العمليات الاستشهادية دراسة في المشروعية الفقهية

2009-02-20
0
996

العمليات الاستشهادية

 

تمهيد:

 

ثمة من يسعى إلى إيجاد لبس تجاه العمليات الاستشهادية، وإحداث نوع اضطراب في التعاطي معها، وهي التي نشهد الكثير منها في هذا العصر ـ عصر تكالب المستكبرين على المستضعفين بكل ما أوتوا من قوة وضغط ـ وتطورت بشكل لافت في جبل عامل واستفيد منها بشكل فعال في فلسطين المحتلة التي امتحن بها المسلمون عامة والمؤمنون خاصة.

 

ولا يقتصر هذا المسعى على خصوص الذين لا يدينون بدين الإسلام، بل نتلمسه من قبل أفراد أو جماعات أو أنظمة تحسب نفسها على الإسلام وتدعي الإيمان به، وهذا بلا شك يعقد البحث إلى حد ما، ذلك أن الموقف السلبي من العمليات الاستشهادية لو اقتصر على غير المؤمنين أو غير المسلمين فإنه فاقد لقيمته من حين صدوره، ولذا لن يكون له أثر لا على المستوى العملي ولا الإيماني، بينما لو تدخلت عناصر تتزيى بزي الإسلام وأفتت مثلا بحرمة تلك العمليات فلا شك أن هذا سيحدث نوع تشويشاً في أذهان المجاهدين، إن لم نقل بإيجابه لإحباطهم أو إحباط من يتأثر بكلام أولئك المفتين. وربما لن يرتفع التشويش بمحض أن تصدر فتوى مقابلة بتجويز أو بإيجاب تلك العمليات؛ لأن الناس ترى هذا عالما وذاك عالماً، ولا يملك الكثير منهم القدرة على التمييز لتعلم من تتبع من العلماء.

 

ومن هنا كان من الضروري أن يعي الناس أي عالم يجوز لهم أن يتبعوه فيما يقول وأي عالم لا يجوز لهم إتباعه، وهذه ثقافة على المسلمين أن يكتسبوها، في كل شأن من شؤون حياتهم، وإلا فإنهم قد يقعون في مآزق جراء الخلافات والاختلافات في ساحات حساسة ومعقدة، فكيف إذا كان الأمر يمس حياة الإنسان وآخرته، ويمس أمرا لا مجال لتدارك أي خطأ فيه. وعندما ندعو الناس إلى ضرورة التمييز والتعرف على العالِم الأولى بالإتباع، فإننا نعني بذلك ضرورة تحديد قواعد هذا التمييز ومناطاته، وهذا لا يزال يشكل مشكلة في المجتمعات الإسلامية عموما؛ إذ تتحير في أمرها هل تتبع آراء المفتين المعينين في الحكومات، وهل إذا عُيّن شخص مفتيا في موقع رسمي يعتبر العمل برأيه مبرئا للذمة شرعا، أم أن تشخيص المفتي يحتاج إلى ضوابط أخرى؟

 

والحقيقة أن المجتمع الشيعي عموماً لا يعاني من تلك المشكلة؛ لأنه مجهز بالحصانة الكافية التي تدعوه للجوء إلى العالم الأصلح، والولي الفقيه في أمثال هذه الأمور، فلا طاعة إلا للولي فيما يمس شأناً إسلامياًَ عاماً.

 

ومسألة ولاية الفقيه ذات أثر حساس في هذا الموضوع؛ لأن من يملك أن يقول عن العمليات الاستشهادية أنها حرام أو واجبة أو جائزة هو هذا الولي؛ لأنه هو الذي يحدد متى تكون تلك العمليات استشهادية، ومتى لا تكون.

 

ويترتب على ما ذكرناه أن العمليات الاستشهادية ليست دائما كذلك بل تخضع لجملة من الشروط تجب مراعاتها لتأخذ وصفها الاستشهادي. وهذه إشارة نكتفي بها هنا في بداية البحث إذ لا نريد استعجال النتائج الآن.

 

 طرق مقاربة الموضوع:

 

إن البحث عن العمليات الاستشهادية لا ينحصر بطريقة محددة ومنهجية معينة، إذ يمكن البحث عنها من زاوية فقهية شرعية، كما يمكن البحث عنها من زاوية أخلاقية إنسانية عامة ومدى علاقتها بنظرة الإسلام إلى الحياة والموت، وحول الفرق بينها وبين الانتحار.

