الدرس الثاني والثمانون: في أنّ الأموال التي بيد الولي المعصوم (ع) كلها بيد الولي الفقيه لقسم الرابع

2011-12-16
0
275

8ـ ومنها الأموال المنقولة التي تغتنم من الكفار ولم تكن مما حواه العسكر والأسراء الذين هم أيضاً كذلك

 

وقد مرّ عند البحث عن الأموال التي بيد ولي الأمر المعصوم (عَليهِ السَّلام) أن كليهما من الغنائم التي لعامة المسلمين، وقد تعرضنا هناك لأقوال الأصحاب وبينّا أن مقتضى الأخبار المعتبرة أن كليهما لعامة المسلمين، إلاّ أنه فات منا البحث عن أن مفاد الأدلة اختصاصهما بالولي المعصوم (عَليهِ السَّلام) أو كونهما بيد ولي أمر الأمة مطلقاً معصوماً كان أو غير معصوم، فاللازم هاهنا البحث عنه، فنقول:

 

إن هنا طائفتين من الروايات تدلان على أن كلا القسمين من هذه الغنائم تجعل بيد الولي المعصوم (عَليهِ السَّلام)، إلاّ أن إحداهما في خصوص الأسراء وثانيتهما عامة لكلا القسمين.

 

أما الطائفة الأولى:

 

1ـ فقد جاء في خبر الزهري عن علي بن الحسين (عَلَيهِما السَّلام) أنه قال: إذا أخذت أسيراً فعجز عن المشي ولم يكن معك محمل فأرسله ولا تقتله، فإنك لا تدري ما حكم الإمام فيه، وقال: الأسير إذا أسلم فقد حقن دمه وصار فيئاً[1].

 

وبيان دلالته: أنه (عَليهِ السَّلام) صرح بأن أمر الأسير مفوض إلى الإمام، وهو الذي يختار فيه ما يراه أصلح من جعله فيئاً للمسلمين أو المنّ عليه بالفداء الذي هو أيضاً يكون من غنائمهم.

 

2ـ وفي خبر مرسل أرسله عبد الله بن ميمون قال: أُتي علي (عَليهِ السَّلام) بأسير يوم صفين فبايعه، فقال علي (عَليهِ السَّلام): لا أقتلك إني أخاف الله رب العالمين، فخلّى سبيله وأعطاه سلبه الذي جاء به[2].

 

وهذا الأسير وإن كان من البغاة من المسلمين الذين خرجوا عن إطاعته ونكثوا البيعة ومنّ الأمير (عَليهِ السَّلام) عليهم إلاّ أنه مع كل ذلك يدل الخبر على أن أخذ التصميم على أمر الأسير كان مفوّضاً إلى الولي المعصوم (عَليهِ السَّلام).

 

3ـ وفي خبر آخر رواه الصدوق في علل الشرائع والشيخ في التهذيب والنعماني في الغيبة كلهم بإسناد معتبر عن الحسن بن هارون بياع الأنماط قال: كنت عند أبي عبد الله (عَليهِ السَّلام) جالساً، فسأله معلى بن خنيس أيسير الإمام (القائم ـ خ ل) بخلاف سيرة علي (عَليهِ السَّلام)؟ قال (عَليهِ السَّلام): نعم، وذلك أن علياً (عَليهِ السَّلام) سار بالمنّ والكفّ لأنه علم أن شيعته سيُظهر عليهم، وأن القائم (عَليهِ السَّلام) إذا قام سار فيهم بالسيف والسبي لأنه يعلم أن شيعته لن يُظهر عليهم من بعده أبداً[3].

 

ودلالته أيضاً على أن أمر أسير الحرب مطلقاً بيد الولي المعصوم (عَليهِ السَّلام) المنطبق على أمير المؤمنين أو الإمام القائم (عَليهِ السَّلام)، وأن إليه أخذ التصميم فيه واضحة، والأسير المذكور في الخبر مطلق يشمل من أسر بعد انقضاء الحرب وخارج المعركة أيضاً.

