خطاب الإمام الخميني بعد الانتهاء من الاستفتاء للنظام بـ«الجمهوري الإسلامي».

2009-04-05
0
279

بسم الله الرحمن الرحيم

 

لقد وعد الله تعالى المستضعفين في الأرض بأن ينصرهم على المستكبرين بحوله وقوته ويجعلهم أئمة. إنّ وعد الله لقريب، وإن الأمل ليحدوني في أن نشهد تحقيق هذا الوعد وينتصر المستضعفون على المستكبرين، كما انتصروا عليهم حتى الآن.

 

إن الطريق الذي طويناه حتى هذا التاريخ كان من أجل إتباع الإسلام وأحكامه، وعلينا أن نعرّف العالم بالإسلام، فإنه لو قدّم للعالم كما هو، التفّ الناس حوله، إذ إن القيم التي لدى المسلمين قيم لا تقدر بثمن، لكن ينبغي التعريف بها.

 

إنني أشكر كافة أفراد الشعب الإيراني لأنهم شاركوا في هذا الاستفتاء وأعلنوا رأيهم الصريح ـ الذي ينبغي القول إنه كان نصراً مؤزراً مائة في المائة ـ وصوتوا للجمهورية الإسلامية، كما كانوا قد صوتوا لها من قبل. إننا لم نكن نرى حاجة لهذا الاستفتاء، لكننا قررنا إجراءه لاسكات بعض الأبواق وكفّ مختلقي الذرائع، فأدرك المتحججون أن الأمر ليس كما كانوا يتصورون، وأن شعبنا هو مع الإسلام وروحانية الإسلام.

 

إنّ الشعب الإيراني يريد تطبيق أحكام القرآن الكريم في إيران، والحمد لله، إذ صوتت جميع فئات الشعب من أقصى إيران إلى أقصاها بشوق ورغبة وحماس ولهفة للجمهورية الإسلامية وليس لشيء آخر. الجمهورية الإسلامية القادرة على تحقيق جميع الأهداف الإيرانية، جمهورية الإسلام التي تتفوق أحكامها الراقية على جميع أحكام سائر الطبقات وسائر الاتجاهات!

 

إننا نشاهد أدعياء الديمقراطية يتحدثون ويتبجحون، لكن مدارسهم الفكرية في الشرق ذات شكل معين وفي الغرب ذات شكل آخر. فالناس في الشرق يواجهون دكتاتورية عاتية، وكذلك الأمر في الغرب. كما نشاهد أشخاصاً يدعون مراعاة حقوق الإنسان، إلا أنه وخلال الخمسين سنة التي تسلطت فيها حكومة البهلوي الغاصبة وابن البهلوي على هذا الشعب ونهبت جميع ممتلكاته، وكان يلقي بشبابنا في غياهب السجون، وما أكثر الشبان الذين بترت أرجلهم بالمناشير في السجون، ووضعت على الحديد المحمي حتى الاحمرار، وظلوا حتى آخر ذلك العهد مكبلين في الأصفاد تحت التعذيب حيث سلم جلاوزة الشاه المخلوع جميع ممتلكاتهم.

 

إن أدعياء مواكبة حقوق الإنسان هؤلاء لم يتفوهوا طيلة تلك الفترة ببنت شفة أو يستنكروا ذلك! وقد رأينا كيف كان رئيس جمهورية أمريكا يرافق الشاه المخلوع الظالم البائس ويدعمه! يدعم الجلاد الذي قضى على وجودنا، ولم نرَ أدعياء حقوق الإنسان ينكرون ذلك على رئيس جمهورية أمريكا! لكن الآن وحين سقوط هؤلاء الجلاوزة في قبضة الشعب الذي يريد الانتقام منهم، ارتفعت عقائر أولئك بالصراخ يا للإنسانية!. إنني لا أستطيع أن أرى في هؤلاء سوى صنائع للجلادين والقوى العظمى وليسوا عاملين من أجل حقوق الإنسان.

 

لقد كنت أترقب أن تعترض علينا منظمة حقوق الإنسان ـ إن كان ما تقوله حقاً وأنها تؤيد حقوق الإنسان ـ لأننا أبقينا على هؤلاء! فقد كان علينا قتل هؤلاء الجلادين منذ اليوم الأول للثورة لا أن نتركهم في السجون! وإن سجوننا أيضاً ليست كالسجون السابقة، فهي سجون لا يُعرض فيها الأشخاص للإهانة بأي شكل.

