الدرس السابع والسبعون: الكلام عن حدود اختيارات الولي الفقيه (القسم الأول)

2011-09-26
0
263

والبحث تارة في تعداد ما بيد الفقيه اختياره من الأمور المرتبطة بالمسلمين وببلاد الإسلام وبارتباط بلد الإسلام ببلاد الكفر نفياً وإثباتاً، وأخرى في المنابع المالية التي بيد ولي الأمر كما مرّ كلاهما عند البحث عن ولاية المعصومين (عليهم السَّلام).

 

فأما حدود اختياره فتارة يبحث عن مقتضى القواعد الكلية فيها، وأخرى عن مقتضى الأدلة الخاصة في كل من خصوص الأمور المتصورة.

 

أما مقتضى القاعدة في تبين ما بيده اختيار فقد عرفت دلالة روايات أربع على ثبوت الولاية للفقيه، والظاهر أن مقتضى كل واحدة من هذه الروايات أن العزم في كل من الأمور المرتبطة ببلاد الإسلام وبالأمة موكول إلى الولي الفقيه، أعني بها الأمور الاجتماعية التي للأمة وبلدهم، وإلا فكل أحد من الأمة قد ثبت له في الشريعة الحقّة في أموره الشخصية والأمور المرتبطة به وبآخرين حقوق وأحكام لابد له من الأخذ بها والالتفات إليها، فجميع الأمور الاجتماعية موكولة إلى الولي الفقيه، فهو المحق والموظف بأخذ التصميم المناسب فيها، ليس لأحد غيره فيها اختيار، بل على غيره وجوب الطاعة له.

 

وبيان دلالتها: أن أمير المؤمنين (عَليهِ السَّلام) في ذيل الخطبة الشقشقية قد علّل قيامه بقبول تولّي أمور الأمة بعد حضور الناس بالمقدار اللازم لإطاعته بقوله (عَليهِ السَّلام): «وما أخذ الله على العلماء أن لا يقارّوا على كظة ظالم ولا سغب مظلوم...» فهذه العلة أوجبت له قبول ولاية أمر الأمة، وبما أن الموضوع الوارد في هذه العلة هو عنوان العلماء فلا محالة توجب على جميع العلماء أيضاً عند اجتماع الشرائط قبول ولاية أمر الأمة، وحينئذ فكما تقتضي ولاية أمره كسائر المعصومين سعتها بالنسبة إلى جميع الأمور الاجتماعية المرتبطة بأمة الإسلام فهكذا الأمر في اقتضاء ولاية غيرهم من العلماء. وبعبارة أخرى: إنّ معلول هذه العلة هي الولاية العامة الشاملة لجميع تلك الأمور، ولعمومها يثبت بعمومها للإمام المعصوم (عَليهِ السَّلام)، فهكذا المقال في ولاية الفقيه غير المعصوم حرفاً بحرف.

 

ونحوه الكلام في دلالة معتبرة علي بن أبي حمزة، فإن قول أبي الحسن الكاظم فيها «لأن المؤمنين الفقهاء حصون الإسلام كحصن سور المدينة لها»[1] يدلّ على أن الفقيه بحسب شرع الإسلام حصن للإسلام، والحصن يدفع كل شرّ يحتمل توجهه إلى البلد، ويدفع كل نقصٍ يحتمل توجهه إليه. وبما أن المضار المحتملة التوجه إلى الإسلام والمسلمين وهكذا النقائص اللازمة من عدم الالتفات إلى الطرق والأسباب الموجبة لمنافع كثيرة لابد من المنع عن توجّهها، فمقتضى كون الفقيه حصناً أن يدفع توجّه كلّ شرّ وأن يجلب كل خير بالتوجه إلى سببه، فلذلك كان مقتضى كونه حصناً جلب كل خير ودفع كل شر، وهو عبارة أخرى عن سعة اختياراته وسعة وظيفته، وهو المطلوب.

