بحوث في بيان ولاية الفقيه

2008-12-02
0
198

بما أنّ بعض المبادئ التصورية بقيت خفية، أو إنّ بعض المقدّمات التصديقية مطوية، لذا أصبح تصوّر معنى ولاية الفقيه ليس سهلاً أو ميسوراً، فيرجى من الباحثين في مباني ولاية الفقيه والناقدين المحترمين الإلتفات إلى ذلك.

 

الأوّل: إنّ تضارب الآراء أساس لولادة الرأي الصائب: «اضربوا بعض الرأي ببعض فإنّه يتولّد منه الصواب»(1)، فهو بدوره لقاح فكري، كما في التعبير اللطيف للشيخ البهائي قدس سره والظريف، حيث يقول: «السؤال مؤنث والجواب مذكر»(2)، وتجربة مراكز البحوث والتحقيق تؤيّد أن خصوبة برعم العلم في نور تلاقح النقد والرأي، فالموضوع العلمي لا يتبلور بمعزل عن تحليل الناقدين ومراجعة الباحثين، بل انّ انتاجه عن فكر بكر لإنسان منزوٍ ومن فكر واحد شيء نادر، كما أن ولادة عيسى عليه السلام من إنسان مبرّأ من النكاح ومنزّه عن الزوج شيء نادر ومعجزة. وعلى هذا فالتضارب العلمي، الذي هو سنّة حسنة لولادة جيل علمي جديد، يجب أن تحكمه بعض قوانين التناكح العامة والمهمّة، وهذه هي نفس تكافؤ الجواب والسؤال. أي إن أوج وحضيض الجواب يتناسب مع أوج وحضيض النقد والسؤال، فمع فقدان التكافؤ بين الإثنين لا يترتّب الأثر المطلوب على التضارب العلمي، فجميع الأجوبة المقدّمة لبيان مباني ولاية الفقيه لحدّ الآن تكافئ الأسئلة المطروحة، فالخفض والرفع في الأجوبة سببه انخفاض وارتفاع الأسئلة.

 

الثاني: بما أن العقل الخالص من مصادر الشرع الغنية والقوية، فهو يستنبط حسن وقبح الموضوعات الكلية استناداً إلى القضايا البيّنة أو المبيّنة، وهذا الأسلوب بنفسه اجتهاد مشروع، وفتوى هذا العقل حجّة شرعية وكلية، وبعد اجتهاد الخبراء تقيّم مصاديقه الخارجية، وتبحث بعد اندراجها تحت أحد عناوين الصلاح أو الفساد، وحينئذ يشخّص مدار تقواها أو شقائها، ثم ينطبق عليها حكم عقلي ضروري، كلّي، دائم وذاتي، ووزان هذا الإجتهاد العقلي وتطبيق الكلّي الثابت الدائم على الجزئي المتغيّر الزائل وزان الاجتهاد النقلي وانطباق حكم نقلي ثابت دائم على مصداق متغيّر وزائل، وسوف لا يكون أي فرق في هذه الجهة الاجتهادية بين العقل الخالص والنقل الخالص، أيّ إن كلاهما قانون كلّي ثابت ودائم، وسيكون انطباق الحكم الكلّي على المصداق الجزئي واندراجه تحت القانون الكلّي متغيّراً وتابعاً لتحقّق المصداق.

 

إذن لا يمكن أن نقول:

 

إنّ الأحكام الحكومية والولائية تصدر من دون الالتفات إلى الأحكام الشرعية، وحتى مع مخالفة هذه... لأن حكم العقل الخالص الذي ثبتت حجيّته في أصول الفقه، مشروع. ولأنه إمّا أن لا يكون حكم العقل على خلاف حكم النقل في هذا المورد، وإما أن يكون موجوداً، فعلى كليهما ستكون فتوى العقل هي تقديم الأهم على المهم من باب تزاحم المهم والأهم، وهذا الترجيح العقلي سيكون مورداً لتأييد النقل ـ أيضاً ـ.

 

الثالث: إذا كان العقل الخالص حجّة شرعية، وإدراك حُسن الشيء قد بلغ حدّ الإلزام، فإنّه سيكون سبباً لحكم العقل المذكور بالوجوب، مثل وجوب حفظ نظام شؤون المسلمين.

