بيان الإمام الخميني إلى الضمائر الحية بمناسبة مجزرة مكة

2010-11-10
0
1126

بيان الإمام الخميني إلى الضمائر الحية بمناسبة مجزرة مكة

 بمناسبة مرور عام على مجزرة مكة وملابسات إيقاف الحرب المفروضة

 ذي الحجة 1408هـ

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 {لقد صدق الله رسولَه الرؤيا بالحق لَتَدْخُلُنَّ المسجدَ الحرام ان شاء اللهُ آمنين}.

 إن مدينة الله ومدينة عباده ما تزال، رغم مرور عام على المجزرة المفجعة الرهيبة التي تعرَّض لها لحجاجُ العُزَّلُ، والزوار المؤمنون الموحدون، على يد عملاء أمريكا وسفاكي آل سعود، ما تزال في ذهولٍ وفي حيرة.

 إن آل سعود بقتلهم ضيوف الرحمان، وتضريجهم خير عباد الله بالتراب وبالدماء، لم يضرِّجوا الحرمَ فقط، بل ضرجوا عالم الإسلام كله بدماء الشهداء، وأحزنوا المسلمين والأحرار جميعاً.

 في العام الماضي أقام مسلمو العالم أول مرة شعائر الأضحى المبارك بنحر أبناء إبراهيم(ع) أبنائه العائدين من معارك كفاحهم مع ناهبي العالم وأذنابهم في "مذبح" حب الله "ومنى" رضاه، وقتلت أمريكا وآل سعود، خلافاً لمقتضيات الشهامة والشرف، الكثيرَ الكثيرَ من النساء والرجال، من أمهات الشهداء وآبائهم، ومن المعاقين العُزَّلَ من الحماية، وبالكثير الكثير من الخسَّة والقسوة، حملوا على الأجساد نصف الميتة للشيوخ العُجَّز، وَجلدوا بالسياط الأفواه العطشى الجافة من مؤمنينا الأبرياء المظلومين، وانتقموا منهم بحقد ووحشية.

 

ألا ممن هو هذا الانتقام! وبسبب أي ذنب هو؟!

 أهو انتقام من الذين هاجروا من بيوتهم إلى بيت الله وبيت عباده؟ أهو انتقام من الذين حملوا سنواتٍ طوالاً على عواتقهم ثقل الأمانة والجهاد؟ أم هو انتقام من الذين كانوا كإبراهيم(ع) عائدين من تحطيم الأصنام؟ انتقام من الذين كانوا قد حطموا الشاه؟ من الذين هزموا السوفيت والأمريكان؟ من الذين هشموا الكفر والنفاق؟! أهو انتقام من أولئك الذين طووا الطرقات الكثيرة البعيدة حفاة الأقدام حاسري الرؤوس، مستجيبين لصرخةِ {أذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً} ليسروا إبراهيم(ع) ويُرْضوه؟! أهو انتقام من الذين كانوا قد جاؤوا لضيافة الله، ليمسحوا بماء زمزم غبار السفر عن وجوههم، ويُرووا بزلال مناسك الحج عطشهم، ويعودوا بقوةٍ أكبر على تحمل المسؤولية، ويخلعوا في ميقات العمل خلال مسيرتهم الأبدية ـ لا في ميقات الحج وحده ـ لباس التعلق بالدنيا عن أجسامهم؟! أهو انتقام من أولئك الذين، من أجل خلاص المحرومين وتحرير عباد الله، حرّموا على أنفسهم دعة طلاب الراحة، والذين أحْرموا بإحرام الشهادة، وعزموا عزماً جازماً، لا على عدم الرضوخ لعبودية ذهب أمريكا وروسيا فحسب، بل على عدم الخضوع لغير الله وحده، أولئك الذين كانوا قد جاؤوا ليقولوا مرة أخرى لمحمد(ص) إنهم لم يتعبوا من الكفاح، وأنهم يعلمون جيداً أن أبا سفيان وأبا لهب وأبا جهل متربصون في أما كان للانتقام، قائلين لأنفسهم متسائلين: أمازال "اللاتُ" و"هُبَل" على الكعبة؟! أجل، وأخطر من تلك الأصنام، ولكن بوجهٍ جديد وخدعة جديدة. إنهم يعلمون أن الحَرَم اليوم حَرَم، لكن لا "للناس"، بل لأمريكا! وأن من لا يقول لأميركا "لبيك"، ومن يتجه إلى رب الكعبة، فسيكون مستحقاً للانتقام، الانتقام من الزوار الذين أحيت جميعَ ذوات وجودهم وكل حركات ثورتهم وسكناتها مناسكُ إبراهيم، وسمت وتسمو حقاً حتى تَقطر سماء أوطانهم وسماء حياتهم بالنداء العذب الشيق: "لبيك اللهم لبيك": أجل، إن من يريد أن يعلن البراءة من الكفر والشرك، سَيُتَّهمُ هو ـ في منطق الاستكبار العالمي ـ بالشرك، وسيحكم عليه المفتون وأبناء المفتين من أحفاد "بلعم بن باعور" بالكفر وبالقتل.