 

ومثلهما بل أوضح دلالة منهما قول أبي عبد الله سيد الشهداء (عَليهِ السَّلام) في خبر تحف العقول خطاباً للعلماء «وأنتم أعظم الناس مصيبةً لما غُلِبتم عليه من منازل العلماء لو كنتم تشعرون (لو يسعون ـ خ ل) ذلك بأنّ مجاري الأمور والأحكام على أيدي العلماء بالله، الأمناء على حلاله وحرامه، فأنتم المسلوبون تلك المنـزلة، وما سُلبتم ذلك إلاّ بتفرّقكم عن الحقّ واختلافكم في السنّة بعد البيّنة الواضحة، ولو صبرتم على الأذى وتحمّلتم المؤونة في ذات الله كانت أمور الله عليكم ترد وعنكم تصدر وإليكم ترجع، ولكنكم مكنتم الظلمة من منـزلتكم...»[2]. فإن الأمور المذكورة فيه شاملة لجميع الأمور الاجتماعية التي يكون مقتضى نظر العقلاء رجوعها إلى وليّ أمر الناس، وهي عامة لجميع الأمور. كما إنّ الظاهر أن المراد بالأحكام المعطوفة عليه هي الأحكام التي يحكم بها القضاة. وقوله (عَليهِ السَّلام) في الفقرة الأخيرة: «كانت أمور الله...» تأكيد لأصل مفاد الفقرة الأولى ولعمومها.

 

ومثل الخطبة الشقشقية قوله عجّل الله تعالى فرجه الشريف في توقيع إسحاق ابن يعقوب: «وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله عليكم (عليهم خ ل)»[3] وذلك أنه قد مرّت تمامية دلالته على ثبوت الولاية للفقيه بأنه (عَليهِ السَّلام) علّل وجوب الرجوع إلى الفقهاء بأنهم حجّته (عَليهِ السَّلام) على الناس، وحيث إنه (عَليهِ السَّلام) من وظائفه إعمال النظر في جميع الأمور المنتهية إلى نظر وليّ الأمر فالعلماء أيضاً حجة له (عَليهِ السَّلام) في هذا المعنى أيضاً، فهم أيضاً من وظائفهم إبداء الرأي في هذه الأمور، فإذا كانوا حجّة منه (عَليهِ السَّلام) على الناس فرأيهم المبرز في هذه  الأمور مثل رأي الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف حجّة على الناس. وهو عبارة أخرى عن سعة اختيارهم الولائي كما أن اختيار الإمام (عَليهِ السَّلام) أيضاً كان واسعاً.

 

فهذه الأخبار الأربعة كما تدل على أصل ثبوت الولاية للفقيه الجامع للشرائط فهكذا تدل على سعة ولايتهم بالنسبة إلى جميع الأمور الاجتماعية، وهو المطلوب. إلاّ أن دلالة رواية ابن أبي حمزة وخبر التحف بإطلاق أو عموم مدلولهما بخلاف ذيل الخطبة والتوقيع، فإن دلالتهما بعناية ثبوت هذه السعة لولاية المعصوم ودلالة الخبرين على ثبوت مثل ولايتهم للفقيه، فتكون ولاية الفقيه أيضاً تلك السعة. فهذه الأخبار الأربعة كل منها تام الدلالة على أن كلاً من الأمور الاجتماعية أمرها إلى الفقيه الذي يكون وليّ أمر الأمة، فهي بمنـزلة دليل واحد لتفويض جميع هذه الأمور إلى الوليّ الفقيه ولعدم جواز التعرّض لها لغير ولي الأمر ولو بالواسطة.

 

وأما خصوص تلك الموارد فلا بأس بالتعرض لها لكي يعلم أنه هل يدل دليل  خاص أيضاً ـ علاوة على هذا الدليل الواحد العام ـ على أن أخذ التصميم في كل منها مفوض إلى خصوص الولي الفقيه؟

 

فلنتعرض لعمدتها معترفين بأن كل الملاك لتفويض أمر كل مورد اجتماعي ان يكون من الأمور الاجتماعية التي ترجع فائدتها إلى الأمة وبأنه لا وجه لانحصارها في خصوص ما نذكرها. وقد عدّدنا منها أموراً اثني عشرة عند الكلام عن تفصيل الأمور التي أمرها موكول إلى الوليّ المعصوم (عَليهِ السَّلام) في ضمن فصول، ونتبعه هنا فنقول:

 

الفصل الأول

 

تشريع قوانين حكومية تحتاج إدارة البلاد إليها ووجوب إطاعة الناس لها

 

