الدرس الثامن السبعون: الكلام عن حدود اختيارات الولي الفقيه ـ القسم الثاني

2011-10-25
0
283

الفصل الخامس

 

في أنّ أمر صلاة الجمعة بيد الولي الفقيه

 

المراد به أنه إذا أقيمت الحكومة الإسلامية بيد الولي الفقيه الجامع للشرائط فصحة صلاة الجمعة ومشروعيتها مشروعة بإقامة الولي الفقيه نفسه أو بإقامة من نصبه الولي الفقيه أو لما يعمّها أو إقامة من إذن له بإقامتها.

 

ومن الواضح أن أصل هذا البحث متفرع على أصل القول بمشروعية صلاة الجمعة زمن الغيبة في ما إذا أقيمت حكومة إسلامية.

 

وقد مر الاستدلال على اشتراطها بإقامة الولي المعصوم (عَليهِ السَّلام) أو إقامة من نصبه أو أذن له بإقامتها إذا كان تولّي أمور الأمة بولايته، وقلنا بقيام الإجماع عليه وبدلالة أخبار عديدة كثير منها معتبر السند عليه، وقد مرّ أن الإجماع محتمل المدرك بل مظنونه، فلا حجّة فيه إلاّ أن دلالة الأخبار تامة.

 

وهنا أيضاً نقول: يمكن الاستدلال بالأخبار الماضية أيضاً على اشتراط صحّتها بتولّي الولي الفقيه أو أمره أو إذنه، وذلك بوجهين:

 

أحدهما: بما قدمناه في الفصول السابقة من أن الظاهر الذي لا ريب فيه عرفاً أن اعتبار قيام الإمام بها أو من يأذن له الإمام في صحتها إنّما يكون لأجل أن إليه جميع أمور الأمة، وصلاة الجمعة التي تكون واحدة يجتمع فيه كل الناس في الدائرة المذكورة من هذه الأمور في صلاة الجمعة من الأمور التي يشترط بالإمام المعصوم (عَليهِ السَّلام) بما أنه ولي أمر الأمة، وولايته هي الموجبة لتفويض أمرها إليه وكونها من اختياراته ووظائفه، فإذا كان المفروض أنّ هذه الولاية بسعتها قد جعلت للفقيه الجامع للشرائط كان اللازم تفويض أمر صلاة الجمعة أيضاً إليه، فبهذا التقرير تدلّ الأخبار المذكورة على اشتراطها بإقامة الفقيه المذكور أو بإذنه.

 

الوجه الثاني: إنّ التعبير الواقع في بعض الأخبار المذكورة يقتضي هذا الاشتراط:

 

1ـ فقد جاء في معتبر الفضل بن شاذان ـ المروي في علل الشرائع ـ فإن قال (يعني السائل): فلم جعلت  الخطبة؟ قيل: لأنّ الجمعة مشهد عام فأراد أن يكون للإمام سبب إلى موعظتهم وترغيبهم في الطاعة وترهيبهم من المعصية وفعلهم وتوقيفهم على ما أرادوا من مصلحة دينهم ودنياهم ويخبرهم بما ورد عليهم من الآفات ومن الأحوال التي فيها المضرة والمنفعة ولا يكون الصائر في الصلاة منفصلاً، وليس بفاعل غيره ممن يؤم الناس في غير الجمعة. فإن قال: فلم جُعلت خطبتان؟ قيل: لأن تكون واحدة للثناء والتحميد والتقديس لله عز وجل، والأخرى للحوائج والاعذار والإنذار والدعاء ولما ورد أن يعلمهم من أمره ونهيه لما فيه الصلاح والفساد[1].

 

فكما ترى قد جعل الله تعالى أصل الخطبة في صلاة الجمعة لأن يكون للإمام الذي هو ولي أمر الأمة طريق إلى إبلاغ الناس ما فيه صلاحهم فيفعلوه وما فيه الفساد فيتركوه، ولأن يؤذنهم بأحوال البلاد الإسلامية وغيرها وبما فيها من المضرّة والمفسدة، وهو خاص بإمام الجمعة، ولا يفعله غيره من أئمة الجماعة في الصلوات الأخر اليومية، وقد جعل الخطبة الممحّضة فيه الخطبة الثانية على ما أفاده في جواب السؤال الثاني، فإذا كان الهدف الأصيل من الخطبتين وسيما الثانية منهما هذا الهدف فلا ريب في أنه إنّما يؤتى به بإقامته وليّ الأمر وإن كان غير معصوم أو بإقامة غيره ممن ينصبه لإقامتها، فلا محالة تكون إقامة أو إذن وليّ الأمر شرطاً في صحّة صلاة الجمعة.