 وبعد، فلابد في تاريخ الإسلام، أن تُشْهَرَ مجدداً سيوفُ الكفر والعداء التي كانت مخبأة في ألبسة الإحرام الكاذبة لليزيديين ومأجوري بني أمية ـ عليهم لعنة الله ـ من أجل قتل خِيَرَةِ أبناء نَبِي الإسلام الأطهار، أعني أبا عبد الله الحسين(ع) وأنصاره الأوفياء .. أجل، لابد أن تُشْهَرَ مجدداً تلك السيوفُ من ألبسة وَرَثةِ بني سفيان أولئك، وان تمزق الحناجر الطاهرة لأنصار الحسين عليه السلام، في ذلك الطقس اللاهب، في كربلاء الحجاز، وفي مذبح الحرم، وتوجّه إليهم ـ لأنهم سائرون على خطى أبناء الإسلام الصادقين الأولين ـ التهمُ نفسُها التي وجهها اليزيديون إلى أولئك حين عدّوهم خوارج وملحدين ومشركين ومهدوري الدم!

إلا أننا سنطفئ غيظ قلوبنا بإذن الله في الوقت المناسب بالانتقام من أمريكا وآل سعود، وسنحول حلاوة هذه الجريمة الكبرى حرقة وحسرة في قلوبهم، وسندخل المسجدَ الحرامَ مع الاحتفال بانتصار الحق على جنود الكفر والنفاق، وتحرير الكعبة من أيدي من ليسوا أهلاً، من ليسوا من محارمها وخاصتها.

 ولا شك في أن الحجاج الذين سافروا إلى مكة تحت رقابة دُوَلهم وحكوماتهم ومخابراتها، سيفتقدون أصدقاءهم وإخوانهم وشركاءهم الواقعيين في الدفاع والجهاد!

 إن آل سعود، من أجل تغطية جناياتهم المهولة في العام الفائت، ومن أجل تبرير صدهم عن سبيل الله، ومنعهم الحجاج الإيرانيين من الذهاب إلى الحج، سيمطرون الحجاج بقنابل دعاياتهم الشديدة، وسيعمد رجال الدين البلاطيون في البلاد الإسلامية، وبخاصة الحجاز، ومشايخُ الإفتاء الذين باعوا أنفسهم ـ لعنة الله عليهم ـ بواسطة وسائل الإعلام والمطبوعات، إلى إيراد الخطب والأضاليل، وسيضيَّقون على الحجاج ساحة تفكيرهم وتَعَمُّقهم في فهم رسالة الحج وإدراك فلسفته الحقيقة، وكذلك في التعرف على حقيقة واقعة قتل ضيوف الله المخطَّط لها سلفاً من قِبَل الشيطان الأكبر. وبديهي أن رسالة حجاج بيت الله في مثل هذه الأوضاع والظروف ثقيلة جداً ثقيلة!

