإيرانيين المقيمين في الخارج‏   التاريخ: 8 آبان 1357 هـ

المكان: باريس، نوفل لوشاتو

 

المصدر: صحيفة الإمام، ج‏4، ص: 140

 

الحاضرون: جمع من الطلبة والإيرانيين المقيمين في الخارج‏

 

التاريخ: 8 آبان 1357 هـ.ش/ 27 ذي القعدة 1398 هـ.ق‏

 

الموضوع: نهج حكومة النبي الأكرم (ص)، وجهاد الأئمة (ع) وعلماء الدين الشيعة ضد حكّام الجور

 

بسم الله الرحمن الرحيم‏

 

دعاية الأعداء ضد الإسلام‏

 

نحن نواجه دعايات بدأها الأجانب منذ وجدوا طريقاً للنفوذ إلى إيران ودرسوا أوضاعها وسعوا لنهب ثرواتها، دعايات تسعى إلى تصوير الإسلام وعلمائه في أعين الناس وكأنهم عوامل مضادة للحياة، مخالفة للعقل، ورجعية لا خير فيها للحياة إلى غير ذلك من الاتهامات التي روجتها دعاياتهم. وقالوا أيضا: إن الدين أفيون الشعوب، وانه وليد الرأسمالية، وعلماء الإسلام عملاؤها الذين يخدرون الجماهير لكي لا تنطلق صيحاتها وتتفجر الثورة .. هذه هي دعايات الذين يرون الإسلام وعلمائه عقبتين في وجه تحقيق مطامعهم.

 

القرآن سند الإسلام‏

 

لقد تحدثنا عن الكثير من جوانب هذا الموضوع خلال الأيام الماضية، ومما قلناه ويلزم تكراره، هو أن على الإنسان أن ينظر في القرآن، وهو سند الإسلام ودستوره، ليرى هل أن تعاليمه وأوامره ونواهيه تخدر الإنسان وتحثه على الالتزام ببيته؟ هل تدعو الناس إلى الانزواء في الصوامع والأديرة؟! أم أن القرآن محرك المجتمع للتصدي للظلم والجور؟!

 

رسول الإسلام (ص) في حرب مع أصحاب السلطة والنفوذ

 

إن العارف بالمنطق القرآني يدرك أن القرآن هو الذي حرّض نبي الإسلام على محاربة الرأسماليين المتجبرين الأقوياء الذين كانوا أصحاب القدرة في الحجاز والطائف ومكة. وهو الذي حرض الرسول الأكرم على محاربة المستغلين والمخالفين لمصالح عامة الناس وروحهم الوطنية، والحروب التي خاضها النبي في حياته بعد أن تهيأت له عدتها، كانت دائماً مع الجبابرة كأبي سفيان وأمثاله المناهضين لمصالح قومهم وإمكاناتهم، فكانوا يستحوذون عليها ويستأثرون بها، حيث كان الظلم والجور حاكماً على المجتمع.

 

تلك الحروب نشبت بين المستضعفين الفقراء- الطبقة الثالثة- وبين الجائرين الذين كانوا يسعون لغصب حقوقهم. وليست واحدة أو اثنتين تلك الآيات الواردة في باب الحرب وقتال المشركين- وهم أصحاب النفوذ يومئذ-، بل آيات كثيرة. ولو وجدتم في القرآن الكريم كله آية واحدة تدعو الناس للخضوع وملازمة بيوتهم ليفعل الجبابرة ما يشاؤون، حينئذ يحق للمرء أن يقول: إن القرآن والإسلام أفيون، فالأفيون مثل الترياق وسائر المواد المخدرة، فإذا استعملها الإنسان أصابه الخدر، فهل أنزل القرآن ليفعل بالناس مثل ذلك.