 

الطائفة الثانية: أخبار تدل على أن بيت مال المسلمين كان بيد الولي المعصوم (عَليهِ السَّلام) وبيان دلالة هذه الأخبار ان كلا القسمين من الغنائم اللذين هما موضوع كلامنا ـ أعني الأسراء والغنائم المأخوذة خارج معركة الحرب ـ من الأموال المنقولة التي للمسلمين، ولا ريب في أن بيت المال هي محل الأموال المنقولة لهم، فلا محالة كلا القسمين يعدّان من أموال بيت المال، فكون بيت المال بيد الولي المعصوم يؤول إلى أن كلا قسمي موضوع البحث تحت اختيار الولي المعصوم (عَليهِ السَّلام)، وأخبار هذه الطائفة متعددة.

 

1ـ فمنها ما عن التهذيب بإسناده عن حفص بن غياث قال: سمعت أبا عبد الله (عَليهِ السَّلام) يقول ـ وسئل عن «قسم» بيت المال فقال ـ: أهل الإسلام هم أبناء الإسلام أسوي بينهم في العطاء وفضائلهم بينهم وبين الله أجعلهم كبني رجل واحد، لا يفضل أحد منهم لفضله وصلاحه في الميراث على آخر ضعيف منقوص، قال: وهذا هو فعل رسول الله (صلّى اللهُ علَيهِ وآلهِ وَسلّم) في بدو أمره. وقد قال غيرنا: أقدمهم في العطاء بما قد فضّلهم الله بسوابقهم في الإسلام، إذا كانوا بالإسلام قد أصابوا ذلك فأنزلهم على مواريث ذوي الأرحام بعضهم أقرب من بعض وأوفر نصيباً لقربه من الميت وإنما ورثوا برحمهم، وكذلك كان عمر يفعله[4].

 

فقد جعل فعله في تقسيم بيت المال التسوية في العطاء بين المسلمين، ونصّ على أنها كانت فعل رسول الله في أول أمره الذي هو بناء وبيان لأساس الإسلام، فنسبة التسوية في تقسيم بيت المال إلى رسول الله (صلّى اللهُ علَيهِ وآلهِ وَسلّم) وأنها كانت فعله دليل على أن اللازم في الشريعة وسيرة النبي (صلّى اللهُ علَيهِ وآلهِ وَسلّم) هي التسوية، والواجب أن لا نخالف سيرته وإن قال غير الإمام بعدم لزوم رعاية التسوية وفعل عمر بن الخطاب غيرها. وعلى أي حال فيدل الحديث  على أن بيت المال وأخذ التصميم بالنسبة لكيفية عطاء أمواله بيد النبي والإمام المعصوم (عَليهِ السَّلام)، واحتمال عدم الخصوصية للعصمة وأن ملاك الحكم هو الولاية أمر لا نقدر على استظهاره من الحديث، بل المتيقن منه ما ذكرناه.

 

2ـ ومنها ما عن الكليني بإسناده عن رجل عن أبي مخنف الأزدي قال: أتى أمير المؤمنين (عَليهِ السَّلام) رهط من الشيعة فقالوا: يا أمير المؤمنين! لو أخرجت هذه الأموال ففرقتها في هؤلاء الرؤساء والأشراف وفضّلتهم علينا حتى إذا استوسقت (استوتقت، استقت ـ خ ل) الأمور عدت إلى أفضل ما عوّدك الله من القسم بالسوية والعدل في الرعية، فقال أمير المؤمنين (عَليهِ السَّلام): أتأمروني ويحكم أن أطلب النصر بالظلم والجور في من ولّيت عليه من أهل الإسلام؟ لا والله لا يكون ذلك ما سمر السمير[5] وما رأيت في السماء نجماً، والله لو كانت أموالهم مالي لساويت بينهم، فكيف وإنما هي أموالهم؟ قال: ثم أزم ساكناً طويلاً[6] ثم رفع رأسه فقال: من كان فيكم له مال فإيّاه والفساد. فإن إعطاءه في غير حقه تبذير وإسراف، وهو يرفع ذكر صاحبه في الناس ويضعه عند الله، ولم يضع امرؤ ماله في غير حقه وعند غير أهله إلاّ حرمه الله شكرهم وكان لغير ودّهم، فإن بقي معه منهم بقية ممن يظهر الشكر له ويريه النصح فإنما ذلك ملق منه وكذب، فإن زلّت بصاحبهم النعل ثم احتاج إلى معونتهم ومكافأتهم فألأم خليل وشر خدين[7]، ولم يضع امرؤ ماله في غير حقّه وعند غير أهله إلاّ لم يكن له من الحظ في ما أتي إلاّ محمدة اللئام وثناء الأشرار مادام عليه منعماً مفضلاً، ومقالة الجاهل: ما أجوده، وهو عند الله بخيل، فأي حظّ أبوَر وأخسر من هذا الحظ؟! وأي فائدة معروف أقل من هذا المعروف؟! فمن كان منكم له مال فليصل به القرابة وليحسن منه الضيافة وليفك به العاني والأسير وابن السبيل، فإن الفوز بهذه الخصال مكارم الدنيا وشرف الآخرة[8].