 

وإذا كان إدراك قبح شيء قد بلغ حدّ الفساد التام فإنّه سيكون سبباً لحكم العقل بحرمته مثل فوضى المجتمع الإسلامي، لأن هذا الشيء لا يختص بأي عصر أو مصر أو جيل، إضافة إلى أنه سيكون حكماً شرعياً من الأحكام الأولية، لا غير شرعي، وإذا اعتُبرت بعض الأحكام ثانوية، فثانويتها لا تمنع من شرعيتها أبداً، لأنّ معيار شرعية الحكم هي حجيّته الشرعية، فلا أولية الحكم شرط لشرعيّته ولا ثانويّته مانعة لشرعيّته.

 

إذن لا يمكن أن يقال: إنّ الأحكام الحكومية... تكتسب مشروعيتها من دون استناد إلى أي واحد من مصادر الشريعة... وعدم فصل الدين عن السياسة مثل القضية الجزئية التي تتناقض مع السالبة الكلية.. بل يجب أن يقال: إن لازم الحجية الشرعية للعقل الخالص هي تأييد هذه الأمور لعدم فصل السياسة عن الدين، لا بالعكس، لأنّ المصدر الأخير للأحكام الحكومية (بدون واسطة أو مع الواسطة) هو العقل الخالص، الذي يكون موطن حجيته المعقولة والمقبولة أصول الفقه لا الحكومة المؤقتة.

 

الرابع: الحكم الكلّي، الضروري، الدائم والذاتي غير مسؤول عن وجود أصل موضوعه الجزئي، ولا يتكفّل بثباته، ولا يضمن بقاءه، أي من الممكن أن يصدر حكم عقلي أو نقلي عن مصدره الخاص بشكل ثابت ودائم، وموضوعه لم يوجد لحد الآن، أو على فرض وجوده فهو منقرض ولم يبق منه سوى آثاره القديمة.

 

وعلى هذا، لا يكون ثبات ودوام الحكم العقلي أو النقلي سبباً لثبات ودوام الموضوع، ولا بالعكس، فلا يؤثر تغيّر وزوال الموضوع الخارجي على ثبات ودوام الحكم العقلي أو النقلي. وأحكام الحكمة العملية (يجب ولا يجب) في دائرة الفقه، الأخلاق، الحقوق، السياسة و... هي قضايا إنشائية لا إخبارية.

 

ومن أجل تقريبها إلى الذهن يمكن تشبيهها بأحكام الحكمة النظرية (كان أو لم يكن) في محور الفلسفة الطبيعية، الرياضيات والمنطق. فمثل هذه القضايا الحقيقية لا يؤثر بكليتها وثباتها واستمرارها وذاتيتها وجود وعدم، ثبات وتغيّر، استمرار وزوال مصاديقها الخارجية بأي شكل. والذي دعا إلى القول بأن العقل الخالص المتّصف بهذه الخصوصيات (أزلي الثبوت) هو الخلط بين الحكم والموضوع والمغالطة بين العنوان والمعنون وأخذ المصداق مكان الحكم.

 

الخامس: إذا قُبلت الحجية الشرعية للعقل الخالص ففتواه كفتوى الدليل النقلي حكم ديني، وبما أنها حكم ديني، فعلى وفاقها وخلافها العمليين ثواب وعقاب أخرويان. وبما أن الأحكام الحكومية تستند إلى العقل المعتبر الشرعي، لأن دليله شرعي، فمدلولها سيكون شرعياً أيضاً، ولذا لا يمكن أن يقال: إن هذا ادّعاء... ولم يذكر في أي مورد...

 

إن فتوى بَطل التاريخ والفقيه الكبير في تحريم الـ (تنباكو) قريبة من هذا المضمون: (اليوم استعمال التنباك بمنزلة الحرب مع إمام الزمان عجّل الله تعالى فرجه الشريف). فمخالفة الحكم الولائي يرافقه عقاب أخروي.

 

وبعد أن تمّ البرهان العقلي على وجود ثواب وعقاب للأحكام الحكومية يمكن أيضاً استنباط ترتّب الثواب والعقاب على امتثال ومخالفة الأحكام الحكومية من الدليل النقلي.