 إن أكبر ألم تعانيه المجتمعات الإسلامية هو أن أبناءها لم يفهموا بعدُ الفلسفةَ الحقيقية لكثير من الأحكام الإلهية، وأن الحجَ، على ما فيه من عميق الأسرار وعظيم الأهداف، ما يزال عبادة جامدة وحركة دون ثمرة أو مردود. إن من أهم واجبات المسلمين الكبرى إدراك: ما هو الحج؟ ولم يجب أن يقفوا قسماً من إمكاناتهم المادية والمعنوية لأدائه وإقامته؟

 إن ما ظهر حتى الآن من قبل الجهلة، أو الدارسين المغرضين، أو المرتزقة المأجورين على أنه "فلسفة الحج"، هو أن الحج عبادة جماعية، وسفرة سياحية تعبدية، فما شأن الحج بأمور من قبيل: كيف يجب أن نعيش، وكيف يكون الجهاد؟! وبأي صورة يكون الصمود أمام عالم الرأسمالية وعالم الشيوعية؟! ما شأن الحج بوجوب انتزاع حقوق المسلمين والمحرومين من الظالمين؟! ما علاقته بوجوب التفكير في إيجاد الحلول للضغوط الروحية والجسمية التي يتعرَّض لها المسلمون؟ ما شأن الحج بوجوب أن يظهر المسلمون كقوة كبرى ثالثة في العالم؟ وبأن يدفع المسلمين إلى الثورة على الحكومات العميلة التابعة؟! إنْ هو إلا سفرة ترفيهية لرؤية القبلة وزيارة المدينة فقط!! هذا ما أظهره المتحجَّرون والمغرضون، من أن الحج إنما ليقرَّب الإنسان إلى رب البيت ويصله به.

 الحج ليس حركات وأعمالاً وتمتمات فقط، فالإنسان لا يصل إلى الله بالكلمات والألفاظ والحركات الصمّاء! الحج إنما هو أسّ المعارف الإلهية التي من خلالها ومن مفهومها ومحتواها يجب اكتشاف سياسة الإسلام في جميع مناحي الحياة.

 الحج هو رسالة بناء مجتمع مجرد من الرذائل الماديّة والمعنوية، هو مظهر التجلي المتكرر لكافة الصور المولدة للحب في حياة إنسانٍ مثالي ومجتمع متكامل؛ ومناسكُهُ إنما هي مناسك أن يصبح إبراهيمياً حتى يتصل بأمة محمد(ص) ويتّحد بها ويصبح معها يداً واحدة، فإن الحج هو تنظيم وإعداد وصهر لهذه الحياة التوحيدية.

 الحج هو ميدان استعراض طاقات المسلمين ومرآة اختبار قواهم المادية والمعنوية، هو كالقرآن يستفيد الكل منه، ولكن المفكرين والغواصين والخبراء بآلام الأمة الإسلامية إذا وجهوا قلوبهم إلى بحر معارفه، ولم يخافوا الاقتراب منه والغوص في أحكامه وسياساته الاجتماعية، فسيصطادون أكثر من أصداف هذا البحر جواهرَ الهداية والرشد والحكمة والحرية، وسيرتوون إلى الأبد من زلال حكمته ومعرفته. ولكن ما العمل؟ وكيف التخلص من هذا الهم الكبير، همِّ أن الحج قد غدا ـ كالقرآن ـ مهجوراً؟!

 وبمقدار ما خفي كتاب الحياة والكمال والجمال ذاك في حجبنا المصطنعة، وبمقدار ما دُفن هذا الكنـز من أسرار الإبداع في أعماق ركام أتربة أفكارنا المنحرفة، وبمقدار ما أنـزل لسان الأنس والهداية والحياة والفلسفة الصانعة للحياة، ليغدو لسانَ الوحشة والموت والقبر، كذلك ابتلي الحج أيضاً بالمصير نفسه، مصير أن يحج ملايين المسلمين كل سنة إلى مكة، ويضعُوا أقدامهم في مواقع أقدام النبي وإبراهيم وإسماعيل وهاجر، ولكن دون أن يسأل سائل منهم: من كان إبراهيم ومحمد عليهما السلام، وماذا فعلا؟.