 

مؤامرة إبعاد المسلمين عن القرآن‏

 

إذن هي تهمة أثيرت ضد القرآن واستهدفت إبعاد المسلمين عنه وإضعاف منطق القرآن بينهم، كي لا يكون للشرقيين المسلمين الذين يملكون الثروات رصيد للمقاومة، فلولا القرآن والروح القرآنية لما قاوم الناس، لأنه هو الذي يبعث فيهم روح المقاومة. وقد توصلت دراسات الغرب إلى أن العقبة القائمة بوجه مطامعهم تتمثل بالقرآن. والذين درسوا القرآن عرفوا مكمن احتمالات التحرك لتحجيم مطامع الغرب.

 

لذا يجب تحطيم هاتين العقبتين لفتح الطريق أمام تحقيق مطامعهم، وقد حطموا العقبة القرآنية- بزعمهم- بتلك الدعاية أو توهموا تحطيمها، وزعموا أن الدين عموماً وليس الإسلام وحسب مخدر، ولم يكن زعمهم هذا نتيجة جهلهم، فمعلوماتهم صحيحة عن الدين، لكنهم كانوا يريدون التضليل ونحن الذين خدعنا لكوننا كنا نفتقد الاطلاع اللازم، كانوا يخادعون لهدف سياسي هو تحقيق مطامعهم، وقد انخدع المسلمون بذلك نتيجة جهلهم بحقيقة الإسلام.

 

ولعل البعض من شبابنا لا زال يكرر هذا القول على الرغم من أركان أنظمة الظلم أخذت تضطرب وتتهاوى ببركة القرآن والإسلام وعلمائه. ومن يكرر مثل هذا القول الآن إما من عملاء الأجانب أو من المخدوعين، وإلا كيف يمكن له التفوه بمثل هذا القول وهو يرى هذه النهضة المستمرة منذ خمسة عشر عاماً والتي لم تزلزل سلطة الشاه وحده بل هزت أمريكا وانجلترا والاتحاد السوفيتي الذين يبحثون الآن عن سبيل للخلاص فلا يجدون، لان الحراب تفقد فاعليتها في مواجهة إرادة الشعب، ولعل هؤلاء لا زالوا يأملون ظهور جاهل يكرر مثل هذا القول الناشئ من الجهل.

 

منطق الأجانب ينص على إبعادنا عن القرآن‏

 

كل الأنبياء السابقين الذين نعرف تاريخهم كانوا من الطبقة الثالثة، من هؤلاء الفقراء، وكانوا ينتفضون لمجابهة السلاطين في زمانهم، كانتفاضة موسى (عليه السلام) بوجه فرعون‏ فليس فرعون الذي أرسله ليخدر العامة، بل ظهر من أوساط العامة- أي أنه تبارك تعالى اختاره من العامة- ليواجه فرعون. وهكذا حال سائر الأنبياء (عليهم السلام) الذين نعرف قصصهم، وهكذا كانت سيرة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو أقرب إلينا ونعرف تأريخه أكثر من غيره، والحروب التي خاضها معروفة في عددها وفي هوية الأطراف التي قاتلها، فجميع تلك الحروب كانت ضد الظلمة والمعتدين والجبابرة.

 

إذن فالمنطق القائل بأن الإسلام أو سائر الأديان من العوامل المخدرة، هو منطق الأجانب الذين يريدون سرقة ثرواتنا وعزلنا عن القرآن لكي نفقد الدعامة التي نستند إليها، ولكي نخسر القدرة القرآنية ونتفرق كل في صوب، وبذا تحقق دعاياتهم أثرها وتحرف شبابنا كي يتطوعوا لتحقيق مطامعهم.

 

حرب الرسول والإمام علي والعلماء ضد الطواغيت‏

 

عندما نطالع سيرة دعاة الدين، كالنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) والإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) وخلفاء النبي الظاهرين ممن عملوا بمبدأ الخلافة وقبل أن تتحول إلى سلطنة وملوكية، ومن بعدهم سير علماء الإسلام، نجد أن الحرب كانت قائمة دائماً بينهم وبين الجبابرة، فلم يلتزم هؤلاء الصمت أبداً، غاية الأمر أنهم كانوا ينبرون للمواجهة حسب قدراتهم التي كانت متواضعة لأسباب عديدة.