قد بيّنا هناك أن المقصود من هذه القوانين هو ما تحتاج إليه إدارة أمر الأمة في دوائرها المختلفة وفي ما يجعل على الناس من وظائف خاصة، كلزوم عرض كل شاب بلغ سنّاً خاصّاً نفسه على المسؤولين لأداء الخدمة العسكرية وما يجعل ملاكاً للدول التي يجوز الارتباط بها وما لا يجوز، وتشريعها موكول في زماننا إلى مجلس النواب في بلدان العالم والدليل على وكول أمر تقنينها إلى الولي الفقيه هو أنه مقتضى ثبوت حق إدارة أمر الأمة له، فإنه لا ريب في أن إدارة أمرهم محتاجة إلى تشريعها، فإيكال إدارة أمرهم إلى أحد لازمه القطعي إيكال تشريع هذه القوانين إليه، فإذا شرّعها بنفسه أو بعدة معينة ولو كانت هذه العدة نواب الناس في مجلس النواب ـ حسب ما يراه مصلحة ـ وأبلغها الناس أو خصوص الموظفين بالعمل بها فلا ينبغي الريب في وجوب إطاعة وليّ الأمر في هذه القوانين. وذلك لما مرّ غير مرة أن تحقق ولاية الأمر في الخارج لا يتصور إلاّ بفرض إطاعة ولي الأمر في ما يأمر به من الموارد أو ينهى عنه، فإلي الولي الفقيه تشريع هذه القوانين بنحو رآه مصلحة، وعلى الأمة وجوب إتباعها. وأنت بالتدبر في الدليل المزبور تصدق بأن دليل ثبوت حق تشريع هذه القوانين هو نفس الروايات المثبتة لولاية الفقيه ـ وهو الدليل العام الماضي ـ كما أن دليل وجوب اتّباعها أيضاً هو دليل واحد في جميع أوامر وليّ الأمر ونواهيه، وهو أنه لازم ثبوت ولايته وانه بدون هذا لا يعقل ـ بحكم العقل القطعي ـ ثبوت الولاية وفعليتها لأحد أصلاً.

 

وإن شئت اتضاحاً أكثر فراجع ما قدمناه في الفصل الأول هناك[4].

 

الفصل الثاني

 

في أن على الولي الفقيه المراقبة على أن تعمل الأمة بوظائفها وأن يهيئ مقدمات امتثالها لوظائفها الإلزامية وغيرها

 

قد استدللنا هناك بما حاصله: أن جميع وظائف الأمة سواء في ذلك ما شرعه الله تعالى وبينه النبي والأئمة (عليهم السَّلام) وما شرّعه ولي الأمر نفسه ـ مما قد مرّ بيانه في الفصل الأول ـ فجميع هذه الوظائف إنّما شرّعت لأن تصل أهدافها المباركة إلى الأمة، وحيث أن الفقيه الجامع للشرائط كالإمام المعصوم (عَليهِ السَّلام) وليّ من الله تعالى على الأمة ـ كما عرفت بيانه ذيل تقرير دلالة الأخبار الأربعة على ثبوت فعلية ولاية الأمر للفقيه ـ فالولاية على أحد لازمها وقوامها عرفاً بأن يكون وليّ الأمر مراقباً للمولّى عليه حتى يقع في المسير الذي فيه مصلحته، وبأن يهيئ أيضاً أرضية تحقق وقوعه في هذا المسير.

 

وقد ذكرنا هناك ملحقاً خلاصته: أن ولاية الأمر تقتضي أن يراقب وليّ الأمر بيت الله الحرام حتى لا يخلوا من الحاج، بحيث إذا خلا سنة ـ بحسب العادة ـ من حاجٌ وجب على وليّ الأمر إرسال طائفة إلى الحج ولو بصرف بيت المال فيه لئلا يخلو بيت الله الحرام من الحاجّ كما دلّت عليه أخبار خاصة أيضاً، وكل ذلك لأن أمر الدين والأمة مفوّض إلى وليّ الأمر، فعليه أن يراقب الدين لأن يتحقّق جميع ما أراد الله تعالى، وكل من الأمور المذكورة مصاديق للعمل بمقتضى الولاية. والأخبار الواردة في بعض الموارد إنّما هي من باب ذكر المصداق وشاهدة لتلك الكبرى الكلّية الواضحة.