 

كما يمكن أن يبحث عنها من زاوية عسكرية، ومدى فعالية هذه الوسيلة في تحقيق النتيجة المطلوبة. كما أن البحث، قد اهتم به كثيرون منهم المسلمون ومنهم غير المسلمين، وطرحت آراء لعلماء النفس الذين تاهوا في تحديد دوافع من يقوم بتلك العمليات، وتحيرواً في محاولاتهم لإيجاد فارق بينها وبين الانتحار.

 

ومن يطلع على ما يكتبه بعض المحللين النفسانيين سيدرك حجم الخطأ الذي يرتكبونه وهم يحللون ويقررون. ربما يعود السبب في ذلك إلى أن المدارس المعتمدة في علم النفس عموماً تعيش في عالم مختلف تماماً عن روح من يخوض تلك العمليات. لذا فإنهم يغردون في ساحة منفصلة تماماً عن ساحتها وساحة أشخاصها، دون أن يعني هذا أن كل من يشتغل في هذا العلم على هذه الشاكلة، فإن البعض يسعى للاقتراب قدر الإمكان من تلك الساحة ليتعرف عليها وليكتشف جديدها وليحاول تطبيقها على ما يعرفه من نظريات في هذا المجال، إلا أن مشكلة علم النفس في نظرته لتلك المسائل أنه لا ينظر إلى الموضوع كحقيقة واقعية بل يعالجها كحقيقة في نظر الشخص نفسه، سواء كانت وهم، أم حقيقة، وهذا سيجرد ذلك العالم عن أي قدرة على التفاعل مع ذلك الحدث، وسيبقى في أحسن الأحوال في دائرة تفهم منطلقات ودوافع من يقوم بالعمليات، لكن لن يكون بإمكانه التفريق بين مسلم يقوم بعملية استشهادية في معركة جهادية وبين علماني أو غير متدين يقوم بعمل يشبه العمليات الاستشهادية.

 

 الحالة النفسية للشهيد: ويظن البعض أن من يقوم بتلك العمليات يعيش حالة خاصة فترة زمنية محددة، يغسل فيها دماغه، وينعزل عن مجتمعه، حالماً بالهدف الذي يسعى إليه، فيصير كمن نُوّم مغناطيسياً ليقوم بذلك العمل، وهو ظن ينطلق من عدم تعقل هذا المستوى من الجرأة مع وعي تام للحياة الدنيا، ومن عدم تعقل أهداف كبرى يمكن للإنسان إن يتجاوز لأجلها كل ما يظنه ذلك البعض هدف أكبر في الحياة الدنيا، في أضعف نظرة الحياة وعدم الإيمان بأي حياة أخرى وراءها.

 

وقد دلت التجارب والوقائع على أن الذين يقومون بالعمليات الاستشهادية لا ينعزلون عن مجتمعهم، ولا يعيشون أي نحو من أنحاء العزلة، بل يعيشون حياتهم الطبيعية مع أهلهم وأولادهم، ليس هناك من معزل ينعزلون فيه يتلقون فيه توجيهات، بل هم بأنفسهم اكتسبوا كمالات روحية دعتهم لخوض ذلك العمل، مع التفاتهم التام ووعيهم التفصيلي لما هم مقدمون عليه بكل اختيار؛ ولأنهم كذلك يلقون تشجيعا من بعض معارفهم أحيانا ومن أهلهم أحياناً أخرى.

 

ومن هن، نقرأ للإمام الخميني كلمات معبرة تحكي لغز الشهادة والعمليات الاستشهادية، فيقول: «ما أشد غفلة عبيد الدنيا الأغبياء الذين يبحثون عن معنى الشهادة في صحف الطبيعة، ويفتشون عن أوصافها في الأناشيد، والملاحم، والأشعار، ويجندون فن التخيل وكتاب التعقل لكشفها. هيهات وأنى لهم ذلك فلا حل لهذا اللغز إلا بالعشق»[1].