 

يدل الحديث على أن بيت مال المسلمين كان بيد أمير المؤمنين (عَليهِ السَّلام)، وأنه كان يعطيهم بالتسوية، ويؤكد على إعطائه بغير تسوية غير جائز وظلم على المسلمين، وقد زاد للامتناع عن الإعراض عن هذه التسوية وجهاً آخر هو أنه لا يوجب الوصول إلى ما يريده المعرض أصلاً.

 

3ـ ومنها ما رواه ابن إدريس في مستطرقات السرائر عن كتاب أبان بن تغلب أنه قال: حدثنا إسماعيل بن مهران قال: حدثني عبيد الله بن أبي الحرث الهمداني قال: جاء جماعة من قريش إلى أمير المؤمنين (عَليهِ السَّلام) فقالوا له: يا أمير المؤمنين لو فضلت الأشراف كان أجدر أن يناصحوك، قال: فغضب أمير المؤمنين (عَليهِ السَّلام) ثم قال: أتأمروني أن أطلب العدل بالجور في من وليت عليه؟ والله لا يكون ذلك ما سمر السمير وما رأيت في السماء نجماً، والله لو كان مالي دونهم لسويت بينهم، كيف وإنما هو مالهم؟ ثم قال: أيها الناس! ليس لواضع المعروف في غير أهله إلاّ محمدة اللئام وثناء الجهّال، فإن زلت بصاحبه النعل فشرّ خدين وشرّ خليل[9].

 

وهو في الدلالة مثل ما قدمنا عليه من الكافي، بل لعله هو باختصار كما هو المستفاد من الوسائل.

 

4ـ ومنها ما عن كتاب الغارات للشيخ أبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن سعيد ابن هلال عن شيخ لنا عن إبراهيم بن أبي يحيى المدني عن عبد الله بن أبي سليم عن أبي إسحاق الهمداني أن امرأتين أتتا علياً (عَليهِ السَّلام) عند القسمة، إحداهما من العرب والأخرى من الموالي، فأعطى كل واحدة خمسة وعشرين درهماً وكرّاً من الطعام فقالت العربية: يا أمير المؤمنين! إني امرأة من العرب وهذه امرأة من العجم! فقال علي (عَليهِ السَّلام): والله لا أجد لبني إسماعيل في هذا الفيء فضلاً على بني إسحاق[10].

 

ودلالته مثل سابقيه.

 

5ـ ومنها ما عن أمالي الطوسي بإسناده عن هلال بن مسلم الجحدري عن جده قال: شهدت علي بن أبي طالب (عَليهِ السَّلام) أتى بمالٍ عند المساء، فقال: أقسموا هذا المال، فقالوا: قد أمسينا يا أمير المؤمنين فأخّره إلى غد، فقال لهم: تتقبّلون أني أعيش إلى غد؟ وماذا بأيدينا؟ قال: فلا تؤخّروه حتى تقسموه، قال: فأتى بشمع فقسّموا ذلك المال من غنائمهم[11].

 

وهو أيضاً دالّ على أن بيت المال الذي فيه الغنائم كان بيده.

 

6ـ ومنها ما عن الغارات بإسناده عن مجمع أن علياً (عَليهِ السَّلام) كان يكنس بيت المال كل يوم جمعة ثم ينضحه بالمال ثم يصلى فيه ركعتين ثم يقول: تشهدان لي يوم القيامة[12].

 

ودلالته على أن بيت المال وأمواله كان بيده المباركة واضحة.