 

وبالجملة: فالدليل لإثبات ما في هذا الفصل هو نفس ما جعلناه مقتضى أصل الولاية، وما ذكرناه هنا إنّما هو من صغريات تلك الكبرى، فتذكر.

 

وإن شئت اتضاحاً أكثر فراجع ما ذكرناه في الفصل الثاني هناك وفي ملحقه[5].

 

الفصل الثالث

 

في أن بيد الولي الفقيه إجراء الحدود والتعزيرات والقصاص والديات

 

قد مرّ الاستدلال هناك لثبوت هذا الحق لولي الأمر المعصوم (عَليهِ السَّلام) بوجهين:

 

حاصل أوّلهما: أن هذه الأمور أمور مرتبطة بكل الأمة علاوة على أن منافع إجرائها عائدة إلى المجتمع، ولذلك كان مقتضى ولاية أحد على الأمة أن يكون إجراؤها بيد وليّ أمرهم ـ كما هو المعمول في جميع الدول ـ وهذا الوجه كما ترى لا اختصاص له بالولي المعصوم (عَليهِ السَّلام) بل يثبت به هذا الحق لمن كان في الشرع وليّ أمر الأمة، فلا محالة يثبت هذا الحق للولي الفقيه الجامع للشرائط إذا تصدى إدارة أمر الناس وصار وليّ أمر لهم. وإن شئت اتّضاحاً أكثر فراجع ما ذكرناه هناك[6].

 

والوجه الثاني منهما: قيام أخبار معتبرة خاصّة دالّة عليه في كل من الموضوعات الأربعة، والتأمل في هذه الأخبار يعطي عدم اختصاص هذا الحق بالوليّ المعصوم (عَليهِ السَّلام) بل يثبت لكل من كان وليّ أمر الأمة شرعاً وإن كان من الفقهاء، مثلاً، ونحن نذكر هنا بعض من تلك الأخبار ونقول:

 

أما في الحدود:

 

فقد ورد عن الصادق (عَليهِ السَّلام) ـ على ما في صحيحة إسحاق بن غالب الواردة في مقام بيان أوصاف واختيارات الأئمة المعصومين (عليهم السَّلام) ـ أنه قال: رضي الله به إماماً لهم، استودعه سرّه... واسترعاه لدينه وانتدبه لعظيم أمره، وأحيا به مناهج سبيله وفرائضه وحدوده، فقام بالعدل عند تحير أهل الجهل، وتحيير أهل الجدل بالنور الساطع والشفاء النافع[7].

 

بيان دلالته: أن الإمام (عَليهِ السَّلام) فيه جهة علم بأحكام الشرع بيّنها للناس، وجهة ولاية أمر الأمة تكون بها أولى بالمؤمنين من أنفسهم، والمترتب على الجهة الأولى مجرّد تعليم الناس للأحكام الشرعية كما قاموا بالعمل بهذه الوظيفة بمقدار الإمكان، والمترتب على الجهة الثانية إقامة أحكام الله تعالى في الخارج وهي أثر ولايته الفعلية. ولا ينبغي الريب أن إحياء مناهج سبيل الله وإحياء فرائض الله والحدود الإلهية من الآثار والوظائف المترتبة على ولايته الفعلية، وحينئذ فإذا ثبتت هذه الولاية شرعاً لغيره كالفقيه الجامع للشرائط فلا محالة تترتب على ولايته أيضاً هذه الآثار، ويكون المطلوب منه أيضاً إحياء فرائض الله وحدوده، وهو المطلوب.

 

وورد في معتبر الحسين بن خالد عن أبي عبد الله (عَليهِ السَّلام) قال: سمعته يقول: الواجب على الإمام إذا نظر إلى رجل يزني أو يشرب الخمر أن يقيم الحدّ، ولا يحتاج إلى بينة مع نظره، لأنه أمين الله في خلقه، وإذا نظر إلى رجل يسرق أن يزبره وينهاه ويمضي ويدعه. قلت: كيف ذلك؟ قال: لأن الحقّ إذا كان لله فالواجب على الإمام إقامته، وإذا كان للناس فهو للناس[8].