 

إنّ هؤلاء لا يعترضون علينا لأننا حاكمناهم، ذلك أن محاكمة المجرم لا معنى لها إطلاقاً، وهي تتنافى وحقوق الإنسان! إن حقوق الإنسان تتطلب بأن نقتلهم منذ اليوم الأول لأنهم مجرمون وقد تثبت إجرامهم. وإن الذي ينبغي أن يعين له محام ويُسمع ادعاؤه، هو المتهم وليس المجرم، بينما هؤلاء ليسوا متهمين، بل مجرمون! هؤلاء أشخاص قتلوا الناس في الشوارع، وعذّبوهم، ودحّروا جميع ثرواتنا، ترى ألم يكن الذين قتلوا في شوارع شتى مدن إيران، بشراً؟! أليس لهم حقوق؟! لماذا لا يقف أدعياء حقوق الإنسان إلى جانب أولئك الذين قتلوا؟! لماذا يعترضون علينا إن قتلنا الجلادين؟! إننا وفي نفس الوقت الذي نعتبر هؤلاء مجرمين وينبغي لنا إثبات هويتهم فحسب، وبمجرد أن تثبت هوية الواحد منهم يجب قتله، إلا أننا لم نفعل ذلك.

 

فنصيري وبمجرد أن ثبتت هويته بأنه هو نصيري نفسه، وجب قتله! ومع ذلك أبقي عليه عدة أيام وأثبتت اعترافاته، ثم أُعدم، ألا تظن منظمة حقوق الإنسان أنه يجب قتل المجرم من أجل حقوق الإنسان؟! لنطالب بحقوق الإنسان، الإنسان الذي قتله هؤلاء وعذّبوه وقضوا عليه. ومع هذا فنحن نحاكمهم، وقد حاكمناهم. لكن رأينا هو أن المجرم لا يحاكم. وإنني لآسف أن الانبهار بالغرب ما يزال فينا، وإننا نخشى أن تكتب صحف ومجلات الغرب شيئاً ما؟ فهؤلاء بطبيعة الحال يعارضون العدل والإحسان ولا يؤيدون حقوق الإنسان. إنهم يصونون باسم حقوق الإنسان، حقوق أزلام القوى العظمى. على أية حال فقد أصبحنا بحمد الله فاتحين في هذا الاستفتاء (على الجمهورية الإسلامية) واتضح زيف الكلام الذي نشر في المجالات الأجنبية وما قيل. والحمد لله فقد صوّت شعبنا بنسبة تقرب من مائة في المائة للجمهورية الإسلامية. ومن الآن فصاعداً، على الشعب أن يطبق أحكام هذه الجمهورية الإسلامية!

 

في الجمهورية الإسلامية يجب أن تتغير جميع الأوضاع القائمة في إيران، في الجمهورية الإسلامية ينبغي أن يطرأ تغيير على الجامعات وأن تتحول الجامعات المرتبطة بالأجنبي إلى جامعات مستقلة، وثقافتنا يجب أن تتبدل لتحمل ثقافة الاستقلال محل الثقافة الاستعمارية! قضاؤنا يجب أن يتغير فسيتبدل نظام القضاء الغربي بالعدالة الإسلامية! اقتصادنا يجب أن يتغير فيستبدل الاقتصاد المرتبط باقتصاد مستقل!

 

جميع الأمور التي كانت على عهد حكومة الطاغوت وكانت تطبق بالتبعية للأجانب في هذا البلد الضعيف الخاضع يجب أن تقلب رأساً على عقب بعد تشكيل الحكومة الإسلامية وإقامة الجمهورية الإسلامية.

 

وعلى الناس أن يصلحوا أنفسهم، وعلى الظالمين ومن تحكموا فيمن هم تحت سلطتهم أن لا يظلموا أحداً بعد الآن، وأن لا تظلم طبقة من هم دونها طبقة! ويجب إعطاء الفقراء والمساكين حقوقهم. كل ذلك يجب أن يطبق في الجمهورية الإسلامية.

 

وإن الشعب في الجمهورية الإسلامية مكلف بدعم الحكومات التي تخدم الشعب. وإن وجد الشعب حكومة تعمل خلافاً لإرادته فعليه أن يوجه لها الكلمة الرادعة! وإن وجد جهازاً متجبراً يريد إنزال الظلم به فعليه أن يشكوه، وعلى المحاكم أن تأخذ له بحقه، فإن لم تفعل فعلى الشعب نفسه أن يأخذ بحقه ويسدد ضربته إلى الجهاز الحاكم! لا ظلم في الجمهورية الإسلامية ولا شيء من الأمور يمكن أن يفرض بالقوة.