 

وفي عصرنا، وخلال هذه الحقبة التي عايشناها، رأينا الانتفاضات تضطلع بها هذه الفئة ذاتها ضد رضا خان، فعندما جاء ونفذ إنقلابه وفتح باب الظلم والعدوان على جميع فئات الشعب، لم تواجهه أية قوة باستثناء علماء الدين الذين نفذوا انتفاضات عديدة نتذكرها جميعاً، كانتفاضة علماء إصفهان الذين إجتمعوا في قم مع علماء سائر المدن الأخرى، وانتفاضة خراسان التي شارك فيها علمائها جميعاً ثم اعتقلوهم وسجنوهم كالمرحوم السيد يونس والمرحوم آقازاده وآخرون، وانتفاضة آذربيجان حيث اعتقلت السلطات كبار علماء آذربيجان كالمرحوم الميرزا صادق آقا والمرحوم أنكجي ثم نفتهم، والانتفاضة التي قام بها المرحوم السيد القمي الذي قدم إلى طهران غير أن أبناء طهران لم يحسنوا التصرف فأعتقل ونفي هو الآخر.

 

إذن فقد قام العلماء بانتفاضات عديدة والتأريخ يشهد أنهم لم يكونوا من الذين يدعون الجماهير إلى السكون والصمت في مقابل الظلم والظلمة، فتلك الاتهامات التي أثارتها الدعايات أوصلت حالنا إلى ما عليه الآن حيث لا يزال البعض من المنحرفين يرددون نفس تلك الاتهامات وهم يقدمون الدعم بذلك إلى مراكز الظلم والجور.

 

فالذين يرددون مثل تلك الاتهامات إما من عملاء أجهزة السلطات الحاكمة أو من الذين خدعوهم أولئك العملاء. ومن هذا النمط تلك الشعارات الشيوعية والماركسية التي خدعوا بها مجموعة من الشباب الذين لم يتعرفوا على حقيقة هؤلاء الذين يدعونهم إلى اعتناق الشيوعية والماركسية، لم يدرسوا أحوالهم ليعرفوا حقيقة دورهم وأعمالهم، أمثال ستالين الذي أدركنا عهده- وبعضكم أدركه أيضاً- حيث اتضحت حقيقته وأي مقدار حظي به من الخصال الإنسانية حتى يريد هؤلاء الاقتداء به!

 

ستالين وبقرته الخاصة

 

أجل، عندما وقعت الحرب العالمية (الثانية) احتل الجيش الروسي جزءاً من إيران- الجانب الممتد من طهران إلى خراسان- فيما احتلت جيوش انجلترا وأمريكا أجزاء أخرى كل منهم أخذ جزءاً، وقد شاهدنا تلك القصة التي اشتهرت عندما جاء رؤساء الدول الحليفة- ستالين وروزفلت وتشرشل- إلى إيران، فستالين هذا الذي يدافع عنه أولئك السادة! ويقولون بأنه شيوعي شعبي يتفاعل مع الجماهير ويلقبونه بلقب (قارداش)، والرفيق، وأمثال ذلك، عندما جاء إلى إيران ألزمهم أن يجلبوا معه بقرته لكي لا يشرب السيد! من لبن بقرة إيرانية!! أجل هذا الذي كان يسكن قصر الكرملين ويلقب برفيق الجيش والجماهير جلبوا له (من بلده) بقرة حلوب- وفي ظل ظروف الحرب العالمية- ليشرب من لبنها ولكي لا يفتقد لبن الأبقار- لا سمح الله!!- ويضطر لشرب لبن بقرة إيرانية! هكذا كانت حياته المرفهة.

 

وقد شاهدت بنفسي حادثة أخرى عندما كنا نسافر من طهران إلى مشهد بحافلة النقل الكبيرة، حيث صادفنا تلك القوات القادمة من روسيا والذين تقول عقيدتهم أنهم وستالين إخوة ورفاق متساوون!! هؤلاء كانوا يستجدون السجائر وقد ابتهج احدهم عندما أعطى سيجارة فأخذها و شرع بالصفير والرقص في حين أن (أخاه) ستالين جاء بالطائرة بتلك الحالة الفخمة مصطحباً بقرته كي يشرب السيد لبنها.