 

7ـ ومنها ما عن الغارات أيضاً بإسناده عن هارون بن مسلم البجلي عن أبيه قال: أعطى علي (عَليهِ السَّلام) الناس في عام واحد ثلاثة أعطية ثم قدم عليه خراج إصفهان فقال: يا أيها الناس! اغدوا فخذوا فوالله ما أنا لكم بخازن، ثم أمر ببيت المال فكنس ونضح وصلّى فيه ركعتين، ثم قال: يا دنيا غري غيري، ثم خرج فإذا هو بحبالٍ على باب المسجد، فقال (عَليهِ السَّلام): ما هذه الحبال؟ فقيل: جيء بها من أرض كسرى فقال: أقسموها بين المسلمين... الحديث[13].

 

ودلالته أيضاً على المطلوب واضحة.

 

ويوجد في الأخبار روايات أخر مثلها، فراجع[14].

 

فهذه روايات كثيرة مستفيضة متظافرة يطمأن بصدور مضمونها عن الإمام (عَليهِ السَّلام) وصدق مفادها فيجبر بها ضعف سند كثير منها. وتدل على أن أمر السراء والأموال المنقولة المأخوذة خارج معركة الحرب بعنوان الغنيمة كان بيد الإمام ولي الأمر المعصوم (عَليهِ السَّلام). ولا أقل من أنه لا دليل على جواز تصدي ولي الأمر لأمرها إذا كان غير معصوم كالولي الفقيه وعدول المؤمنين إذا صاروا ولي أمر الأمة.

 

إلاّ أن الحق أنه توجد هنا روايات معتبرة أخرى تدل على ثبوت هذا الحق بعينه لغير المعصوم أيضاً.

 

1ـ ففي خبر حماد بن عيسى المعتبر السند عن العبد الصالح (عَليهِ السَّلام) ما لفظه: والأرضون التي أخذت عنوة بخيل ورجال فهي موقوفة متروكة في يد من يعمره ويحييها ويقوم عليها على ما يصالحهم الوالي على قدر طاقتهم من الحق، النصف (أ) والثلث (أ) أو الثلثين، وعلى قدر ما يكون لهم صلاحاً ولا يضرّهم، فإذا أخرج منها ما أخرج بدأ فأخرج منه العشر من الجميع مما سقت السماء سيحاً[15] ونصف العشر مما سقي بالدوالي والنواضح، فأخذه الوالي فوجهه في الجهة التي وجهها الله على ثمانية أسهم: للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل، ثمانية أسهم، يقسم بينهم في مواضعهم بقدر ما يستغنون به في سنتهم بلا ضيق ولا تقتير، فإن فضل من ذلك شيء  ردّ إلى الوالي، وإن نقص من ذلك شيء ولم يكتفوا به كان على الوالي أن يمونهم من عنده بقدر سعتهم حتى يستغنوا، ويؤخذ بعد ما بقي من العشر فيقسم بين الوالي وبين شركائه الذين هم عمال الأرض وأكرتها، فيدفع إليهم انصباؤهم على ما صالحهم عليه، ويؤخذ الباقي فيكون بعد ذلك أرزاق أعوانه على دين الله وفي مصلحة ما ينويه من تقوية الإسلام وتقوية الدين في وجوه الجهاد وغير ذلك مما فيه مصلحة العامة، ليس لنفسه من ذلك قليل ولا كثير... الحديث[16].

 

بيان دلالته: أنه يدل بوضوح على أخذ زكاة المال من وظائف الوالي ولو يشترط فيه أزبد من أن يكون والياً ومعلوم أن المراد بالوالي من يراه الشرع والياً على الأمة من غير اشتراط كونه معصوماً. ويدل الحديث على أن الزكاة يصرفها الوالي في مصارفها المقررة، وعلى أنها إن زادت عما تحتاج إليه تلك المصارف ردّ الزائد إلى الوالي، كما إنها إن نقصت عن تأمين ما تحتاج إليه كان على الوالي سدّ هذه الحاجات بقدر استغنائها من عنده، ومن المعلوم أن ما عنده ليس إلاّ الأموال التي لعموم المسلمين جعلها الإسلام لسد هذه الحاجات والنوائب، فلا محالة يكون عند الوالي محل فيه هذه الوجوه. ولا ريب في أنه لا يراد بيت المال إلاّ هذا، فيدل الحديث على أن للوالي بيت المال وعلى أن صرف ما فيه من الأموال في مصارفه بيده.