 

2ـ وقد جاء أيضاً في نفس هذا الحديث ـ في مقام ذكر العلة لأصل جعل ولي الأمر ـ ما قد مرّ من قوله «فلم يجز في حكمة الحكيم أن يترك الخلق مما يعلم أنه لابدّ لهم منه ولا قوام لهم إلاّ به، فيقاتلون به عدوّهم ويقسمون به فيئهم ويقيمون به جمعتهم وجماعتهم ويمنع ظالمهم من مظلومهم»[2].

 

فترى أن الإمام أبا الحسن الرضا (عَليهِ السَّلام) عدّ إقامة الجمعة من الأمور التي إنما تقام بوليّ الأمر، وأنّه لابدّ للخلق في إقامة الجمعة من وليّ الأمر، فأصل الحاجة إلى وليّ الأمر لعلل موجبة له، منها أن إقامة الجمعة منوطة به، ومن المعلوم أن ما يناط به إقامة صلاة الجمعة كغيرها مما قد عدها هو مجرد وجود الولي لا لكونه معصوماً ومن آل الرسول (صلّى اللهُ علَيهِ وآلهِ وَسلّم)، وهذه الجهة متحققة في الفقيه الذي يصير وليّ أمر الأمة، فتكون إقامة الجمعة من وظائفه واختياراته.

 

فإن قلت: قد عطف «الجماعة» في الحديث على الجمعة، وكما أن صلاة الجماعة ليست مشروطة بإقامة وليّ الأمر أو أقامة من نصبه ولي الأمر لإقامتها أو أذن له فيها فهكذا صلاة الجمعة.

 

قلت: إنّ ظاهر الحديث هو الاشتراط والإناطة ورفع اليد عنه مورد بالدليل لا يوجب رفع اليد عنه في غيره، بل إنّ لزوم الأخذ في سائر الأمور المذكورة في الحديث مؤكدة لوجوب إرادة الاشتراط فيها أيضاً.

 

الفصل السادس

 

في أنّ أمر صلاة العيدين بيد الولي الفقيه

 

قد مرّ منّا عند البحث عن اختيارات الولي المعصوم أنّ ولاة أمر الأمة كانوا يصلّون صلاة العيدين (الفطر والأضحى) بأنفسهم للناس بجماعة وأن الصلاتين منوطتان بإمامة الإمام ومن اختياراته، وهنا نقول:

 

إنه يمكن الاستدلال بتلك الأخبار لعموم الأمر بالنسبة لما كان وليّ الأمر فقيهاً جامعاً للشرائط، وذلك تارةً بملاحظة أنّ الظاهر أنّ هذا الاشتراط والإناطة إنّما هو لمكان اقتضاء ولايته على الأمة له فلا محالة، حيث إنّ الولاية المزبورة ثابتة بعينها للفقيه الوليّ كانت الإناطة أيضاً ثابتة له، فلا تصحّ صلاة العيدين بعد تشكّل الدولة الإسلامية بولايته إلاّ بإمامته أو بإمامة من نصبه أو أذن له في إقامتها جماعة.

 

ويمكن الاستدلال له تارةً أخرى ببعض الأخبار التي استدللنا به هناك، فمن هذه الأخبار صحيحة عبد الله بن سنان أو خبر عبد الله بن ذبيان أو عبد الله بن دينار عن أبي جعفر (عَليهِ السَّلام) أنه قال: يا عبد الله ما من يوم عيدٍ للمسلمين أضحى ولا فطر إلاّ وهو يجّدد (يجدّد الله ـ التهذيب) لآل محمد (صلّى اللهُ علَيهِ وآلهِ وَسلّم) فيه حزن (حزناً ـ التهذيب»). قال: قلت: ولم؟ قال: لأنهم يرون حقّهم في يد غيرهم[3].