 

هؤلاء يخدعون الناس ويمكرون بهم، وحتى لينين الذين يطبلون في الثناء عليه، فقد لجأ إلى معارضة علماء الدين بسبب إحباط جنسي!! فالقضية كانت قضية جنسية حيث منعه منها رجال الدين فغضب!! كما ينقلون عنه قصة أخرى وهي أنه قال: علينا أن نحسب مداخيل ونفقات الأشخاص في بلدنا فنبقي على من كان دخله مساوياً لنفقاته أو يزيد عليها حيث أننا نحصل على شي‏ء من الثاني، أما من كان دخله اقل من نفقاته فيجب أن نلقيه في البحر!! فهل مثل هذا محب للإنسانية؟ إن الذي تثنون عليه كل هذا الثناء يقول: إن الفقراء العاجزين عن العمل والعجائز والضعفاء وأصحاب العاهات الذين لا يقدرون على الكسب، موجودات غير نافعة يجب إلقائها في البحر لترتاح، يقذفون في البحر لا يتحمل الآخرون عناء حفر القبور!!

 

سيرة الحكّام الإسلاميين‏

 

إن هؤلاء يضللون شبابنا وكل أقوالهم دعايات لا واقع لها، هذا نمط من أنماط الحكومة ورؤسائها.

 

ولنبيّن أيضا شكل حكومتنا والحكومة التي نتطلع إليها والتي يمثل مصداقها النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) إذ كان حاكماً أيضاً، ولكننا نود الإشارة إلى رؤساء الحكومات وسيرتهم، واحدهم الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) والآخر عمر، فهل كان أولئك حتى مثل عمر؟!

 

إن كل من كتب سيرة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) ذكر أنه كان في معيشته دون مستوى معيشة عامة الناس الذين كانوا يعيشون في المدينة آنذاك، كانت له حجرة من الطين في المسجد وكان يركب الحمار ويردف خلفه شخصاً آخراً يشرح له الأحكام ويربيه. فأين تجدون حاكماً أو رئيس مركز للشرطة أو عمدة مدينة أو قرية يتعامل مع الشعب بهذا النحو بحيث يجلس مع رعيته في المسجد- وهو مقر حكومته- يحدثهم فإذا دخل شخص غريب للمسجد لم يستطع التعرف عليه بسهولة، لم يكن (صلى الله عليه وآله) يعيش حياة المترفين بل كان يهتم بمراعاة أحوال الفقراء والضعفاء بصورة يعجز الجميع عن توضيحها.

 

وكذلك كان حال الإمام علي أمير المؤمنين خلال عهد خلافته التي كانت تخضع لها بلدان كثيرة منها إيران والحجاز والعراق والأردن ومصر، فرغم اتساع رقعة حكمه نلاحظ شدة بساطة معيشته، فهل هو الذي يحمل هموم الجماهير أم أولئك الذين يتحدثون عنهم؟!، قارنوا بينهم وادرسوا ما ينقله التأريخ عن سيرته. فهو الذي ينقل لنا التأريخ انه كان ينام ليلًا على جلد كبش مع عياله وفي النهار يضع عليه علف راحلته!! وهكذا كانت معيشة أمير المؤمنين إذ يمكننا القول أنه لم يشبع في عمره ولا مرة واحدة من الخبز، وكان- كما يروى- يمهر الكيس الذي يضع فيه قطعاً من خبز الشعير اليابس التي كان يقتات عليها، وكان يفعل ذلك لكي لا يفتحه ولده شفقة على أبيهم ويضعون على تلك القطع الجافة من الخبز شيئاً من الزيت أو غيره، وقد ختم على الكيس[1] لأن زينب مثلًا أرادت مرةً أن تصب على هذا الخبز قليلًا من الزيت! هذا هو حال طعام أمير المؤمنين (عليه السلام).