 

وبيان دلالته: أن ثبوت هذا الحق للإمام واعتبار هذا الوجوب عليه إنّما هو بلحاظ كونه ولي أمر الأمة، فولايته على الأمة أوجبت ثبوت هذه المكانة والوظيفة له، فإذا فرض أن الفقيه مثلاً أيضا جعلت له هذه الولاية فهو أيضاً يجب عليه إقامة حق الله ـ اعني الحدود الإلهية المجعولة في الموارد المختلفة ـ وإذا كان هنا حدّ إلهي فيه حق للناس كحد القذف فحيث إن فيه حقّاً للناس فلابدّ من رعاية حقّهم، فإذا جاؤوا مريدين لإقامته فتكون حقّ الله حينئذٍ واجب الإقامة ويجب على وليّ الأمر إماماً كان أو غيره إقامته. فهذه المعتبرة أيضاً تامة الدلالة في إقامة الحدود.

 

ونحوهما أخبار أخر دلالتها أيضا واضحة بعد التوجه إلى النكتة التي نبّهنا عليها هنا، فراجع.

 

وأما التعزيرات:

 

فيدل على المطلوب صحيح حماد بن عثمان عن أبي عبد الله (عَليهِ السَّلام) قال: قلت له: كم التعزير؟ فقال: دون الحد، قال: قلت: دون ثمانين؟ قال: لا، ولكن دون الأربعين، فإنها حد المملوك، قلت: وكم ذاك؟ قال: على قدر ما يراه الوالي من ذنب الرجل وقوة بدنه[9].

 

فمصب الحديث هو مطلق التعزير، وقد علّق مقداره في آخره على قدر ما يراه الوالي، فيدل على أن إجراءه بيد الوالي. ولا ريب في أنّ الوالي هو من بيده إدارة أمور الأمة، بل شرط فيه أن تكون ولايته على جميع أمور الأمة وفي جميع البلاد أو في بعض البلاد، وبلا شرط أن يكون معصوماً أو غير معصوم، وإذا كان المفروض أن الفقيه الجامع للشرائط في زمن الغيبة وليّ أمر الأمة فلا ينبغي الريب في أنه الوالي، بل ومن ينصبه في بلدة أو مكان خاص فهو أيضاً والٍ يتعلق إجراء التعزير ومقداره بما يراه مصلحة من غير فرق بين أن يكون التعزير في نوع ضرب جلدة أو حبس أو غيرهما من أنواع التعزير.

 

ويدل على المطلوب أيضاً مثل صحيح الفضيل بن يسار الدالّ على وجوب تأديب وحبس جماعة اشتركوا في قتل رجل إذا تخير أولياء الدم قتل واحدٍ منهم قصاصاً حيث قال أبو جعفر (عَليهِ السَّلام) في حكم من بقي من هؤلاء الشركاء: «ثم الوالي بعد ما يلي أدبهم وحبسهم»[10].

 

فإنه أيضاً يمثل البيان الذي قدمناه يدلّ بوضوح على أن إجراء تأديبهم وتعيين نوعه بيد الوالي الذي ينطبق على الفقيه الجامع للشرائط أيضاً إلاّ أنه في خصوص تعزير المشتركين في قتل واحد ولا عموم له مع تسلّم أنه لا ينافي العموم المزبور أيضاً.

 

بل يدل على المطلوب أيضاً العموم الذي دل عليه صحيح إسحاق بن غالب ومعتبر الحسين بن خالد الماضيان.

 

بل ويدل عليه أيضاً بعض أخبار أخر مطلقة أو عامة، فراجع الفصل الثالث المزبور.

 

وأما القصاص:

 

فيمكن الاستدلال له بصحيح إسحاق بن غالب الماضي في الحدود، فإن قوله (عَليهِ السَّلام) في شأن الإمام: «رضي الله به إماماً... وأحيا به مناهج سبيله وفرائضه وحدوده...» يدلّ على أن الله تعالى فوّض إلى الإمام ـ بما أنه متولٍّ لأمور الأمة ـ إحياء جميع الأحكام والحدود، فيدل على أنّ من كان متولّياً لإدارة أمر الأمة في الشريعة يفوّض إليه ويطلب منه إحياء جميع الفرائض والحدود، التي لا ريب في أن القصاص منها. وهذا العموم لا ينافي اعتبار مطالبة وليّ أمر المقتول أيضاً، فإذا كان وليّ الأمر طالباً لقصاص قاتل مورّثه مثلاً فإحياء هذا الواجب مفوض إلى ولي أمر الأمة ومطلوب منه. ومنه تعرف إمكان الاستدلال للمطلوب بمعتبر الحسين بن خالد الماضي، بل ويقول أبي الحسن الرضا (عَليهِ السَّلام) في خبر عبد العزيز بن مسلم «بالإمام تمام الصلاة والزكاة والحج والجهاد، وتوفير الفيء والصدقات، وإمضاء الحدود والأحكام، ومنع الثغور والأطراف، الإمام يحل حلال الله ويحرّم حرام الله ويقيم حدود الله ويذبّ عن دين الله»[11].