 

إن وجود هذا النوع من الأفراد، الذين يمتلكون روحا لا نظير لها في سموها، وقدرة[2]على العطاء لا يوازيها قدرة، واستعدادا لتضحية تفوق كل تضحية متصورة، يعكس حياة الأمة، ويعكس اختزانها لقدر كبير من مقومات الثبات والصبر ثم النصر؛ ولذا فإن من يقدم باختياره على سلوك هذا الدرب، قاصدا القربة إلى الله تعالى، والدفاع عن المستضعفين وبلاد المسلمين، سينال أجره، ولن يتأثر بالخلاف المزعوم حول مسألة العمليات الاستشهادية، فإن الفعل يحاسب صاحبه عليه على أساس ما نوى لا على أساس ما يقوله الآخرون. فإن باب الانقياد واستحقاق فاعله للثواب معروف لدى الأصوليين، وفي علم الكلام.

 

 فعالية هذا السلاح:

 

أشرنا فيما سبق إلى أن منهجية البحث عن العمليات مختلفة. وهنا نستعيد هذه الإشارة لنقول: إننا لن نبحث عنها من كل جوانبها، بل سيقتصر البحث على الجانب الفقهي الشرعي مع إطلالة مختصرة على الجانب الإنساني والأخلاقي. أما الجانب العسكري، فهذا أمر ميداني يُتْرك تشخيصه لأهل الاختصاص، لكننا وإن لم نكن خبراء في هذا المجال، فإن الوقائع دلت على فعاليته في تحقيق الأهداف، خاصة إذا ما رأينا أن أمريكا والجرثومة السرطانية المزروعة في أرضنا تخوضان أشرس المعارك للقضاء على تلك العمليات، فلو لم يكن لها أي فعالية لكان المناسب لهم أن يقبلوا باستمرارها أو على الأقل أن لا يعيروها أي اهتمام، فما هو سر هذا الحشد والإرهاب العالميين الذين يمارسان على هذه الفئة القليلة المستضعفة التي تحملت عبء الجهاد وخوض تلك العمليات؟ وما هو سر تهديد الدول استنادا إلى هذا الموضوع، ولماذا كل هذا الرعب الذي يعيشه العدو الصهيوني جراءها، ولا تزال تطالعنا الصحف والأخبار وتحليلات الصحافة العبرية بالشواهد تلو الشواهد على أن أخطر ما يواجهونه في فلسطين هو تلك العمليات؟ ألا يكشف كل ذلك عن مدى فعالية هذا السلاح، الذي وكما قال بعض قادتنا، سلاح لا يملك العدو معه أي قدرة على التحكم به، فقد عملوا طويلاً على أن يتجهزوا بكل أنواع الأسلحة الهجومية الممكنة، وجهزوا لكل سلاح هجومي سلاحاً دفاعياً مناسباً له، لكنهم يجدون أنفسهم عاجزين تماما عن إيجاد أي سلاح دفاعي مناسب في مقابل هذا السلاح الهجومي الفعال الذي تملكه تلك الفئة المستضعفة؛ ولذا لجأوا إلى التستر بالدين، وطلبوا من المتلبسين بزي الدين أن يخوضوا تلك المعركة عنهم ليفشلوا ذلك السلاح إذ اكتشفوا أن خير معطل له هو أن يعلن تحريمه في الإسلام، وقد استجاب لذلك قوم مكرهين وآخرون طائعين. ومن هن، دعت الضرورة إلى البحث الفقهي المعمق حول مشروعية تلك العمليات لنقف على المبررات الشرعية لذلك.

 

 مفهوم العمليات الاستشهادية:

 

العملية الاستشهادية هي عملية عسكرية يقوم بها مجاهد من المجاهدين لا يبالي أوقع الموت عليه أم وقع على الموت، وأعلى مراتبها عملية يعلم أنه سيقتل فيها لا محالة. هذا هو معنى تلك العمليات، وليس لها أي تفسير آخر، إلا أنها ذات مصاديق مختلفة، فقد يخوض المجاهد معركة في فئة قليلة تواجه فئة كبيرة، وتلك الفئة القليلة تعلم إجمالاً أن أفرادا منها سيقتلون، وقد يخوض المرء معركة في خندق من الخنادق أو لحراسة موقع من المواقع ثم يهاجمه عشرون شخص، فيخوض معركة معهم يعلم أنه سيقتل بعد أن يقتل منهم مقتلة، فهذه عملية استشهادية، وقد يزين نفسه بحزام من المتفجرات ويهاجم العدو، فيقتل منهم مقتلة عظيمة، وهو يعلم أنه سيقتل فهذه عملية استشهادية أيضا.