 

يروى انه في الليلة التي ضرب فيها كان في ضيافة ابنته (أم كلثوم)[2] وعندما أتت بطعام إفطاره رأى أنها قدمت له قرصين من شعير وقصعة فيها لبن وجريش ملح، فأنكر ذلك عليها لأنها تعلم أنه لم يأكل نوعين من الطعام في وجبة واحدة، فأمرها أن ترفع أحدهما فأرادت أن ترفع الملح فأبى عليها وطلب منها أن ترفع اللبن وتبقي الملح، فأكل لقمتين من خبز الشعير مع الملح! هذه هي حكومتنا، حكومة الإسلام، وهذا حال الحاكم الإسلامي وذلك حال الحاكم الشيوعي والماركسي.

 

دعاية الأعداء من اجل نهب ثرواتنا

 

على الإنسان أن يجند عقله لمعرفة المكائد التي انخدع بها وأهدافها، ولمعرفة أهداف كل هذه الدعايات، التي تتطلع إلى عزلكم عن الإسلام وإبعادكم عن الحكومة الإسلامية، لابد من القول أن ذلك السيد يريد غازنا ونفطنا، لكن لهذا النفط والغاز أصحاباً يمكن أن تنطلق اعتراضاتهم ضده والإسلام يقول: لا يحق لأحد أن يأتي ليفرض على المسلمين شيئاً، لكن أولئك (الأجانب) يريدون أن يفرضوا على المسلمين كل ما يشاؤون، يريدون أن يأتوا بشخص مثل محمد رضا وينصبوه حاكماً يأمرونه بأن يعطيهم كل ثروات هذا البلد وهذه هي المهمة التي يصفها بأنها (مهمة من اجل وطني)!! ولكن من المحتمل أن ينطلق صوت العالم الديني معترضاً على ذلك لذا يجب خنقه وإسكاته والترويج (لافتراءات من قبيل) أن الملالى والمشائخ طفيليون جميعاً!! أجل، هؤلاء الذين يستحوذون على تلك الثروات يتهمون عالم الدين الذي يعيش في حجرة صغيرة في المدرسة مع أربعة كتب وبساط متواضع، بأنه طفيلي!!

 

ويتهمون- بالكسل والبطالة- العلماء الذين لا زالوا منذ سبعين عاماً يبذلون جهوداً دؤوبة دفاعاً عن شعبهم ودينهم، فهل هؤلاء هم الكسالى أم الذين يتسكعون كل يوم حول الرذائل ثم يتهمون العلماء بالكسل؟!

 

إن كل هذه الافتراءات والدعايات تهدف إلى تشويه صورة العلماء في أعين الشعب وسلبه القدرة التي يتمتع بها هؤلاء وقوة الإسلام التي تسمو فوق كل قوة، فإذا سلبوا هاتين القوتين من الشعب استطاع محمد رضا فعل ما يريد دون أن يعترض أحد.

 

عندما جاء رضاخان وفعل كل تلك الأفعال المشينة واجهه عالم دين كان في المجلس النيابي اسمه (السيد المدرس) رحمه الله، فتصدى له، ولم يكن ثمة معترض غيره وغير من التف حوله، فلم تقف بوجهه أية قوة في البلد باستثناء السيد المدرس المعمم والعالم المتقي، الذي كان‏ يعتمر العمامة ويرتدي القميص والعباءة المصنوعة من القماش الرخيص والسروال المخاط من قماش (الكرباس) وهو السروال الذي انتقدوه بسببه- عندما كرموه وقالوا فيه قصيدة شعر-، وهذا هو حال الرجل الذي وقف في وجه رضا شاه وقال له: لا.

 

وعندما وجهت روسيا تحذيراً لإيران في قضية لا أتذكرها الآن وحركت قواتها صوب الأراضي الإيرانية إلى النقطة الفلانية، وعرض التحذير على المجلس النيابي لاتخاذ ما يلزم، وحذرهم من مخاطر عدم الاستجابة للتحذير الروسي، فجلس النواب جميعاً ويلم يتفوهوا بكلمة واحدة عاجزين عن القيام بأي شي‏ء، أما الشخص الوحيد الذي تحرك- وهذا ما كتبوه هم بأنفسهم- هو المرحوم السيد المدرس حيث كتبوا: إن سيداً معمماً ملّائياً وقف بأيدي مرتعشة (لكبر سنه) خلف منصة المجلس وقال: إذا تقرر أن نفنى فلماذا نفعل ذلك بأيدينا، كلا نحن نرفض التحذير والمطالب الروسية ولم يستطع الروس أن يرتكبوا أية حماقة، فقد تجرأ عندئذ النواب الآخرون- كما يقول أولئك أنفسهم- ورفضوا تلك المطالب ولم يستطع الروس فعل شي‏ء.