 ماذا كان هدفهما؟ ماذا أرادا منا؟ لعل الشيء الوحيد الذي لا يُفكَّرُ به هو هذا!!.

 إن حجّاً دون روح، ودون انتفاضة وتحرُّك .. وحجاً دون براءة ..، وحجاً دون وحدة، وحجاً لا يَنتجُ منه هدم الكفر والشرك .. ليس حجاً على الإطلاق!.

 والخلاصة أن على المسلمين جميعاً أن يعملوا على بعث الحج والقرآن الكريم وإعادتهما إلى ميادين حياتهم، وان على المحققين الإسلاميين الملتزمين، بتبيانهم المعاني والأهداف الصحيحة والواقعية لحكمة الحج، أن يطرحوا في البحر كل أضاليل العلماء البلاطيين وبدعهم الخرافية.

 أما ما يجب أن يعمله الحجاج الأعزاء، فهو أن أمريكا وآل سعود، إذ صوَّروا حادثة مكة على أنها صراع طائفي وتجاذبُ قوى بين الشيعة والسنة، وصوَّروا إيران وقادتها على أنهم يحلمون بإمبراطورية واسعة يسعون للوصول إليها، إنما أرادوا تضليل الكثيرين من الغافلين عن مسير الحوادث السياسية في العالم الإسلامي، وممن يجهلون الخطط المشؤومة لناهبي الشعوب بتصوير صرختنا بالبراءة من المشركين وكفاحنا من أجل حرية الشعوب على أنهما يهدفان إلى تقوية سلطتنا السياسة وإلى توسيع الرقعة الجغرافية للدولة الإسلامية، طبعاً لا غرابة ولا تعجب عندنا ولا عند جميع المفكرين والمحللين المعلقين على النيات القذرة لأجهزة آل سعود أن تّتهم إيران والحكومة التي نادت منذ بداية النصر حتى الآن بوحدة المسلمين، والتي عدت وتعد نفسها في جميع حوادث العالم الإسلامي، شريكة المسلمين في همومهم وأفراحهم .. أن تتهمها بالتفرقة بين المسلمين وتمزيق صفوفهم أو فوق ذلك، أن تتهم الحجاج الذين دفعهم عشقهم لزيارة ضريح النبي والحرم الإلهي الآمن للسفر إلى الحجاز بالتجييش والتجهيز والتعبئة لاحتلال الكعبة وحرق حرم الله وهدم مدينة الرسول، جاعلين البرهان على ذلك اشتراك حرس وجنود ومسؤولين من دولتنا في مراسم الحج.

 أجل، في منطق آل سعود، يجب أن يكون الجندي والحارس في الدولة الإسلامية غريبين عن الحج، ومثل هذه الأسفار منهم إلى ديار الإسلام هي عند المسؤولين الحكوميين والعسكريين ودعاة للتعجب وسبب للتآمر! يجب في منطق الاستكبار أن يكون ذهاب مسؤولي الدول الإسلامية إلى بلاد الفرنجة، إذ ما شأن هؤلاء والحج!

 إن عملاء أمريكا، يعدون إحراق العلم الأميركي بمثابة إحراق الحرم، ويعدون شعار "الموت لروسيا وأمريكا وإسرائيل" عداءً لله والقرآن والنبي، ويصفون مسؤولينا وعسكريينا المرتدين لباس الإحرام بقادة المؤامرة!