 

وجه الدلالة: أنّه لا يخفى أنّ سرّ هذا الحزن وتجدّده في العيدين إنّما هو إمامة الطواغيت للناس لصلاة العيدين، وبما أنّ هذه الإمامة كانت حقّاً لهم فلذا يتجدّد فيه حزنهم. فيدلّ الحديث على أنّ الإمامة لصلاة العيد أمرٌ مشروع بيد ولي أمر الأمة كائناً من كان، وذلك يتصدّاها خلفاء الجور. ففيه دلالة على أنّ أمر صلاة العيدين بيد الفقيه الذي تصدى إدارة أمر الأمة.

 

2ـ وقريبٌ منه ما عن سيد الساجدين (عَليهِ السَّلام) في الصحيفة السجادية من دعائه يوم الجمعة والأضحى بقوله: اللهمّ إنّ هذا المقام لخلفائك وأصفيائك ومواضع أمنائك في الدرجة الرفيعة التي اختصصتهم بها قد ابتزّوها وأنت المقدّر لذلك... حتى عاد صفوتك وخلفاؤك مغلولين مقهورين مبتزين يرون حكمك مبدّلاً وكتابك منبوذاً وفرائضك محرّفة عن جهات أشراعِك وسنن نبيك متروكة...[4].

 

والاستدلال به عين ما قدمنا ذيل الخبر السابق.

 

3ـ  وفي صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عَليهِ السَّلام) قال الناس لأمير المؤمنين (عَليهِ السَّلام): ألا تخلف رجلاً يصلي في العيدين؟ فقال: لا أُخالف السنة[5].

 

دلت الصحيحة على تأكّد إناطة إقامة صلاة العيدين بإمامة وليّ الأمر حتى كانت إقامتهما بإمامة غيره مخالفة للسنة ولم يفعلها الأمير (عَليهِ السَّلام).

 

والإنصاف أنّ هذا البيان المذكور ذيل الصحيحة يرجع إلى مغزى البيان العام الذي قدمناه أولاً، وبما أنّ سند الخبرين الأولين غير معلوم الاعتبار فالعمدة في إثبات الإناطة هنا هو الوجه الأول العامّ.

 

الفصل السابع

 

في أنّ الحكم بثبوت الهلال بيد الولي الفقيه

 

لا ريب في أنّ مقتضى الاستصحاب عدم دخول الشهر الآتي بل وبقاء الشهر السابق ما لم يتيقن بانقضائه وبدخول الشهر اللاحق، بل قدر مرّ أنّ المستفاد من الأدلة الخاصّة أيضاً أنّ الهلال لا يثبت إلاّ باليقين أو ما يقوم مقامه من الطرق المعتبرة، وحينئذ فمقتضى القواعد أنّ مجرّد حكم أحد بثبوته لا يُعتنى به في ثبوته ما لم يقم دليل خاص على الاعتناء به.

 

وقد مرّ أنّ الأدلة المعتبرة قامت على اعتبار حكم الولي المعصوم (عَليهِ السَّلام) بدخول الشهر في ثبوته ووجوب ترتيب آثار انقضاء الشهر السابق وآثار دخول الشهر اللاحق، فهل يلحق به الوليّ الفقيه أم لا؟ لا يبعد أن يقال باللحقوق، وذلك أنّ موضوع الأخبار الدالّة على اعتبار حكم المعصوم (عَليهِ السَّلام) هو عنوان الإمام، وقد مضى أنّ المراد به المعصوم (عَليهِ السَّلام) بما أنّه متولّ لإدارة أمر الأمة، ولذلك كان مآل مفاد هذه الأخبار أن حكم ولي أمر الأمة الذي يكون تولّيه بأمر الشارع وإعمالاً لما يطلبه فحكم هذا الوليّ طريق معتبر شرعاً لثبوت هلال الشهر الآتي ولانقضاء الشهر السابق، وبما أنّ الفقيه الذي تولى إدارة أمر الأمة مصداق لهذا الموضوع الكلي فكبرى اعتبار الحكم شامل له أيضاً، ويكون حكمه معتبراً لإثبات دخول الشهر.