 

وبهذا المعنى تصبح العمليات الاستشهادية ذات عرض عريض يشمل كل معركة من المعارك التي يخوضها المسلمون، فلولا الروح الاستشهادية والاستعداد للاستشهاد في سبيل الله لم يكن ليشارك في أي معركة ما إلا مضطراً ومكرهاً، ولفر عندما تسنح له الفرصة للفرار.

 

 فإذا كان مفهوم العمليات الاستشهادية لا ينحصر بتلك الدائرة التي اعتاد الناس أن يلحظوها في مفهومها، يصير من نافلة القول إن العمليات الاستشهادية تعتبر فعلاً طبيعياً دائمياً لدى المسلمين في كل المعارك التي يقومون بها، بل هو طبيعي في كل جيوش العالم التي تعد جنودها لتقبل احتمال الموت، بل لخوض معارك حتى مع العلم بالموت، وهذا أمر ثابت لم يحد عنه أي جيش في العالم وإلا لم يكن ليخوض أي معركة. وأظهر مصداق تاريخي من مصاديق العمليات الاستشهادية في الإسلام، مبيت الإمام علي بن أبي طالب(ع) على فراش النبي، وإن لم تصل القضية إلى خاتمتها بسبب تراجع الأعداء، وواقعة كربلاء التي خاضها أبو عبد الله الإمام الحسين(ع) مع قلة من أنصاره وأهل بيته في مواجهة جيش جرار بلغ الألوف، فإذا لم تكن تلك الواقعة من العمليات الاستشهادية، فإننا سنعجز عن فهمها بشكل سليم.

 

من الواضح أن البحث عن العمليات هنا لا يتناول هذا العرض العريض، وإنما يتناول بعض مصاديقه، وهي: أن يفجر نفسه بالأعداء، فهل هناك فرق بينه وبين أي مجاهد يدخل في معركة يعلم أنه مقتول فيها إلا أن القتل يكون بيد العدو؟ وهل يؤثر هذا الفرق على الجانب الشرعي في القضية، هذا ما سنحاول الإجابة عليها فيما بعد.

 

 صعوبة البحث: ومن خلال السؤال عن هذا الفرق تظهر صعوبة البحث؛ ذلك أن المعروف تاريخياً أن العمليات الاستشهادية كانت كلها تنتهي بأن يقتل المسلم على يد العدو، ولم يكن يقتل المسلم نفسه، بل كان يحرم عليه ذلك، فلماذا صار الأمر مباحاً الآن، وهل هي إلا بدعة من البدع؟ وهذا التساؤل يندفع عند أدنى تأمل، فإن العمليات الاستشهادية، محل البحث هنا، ليست مجرد أن يقتل المرء نفسه بيده، بل هي أن يهاجم العدو بجسمه ويخوض معركة يقتل فيها وإن كان بيده.

 

ففرق كبير بين أن يقتل المرء بيد نفسه لا في معركة وبين أن يقتل في معركة وهجوم بجسده يؤدي إلى استشهاده، فهذا الفعل يصدق عليه انه هجوم ومعركة. وهذا فارق مهم بين الماضي والحاضر، إذ لم يكن يملك المسلمون الأوائل مثل هذه التقنية التي نملكها الآن، والتي تسمح بقتل أكبر عدد من العدو من خلال الهجوم بالجسد، فهل لو كانوا يملكون مثل هذه التقنية لكانوا يجتنبونها، وما هو الفرق بين أن يقاتل المرء، فيقتل عشرة أشخاص أو عشرين، الشخص تلو الآخر ثم ينهك، فيقتل في نهاية الأمر، وبين أن يهاجم بجسده، فيقتل عدداً من الأشخاص ثم يقتل.

 

سنبين فيما بعد أنه لو كانت الحرمة ثابتة بعنوان قتل النفس، فستكون محرمة على كل حال سواء كان ذلك بيده أم بيد غيره، ولو كانت جائزة في حال المعركة، فإنها جائزة على كل حال لا فرق بين أن يكون لفعل الشخص دخل في قتله، أو بين أن يكون القتل بيد العدو. ما ذكرناه يعني أنه لا خصوصية للوسيلة في الحكم، لا على مستوى التحريم، ولا على مستوى المشروعية.