 

لا يمكن للطبقة الغنية أن تفرض شيئاً على الطبقة الفقيرة. لا يمكنها أن تستغلها ولا يمكنها أن تجبرها على عمل كثير بأجر قليل! يجب أن تحل القضايا الإسلامية هنا وتطبق. يجب حماية المستضعفين. يجب أن يدعم المستضعفون وتتغير أوضاعهم تماماً. بحيث أن يصبح المستكبر مستضعفاً والمستضعف مستكبراً! ليس مستكبراً بالمعنى الذي تعنيه هذه الكلمة. بل يجب أن يكون الجميع متآخين في هذا البلد.

 

إنني أقول لجميع فئات الشعب إنه لا يوجد في الإسلام أي فرق بين الغني والفقير، والأبيض والأسود، وبين السنة والشيعة، والعرب والعجم والترك وغيرهم، إن القرآن الكريم اعتبر الأفضلية بالعدل والتقوى، فمن كان ذا تقوى وسجايا طيبة كان هو الأفضل، وليس الفضل بالماديات والممتلكات، يجب أن تلغى هذه الفوارق وأن يتساوى الناس وتمنح جميع فئات الشعب حقوقها، وتراعى حقوق الأقليات الدينية، فالإسلام يكنّ لها ولجميع الفئات احتراماً.

 

وإن الأكراد وكافة التجمعات الموجودة ولها لغات مختلفة هم جميعاً إخواننا ونحن معهم وهم معنا، وكلنا ننتمي لشعب واحد ودين واحد. وأنا آمل أن يصحو الناس في مختلف مناطق إيران التي اندست فيها بعض العناصر المفسدة وأخذت تبث دعايات مسمومة وتحرض الناس المساكين على إثارة الشغب وقتل الأخوة، ولا يسمحوا لهؤلاء الخونة بالقيام بمثل هذه الأعمال! نحن جميعاً إخوة. نحن إخوة لأهل السنة، ولا ينبغي لنا أن نصبح أسياداً على أحد، كما لا ينبغي لنا أن نتجاهل حقوق البعض! نحن متساوون في الحقوق. وفي الحقوق الذي سيصادق عليه الشعب إن شاء الله، أخذت بعين الاعتبار حقوق الأقليات الدينية وحقوق النساء وبقية الفئات أيضاً.

 

أننا ليحدونا الأمل في أن يوفقنا الله تعالى. والآن وقد وصلنا بالأمور إلى ما هي عليه وأعلنا الجمهورية الإسلامية، وأنا هنا أعلن قيام الجمهورية الإسلامية وأعتبر هذا اليوم عيداً، وآمل أن يكون اليوم الثاني عشر من شهر فروردين من كل عام عيداً لشعبنا الذي أقام السلطة الوطنية وسيتحكم هو بمقدراته.

 

إننا نبارك لجميع أبناء الشعب. وبدوري أبارك هذا اليوم لشعبنا العزيز ولجميع الفئات. بورك لكم هذا العيد، وبوركت لكم هذه الجمهورية الإسلامية. إلا أننا مكلفون بالتزام أحكام الإسلام. يجب أن تكون سوقنا سوقاً إسلامية، ويجب أن يطهّر سوقنا من الإجحاف، وينبغي للحكومة الحالية والحكومات التي ستليها والوزارات ودوائر الدولة أن تسر طبقاً للموازين الإسلامية. يجب أن يستبدل البلد الذي كان مصطبغاً بصبغة طاغوتية ببلد ذي صبغة إلهية، يجب أن يستبدل البلد الطاغوتي ببلد إلهي.

 

إننا لا نخشى أن ينتقدنا في الغرب أولئك الذين يدّعون أنهم يحترمون حقوق الإنسان! إن علينا أن نتعامل وفق ميزان العدل وسنفهم هؤلاء فيما بعد ما معنى الديمقراطية! الديمقراطية غربيها فاسد، وشرقيها أيضاً.

 

الديمقراطية الإسلامية هي الصحيحة. وإننا ـ إذا وفقنا ـ سنثبت فيما بعد للشرق والغرب أن الديمقراطية التي لدينا هي الديمقراطية وليست التي لديكم، أنتم يا من تؤيدون كبار الرأسماليين! وليست التي لدى أولئك الذي هم أنصار القوى العظمى الأخرى ممن مارسوا الكبت الرهيب بحق جميع الناس.