 

فمن هذه الأخبار صحيحة محمد بن قيس عن أبي جعفر (عَليهِ السَّلام) قال: إذا شهد عند الإمام شاهدان على أنّهما رأيا الهلال منذ ثلاثين يوماً أمر الإمام بالإفطار في ذلك اليوم إذا كانا شهدا قبل زوال الشمس، فإن شهدا بعد زوال الشمس أمر الأمام بإفطار ذلك اليوم وأخّر الصلاة إلى الغد فصلّى بهم[6].

 

والصحيحة واضحة الدلالة على أنّ الموضوع فيها هو الإمام الذي يتصدى لإدارة أمر الأمة فيأمرهم بما يجب الأمر به ويباشر بنفسه إقامة صلاة العيد جماعة بهم، وحكم بأنه إذا ثبت لديه انقضاء الشهر السابق بشهادة عدلين أيضا بالنحو المذكور في الحديث يأمر الناس بإفطار ذلك اليوم وترتيب آثار دخول الشهر، بل ويأتي بصلاة عيد الفطر أيضا، فهذا الأثر يثبت للفقيه الذي يتولى إدارة أمر الأمة، ويكون ولي أمرهم شرعاً بالبيان الذي قدمناه.

 

ومثل هذه الصحيحة الأخبار المتعددة الأخرى الماضية، فراجع[7]. فإنّ صحيحة الحلبي وصحيحة شعيب مثل صحيحة محمد بن قيس بعينها، والأخبار الأربعة الأخر بناءً على تسلّم أصل دلالتها كما ليس ببعيد في مرسل رفاعة وصحيحة عيسى بن أبي منصور فإنّ دلالتها على أنّ اعتبار هذا الحكم إنّما هو لأنه حكم من يتصدى لولاية أمر الأمة واضحة، فراجعها متدبراً، والله العالم.

 

ثم إنّ المستفاد من هذه الأخبار إنّما هو اعتبار حكم من كان وليّ الأمة وأما غيره فهو داخل في ما اقتضته القواعد والأصول. وبالنتيجة: لا فرق في عدم اعتبار الحكم بين من كان فقيهاً مجتهداً ليس بولي أمر الأمة وبين سائر الناس، إذ القواعد والأصول تقتضي عدم اعتبار حكم كل أحد. وقد مرّ منّا عند البحث عن اختصاص أمر القضاء بالوليّ الفقيه أنه لا دليل على لحوق غيره من الفقهاء به، وقدمنا أيضا هذا الكلام لدى البحث عن اعتبار حكم الوي المعصوم (عَليهِ السَّلام) أيضاً، فتذكر.

 

الفصل الثامن

 

في أنّ بيد الولي الفقيه تأسيس الإدارات المختلفة

 

في البلاد التي تحت ولايته وغيرها

 

قد مرّ منّا ـ عند البحث عن ثبوت هذه الاختيارات للولي المعصوم (عَليهِ السَّلام) ـ بيان الحاجة إلى تأسيس هذه الإدارات، وأنها ربما تزداد يوماً فيوماًَ بتقدّم العلوم في العالم. وقلنا هناك: إنّ الدليل عليه من طريقين: من جهة اقتضاء نفس اعتبار الولاية للولي، ومن جهة دلالة فقرات عديدة من كتاب الأمير (عَليهِ السَّلام) إلى مالك الأشتر حين ولّاه مصر. وأنت بالتأمل تصدّق بتحقّق كلا الطريقين في ولاية الفقيه أيضاً، فإنّ الروايات الأربع السابقة تدلّ على ولاية الفقيه إذا تهيّأ لإدارة أمر الأمة، ولازم ثبوت الولاية له ثبوت اختيار تأسيس هذه الإدارات، كما أنّ المستفاد من مثل الكتاب المذكور وغيره أنّ ولاية أمر الأمة في الإسلام تكون بثبوت هذه الاختيارات، وأنّ ولاية الأمر معناها تحقّق هذه الاختيارات.