 

ففي العدد الثاني من مجلّة الحكومة الإسلامية (ص238 ـ 239) نقل عن الشيخ الأنصاري رحمه الله وآخرين: استناداً إلى مقبولة عمر بن حنظلة ومشهورة أبي خديجة، ومع العدول من لفظ (حَكَمَ) إلى عنوان (حاكم) يستفاد النفوذ الشرعي للأحكام الولائية للفقيه الجامع للشروط، ويستفاد من إطلاق حرمة الردّ (الرادّ عليه كالرادّ علينا) شمول الحرمة لجميع موارد ردّ الأحكام الولائية والقضائية، وإذا كان نقض الحكم القضائي أو الولائي للوالي الديني معصية ومستلزماً للعقاب حتى بالنسبة إلى الحاكم الشرعي نفسه ـ كما استفاد ذلك صاحب الجواهر رحمة الله عليه من إطلاق حرمة الردّ ـ فإذن سيكون الإبرام العملي لهذا الحكم طاعة وموجباً للثواب الأخرويّ.

 

السادس: وإن كان البحث حول أصل الثواب والعقاب، والنار والجنّة وكيفية وجودهما، وتحقّقها الفعلي والتقديري، والمسائل الأخرى المرتبطة بهما، بحثاً كلامياً ولا علاقة له بالفقه، والاعتقاد به أو إنكاره حر، لكن يطرح في هيكل النظام الديني عادة هذا الموضوع على المؤمنين وهو: ما هي الطرق التي يمكن استنباط حرمة الشيء منها؟

 

أولاً: إطلاق عنوان الحرمة مع عدم وجود قرينة صارفة على ارتكابه.

 

ثانياً: ورود صيغة النهي التحريمية منه من غير شاهد على التنزيه.

 

ثالثاً: التصريح بأن الشيء الفلاني معصية.

 

رابعاً: ورود الوعيد والتهديد بالعقاب الأخروي، تصريحاً أو ضمناً، على ارتكابه.

 

يستفيد العلماء المشهورون لتشخيص المعصية الكبيرة، التي يمنع ارتكابها تحقّق أصل العدالة أو زوالها، من التهديد أو الوعيد الصريح أو الضمني، لذا لا يمكن أن يقال: العقاب والثواب مسألة كلامية لا علاقة لها بالفقه...

 

لأن من الوعيد بالعقاب الأخروي والحكم الفقهي الفرعي يثبت في الفقه موضوعاً خاصّاً.

 

السابع: وإن كان جعل الاصطلاح غير ممتنع عقلاً ولا ممنوع نقلاً لكن استخدامه في الحوار الثقافي مشروط بالإعلان عنه مسبقاً، والذي جاء في المجامع الفقهية والنصوص العلمية (الفقه وأصول الفقه) أن الدليل العقلي قسيم بالنسبة إلى الدليل النقلي (الكتاب والسنّة)، ولم يكن مصطلحاً متداولاً بين المطلّعين على العلوم الحوزوية أن عنوان (الكتاب والسنّة) مقسم لكل مصدر ديني، الأعمّ من العقل والنقل، وإنّما يختص بالدليل النقلي.

 

إذن لا يمكن القول أن مقصودنا من الكتاب والسنّة كل مصدر ديني (أعم من العقل والنقل) ما لم يسبق الإعلام بذلك.

 

الثامن: المراد من العقل الخالص، الذي ثبتت حجيته في أصول الفقه، هو العقل الذي يكون استدلاله مصوناً من مبادئ القياس الأصولي والتمثيل المنطقي ومبرّأً من ضرر المغالطات المختلفة التي تظهر مع تدخّل الوهم أو الخيال، والأحكام الصادرة عن هذا العقل ـ الذي هو فعلية محضة من إحدى الجهات، ومن جهة أخرى قد لا يصل حدّ الفعلية ـ كلية، ثابتة ولا تتغيّر، لكن كما قلنا في المطلب الثاني إن الخلط بين الصغرى والكبرى واختلاط الحكم بالمصداق صار سبباً لاستبعاد ذلك. وتوضيحه، تارة يكون الحاكم في الحكم الكلّي هو العقل الخالص أو النقل المعتبر، المصان من التغير، وموضوعه عنوان مفهومي وجامع محفوظ من الزوال، ومصداق هذا الموضوع، الموجود في دائرة الطبيعة وواقع في وسط الحركات المختلفة، محكوم بالزوال والتغيّر ولا تلازم بين زوال المصداق وزوال أصل القانون الكلي والحكم الجامع، لكن المصداق المادي، وعلى أثر التحولات الخارجية، تارة يندرج تحت قانون كلّي معيّن وأخرى يندرج تحت حكم جامع، والذي يتغيّر على أثر تبدّل المصداق الخارجي هو انطباق الحكم الكلّي على المصداق المادي، لا أصل الحكم الكلّي والقانون الجامع، يعني المحسوس المتغيّر لا المعقول، والحسّ المتقلّب لا العقل. ومعلوم أن للعقل الخالص مراحل، أنزَلُها ما طُرح في الفلسفة المشائية بعنوان العقل المستفاد، الواقع بعد العقل بالفعل، الذي تظهر مرحلة كماله في فلسفة الإشراق، ثم في فلسفة الحكمة المتعالية، وتبيّن مرحلته النهائية في العرفان الذي يفوق الحكمة المتعالية ـ فضلاً عن الفلسفات الأخرى ـ. والغرض أن العقل الخالص الذي ثبتت حجيته لأجل الفقه والعلوم الأخرى المرتبطة بالحكمة العملية في أصول الفقه، هو غير العقل الخالص باصطلاح الفلاسفة والعرفاء، لأنّ هذه العنقاء المُغرب والمعرفة المتألقة لا تحصل للفقيه المتعارف والأصولي العادي، بل انه لا يدّعي صيد أي حكم وعارف.