 الواقع أن دول الاستكبار الشرقية والغربية، وبخاصة أمريكا وروسيا، قد قسمت العالم عملياً إلى قسمين: قسم حر، وقسم حجر سياسي؛ ففي القسم الحر من العالم هناك الدول الكبرى التي لا تعترف بأي مدى أو حد أو قانون، وتعتبر الاعتداء على مصالح الآخرين، واستعمار الشعوب واستثمارها واستعبادها أمراً ضرورياً ومبرراً ومنطقياً ومنطبقاً على جميع المبادئ والموازين الدولية والموضوعة من قبلها هي. أما في قسم الحجر السياسي الذي تُحاصر وتُسجن فيه للأسف معظم شعوب العالم الضعيفة وبخاصة المسلمين منها، فلا وجود إطلاقاً لحق الحياة وإبداء الرأي. ان القوانين والمقررات والأنظمة جميعها، هي القوانين المفروضة والمنسجمة مع أهواء النظم العميلة والمؤمّنة لصالح المستكبرين. والمؤسف أن معظم متولي السلطات التنفيذية في هذا القسم هم الحكام المفروضون أو أتباع النهج الاستكباري العام الذين يعدون حتى صرخة الألم من داخل جدران هذه السجون والسلاسل جريمة لا تغتفر، فمنافع ناهبي الشعوب تمنع على أي كان حق التلفظ بأي كلمة يُشم منها إضعافُهم أو تعكير صفو راحة نومهم.

 وبما أن مسلمي العالم لا يتمكنون بسبب عوامل الضغط والسجن والإعلام من التعبير عن مصائبهم وآلامهم التي يفرضها عليهم حكامهم، فالواجب أن يُسمح لهم بعرض مآسيهم وآلامهم في الحرم الإلهي الآمن بكل حرية، حتى يفكر سائر المسلمين في حلول لتحريرهم.

 لذا فنحن نلح ونصر على أن يرى المسلمون أنفسهم، في بيت الله والحرم الإلهي الآن على الأقل، أحراراً من جميع العتاة وأغلالهم، وأن يعلنوا في تظاهرة كبرى براءتهم مما ينفرون منه ويستنكرونه، ويستفيدوا من كل وسيلة ممكنة لخلاصهم. لقد أخذت حكومة آل سعود على عاتقها مسؤولية حماية حجاج الله، ولهذا نقول بثقة، إن حادثة مكة ليست منفصلة عن السياسة الأساسية لناهبي الشعوب القائمة على إبادة المسلمين الأحرار واستئصال شأفتهم.

 إننا مع إعلاننا البراءة من المشركين، كنا وما نـزال مصممين على تحرير الطاقات المكبوتة للعالم الإسلامي، وسيأتي يوم بعون الله يتحقق فيه هذا العمل على أيدي أبناء القرآن، كما سيأتي يوم إن شاء الله يصرخ فيه جميع المسلمين والمظلومين بوجه الظالمين في العالم كلّه، ويثبتون أنّ القوى العظمى وأجراءها ومرتزقتها هم أبغض موجودات العالم.

 إن مجزرة حجاج بيت الله هي مؤامرة لحماية سياسات الاستكبار ولمنع انتشار الإسلام المحمدي الصحيح؛ وان صحيفة الأعمال السوداء المخزية لحكام الدول الإسلامية العديمي الوجدان إنما هي حكاية لتراكم الآلام والمصائب على الجسم المنهك للإسلام والمسلمين.

 إن نبي الإسلام ليس بحاجة إلى المساجد الارستقراطية والمآذن المزخرفة، نبي الإسلام كان همه عزة أتباعه ورفعتهم، هؤلاء الذين ـ لشديد الأسف ـ أنـزلهم الحكام العملاء إلى حضيض الذل. ألا هل يمكن أن ينسى مسلمو العالم فاجعة مجزرة المئات من العلماء والألوف من النساء والرجال من المذاهب الإسلامية المختلفة طوال حياة آل سعود المخزية، وكذا مجزرة حجاج بيت الله الحرام؟! ألا يرى المسلمون إن المراكز الوهابية في العالم اليوم قد غدت مراكز للفتن والتجسس، مراكز يروج أصحابها لإسلام أبي سفيان، إسلام الفقهاء البلاطيين القذرين، إسلام المتظاهرين بالتدين والقداسة من عديمي الشعور في الحوزات العلمية الفقهية والجامعية، إسلام الذل والصَّغار، إسلام المال والسلطان، إسلام الخداع والتلفيق والتبعية، إسلام تحكم الرأسمال والرأسماليين بالمظلومين والحفاة، وبكلمة واحدة يروّجون للإسلام الأمريكي من جهة ويمرغون جباههم على عتبة سيدتهم أمريكا الجشعة من جهة أخرى!