 

 حرمة الانتحار في الإسلام:

 

تمت الإشارة سابقا إلى أن قتل المرء بيد نفسه انتحاراً محرم، وهذا الحكم متسالم عليه شرعاً بين علماء المسلمين كافة، بل يعرفه كل مسلم؛

 

لذا صار مستغنياً عن كل دليل، إلا أن الخلط الذي يحصل هنا أن تستخدم هذه الفكرة لتطبيقها على موضوع البحث، فيعتبرونها انتحاراً. ليس المهم هنا أن نحقق في معنى الانتحار؛ لأنه لم يرد في أي نص ديني جملة «الانتحار حرام» لنحتاج إلى مثل هذا التحقيق، كما لن يكون مؤثرا مفهوم الآخرين للانتحار، وإنما المهم هنا أن يقال: لو اُريد من الانتحار قتل النفس كيفما كان ولو في معركة، فهذا لا دليل على حرمته وإن كان المقصود منه الانتحار عن يأس من الحياة دون أن يكون هناك هدف مشروع يجوِّز ذلك القتل فهذا حرام بلا ريب.

 

وهكذا يتضح أن مآل البحث في الحرمة هنا إلى حرمة مقيدة بعدم وجود هدف مشروع يجوّز ذلك، وهذا يقتضي التساؤل عما إذا كان هناك هدف من هذا القبيل؟ من الطبيعي أن يكون الجواب بالإيجاب، فمن علم بتوقف إنقاذ حياة النبي(ص) على تعريض نفسه للموت، يكون من الباذلين أنفسهم في سبيل الله. ومن علم بتوقف إنقاذ النبي على أن يقتل نفسه بيده يكون في عليين. ومن علم أنه إذا وقف في وجه دبابة، فإنه سيتمكن من تفجيرها وإنقاذ المئات من الناس من شره، فلا شك مأجور. ومن علم أنه إذا وقف في وجه سيارة تدهسه، فيموت من دون أن يكون له أي هدف إلا الموت، فقد ارتكب حراماً وإن كان القتل بفعل الغير. ومن شرب السم بنفسه لا لهدف إلا يأساً من الحياة، فقد ارتكب محرماً.

 

هذا كله يدل على أن مسألة حرمة قتل النفس ليست من المسائل البتية غير المعلقة على أي شرط، وليست من المسائل التي يجزم العقل بها من دون أن يلحظ أي أمر آخر، بل هو ينتظر رأي الشرع قبل أن يبت بالتحريم، لو كان التحريم هنا من مدركات العقل ومجالاته، وإنما يكون قتل النفس في نظر العقل ظلما إن لم يكن لهدف مشروع.

 

ولذا لم يكن من المستغرب أن تحترم كل المجتمعات الإنسانية كل قتل للنفس في سبيل هدف مشروع يجوز ذلك، فمن من تلك المجتمعات لا يقدس مقداماً يرى شخصاً بصدد إطلاق قنبلة على مجموعة من الناس، فينقض عليها وتنفجر به فيقتل! ومن منهم لا يعتبره مضحياً بنفسه من أجل الآخرين ورفع خطر الموت عنهم؟ ومن سيلتفت حينئذ إلى ما قد تقوله الفئة التي تنتمي، إلى الشخص الذي كان سيطلق القنبلة من نعوت بحق من ضحى بنفسه؟.

 

إذن ليس المهم تحقيق معنى الانتحار والاستغراق فيه، بل المهم بيان الضابطة الشرعية والمسوِّغ الشرعي الذي يوضِّح الحد الفاصل بين الموت المحرم، والموت المباح.

 

وإنما قلنا الضابطة الشرعية مع أن قدسية تلك العمليات تتجاوز المجتمعات الإسلامية، لأن ضوابط المشروعية قد تختلف بين مجتمع وآخر، إضافة إلى إننا مسلمون نأخذ شرعية أي عمل من ديننا لا من أي شي آخر.

 

أدلة قد يستدل بها على عدم مشروعية تلك العمليات:

 

 ومع أن ما ذكرناه في غاية الوضوح دينيا وعقلائياً، فإن هناك من وقع في الخلط الذي اشرنا إليه قبل قليل فتمسك بالعقل تارة، وبآيات وروايات تارة أخرى زاعماً أنها تدل على الحرمة، والجواب وان صار واضحاً عن ذلك لكن لا بأس بالنظر في تلك الأدلة، حتى نزيل أي شبهة قد تثار من هنا وهناك.