 

التاسع: أن فن برهان المنطق مسؤول عن بيان مبادئ البرهان وشروط مقدّماتها ورابطة محمولها وموضوعها. ونلخص فيما يلي خصائص قضايا العقل الخالص في أربعة عناصر محورية لا ثلاثة:

 

1ـ الكلية. 2ـ الاستمرار. 3ـ الذاتية. 4ـ الضرورة (استحالة انفكاك المحمول عن الموضوع).

 

وبما أنّ روح النسخ في الأحكام الكلية التي تستند إلى الوحي أو العقل الخالص أزمانية بالتخصيص، وإن ذاك يرجع إلى تحوّل المصداق المتزمّن في زمان مخصوص، مثل المصداق المتمكّن في المكان الخاص، فلا محذور فيه. لكن ينبغي أن يلحظ ـ بعيداً عن القوانين الاعتبارية ـ التفاوت بين الحكمة العملية والحكمة النظرية في جميع البحوث. فمثلاً الذاتي في باب الحكمة العملية ليس كمعنى الذاتي في الحكمة النظرية أبداً، لا الذاتي في باب إيساغوجي، ولا الذاتي في باب البرهان، وربما ما جاء في فلسفة حقوق الإنسان مجرّد تشبيه بذاتي باب البرهان(3).

 

العاشر: العقل الخالص يعني المصان من المغالطات الصورية والمادية، ولا يعني البديهي، لذا من الممكن أن تكون فتواه نظرية ومعقدة لا بديهية وبسيطة، لأنه قد لا تكفي مجرّد الفتوى الكلية لتدبير نظام عيني، وربما يحتاج تطبيق هذه الفتوى الجامعة على المصاديق المختلفة، التي تكون أحياناً معقدة ونظرية إلى تأمّل عميق. ومن هنا فإن موقع مجلس تشخيص مصلحة النظام، الذي هو ليس مصدراً للفتوى وانّما هو مصدر لتشخيص الموضوع الصالح والمصداق المناسب أو الأهم متعيّن إذا لم يزاحمه موضوع خاص، وإذا كان له مزاحم فالفرق يكون بين الأهم، فإذا لم يزاحمه موضوع خاص فهو متعيّن، وإذا كان له مزاحم فالفرق بين الأهم والمهم واضح وسيكون معلوماً، حتى تحصل للفقيه الجامع لشرائط القيادة الذي بيده القرار النهائي برأي فقاهتي، فتوى أو حكماً.

 

ومن خلال هذا البيان تتضح نقطتان:

 

إحداهما: إنّ الحكم النهائي بيد الفقيه الجامع لشروط الفتوى والقيادة.

 

وثانيتهما: إنّ رسالة مجلس تشخيص المصلحة هي الخبرة المتخصّصة والملتزمة لتعيين المصداق الصالح أو الأصلح أو الأهم. وعلى هذا فهنا فرق كبير بينه وبين موضوع القياس، الاستحسان، المصالح المرسلة و... التي هي مصادر فتوى مجموعة من المسلمين، كما انه ليس من باب الاستناد إلى مطلق الظن لكي يبتني على الانسداد الباطل. ومنشأ هذه المغالطة، كغيرها من المغالطات السابقة، خلط بين الحكم والمصداق، والفتوى وموضوعها.

