إستشهادية

2009-11-18
0
320

 مهداة لكل عذراء تزوحت شهيداً حياً.. فقاسمته الثواب، وكتبها الله في كتب الشهداء: إستشهادية.

 

مشهد -1 – لقاء

 

ابتسمَ والدي مرتبكاً، وقال إن عريساً طلب يدي.‏

 

ارتجف قلبي، وامتلأ خدّايَ احمراراً.. وخجلت. فدخلت غرفتي ودخلت معي كل أحلامي الكبيرة.‏

 

كنت أسترق السمع من خلف الباب دون أن أجرؤ على الخروج، فسمعته يقول لأمي إن عريسي هو جواد..‏

 

.. كما توقعت.. وتأملت!‏

 

فكانت فرحتي لا تحويها حدود.‏

 

كان يوماً رائعاً. فجواد كان يحمل الصفات التي دعوت الله أن تكون في زوجي. لذلك حين تعرفت إليه في إحدى نشاطات القرية تمنيت لو يكتب زوجاً لي. ولكني أبقيت أمنيتي هذه سراً بيني وبين عالِم الأسرار. ولم يعرف بها حتى جواد..‏

 

ولكني استطعت أن أقرأ يوماً في عينيه إعجاباً، سرعان ما أخفاه خلف تقطيبة جبينه المعهودة حين يكون بين الأخوات.‏

 

ومنذ ذلك الحين وأنا أحلم سراً بيوم يعود فيه والدي إلى بيتنا، ويخبرني أن جواداً طلب يدي، وقد حصل، لذلك أسميت هذا اليوم عيداً في دفتر مذكراتي.‏

 

مضت الأسابيع ثقيلة عليّ، فقد تأجل موعد زيارته لنا مرات عديدة بسبب انشغاله. ولكن اليوم الموعود سرعان ما أتى، وجاءنا زائراً. شعرت بارتباك شديد حين ناداني والدي، وكان اللقاء الأول الرسمي بيننا يكلله الخجل. استطعت أن أسترق نظرة إليه فرأيت التوتر قد أخذ منه بعضاً من انشراحه، ولكنه زاده هيبة محببة.‏

 

لم يمض زمن طويل حتى أعطيت موافقتي، ولكنه قبل تحديد موعدٍ لعقد القران طلب من والدي أن يجلس معي على انفراد. ظل صامتاً لدقائق. الشيء الذي خلق في قلبي مخاوف كثيرة، وملأت عقلي التساؤلات.‏

 

نظرت إليه بشيء من التردد، وقلت له:‏

 

«خيراً.. طمئن بالي بكلمة.. هل من مكروه..؟»‏

 

ابتسم بهدوء، وكان كأنه انتبه إلى أن صمته طال. وقال:‏

 

«قبل العقد، هناك أمر أحب أن أخبرك به»‏

 

كانت كل كلمة تخرج منه، تزيد من توتري وهواجسي.‏

 

«تفضل، أنا أسمعك»

 

صمت قليلاً.. ثم قال بعد هنيهة:‏

 

«تعرفين طبيعة عملي. لذلك ربما لن تعيشي معي كما كل البنات. ربما تشتاقين لحياة الرفاهية التي تعيشينها الآن، أو تملين من الواجبات التي قد تتعبك... وربما تواجهين واقعاً مريراً لكونك ستتحملين مسؤوليات كبيرة وحدك... أو... قد تستيقظين يوماً لتكوني أمام حقيقة مرة، أنك صرت.. أنك صرت وحيدة».‏

 

صمت.. وصمتّ..‏

 

«مذ رأيتك أول مرة، تمنيت أن تكوني زوجتي، ولأني أعزك كثيراً، لا أريد أن أظلمك...».‏

 

لم أجد نفسي إلا وأنا أقاطعه قائلة:‏

 

«من قال إنك تظلمني..؟».‏

 

وانتبهت إلى نفسي، فسكتّ خجلاً، ولكن نظراته كانت تشجعني على قول المزيد، كأنه كان ينتظر معارضتي لما يقوله، لأزيل كل هواجسه وأريحه.‏

 

«إن الله لم يكتب الجهاد عليكم فقط، فلا تحتكروه..».‏

 

وزادت وجنتاي احمراراً. وبقيت أفرك يدي بالأخرى... ثم استرقت النظر إليه، فرأيت ارتياحاً قد سكن وجهه، وابتسامة خفية غيرت كل جو المكان.‏

 