 

لا كبت في الإسلام! في الإسلام حرية لجميع الفئات، للمرأة والرجل، والأسود والأبيض، وعلى الناس من الآن فصاعداً أن يخشوا أنفسهم لا الحكومة! إن يخافوا من أنفسهم لئلا يرتكبوا مخالفة.

 

فحكومة العدل تمنع المخالفات وتعاقب عليها. إن علينا أن نخاف من أنفسنا لئلا نرتكب مخالفة وإلا فإن حكومة الإسلام لن ترتكب مخالفة. ولن تكون هناك (سافاك) ولا تعذيب تمارسه مديرية الأمن تلك. ولن يكون بإمكان الشرطة أن يتحكموا بنا وبشعبنا. ولن يكون بإمكان الحكومة أن تتحكم بالشعب. فالحكومة في النظام الإسلامي هي في خدمة الشعب ويجب أن تكون خادمة للشعب. وإذا مارس رئيس الوزراء ظلماً يوماً، فإن الشعب يشكوه إلى المحاكم وإذا ثبت جرمه لقي جزاءه!

 

لم يعد الأمر كما كان عليه فيما مضى. ففي الإسلام لا يوجد فرق بين رئيس الوزراء وبين غيره. فقد حضر خليفة المسلمين في صدر الإسلام مع أهل الذمة الذين كان لديهم خلاف معه في حضرة القاضي الذي أصدر حكماً فأطاعه بدوره. هكذا الإسلام! وليس بشكل يمنح معه رفعة لطبقة معينة. إلا أن لطبقة العلماء ـ المتقين بطبيعة الحال ـ منزلة أسمى لأن منزلتهم الإنسانية أسمى! فالإسلام يكرم إنسانية الإنسان، وإنسانية الإنسان هي العلم والتقوى، وتمن كان ذا علم وتقوى مفضل على الآخرين. أما من كان له مال مهما بلغت كميته ولم يكن ذا تقوى فليس له قيمة في الإسلام على الإطلاق! وعلى أية حال: إنني أطلب إلى كافة أبناء الشعب أن يغيروا ما بأنفسهم ويحوّلوا الروح التي كانت لديهم زمن الطاغوت إلى روح إسلامية.

 

إن لدينا في إيران الآن كثيراً من الفقراء. لدينا الكثير من شُلت حركتهم بسبب هذه الأمور، وعلى الأغنياء أن يساعدوهم يمنحوهم حياة كريمة. وعلى الحكومة وأبناء الشعب أن يفكروا بهم ويوفروا لهم المسكن والحياة الكريمة، يوفروا للموظفين حياة كريمة. قبل عدة أيام قلت لمجموعة من أصحاب المعامل ومدراء المصانع الذين حضروا هنا: إن عليكم أنتم إصلاح هذا الأمر! اذهبوا الآن خارج هذا المنزل واعقدوا اجتماعاً وتشاوروا في الأمر وعينوا رؤوس أموال توفرونها لعملا مصانعكم وبيوتاً وما يحقق لهم حياة كريمة.

 

وإن لم تفعلوا ذلك فربما تمرد هؤلاء يوماً ـ لا سمح الله ـ وإذا تمردوا فلن يكون بإمكاننا الوقوف بوجههم! وأنا أعد الموظفين والعمال وجميع الفئات المستضعفة ـ بمشيئة الله ـ أن توفر إيران والإسلام فرصة العمل. الإسلام سيحسن ظروف معيشتكم، والإسلام سيوفر لكم مساكن. الإسلام لا يهتم بأحد اهتمامه بالمستضعفين!

 

اسأل الله تبار وتعالى في يوم العيد هذا الذي هو يوم انتصار شعبنا، الموفقية لجميع المسلمين، وآمل أن تتحد بقية الشعوب الإسلامية مع بعضها وتقطع أيدي الطواغيت من بلدانها! والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

ــــــــــــــ

 

تاريخ الخطاب: الأحد 12/1/1358هـ ش. 3/5/1399هـ ق. 1/4/1979م.

 

المصدر: كتاب مختارات من أحاديث وخطابات الإمام الخميني؛ رقم الخطاب: 173.

 

 


تعليقات الزوار
ارسال تعلیق