 

الدعم الأميركي والبريطاني للشاه‏

 

والآن أيضا وعلى الطرف الآخر بعث أولئك الزعماء الطفيليون ناهبو النفط برقية قبل أيام، في الرابع من شهر آبان (24 تشرين الأول) إلى الشاه قدموا له التهاني بهذه المناسبة وأعلنوا دعمهم له، لاسيما كارتر الذي تمادى كثيراً في إظهار دعمه!! ونفس الدعم أكده قبل أيام وزير الخارجية البريطاني وقال ما مضمونه: إن الشاه يحافظ على مصالحنا وان لنا مصالح في إيران لذا يجب أن ندعمه. كلا نحن لن ندعكم تدعمونه وشعبنا لن تخدعه هذه الأقوال بعد الآن.

 

لا تتصوروا أنهم إذا أطلقوا هذه التهديدات ورفضها الشعب وأعرض عنها، فأنهم سيأتون بقواتهم من الطرف الآخر من العالم، كلا فهذا مجرد أقول لا أكثر! بل إن الرأي العام العالمي لم يعد يقبل هذه الأقوال. عندما يتحدث شعب بمنطق سليم ويقول: نحن نرفض أن تدمروا مصالحنا وتنهبوا ثرواتنا، نحن نريد أن نعيش أحراراً مستقلين في بلدنا، وهذا ما أقررتموه بأنفسكم في إعلان حقوق الإنسان ونحن نريد العيش طبق مبادئ هذا الإعلان، نحن نريد أن نكون أحراراً ونريد الاستقلال والحرية في بلدنا، وهذا ما يهتف به الآن صغارنا وكبارنا في آن واحد، لا يمكن مواجهة مثل هذا الشعب بقوة الحراب، أو بالأحكام العرفية، فهذا محال ولا يستطيع تحقيقه لا كارتر ولا سكنة الكرملين، وهم يطلقون مثل تلك الأقوال بهدف إرعابكم، لكنهم لن ينفذوا التهديد عملياً فلكل منهم مصالح دولية وأمثالها، فلا هذا يتجرأ على التقدم‏ خطوة خوفاً من ذاك، ولا ذاك يتجرأ على التقدم خطوة خشية من هذا، فكل منهما يخشى الآخر لكنهما يطلقون هذه الأقوال بهدف إرعابنا.

 

في ذلك الوقت أيضاً وقف احد علماء الدين[3] بوجههم وقال: لا، ولكن الناس لم يصغوا إليه جيداً ولم يكونوا مستعدين لذلك، إذ كانت الدعايات المضادة بدرجة جعلت البعض لا يسمح للعلماء بركوب سيارات الأجرة. وقد روى المرحوم الحاج الشيخ عباس الطهراني- رضوان الله عليه- قائلًا: في أراك أردت مرة ركوب سيارة أجرة فقال لي السائق: نحن لا نسمح لفئتين بركوب السيارة، الملالى والمومسات!! هكذا أصبحت النظرة للعلماء في ذلك العهد، أي النظرة المشوهة التي روجوها، وقد قام السادة العلماء بعدة انتفاضات لكن الجماهير لم تستطع إتباعهم بسبب انخداعها بتلك الدعايات، كما أن العلماء لم يكونوا يمتلكون جيشاً.

 

واليوم أيضاً لازالت تتواصل عملية ترويج هذه الدعايات، فيقولون إن فلاناً يقيم في قصر شتوي! حيث يزوره الشباب فيه، هذا هو قصرنا الشتوي! الذي لا نجد فيه غرفة واحدة يستطيع السادة الجلوس فيها بدلًا من أن يضطروا للوقوف.