 

بيان الاستدلال به: أن الإمام إذا تولى إدارة أمر الأمة فإجراء تمام الأحكام والقوانين الدينية ولا سيما الأمور الاجتماعية التي منها إجراء القصاص بل والحدود والتعزيرات والديات مفوّض إليه، فلا محالة إذا كان حكم الشرع قيام الفقيه الجامع للشرائط مقامه فهو أيضاً محكوم بحكم الإمام مفوّض إليه إجراء تلك الحقوق، وهو يحل حلال الله ويحرم حرامه. والإنصاف أن هذا المطلب مستفاد من أخبار كثيرة لا أرى حاجة إلى ذكر أزيد ممّا مر، وإن شئت اتضاحاً أكثر فراجع ما قدّمناه في الفصل الثالث المزبور تجد روايات أخر دالة على المطلوب بنحو العموم أو في موارد خاصة.

 

وأما الديات:

 

فيدل على كون إجراء حكمها موكولاً إلى الولي الفقيه علاوة على ما أشرنا إليه من دلالة صحيح إسحاق بن غالب وخبر عبد العزيز بن مسلم وغيرهما، فيدل عليه ما ورد في أن أمير المؤمنين (عَليهِ السَّلام) بمتن حديث كتاب الفرائض وهو كتاب مشتمل على بيان أنواع الديات، وقد روي لنا بسندٍ معتبر[12]، وفي أوله أن أمير المؤمنين (عَليهِ السَّلام) أفتى به وكان يأمر عمّاله بذلك. فأمره (عَليهِ السَّلام) لعمّاله بالعمل به دليلٌ على أن إجراء حكم الديات موكول إلى وليّ أمر الأمة، ولذلك كان يأمر عمّاله بإجرائه، فهو دليل على أنه إذا كان وليّ أمر الأمة الفقيه الجامع للشرائط فهو المأمور بإجرائه فيأمر بإجرائه في الموارد الخاصة بنفسه أو يجعل ولاةً وأشخاصاً صالحين للبلاد والقرى والأماكن المختلفة ويأمرهم بإجرائها في تلك الموارد فهذا الصحيح المعتبر أيضاً يدل على أن أمر إجراء حكم الديات بيد الولي الفقيه الجامع للشرائط وبيد عمّاله.

 

فالمتحصل من جميع ما مرّ: أن أمر إجراء الحدود والتعزيرات والقصاص والديات مفوّض إلى الولي الفقيه، ويعتبر فيها إذنه وأمره كما يعتبر إذن الولي المعصوم (عَليهِ السَّلام).

 

الفصل الرابع

 

في أن أمر القضاء بيد الولي الفقيه

 

1ـ يشهد له ـ مضافاً إلى ما مرّ من اقتضاء نفس ولاية أمر الأمة له ـ صحيحة سلمان بن خالد عن أبي عبد الله (عَليهِ السَّلام) قال: اتّقوا الحكومة، فإن الحكومة إنّما هي للإمام العالم بالقضاء العادل في المسلمين كنبي أو وصي نبي[13].

 

بيان دلالتها: أن الحكومة بمعنى إعلام النظر بين المتخالفين، فهي عبارة أخرى عن القضاء وقد حكم الإمام (عَليهِ السَّلام) باختصاصها بالإمام العالم بالقضاء العادل في المسلمين. وهذا العنوان ينطبق على الإمام المعصوم (عَليهِ السَّلام) بما أنه يتولى أمور الأمة ويعدل بينهم، وهو في معنى اختصاصها بالإمام بما أنه وليّ الأمر. وعليه، فإذا ثبتت ولاية أمر الأمة لفقيه عادل جامع لسائر الشرائط فلا محالة يختص القضاء بين الأمة به لأنه عالم بالقضاء عادل في المسلمين.