 

وعلى هذا، لا علاقة لأي واحد من الشواهد التاريخية والعينية، الماضية والحالية، بحجية العقل المحض وبأصل البحث، أي:

 

1ـ كلام الفخر الرازي حول مصادرة فدك.

 

2ـ الحكم الصادر من قبل بورقيبة حول جواز الإفطار في شهر رمضان.

 

3ـ السماح الوقح لبعض الدول الغربية لعمل يقول عنه القرآن الكريم: (ولوطاً إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين * إنّكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم مسرفون)(4).

 

وإسناد فتوى العقل الخالص إلى الإسلام، كالفتوى المستفادة من النقل المعتبر، لا محذور فيها، ولا تعتبر تقوّلاً وافتراءً، ولا تكون مشمولة بتهديد آية: (ولو تقوّل علينا بعض الأقاويل...)(5).

 

الحادي عشر: يمكن مشاهدة نموذج من ثبات الحكم وتغيّر المصداق من خلال أحداث المناظرة العلمية للإمام الجود عليه السلام مع يحيى بن أكثم، حيث تغيّر مصداق معيّن خارجي عشر مرّات خلال يوم ونصف اليوم، بشكل أتى بعشرة أحكام متنوّعة، وهذا عبارة عن حكم خاص استعرضه الإمام الجواد عليه السلام، وهو إن امرأة كانت محرّمة على رجل، وحينما طلعت الشمس صارت محللة عليه، ثم حرمت عليه عند العصر، وحين الغروب حلّت له، وعند منتصف الليل حرمت عليه، وفي صباح الغد حلّت له، وحين طلوع الشمس من الغد حرمت عليه، وفي منتصف نهار الغد حلّت له(6).

 

وهذه الأحكام العشرة المتنوّعة، والتي جميعها ناشئة بنحو القضية الحقيقية (طبقاً للتشبيه المعهود) من اللوح الإلهي المحفوظ، والمصانة من أي تغيّر، لا تتأثّر ولا تتغيّر أي واحدة منها أثر تبدّل المصداق وتحوّله. والمقصود أن حكم العقل الخالص، يشبه وحي الله الثابت (مع فرق كبير بينهما)، ثابت وكلّي، وثباته وكلّيته لا تتأثّران بالحوادث اليومية والحوادث الطبيعية والمادية المتنوّعة، لأنّ الأضرار لا تصل إلى ثبات ودوام وكلية الحكم النقلي.

 

الثاني عشر: إن الولاية التكوينية (العلّية الحقيقية في الحكمة، الظهور الحقيقي في العرفان) تختص ذاتاً بالله، والحصر في آية (فالله هو الولي)(7) والآيات الأخرى شاهد نقلي على ذلك.

 

والولاية على التشريع تختص ذاتاً بالله أيضاً، وآية (إنِ الحكم إلاّ لله)(8) والآيات القرآنية الأخرى شاهد نقلي على الحصر المذكور. ويتمتّع الأنبياء والأئمّة عليهم السلام الذين هم مظاهر الأسماء الحسنى، بمقام الولاية المحصّن، الذي يبدأ من قرب النوافل... كنت سمعه الذي يسمع به...، واستمراره بقرب الفرائض التي يأتي بها العبد فيصبح لسان المعبود، وينتهي في «سمع الله لمن حمده»؛ وتفصيل ذلك في كتب العرفان بالأخص مصباح الأنس لمحمّد بن حمزة الفناري في شرح مفتاح الغيب للقونوي(9). غير أنه لا نهاية لتلك المراتب. والنبوّة والرسالة وشؤون كمال الناس المتعالين مرهون بولايتهم التي هي حقيقة كمالهم. وكل نبي أو رسول لا بدّ أن يكون وليّاً لله، لكن ليس كل ولي هكذا.