 إن المسلمين لا يعرفون كيف يداوون جُرحَ  أن "خادم الحرمين" واجهة آل سعود يطمئن إسرائيل "إننا لن نستعمل أسلحتنا ضدك" ويقدم لأجل إثبات صحة تعهده على قطع علاقاته بإيران!!

 حقاً، كم يجب أن تكون الرابطة بين حكام الدولة الإسلامية وبين الصهيونية قد بلغت من الحرارة والحميمية ليمحوا في مؤتمر القمة الإسلامي من جدول أعمالهم حتى موضوع عدائهم الصوري الظاهري لإسرائيل! لو كانت لهؤلاء ذرة من الغيرة والحمية الإسلامية والعربية، ما كانوا يوافقون على مثل هذه الصفقة السياسية القذرة، وعلى بيع أنفسهم وبيع أوطانهم!

 أليست هذه الأعمال عاراً على العالم الإسلامي ومدعاة للخجل؟ أليس الوقوف منها موقف المتفرج إثماً وجريمة؟!

 أصحيح مّنا أن نجلس صامتين ليتجاهل حكام الدول الإسلامية أحاسيس مليار مسلم، ويضفوا الشرعية على تلك الفواجع الصهيونية الرهيبة كلها، ويعيدوا إلى الساحة ثانية مصر وأضرابها؟!

 هل سيصدق المسلمون، في هذه الحال، إن الحجاج الإيرانيين قد تحركوا لاحتلال بيت الله وحرم النبي، وإنهم يريدون أن يسرقوا الكعبة وينقلوها إلى قم؟! لو صدّق مسلمو العالم أن حكامهم هم أعداء حقاً لأمريكا وروسيا وإسرائيل لكانوا صدقوا أيضاً دعايات حكامهم ضدنا.

 لقد أعلناّ نحن بالطبع مرات كثيرة حقيقة واقعية في سياستنا الإسلامية الخارجية والدولية، هي أننا كنّا وما نـزال نسعى لتوسيع نفوذ الإسلام في العالم، وتقليص سلطة ناهبي الشعوب.

 فإذا كان خدام أمريكا يسمون هذه السياسة سعياً للتوسع وتفكيراً في تشكيل إمبراطورية كبيرة، فإننا لا نخشى هذا "الاتهام" ونتقبله بسرور.

 

نحن مصممون على استئصال جذور الفساد

 إننا نعتزم إيباس الجذور الفاسدة للصهيونية والرأسمالية والشيوعية في العالم. لقد قررنا أن نستأصل ـ بعون الله العظيم وعنايته ـ الأنظمة القائمة على هذه القوائم الثلاث، وان نشيع في عالم الاستكبار نظام إسلام رسول الله(ص)، وستشهد الشعوب الأسيرة ذلك عاجلاً أم آجلاً.

 إننا سنمنع بكل وجودنا وطاقاتنا توسع الابتزاز الأمريكي وتوسع حصانة عملاء أمريكا، حتى لو اقتضى الأمر منّا الكفاح بالقوة، وإننا ـ إن شاء الله ـ لن ندع لحن التعاون والتوافق مع أمريكا وروسيا والكفر والشرك يُعزف من الكعبة وأرض الحج، من هذا المنبر العظيم الذي يجب أن يعكس من فوق سطحه الإنساني أصوات المظلومين إلى جميع العالم؛ ونسأل الله أن يمنحنا القدرة على أن نجعل صرخة "الموت لأميركا وإسرائيل" تنطلق لا من كعبة المسلمين فقط بل ومن كنائس العالم أيضاً.