 

2ـ ويشهد له أيضاً أن أمير المؤمنين (عَليهِ السَّلام) إذا نصب مالكاً الأشتر وليّ أمر مصر وولاّه استصلاح أهلها وعمارة بلادها ـ كما في أول كتابه ـ فكتب إليه ما يجب عليه تولّيه في كتابه المبارك المعتبر السند المعروف فجعل من وظائفه في تولّيه ما يدل على أن أمر القضاء بين الناس من وظائف وحقوق المتولّي لإدارة أمورهم، ففيه ما نصّه: «ثم اختر للحكم بين الناس أفضل رعيّتك في نفسك ممن لا تضيق به الأمور، ولا تمحكه الخصوم، ولا يتمادى في الزلّة، ولا يحصر من الفيء إلى الحقّ إذا عرفه، ولا تشرف نفسه على طمع، ولا يكتفي بأدنى فهم دون أقصاه...»[14].

 

وبيان دلالته: أن جعل هذا الأمر من وظائف مالك وهو وليّ أمر الناس بمصر شاهدٌ على أن أمر القضاء وفصل الخصومات من اختيارات وليّ أمر الأمة وفوّضه إلى من ولاّه على خطة من بلاد المسلمين، فلا محالة إذا صارت ولاية الأمر إلى فقيهٍ جامع للشرائط كان بيده أمر القضاء طرّاً. ودلالته واضحة.

 

وإن شئت لدلالة الكتاب المبارك توضيحاً أكثر من ذلك فنقول: إن هذا الكتاب قد نصّ مراراً على أن مالكاً وليّ الأمر على مصر كسائر أولياء الأمور المعهودة عند الناس، فقد نصّ على أصل هذه الولاية بما في أول الكتاب من قوله: «هذا ما أمر به عبد الله علي أمير المؤمنين مالك بن حارث الأشتر في عهده إليه حين ولاّه مصر جباية خراجها وجهاد عدوها واستصلاح أهلها وعمارة بلادها» وهو نص في أن الأمير (عَليهِ السَّلام) نصبه وليّ أمر الناس بمصر وعدّ أصول مسؤولياته التي يدخل رعاية أمر القضاء بينهم في عبارة «استصلاح أهلها».

 

وقال أيضاً بعد أسطر: «ثم اعلم يا مالك أني قد وجّهتك إلى بلاد قد جرت عليها دول قبلك من عدلٍ وجور، وأنّ الناس ينظرون من أمورك في مثل ما كنت تنظر فيه من أمور الولاة قبلك ويقولون فيك ما كنت تقول فيهم، وإنما يستدل على الصالحين بما يجري الله فهم على ألسن عباده، فليكن أحب الذخائر إليك ذخيرة العمل الصالح... وأشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم واللطف بهم»[15].

 

وفيه دلالة واضحة على أن مالكاً أيضاً أحد الولاة مثل من كان قبله والياً على مصر وأهلها، وعلى أن هذه الجمل مقدمة لتبيين أن كل ما يذكر بعدها من الوظائف تكون وظيفة عليه بما أنه ولي أمر تلك البلاد وبما أن أهلها رعية له.

 

وقال (عَليهِ السَّلام) بعد أسطر: «فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحب وترضى أن يعطيك الله من عفوه وصفحه، فإنك فوقهم، ووالي الأمر عليك فوقك، والله فوق من ولاّك، وقد استكفاك أمرهم وابتلاك بهم»[16].

 

وهنا أيضاً صرّح بأن ولي أمر المسلمين جعل مالكاً وليّ أمر هؤلاء الرعية، وأن الله تعالى طلب من مالك كفاية أمر هذه الرعية وابتلاه بهم، وبالنتيجة يكون مالك وليّ أمرهم ومأموراً بكفاية جميع أمورهم.

 

لذلك أمره في بعض الجمل التالية في مقام التأكيد على أداء هذه الوظيفة بقوله (عَليهِ السَّلام): «وليكن أحب الأمور إليك أوسطها في الحق وأعمّها في العدل وأجمعها لرضا الرعية»[17]. فكفاية أمورهم بعد مراعاة الحق على حدّ الإمكان أن يكون ما


تعليقات الزوار
ارسال تعلیق