 

أما العقل؛ فقد تقدمت الإشارة إليه آنفا، وما قدمناه يبين بكل وضوح أنه لا يصح الاتكال في مبدأ التحريم على ما قد يقال له حكم العقل في المسألة، فيدعى أن العقل قاض بقبح قتل المرء نفسه، فإنها دعوى غير محقة؛ لأن العقل لا يملك مثل هذا الحكم على هذا المستوى. وبعبارة أخرى، فإن المتصور من حكم العقل هنا أن يكون بأحد الوجوه التالية:

 

1 ـ أن يحكم بقبح القتل مطلقاً من غير تقييد ولا تعليق على شيء، وهذا لا شك في عدم واقعيته؛ لأنه لو تم ذلك، وحيث إن أحكام العقل غير قابلة للتخصيص ـ كما هو المعروف بعلم الأصول، وليس هنا محل بيانه ـ مما يعني أن قتل النفس إن كان قبيحاً مطلق، فهو قبيح من غير فرق بين أن يكون القتل بيد نفسه أو بيد غيره، والنتيجة هي تعارض لا حل له بين العقل والشرع عندما يسوغ الشرع الجهاد وإن أدى إلى قتل النفس، فهل يمكن تعقل مثل هذا الأمر، بل هل يمكن الالتزام بأن العقل يرى ذلك القبح بشكل مطلق؟ وهل يرى العقل ضرورة الاستسلام لكل عدو حذراًَ من أن يقتل أي واحد منا، ونترك القتل فينا بيد عدونا من دون أي مقاومة ولا ردع، يهاجم أطفالنا ونساءنا، ويتفنن في القضاء علينا كلما سنحت له الفرصة، غير عابئ بردود فعلنا؛ لأنه على التقدير المشار إليه لن يكون لدينا أي رد فعل. إن حكم العقل بقبح قتل النفس، لو فرضنا ثبوته، فإنه لن يكون على النحو المذكور في هذا التصوير.

 

2 ـ أن يكون حكم العقل بالقبح هنا على نحو الاقتضاء، ويكون الحكم النهائي فيه معلقاً على ملاحظة ما إذا طرأ على الفعل عنوان يوجب حسنه، أو يزيل قبحه، مثل الكذب فالعقل يحكم بقبحه على سبيل الاقتضاء، لكن لو كان بهدف الإصلاح بين الناس، أو كان بهدف آخر مهم عقلائياً أو شرعاً، فإن القبح يرتفع ويصير الكذب أمراً حسناً بنظر العقل. وعلى هذا التقدير لا يكون دليل العقل هنا نهائياً قبل النظر في وجود العناوين التي تزيل القبح عن قتل النفس وتحوله إلى أمر حسن، وبهذا لن يكون البحث منصباً حول حكم العقل بل حول تلك العناوين، وهو ما سنبين وجودها في استكمالات البحث الآتية.

 

3 ـ أن يكون العقل على الحياد تماما في مسألة قتل النفس لا رأي له فيها على الإطلاق، والفرق بين هذا وسابقه، أنه على التقدير السابق يكون الانتحار قبيحاً فعلياً في نظر العقل بمجرد عدم وجود المسوغ، ولا ينتظر المنع الشرعي، بينما على التقدير الثالث لا يكون للانتحار أي موضوعية في نظر العقل، ولا حكم له بنظر العقل حتى مع عدم وجود المسوغ الشرعي، بل يكون حكم المورد شرعياً بحتاً، فإن أفتى الشرع بالتحريم تبعه العقل وإلا سكت. وتبعية العقل هنا للشرع إنما هي من باب حكمه بوجوب الالتزام بأحكام الشريعة والانقياد لطاعة المولى سبحانه وتعالى. وعلى هذا التقدير أيضا يفقد المانعون القدرة على الاستدلال بالعقل.

 

نخلص مما تقدم أن الاستدلال بحكم العقل متوقف على إثبات التصور الأول، وهو يكاد يكون من المستحيلات.

 

أما الآيات:

 

فنذكر نماذج منها:

 

1 ـ قوله تعالى {وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ}[3] وقوله تعالى {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا * وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيرًا}[4].

 

قيل إن هذه الآيات تدل على حرمة قتل كل نفس محترمة سواء كان القاتل قاتل نفسه، أم كان قاتل غيره، والعمليات الاستشهادية موضوع البحث من مصاديق قتل المرء نفسه.