 

وبالجملة: فلا ينبغي الريب في ثبوت هذه الاختيارات في الشريعة الإسلامية لكل من له إدارة أمر الأمة، بلا فرق بين المعصوم والفقيه وغيره، فإنّ ثبوتها لازم قطعي بولاية الأمر، وتدلّ على ثبوتها نفس ولاية الأمر والأخبار المختلفة وليراجع إلى ما قدّمناه هناك في الفصل الثامن من الاختيارات[8].

 

الفصل التاسع

 

في أنّ بيد الولي الفقيه نصب مسؤولي الدولة

 

قد أشرنا في الفصل السابق إلى أن إدارة نـظام المجتمع الإسلامي محتاجة إلى تأسيس إدارات مختلفة في البلاد حسب ما تؤدي إليها الحاجة، وحينئذٍ فلا ريب في أنّ كل إدارة محتاجة إلى أشخاص يقوم كل بما يفوض إليه من العمل. فالمقصود هنا أنه كما أنّ بيد الولي الفقيه تأسيس تلك الإدارات بمقدار تقتضيه المصلحة فكذلك أيضاً بيده أيضاً نصب جميع العمال المحتاج إليهم في هذه الإدارات بل ونصب جميع من يفوّض إليه أمر من أمور الدولة الإسلامية.

 

وقد مرّ بيان ذلك عند عدّ اختيارات الولي المعصوم (عَليهِ السَّلام) مستوفىً، واستدللنا له بوجهين يأتي كلاهما هنا أيضاً. وذلك أن اللازم القطعي لولاية أمر أحدٍ على أمة أن يكون إليه وعليه جميع ما تحتاج عليه إدارة أمورهم. ومن الواضح المسلّم أنّ إدارة أمورهم المختلفة بحاجة إلى نصب عمّال صالحين وتفويض مقدار من الأمر إلى كل منهم كنصب رئيس ومرؤوس حسب ما تقتضيه المصالح، وإلاّ لما تحققّت إدارة أمورهم على ما يتبغى ولم يف وليّ أمرهم بما عليه. وحينئذٍ فالأخبار المتعدّدة الدالة على ثبوت ولاية أمر الأمة للفقيه القائم بذلك تقتضي ثبوت هذه الأخبار به، ووجوب تبعية الأمة لما رآه مصلحة، كما ذكرنا مثله في حقّ تأسيس الإدارات.

 

وهكذا المستفاد من مواضع عديدة من كتاب أمير المؤمنين (عَليهِ السَّلام) لمالك الأشتر حين ولاّه مصر أنّ بيده تعيين العمّال المختلفين من مسؤولي الجند وأعضائه والقضاة بين الناس وعمّاله جباية الخراج وكتّاب كتبه وسائر العمال المذكورين في الكتاب الشريف المذكور، وقد صرّح الكتاب بأنّ مالكاً ولي أمر أهل مصر، ولاّه به أمير المؤمنين الذي هو أيضاً وليّ أمر الأمة من الله تعالى. ولذلك يدّل بوضوح على ثبوت هذه الاختيارات وحقّ نصب العمال لوليّ أمر الأمة شرعاً، وأنّ هذا هو حقيقة الولاية الإسلامية، ففيها بيد وليّ أمر الأمة نصب مسؤولي الأعمال المختلفة في البلاد الإسلامية.

 

ومثل ما في هذا الكتاب ما في مواضع عديدة مذكورة في نهج البلاغة أنّه (عَليهِ السَّلام) حين تصديه لإدارة أمر الأمة بعد بيعة الناس له قد نصب عمالاً كثيرين في البلاد لأغراض مختلفة من أمراء البلاد وعمّال جباية الخراج والزكاة ومن أمراء الجيوش وغيرهم. فالمستفاد من جميع هذه الموارد ثبوت حقّ هذا النصب شرعاً في الولاية الإسلامية لولي الأمر، بل لا فرق أصلاً بين المعصوم وغيره قطعاً، بداهة أنه المفهوم عرفاً من هذه الموارد قطعاً، فلا محالة يثبت هذا الحق بعينه لكل من حقّت له الولاية على الأمة وإن كان فقيهاً جامعاً للشرائط أيضاً.

 

وإن شئت اتّضاحاً أكثر فراجع ما فصّلناه في ذاك الفصل[9].