 

إنهم يهدفون من وراء هذه الدعايات إلى عزلكم عن الدين، لكن إيران لم تعد اليوم تصغي لهذه الأقوال البالية لان الشعب الإيراني أخذ يعي الحقائق ويعرف المكائد فلا يصغي لهذه الأقوال، لذا يجب أن يرحل هذا الرجل الشاه فلا سبيل آخر أمامه، وإذا أردتم إصلاح الأوضاع في إيران فلن يتحقق ذلك مع وجود محمد رضا والأسرة البهلوية الخبيثة، فيجب أن يرحل لكي يتحقق الإصلاح في إيران. كما يجب أيضاً قطع أيدي أمريكا وانجلترا والاتحاد السوفيتي- هذه القوى الاستكبارية الثلاث- عن إيران، كي تكون إيران مستقلة ويتسنى إصلاحها، ونحن نسعى لتحقيق هذا الأمر.

 

المسؤولية الملقاة على عاتقنا جميعاً

 

والآن لنر ما هو واجبكم أنتم الجالسون هنا؟ لقد تعبت ولا استطيع المواصلة، ما هو واجبنا نحن؟ إن إخوتنا في إيران يقومون بواجباتهم، وحتى في هذه الساعة حيث نحن جالسون هنا، ثقوا بأن ثمة تحرك في قم وطهران وزنجان وحيثما ذهبتم من مدن إيران تجدون حركة ونهضة، صرخات يتحمل إخواننا على أثرها الضرب والقتل والإغارة، إنهم منهمكون الآن في القيام بهذه الأمور التي لا نواجهها نحن وأنتم هنا. ولكن كل واحد منكم يستطيع هنا أن يقوم بمهمة إعلامية، ليذهب كل واحد منكم- في مدرسته أو جامعته- إلى عشرة من هؤلاء الأجانب‏ ويطلعهم على حقيقة ما يجري في إيران وما يفعله هؤلاء فيها وما يرتكبه زعماء هذه الدول من الظلم بحقنا، والظلم الذي يرتكبه الشاه وكيف انه يقتل الشعب الذي يطالب بحقه، وهذه هي مطالبه فهو ليس شعباً متوحشاً.

 

يقول الشاه: إن شعبنا ليس جديراً بالحرية التي منحناها له!! فهو ليس أهلًا للحرية، ويقول كارتر: لقد منحوهم الكثير من الحرية حتى علت صيحاتهم وضجيجهم، فكل هذا القتل نتيجة للحرية الزائدة!! هذا هو منطق كارتر الذي صرح به وإلا أفهم أي عقل هذا! وأي إنسان هو! انه يقول- كما ورد في الصحف (إطلاعات أو كيهان)-: إن الشاه أعطى حرية زائدة للشعب فتعالت هتافاته بالحرية. وأن المراد من إطلاقهم صرخات (الحرية) هو: إننا لا نريد الحرية!! لا نريد الحرية! هذا هو منطق كارتر.

 

ذلك التافه يقول- وهو على أي حال أقل سوءً من سابقه- إن هذا الشعب ليس جديراً بالحرية، فلا يمكن منحها له لأنه لو تحرر لأعلن عن رفضه لي! هذا هو إذن منطقه: لقد ضجّ الشعب لكثرة الحرية التي أعطيت له!! أجل، نحن مبتلون بأمثال هذين الشخصين اللذين يفكران بمثل هذا المنطق، أحدهما من هذه الجهة والآخر من الجهة الأخرى، وهذه هي محنتنا.

 

نحن جالسون هنا ونستطيع التحادث فيما بيننا، وانتم تستطيعون التحدث إلى أصدقائكم الأوروبيين والأمريكيين فلتطلعوهم على حقائق الأمور ولتشرحوا ما تعانيه إيران وشعبها، بينوا لهم كيف أن جلاوزة الشاه يقتلون الآن الأطفال ذوي السبعة أو الثمانية أعوام.