 ألا فليعتزَّ مسلمو العالم ومحرومو المعمورة كلهم بهذا النفق الطويل إلى ما لا نهاية الذي أوجدته الثورة الإسلامية لجميع ناهبي الشعوب، وليتنسموا أريج الحرية وليرفعوا شعار التحرير والتحرر في حياتهم ومصائرهم، وليمسحوا ببلسمِهِ جراحهم، فقد شارف عهد القنوط واليأس في منطقة الكفر على الانتهاء وأزهرت حدائق الشعوب، وأملي أن يشهد المسلمون جميعاً تفتّح براعم الحرية، ويتنشقوا نسائم عطر الربيع، ويتحّسسوا رقة ورود الحب، ويتذوقوا عذوبة زلال إرادتهم الفوارة كالينابيع الدفاقة.

 إن علينا جميعاً أن نخرج من حماة الصمت ومستنقع التقاعس الذي بذر فيه عملاء السياسة الأمريكية والسياسة الروسية بذور الموت والعبودية، وان نتوجه إلى البحر الذي فارت منه "زمزم"، فنغسل بدموع عيوننا أستار الكعبة وبيت الله الذي لوثّته أمريكا وأبناؤها بأيديهم النجسة.

 أيها المسلمون في جميع أقطار العالم، بما أنكم تحت سلطة الأجانب مبتلون بالموت البطيء، عليكم أن تنتصروا على الخوف من الموت، وان تستفيدوا من وجود الشبان المندفعين المتطوعين للشهادة المستعدين لاختراق خطوط جبهة الكفر. لا تفكروا في الإبقاء على الوضع القائم، بل فكروا في التخلص من الأسر وفي التحرر من العبودية والثورة على أعداء الإسلام، لأن العزة والحياة إنما هما في ظل الكفاح، وان أول خطوة في الكفاح هي الإرادة، وعاهدوا أنفسكم بعد ذلك على منع سيادة الكفر والشرك العالمي وبخاصة أمريكا.

 ونحن سواء كنّا في مكة أو لم نكن فان قلوبنا وأرواحنا مع إبراهيم وفي مكة!! وسواء أغلقوا أبواب مدينة الرسول أو فتحوها في وجوهنا، فان حبل محبتنا للنبي لا ينقطع قط ولا يهن. نصلي ووجوهنا نحو الكعبة، ونموت ووجوهنا نحو الكعبة، ونشكر الله على أننا بقينا ثابتين على ميثاقنا مع رب الكعبة، وأننا قد أقمنا قواعد البراءة من المشركين مرفقة بدماء الألوف المؤلفة من شهدائنا الأعزاء، ولم ننتظر مساندة أو تأييداً من فاقدي الشخصية من بعض حكام الدول الإسلامية وغير الإسلامية. إننا، نحن المظلومين المحرومين الحفاة دائماً في التاريخ، ليس لنا غير الله، ولو قطعونا ألف مرة قطعة قطعة لن نتوقف عن محاربة الظالمين.

 

يجب تهشيم مخالب الدول العظمى وأسنانها

 إن الجمهورية الإسلامية الإيرانية تشكر المسلمين الأحرار في العالم، الذين استطاعوا ـ رغم الضغوط السياسة الخانقة عليهم ـ بتنظيمهم المحاضرات والمؤتمرات والخطب أن يفضحوا أسرار جرائم أمريكا وآل سعود، وان يعزّفوا للدنيا كلها الظلم الذي لحق بنا. ويجب أن يعلم المسلمون، انه مادام ميزان القوى في العالم لم يمل إلى صالحهم فان مصالح الأجانب ستقدم دائماً على مصالحهم، وسيفتعل الشيطان الأكبر أو الروس كل يوم حادثة بحجة الحفاظ على مصالحهم.