 

الفصل العاشر

 

في أنّ بيد الولي الفقيه أمر الجهاد

 

قد مرّ منّا ـ عند البحث عن أنّ بيد الولي المعصوم (عَليهِ السَّلام) أمر الجهاد أنّ الجهاد ـ إما ابتدائي يهجم فيه جند الإسلام على بلاد الكفر لتوسعة سيطرة الإسلام على أهلها، وإما دفاعي يدافع فيه المسلمون عن هجوم الكفار على المسلمين، أو عن بغي من بغى على وليّ الأمر من رعيته لتسلم الأمة عن مضارّ هذا الهجوم وذاك البغي. وقد قلنا: إنّ أمر الجهاد مطلقاً بيد وليّ الأمر، ليس لغيره الإقدام حتى على الجهاد الدفاعي، إلاّ في مقام الضرورة بحيث لو لم يقدم على الدفاع لترتّب من الهجوم أو البغي على أنفس المسلمين أو أموالهم مثلاً ضرر قبل أن يطلع ولي الأمر ويرسل الجند، فحينئذٍ يجب على المسلمين أنفسهم الدفاع في عين أنه يجب عليهم أيضاً إطلاع الأمر إلى ولي الأمر ليقوم بإرسال الجند للدفاع أو بما يراه الأصلح.

 

فهنا نقول: إنّ هذا الحقّ الذي ذكرنا ثبوته للوليّ المعصوم (عَليهِ السَّلام) فهو بعينه ثابتٌ للوليّ الفقيه أيضاً بلا تفاوت أصلاً. وتوضيح الأمر أنّا قد نقلنا هناك أقوال جمع كثير من فقهائنا العظام في هذا الموضوع بعين عباراتهم.

 

1ـ وكان المستفاد من عبارة الشيخ (قدّس سرّه) في النهاية أن الجهاد الابتدائي لا يسوغ إلاّ بأمر الإمام الظاهر أو من نصبه، وأنّ قتال البغاة لا يجوز لأحد إلاّ بأمر الإمام، نعم الجهاد دفاعاً مع الكفار المهاجمين واجب على المسلمين دفاعاً عن حوزة الإسلام وعن المؤمنين. ومثله عبارة ابن إدريس في جهاد السرائر.

 

2ـ ومفاد عبارة مبسوط الشيخ اشتراط جواز الجهاد الابتدائي مع الكفار بأمر الإمام أو منصوبه. نعم الجهاد للدفاع مع الكفار المهاجمين الذين خيف منهم على الإسلام أو على قوم من المسلمين واجب بعنوان الدفاع لا بعنوان إدخالهم في الإسلام، ولم يتعرّض المبسوط لحكم جهاد البغاة بالمرّة.

 

3ـ وقد تعرّض في الكتاب الجهاد من الجمل والعقود لحكم الجهاد الابتدائي ولقتال البغاة وجعل جوازهما مشروطاً بأمر الإمام أو من نصبه.

 

4ـ وأفاد ابن البرّاج في كتاب الجهاد من المهذّب أن الجهاد الابتدائي لا يجوز إلاّ بأمر الإمام أو منصوبه بخلاف الجهاد الدفاعي مع الكفار المهاجمين فإنه جائز بعنوان الدفاع عن النفس والمال.

 

5ـ والمستفاد من عبارة ابن حمزة في جهاد الوسيلة أن الجهاد الابتدائي لا يجوز بغير الإمام العادل، وأمّا الدفاعي عن الإسلام أو عن أنفس المسلمين وأموالهم فهو واجب في زمان غيبة الإمام أيضاً.

 

6ـ ومفاد عبارة فقه القرآن للراوندي (المتوفى سنة 573هـ) أنّ شرط وجوب الجهاد ظهور الإمام العادل، إذ لا يسوغ الجهاد إلاّ بإذنه، وإنّ الداعي إلى قتال البغاة هو الإمام أو من يأمره.

 

7و8ـ والمستفاد من الشرائع والمختصر النافع عدم جواز الجهاد الابتدائي في زمان الغيبة، وأما الجهاد للدفاع عن حوزة الإسلام أو عن نفسه فهو جائز حتى مع الجائر وفي زمن غيبة الإمام أيضاً.