حدد هو ووالدي يوماً للعقد، بعد شهر، لأن أمامه رحلةَ مرابطةٍ بعد أيام.‏

 

كانت تلك الأيام دهراً..!‏

 

مشهد -2 – دموع‏

 

«أخبروها أن كل شيء انتهى..».‏

 

قال متأوهاً يصارع وجعين سكناه.‏

 

«أعطها فرصة لتقرر. ربما كنت تتوهم».‏

 

صمت إلا من الدموع. وقلبه المتفطر لا يدري ما يعمل.‏

 

«.. أتوهم... ليته وهم..».‏

 

لقد كان عقد القران مقرراً بعد أيام، لولا هذه الحادثة التي جعلته يقف مسؤولاً ويطلب منهم نسيان الأمر من أساسه. رافضاً أن تراه كي لا تضعف، ويضعف.‏

 

دخل الطبيب ونظر في عيني مريضه. كأنه كان يطلب منه ألا يضعف، فالذين مثله لا يليق بهم الإنحناء.‏

 

«ما رأيك دكتور...؟».‏

 

«قل لي يا جواد، ما الذي يجعلك هكذا؟».‏

 

«هل أنهي كل شيء بيننا، أم أعطيها وأعطي نفسي فرصة».‏

 

صمت الطبيب، لقد فهم ما يدور في خلد الشاب الذي أمامه. ترى أي عظمة تسكنه.. لا يبالي بصعود الجبال والمرابطة، وتكسر فؤاده نظرة انكسار قد يراها تعلو وجه خطيبته إن رأته، ويخاف من أن تكون تلك آخر نظرة يراها منها، وتختفي من حياته...‏

 

«ترى هل ستقبل بي هكذا، مقعداً..؟».‏

 

نظر الطبيب في عينيه وابتسم:‏

 

«وهل تقبل أنت أن تدمّر أمانيها دون أن تعطيها فرصة؟».‏

 

«ولكني أخاف...».‏

 

«لا أعتقد أنك اخترت امرأة من هذا النوع. أظنها مثلك.. مجاهدة».‏

 

غادر الطبيب الغرفة، وقد ملأها أملاً جديداً في قلب جواد، ذاك الشاب المقاوم..‏

 

والذي بات اليوم مشلولاً.‏

 

مشهد -3 - ابتسامة‏

 

مضى يوم ثقيل على إخبار الطبيب لي بما حصل له.‏

 

حينها رن الهاتف، فرأيت نفسي أركض نحوه بلا وعي. ظننته سيكون جواداً، عاد تائقاً للتذكير بموعد العقد. ولكني سمعت صوتاً غير صوته فخفّ اندفاعي. كان الطبيب يخاطبني. سأل من أكون، ثم أخبرني أن جواداً في المستشفى، وأنه يأمل مني الحضور لعيادته.‏

 

بقيت على أعصابي.‏

 

وبقي هو على أعصابه. وإخاله ظن أني ما عدت أريده، مع أن ذلك كان آخر ما فكرت به.‏

 

ولكني كنت أنتظر والدي الذي اضطر للسفر بعض يومٍ. انتظرته بفارغ صبري. وحين عاد ركضت نحوه وأخبرته، مخفية دمعات عيني.‏

 

ركبنا السيارة. طلبت من والدي أن يشتري ورداً ويحمله، وتوجهنا إلى المستشفى. كنت أتوق لرؤيته، ولكني كنت أخاف أن تخذلني دمعاتي فتنهمر غصباً عني أمام الجميع، وتحرجني.‏

 

دخلنا غرفته. كان قلبي قد امتلأ رجفة غريبة، وعيناي تهربان من لقاء لا تصف طبيعته الكلمات.‏

 

ورأيته...‏

 

كان جالساً على كرسي متحرك، ففهمت باقي فصول الحكاية التي ابتدأها الطبيب، وحين رأيت هروب نظراته وارتباك الأسئلة في عينيه، ابتسمت وقلت له بهدوء:‏

 

«كنت أعد الأيام لميعاد العقد، فهل كنت تعدها معي؟».‏

 

وكأنما أزالت كلماتي جبلاً من الهم، فابتسم وقال:‏

 

«لم أشأ أن أحتكر الثواب وحدي، هل تقبلين مشاركتي إياه؟».‏

 

صُبغت وجنتاي احمراراً كالعادة، فربّت والدي على كتفي مفتخراً بي.. وكأني سمعته قال: «بوركت أيتها الإستشهادية...».‏

 

 

 


تعليقات الزوار
ارسال تعلیق