 

ثم إن الجمل الأخيرة مما نقلناه الواردة في الخراج أيضاً دالّة على أن الخراج الذي من أموال عامّة المسلمين يجعل عند الوالي لأن يصرفه في ما فيه مصلحة العامة، وهو أيضاً بمعنى أن للوالي بيت مال لعامة المسلمين بيده وإليه صرفه في المصارف المقررة في الشريعة.

 

وبالجملة: فلا ينبغي الريب في دلالة الخبر على أن لولي الأمر بيت مال هو للمسلمين وهو موظف بجعل الأموال فيه وبإنفاقه في المصارف الشرعية، وحيث إن الأسراء والغنائم المنقولة التي ظفر بهما خارج المعركة من هذه الأموال فلا محالة يجعل نفسها أو أعواضها المنقولة في بيت المال ويكون أمر صرفها بيد ولي الأمر وإن كان ولي الأمر غير معصوم.

 

2ـ وفي العهد المبارك الذي كتبة أمير المؤمنين (عَليهِ السَّلام) لمالك الأشتر حين ولاه مصر مواضع متعددة تدلّ على أن أمر ما كان من أموال المسلمين عنده فأمره بيده فله ـ لا لغيره ـ وعليه أن ينفقها في الموارد المحتاجة إلى صرف النفقات فيها، فتدل على أن لولي الأمر بيت مال هو بيت مال المسلمين، بل في بعض موارده تصريح بأن له بيت مال، وعلى أن له وعليه إنفاق بيت المال في المواضع التي جعلت الأموال لأن تنفق فيها. وحيث إن الأسراء وهكذا الأموال المنقولة المأخوذة من الكفار خارج المعركة كلها أموال المسلمين فلا محالة أنها في بيت مال المسلمين ويكون أمرهما أيضاً كسائر ما في بيت المال بيد ولي أمرهم وإن كان مثل مالك الأشتر غير معصوم، وهو الذي نحن بصدده.

 

وتوضيح المقال في الاستناد بما في العهد المبارك يقتضي العناية فيه إلى أمرين:

 

أحدهما: أن ما فيه ليس اختياراً ولا وظيفة لشخص مالك ولا لخصوص من كان منصوباً للولاية من ناحية الولي المعصوم، بل هو اختيار ووظيفة لمن كان في شريعة الإسلام ولي أمر على الأمة من أي سبب تحققت له هذه الولاية، سواء كان معصوماً أم غير معصوم كي يدل العهد المبارك على أن هذه الاختيارات والوظائف ثابتة للفقيه الولي ولعدول المؤمنين أيضاً إذا صاروا أولياء أمر الأمة. وبعبارة أخرى، يدل العهد الشريف على أن ما فيه فإنما هو بيان لما ينبغي أن تكون كيفية تولّي أمر الأمة في الولاية والحكومة الإسلامية.

 

وثانيهما: أنه يدل في مواضع متعددة على أن من وظائف ولي أمر الأمة إنفاق ما في بيت المال في المصارف المحتاجة إلى صرف المال وإنفاقه فيها.

 

أما الأمر الأول فتدل عليه فقرات متعددة من العهد الشريف:

 

منها قوله (عَليهِ السَّلام) في أوائله وهو كملاك كلي لما ذكره في العهد المبارك وأن جميع ما فيه فهو وظيفة لكل من كان ولي الأمر، فقد كتب (عَليهِ السَّلام): ثم اعلم يا مالك أني قد وجهتك إلى بلاد قد جرت عليها دول قبلك من عدل وجور، وأن الناس ينظرون من أمورك في مثل ما كنت تنظر فيه من أمور الولاة قبلك، ويقولون فيك ما كنت تقول فيهم: وإنما يستدل على الصالحين بما يجري الله لهم على ألسن عباده، فليكن أحب الذخائر إليك ذخيرة العمل الصالح فاملك هواك وشح بنفسك عما لا يحل لك...[17].