 

9ـ كما أنّ المستفاد من الجامع للشرائع ليحيى بن سعيد (المتوفى سنه 690ﻫ) أنّ جواز الجهاد الابتدائي مشروط بدعوى الإمام أو أميره.

 

وهؤلاء العلماء العظام قد أفتوا بما ذكرنا بلا دعوى إجماع أو لا خلاف أو شهرة على ما أفتوا به.

 

10ـ والعلامة في التذكرة نصّ على أنّ الجهاد الابتدائي لا يجوز إلاّ بإذن الإمام العادل أو من نصبه لذلك عند علمائنا أجمع. قال: لأنه أعرف بشرائط الدعاء... ولخبر بشير الدهّان. قال: وأما الجهاد الدفاعي عن هجوم الكفار فهو واجب كفائي على عدّة يندفع بدفاعهم المهاجمون. وقال: بأنّ قتال البغاة واجب على الإمام وللإمام أو منصوبه دعوة الناس إلى قتالهم.

 

فحاصل مفاد عبارته: اشتراط الجهاد الابتدائي وجهاد الباغين بإذن الإمام وأمره، مدّعياً لأنه في الجهاد الابتدائي قول علمائنا أجمع إلاّ أن الجهاد الدفاعي غير مشروط بذلك.

 

11ـ والمستفاد من عبارات قواعد العلامة اشتراط الأقسام الثلاثة للجهاد بحضور الإمام وأمره أو أمر نائبه. والمنقول عن منتهى المطلب للعلامة اشتراط الجهاد بإذن الإمام دون الدفاع عن أنفس المسلمين، فالدفاع مشروع حال الغيبة دون الجهاد.

 

12ـ ويستفاد من الشهيد في الدروس اشتراط جواز الجهاد الابتدائي كقتال البغاة بأمر الإمام أو منصوبه، بخلاف الدفاع عن الإسلام أو المسلمين فإنّه جائز، بل واجب حتى مع السلطان الجائر.

 

13ـ وفصّل الشهيد الثاني في المسالك بين الجهاد الابتدائي والدفاع من هجوم الكفار على بلاد المسلمين، فشرط في الابتدائي إذن الإمام أو منصوبه، وصرّح بعدم توقف الدفاع على إذن الإمام ولا حضوره.

 

14ـ وبعد هؤلاء العظماء قال صاحب الرياض في الجهاد الابتدائي: إنّما يجب الجهاد بالمعنى الأول على من استجمع الشروط المزبورة مع وجود الإمام العادل وهو المعصوم (عَليهِ السَّلام) أو من نصبه لذلك، أي النائب الخاص، وهو المنصوب للجهاد أو لما هو أعمّ، وأمّا العام كالفقيه فلا يجوز له ولا معه حال الغيبة بلا خلافٍ أعلمه كما في ظاهر المنتهى وصريح الغنية، إلاّ من أحمد ـ كما في الأوّل ـ وظاهرهما الإجماع، والنصوص به من طرقنا مستفيضة بل متواترة... قال: وعلى هذا الشرط فلا يجوز الجهاد مع الجائر إلاّ أن يُدهَم المسلمون من أيّ عدو يخشى منه على بيضة الإسلام، أي أصله ومجتمعه، فيجب حينئذٍ بغير إذن الإمام أو نائبه أو يكون بين قوم مشركين ويغشاهم عدوٌ فيجاهد حينئذٍ ويقصد الدفع عن الإسلام وعن نفسه في الحالين... ولا يخفى أنّ هذا الاستثناء منقطع، إذ الجهاد الذي يعتبر فيه إذن الإمام وسائر الشروط إنّما هو الجهاد بالمعنى الأول دون غيره اتّفاقاً، والجهاد بعد الاستثناء غيره، ولذا قال في الشرائع بعده: «ولا يكون جهاداً...» انتهى نقل ما في الرياض.

 

أقول: هذه كلمات عمدة العلماء من المتقدمين إلى المتأخرين قد اشترطوا جواز الجهاد الابتدائي بأمر الإمام أو منصوبه. وقد صرّح بعضهم كالعلامة في التذكرة والطباطبائي في الرياض بأن المراد من الإمام هو ا?


تعليقات الزوار
ارسال تعلیق