 

وهذه الصيغة في بيان الاستدلال ضعيفة للغاية، فإننا لا نخالف في أن تلك العمليات من مصاديق إقدام المرء على قتل نفسه، والآيات لم تحرم ذلك بنحو مطلق؛ إذ الآية الأولى قالت: «إِلاَّ بِالْحَقِّ» والثانية ربطت حرمة ذلك بـ «وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا» وهذا تعبير آخر عن تعليق الحكم على عدم وجود هدف مشروع يجوّز ذلك، أو انه اعتداء وظلم، سواء كان الأمر متعلقاً بقتل النفس أم بقتل نفس أخرى، ما دام المستدل افترض أن الآيتين تشملان قتل النفس، أما متى يكون القتل بالحق، ومتى لا يكون كذلك، ومتى يكون عدوانا وظلما ومتى لا يكون كذلك، فالآيات لم تبين ذلك.

 

فيكون القول بأن العمليات الاستشهادية من قتل النفس المشمول لهذه الآية تعسفاً ومصادرة يتوقف على أن يكون قتل النفس فيها بغير حق وعدواناً وظلماً وهذا ما لم يثبته المستدل. ثم لو سلمنا أن الآيات بالإطلاق تثبت التحريم مطلقاً، فإنه معارض باطلاقات أخرى كما سنشير إلى ذلك عند الحديث عن أدلة المشروعية.

 

2 ـ قوله تعالى: {وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}[5]. وقد فسر البعض التهلكة بالموت، فكل إلقاء باليد إلى ما يؤدي إلى الموت محرم، وهذا هو حال العمليات الاستشهادية.

 

وجواب هذا واضح من جهات مختلفة:

 

أولاً: لم تقل الآية بخصوص حرمة إلقاء النفس في الموت بيد الشخص نفسه أو بيد آخر فلو كانت الآية تحرم كل إلقاء باليد فيما يؤدي إلى الموت فلن يكون هناك أي فرق بين أن يكون الموت بفعل النفس أم بفعل الغير. وعليه فمن يخوض معركة جهادية يعلم أنه سيقتل فيها بيد العدو يكون قد ألقى نفسه في التهلكة فيحرم، وهذا يعني أنه لو تم ما ذكروه في دلالة الآية، فلا خصوصية لقتل النفس باليد. ولا نظن أن مسلماً يسلم بهذا التحريم بهذه السعة من دون أي تقييد، وإن كان من قيد، فهو يشمل كلا الحالتين؛ لأن القيد لا يرتبط بالوسيلة بل بمورد القتل وهدفه.

 

ثانياً: إذا حرم ألقاء النفس بما يؤدي إلى الموت، حرم ذلك، سواء كان جازماً بأدائه إلى الموت أم كان ضاناً، ولذا يحرم على المرء أن يتناول دواء يحتمل احتمالاً معتداً به أنه يميته، أو أن يسلك طريقاً يحتمل احتمالاً معتداً به أن حيواناً سيفترسه، وسيكون من موارد التحريم حينئذ خوض الجهاد مطلقاً، ولازم الأخذ بذلك التفسير إبطال تشريع الجهاد والقتال حتى، وان كان دفاعاً عن النفس.

 

وهذا يدل على أن موضوع التهلكة أريد به معنى لا يتنافى مع مشروعية الجهاد والدفاع عن النفس، خاصة وأن الآية وردت في مورد الجهاد كما يمكن أن يلاحظ ذلك من أدنى مراجعة للقرآن الكريم، وهذا يعني أنه لو أريد من التهلكة الموت وجب أن لا يكون شاملاً للموت في الجهاد في سبيل الله، فإذا خرج إلقاء النفس فيما يؤدي إلى الموت في حالة الجهاد عن مورد الآية، فالخروج شامل لحالة مثل النفس في العمل الاستشهادي.

 

ثالثاً: إن التهلكة تارة يراد منها الهلاك الشخصي وأخرى الهلاك الاجتماعي، ثم إنه تارة يكون المقصود هو الموت وأخرى يراد الضيق الشديد والعذاب الأليم، كما أن التهلكة تارة يراد منها التهلكة الدنيوية وأخرى يراد بها التهلكة الأخروية، وقد استعملت التهلكة ومشتقاتها في كل هذه المعاني. فقد قال تعالى: {إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ}[6] والمراد به مات، وقال تعالى في قوم من الكفار أنهم قالوا: {وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ}[7] ومرادهم ما يميتنا، وقال تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ}[8]، والمراد أتعذبنا بما فعل المبطلون، بقرينة أنه كلامهم يوم القيامة. وقال تعالى: {وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا حَتَّى إِذَا ج


تعليقات الزوار
ارسال تعلیق