 

فهو (عَليهِ السَّلام) صرح بأن مالكاً أيضاً كأحد الولاة الماضين، وأن عليه رعاية ما أوجب الله عليه حتى تكون ألسن عباده الله دليلاً على صلاحه. ومفاده الواضح أن هذا الطريق هو الطريق المطلوب للولاة الصالحين، وأن ما يجيء بعد ذلك في العهد المبارك إنّما هو بيان للأعمال اللازمة الرعاية فعلاً أو تركاً لكل من يكون ولي أمر على الناس، ليكون في المسير المطلوب عند الله، فما فيه فهو وظيفة أولياء الأمر وإن كانوا غير معصومين.

 

ومنها قوله (عَليهِ السَّلام) فيه: واعلم أنه ليس شيء بأدعى إلى حسن ظن راعٍ برعيته من إحسانه إليهم وتخفيفه المؤونات عليهم وترك استكراهه إياهم على ما ليس له قبلهم، فليكن منك في ذلك أمر يجتمع لك به حسن الظن برعيّتك، فإن حسن الظن يقطع عنك نصباً طويلاً، وإن أحق من حسن ظنك به لمن حسن بلاؤك عنده، وإن أحق من ساء ظنك به لمن ساء بلاؤك عنده[18].

 

وكلامه (عَليهِ السَّلام) دال بوضوح على أن ما يأمره به إنّما هو لأنه راع له رعية، والراعي لابد له من أن يكون بصدد تحصيل حسن ظن الرعية بالراعي، فالمأمور ذو عنوان عام يشمل الولاة كلهم.

 

ومنها أنه (عَليهِ السَّلام) ـ بعد تقسيمه للرعية إلى طبقات سبع يحتاج إلى جميعها ويرتبط صلاح كل منها بالآخرين وهي الجنود والكتاب والقضاة والعمال وأهل الجزية والتجار والطبقة السفلى، وبعد بيان ارتباط بعض منها ببعض ـ قال: وفي الله لكل سعة، ولكل على الوالي حق بقدر ما يصلحه، وليس يخرج الوالي من حقيقة ما ألزمه الله من ذلك إلاّ بالاهتمام والاستعانة بالله وتوطين نفسه على لزوم الحق والصبر عليه في ما خف عليه أو ثقل، فولّ من جنودك أنصحهم في نفسك لله ولرسوله ولإمامك...[19].

 

فهو (عَليهِ السَّلام) قد أفاد أن الرعية لا تخلو عن أن تكون إحدى هذه الطبقات المرتبط بعضها ببعض، المحتاج إليهم معيشة الرعية، وأن لجميعهم عند الله حق يسعه ويصلحه، ولكل على الوالي حق يقدر ما يصلحه، ولابد للوالي من الاهتمام بأداء حقهم مستعيناً بالله موطّناً نفسه عليه صابراً، فقد جعل أداء حقهم ـ وهم جميع أصناف الرعية ـ وظيفة على الوالي يجب عليه الاهتمام بأدائه، فمن له الحق هو الرعية بجميع أصنافها، ومن عليه وظيفة الأداء هو الوالي، وكلاهما عنوان عام شامل لكل رعية وكل والٍ من دون اعتبار أن يكون معصوماً أو منصوباً من قبل المعصوم، فلا محالة تكون هذه الوظيفة المهمة العامة وظيفة على الفقيه أيضاً إذا صار ولي أمر الأمة، وعلى عدول المؤمنين إذا صاروا أولياء أمر الناس.

 

ثم إن من عظيم المطلب أنه (عَليهِ السَّلام) بعد بيان هذه الأمور المهمة العظيمة العامة أخذ ببيان وظيفة الوالي بالنسبة لكل من هذه الطبقات السبع بفاء التفريع بقوله (عَليهِ السَّلام) «فولّ من جنودك أنصحهم في نفسك لله ولرسولك ولإمامك...». وبعد بيان وظيفة في الجنود تعرض لوظيفته في القضاة، وهكذا لسائر الطبقات جميعها. وفي هذا التفريع دلالة واضحة على أن القيام بكل من هذه الوظائف إنّما هو قيام بامتثال ما جعله الله تعالى على عهدة الولاة وأنه حق شرعي واجب على جميع الولاة حتى الولي الفقيه وعدول المؤمنين.