 إذا لم يحل المسلمون مشكلاتهم مع ناهبي الشعوب بصورة جدية، وإذا لم يوصلوا أنفسهم إلى حدود القوة العظمى في العالم، فهل سيكونون حقاً في أمان؟ إذا حوّلت أمريكا الآن دولة إسلامية إلى كومة من خراب وتراب بحجة الدفاع عن مصالحها، فمن سيقف في وجهها؟! إذن فلم يبق أمامنا إلا الجهاد، ويجب تهشيم مخالب الدول العظمى وأسنانها، وبخاصة أمريكا، وانتخاب واحدة من الطريقتين: إمّا الشهادة وإمّا النصر؛ وكلاهما نصر في مدرستنا!! إلى أن يمنح الله تعالى جميع المسلمين القدرة على تحطيم أسوار سياسات التعسف والظلم التي يعتمدها ناهبو الشعوب، والجرأة أيضاً على إيجاد دروع لمحور الكرامة الإنسانية؟ ويعين الجميع على الخروج من أفول الذل إلى صعود العز والمنعة.

 إن البعض لم يدركوا جيداً، قبل حدوث واقعة الحج المرة الحلوة في العام الماضي، معنى إصرار الجمهورية الإسلامية الإيرانية على مسيرة البراءة من المشركين، وكانوا يسألون أنفسهم وسواهم أنه ما الموجب في سفر الحج وفي ذلك الطقس الحار لتنظيم المسيرة وإطلاق دعوة الجهاد؟! وحتى إذا أطلقت دعوة البراءة من المشركين، فما الضرر الذي سيلحق بالاستكبار؟ وكم من السذج البسطاء كانوا يتصورون أن عالم ناهبي الشعوب الذي يوصف بالمتمدن ليس أنه سيتحمل مثل هذه الأمور السياسية فقط، بل أكثر من هذا، فإنه سيسمح لخصومه بتنظيم التظاهرات والمسيرات، والدليل على ذلك الإذن بالمسيرات التي تنظم في البلاد الغربيّة التي توصف بالحرّة! ولكن الواجب أن يكون واضحاً أن ذلك النوع من المسيرات لا يتضمن أي ضرر للقوى العظمى وغير العظمى.

 إنها مسيرة مكة والمدينة التي سيعقبها إغلاق أنابيب نفط الجزيرة العربية .. إنها لمسيرة مكة والمدينة التي ستنتهي بزوال عبيد روسيا وأمريكا، وتماماً لأجل هذا السبب بالذات تَمنع هذه المسيرة بمجزرة جماعية للأحرار من النساء والرجال، وانه في ظل هذه البراءة من المشركين يدرك حتى البسطاء والسذج حرمة الخضوع والتذلل على عتبة روسيا وأمريكا.

 ألا فليثق شعب إيران العزيز الشجاع، أن حادثة مكة هي بداية تطورات كبرى في عالم الإسلام، ومدخل صالح لاستئصال الأنظمة الفاسدة في الدول الإسلامية، ولطرد المتزيين بزي رجال الدين.

 إن ملحمة البراءة من المشركين لم يمر عليها أكثر من سنة، ومع ذلك فإن عطر الدماء الطاهرة لشهدائنا الأعزاء، قد ضمَّخ العالم كله، ونحن نرى آثارها في أقصى نقاط العالم. فملحمة شعب فلسطين ليست وليدة صدفة؛ ترى هل تتصور الدنيا من هم الذين أنشأوا هذه الملحمة؟ وإلى أية شعارات يستند شعب فلسطين حين يواجه دون رهبة وبأيد خالية هجمات الصهاينة الوحشية؟ هل هو نداء الوطنية وحده الذي خلق من وجودهم عالماً من الصمود؟! أمن أشجار لاعبي السياسة الذين باعوا أنفس?


تعليقات الزوار
ارسال تعلیق