 

 (وهنا سأل أحد الحاضرين قائلا: هل نحن الذين يجب أن نحل هذه المشكلة أم الآخرون؟) فقال الإمام: انتبهوا، نحن يجب أن نحل المشكلة بأنفسنا ونطلب المساعدة فقط، نحن نريد تصحيح تلك الصورة التي روجوها في الخارج عن الشعب الإيراني بأنه شعب متوحش. فقد نقل عن مراسل صحفي- بريطاني وربما أوروبي- كتب يقول: شاركت في الحشد الذي حضره الناس يوم عيد الفطر، وكان المشاركون يتحلون باتزان كامل وكانوا يرددون الشعارات لكن دون اشتباكات بل إن الاجتماع كان هادئاً، ثم غادرت المكان فتوقفت سيارة لأحد الأمريكان ولما رآني أجنبياً أقلني معه في سيارته ثم قال لي: أنظر إلى هؤلاء المتوحشين! فقلت: هؤلاء متوحشون؟! أين تجد في كل العالم جمعاً تعداده النصف مليون يتحرك في مسيرة بهذا الهدوء وبهذا الشكل السلمي؟! أجل إن هؤلاء يطالبون بحقهم فيصفونهم بأنهم متوحشون! اجل، لقد أشاعوا في الخارج أن الشعب الإيراني متوحش ولا يمكن منحه الحرية، فالمتوحش يجب وضعه في حديقة الحيوانات وإغلاق الباب عليه بإحكام.

 

إنهم يصورونكم بهذه الصورة، ولإخراج هذه الصورة من أذهان الأجانب عليكم أن تبينوا لهم حقيقة ما عندنا وما عند الإيرانيين، لكي تخرج هذه الفكرة من أذهانهم، وعندما يتشكل تيار بينهم، وحكوماتهم تلاحظ بعض الشيء آراء شعوبها وهذا هو الهدف وليس المراد أن ينتفضوا ويأتوا لحل مشكلتنا التي يجب أن نحلها بأنفسنا، ولكن عليكم مواجهة هذه الصورة المشبوهة التي يشيعونها عن الشعب الإيراني، بأنه متوحش ولا يستطيع أن يتقبل الحرية أو أن علة انطلاق صيحاته هي الحرية الزائدة التي أعطيت له، عليكم أن تزيلوا هذه الصورة وتبينوا حقيقة استغاثة الشعب الإيراني وما يطالب به، وان الطفل ذا الثمانية أعوام يصرخ مطالباً ب- (الحرية والاستقلال والحكومة الإسلامية) وهذا ما يطالب به أيضاً الشيخ الكبير وعالم الدين والوعاظ والفضلاء والكسبة والتلاميذ، الجميع يطلبون الحرية، فقد عانوا خمسين عاماً من القمع، وهم يريدون الاستقلال والخروج من هذا الاستعباد الذي عانوا منه لأكثر من خمسين عاماً.

 

علينا نحن المتواجدون هنا أن نطلع العالم على الحقائق، أن نبين لكل من تربطنا به وشيجة ما من أبناء هذه الدول حقيقة المشكلة الإيرانية ونعرفهم بمحنة الإيرانيين لكي تخرج من أذهانهم صورة أنهم فئة متوحشة تحرق البنوك- والذين يفعلون مثل ذلك الآن ليسوا منهم- وإذا منحوا الحرية فسيفعلون كذا وكذا. بينوا لهم أن هذه ليست الصورة الحقيقية وأن هؤلاء المساكين يصرخون مطالبين بالحرية ويضحون بأبنائهم كي يتخلصوا من أسر الأجانب.

 

حفظكم الله جميعاً ووفقكم لدعم الإسلام. وآمل أن ينتصر الشعب مع هذا الوضع الذي هو فيه وسينتصر إن شاء الله.

 

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته‏

 

ـــــــــــــــــــ

 

[1] المناقب، ج 3، في المسابقة بالزهد والقناع، ص 113.

 

[2] بحار الأنوار، ج 42، ص 226، الحديث 38.

 

[3] السيد حسن المدرس.

 

 

احدث الاخبار

الاكثر قراءة