 

ومنها قوله (عَليهِ السَّلام) بعد الأمر بمراقبة عمران الأراضي الخراجية: فإن العمران محتمل ما حمّلته، وإنما يؤتى خراب الأرض من إعواز أهلها وإنما يعوز أهل لإشراف أنفس الولاة على الجمع، لسوء ظنهم بالبقاء وقلة انتفاعهم بالعبر[20].

 

فالأمر برعاية عمران الأراضي وإن كان متوجهاً إلى مالك إلاّ أن إعواز أهلها الموجب لخرابها جعل منشأه إشراف أنفس الولاة على الجمع، فمرجع الذيل إلى أنّ على الولاة أن لا يشرفوا على الجمع، فيدل على أن الموظف بهذه الوظيفة بل الوظائف هم الولاة وإن كانوا غير معصومين ولا منصوبين من المعصومين.

 

ومنها قوله (عَليهِ السَّلام) ـ بعد الأمر الأكيد برعاية حال الطبقة السفلى ـ: وكل فأعذر إلى الله في تأدية حقه إليه، وتعهد أهل اليتم وذوي الرقة في السن ممن لا حيلة له ولا ينصب للمسألة نفسه، وذلك على الولاة ثقيل، والحق كله ثقيل، وقد يخففه الله على أقوام طلبوا العافية فصبّروا أنفسهم ووثقوا بصدق موعود الله لهم[21].

 

فهو (عَليهِ السَّلام) بعد ذلك الأمر الأكيد عقّبه بقوله «وذلك على الولاة ثقيل» ويدل بوضوح على أن المأمور الحقيقي هم الولاة وإن كان ظاهر الخطاب متوجّهاً إلى مالك.

 

ومنها قوله (عَليهِ السَّلام) ـ بعد ذكر هذه الوظائف في عداد الوظائف الأخر العامة ـ: وأما بعد فلا تطوّلنّ احتجابك عن رعيتك، فإن احتجاب الولاة عن الرعية شعبة من الضيق وقلة علم بالأمور، والاحتجاب منهم يقطع عنهم علم ما احتجبوا دونه، فيصغر عندهم الكبير ويعظم الصغير، ويقبح الحسن ويحسن القبيح. ويشاب الحق بالباطل. وإنما الوالي بشرٌ لا يعرف ما توارى عنه الناس به من الأمور، وليست على الحق سمات تعرف بها ضروب الصدق من الكذب[22].

 

فقد علل أمره بعدم تطويل الاحتجاب بأن احتجاب الولاة عن الرعية يوجب مفاسد غير محتملة، ويوجب عدم عرفانه للحق فتترتب عليه المفاسد. والعلة كما ترى معممة للأمر إلى الولاة كلهم، فهذه الوظيفة كسائر الوظائف متوجهة إلى جميع الولاة، وهو المطلوب.

 

وقريب منه قوله (عَليهِ السَّلام) بعد تلك الفقرات قوله (عَليهِ السَّلام): ثم إن للوالي خاصة وباطنة فبهم استثار وتطاول وقلّة إنصاف في معاملة، فاحسم مادة أولئك بقطع أسباب تلك الأحوال...[23].

 

وإرادة العموم منه أيضاً واضحة.

 

فالمستفاد من هذه الموارد المتعددة أن المخاطب بالوظائف والآداب المذكورة ومن له هذه الاختيارات وإن كان مالكاً إلاّ أن المكلف أو المختار بالحقيقة من كان ولي الأمر الشامل للولي الفقيه أو عدول المؤمنين إذا صاروا أولياء أمر الأمة. ونؤكد على أن المراجع المتدبر يظفر بمواضع أخر من العهد المبارك أيضاً.

 

هذه خلاصة المقال بالنسبة للأمر الأول.

 

وأما الأمر الثاني ـ أعني المواضع الدالة على أن من وظائف واختيارات ولي الأمر إنفاق ما في بيت المال في المواضع المحتاجة إلى إنفاقه فيها ـ فهي أيضاً متعددة:

 

منها ما في صدر العهد المبارك وهو كالأس والكلمة الجامعة للموارد المزبورة من قوله (عَليهِ السَّلام): هذا ما أمر به عبد الله علي أمير المؤمنين مالك بن الحارث الأشتر في عهده إليه حين و


تعليقات الزوار
ارسال تعلیق