 

الإمامة الحاكمة والمقدّمة على غيرها من الشؤون، من ألقاب الخلافة. والإمامة إمّا من دون واسطة، مثل جعل الإمامة لإبراهيم عليه السلام: (إنّي جاعلك للناس إماماً)(10)، أو مع الواسطة مثل استخلاف موسى عليه السلام لأخيه هارون: (اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين) (11). والإمامة من غير واسطة تارة مطلقة وعامة، وأُخرى مقيّد وخاصّة، والإمامة مع الواسطة تكون مقيّدة ومحدودة جزماً(12). والإمامة الخاصّة كالنبوّة الخاصة تستضيء من مصدر نوري واحد، لكن في نفس الوقت، يختص النبي صلَّى الله عليه وآله وسلّم بتلقّي الوحي التشريعي والرسالة التشريعية، والإمام عليه السلام من هذه الجهة خليفة ونائب للنبي صلَّى الله عليه وآله وسلّم. أما بخصوص أمير المؤمنين عليه السلام بالنسبة إلى الرسول الأكرم صلَّى الله عليه وآله وسلّم فليس آية (وأنفسنا وأنفسكم) (13) هي الشاهد النقلي الوحيد على المطلوب، بل يستنبط من مجموع بعض الآيات والروايات المعتبرة وحدة هاتين الذاتين المنزهتين، لأنّ الله تعالى يقول من جهة: (نزَلَ به الروحُ الأمين * على قلبِكَ لتكون من المنذرين) (14)، الذي يدلّ أن مهبط وحي الله هو قلب الرسول الأكرم. ومن جهة أُخرى يقول أمير المؤمنين عليه السلام: أرى نور الوحي والرسالة وأشمّ ريح النبوّة(15)، ومن جهة أخرى يقول الرسول الأكرم صلَّى الله عليه وآله وسلّم لعلي بن أبي طالب عليه السلام: إنّك تسمع ما أسمع وترى ما أرى إلاّ أنك لست بنبي ولكنّك لوزير وإنّك لعلى خير(16). أي إن ما أسمعه تسمعه أنت، وما أراه تراه أنت، وبما أن مهبط وحي الله هو قلب الرسول الأكرم صلَّى الله عليه وآله وسلّم فما بحسّه ويراه ويدركه باطني لا خارجي، حضوريّ لا حصوليّ، صواب وليس خطأ، حقٌّ وليس باطلاً.

 

الموضوع المتقدّم هو فهرسة لبعض كتب أهل المعرفة التي بعضها استنباطات تفسيرية من مجموع القرآن ونهج البلاغة أضيفت إلى ذلك.

 

وهذه الولاية والإمامة، التي هي أمر ملكوتي لا ملكي، وتكويني لا تشريعي، وحقيقي لا اعتباري، ومكان بحثها هو الحكمة النظرية لا الحكمة العملية، لم تجعل يوم غدير خم ولم تغصب في سقيفة بني ساعدة أبداً، لأنّ هذا المقام مقام ملكوتي غير قابل للنصب ولا الغصب. وأما الولاية والإمامة الملكية، بمعنى سياسة أمور المسلمين وتدبير بلادهم وإدارة شؤون المجتمع، التي هي من قضايا الحكمة العملية وأمر تشريعي لا تكويني، واعتباري لا حقيقي، قابل للجعل والغصب، وقد جعل في غدير خم وغُصب في سقيفة بني ساعدة.

 

والظاهر من هذه الولاية «الملكية» معنى ولاية أمور المسلمين، والظاهر من الإمامة «الناسوتية» معنى إمامة المجتمع الإسلامي والقيادة الدينية للأمّة المجعولة للإمام المعصوم في زمان حضوره وظهوره، ولنوّابه الخاصّين أو العامّين في زمان غيبته واختفائه، وهذا ما يمكن استنباطه من الشواهد المنقولة المختلفة:

 

1ـ بعد أن عاد الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام من حرب صفّين، وصف أوضاع الجاهلية وخصائص أهل بيت رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلّم، وأوصاف أقوام أخرى، فقد جاء في الخطبة الثانية من نهج البلاغة:

 

«... لا يقاس بآل محمّد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلّم ـ من هذه الأمّة أحد ولا يستوي بهم ... ولهم خصائص حقّ الولاية وفيهم الوصية والوراثة، الآن إذ رجع الحق إلى أهله ونقل إلى منتقله...» (17).

 

وواضح أن المراد من ولاية أهل البيت عليهم السلام في هذه الخطبة النورانية هو ولاية أمور المسلمين، لأن القرينة الحالية من جهة، وظهور السياق وصدر الخطبة من جهة أخرى، والتعبير بـ «حق الولاية» من جهة ثالثة، كل ذلك شاهد على صدق المدّعى، لأن الولاية التكوينية ليست من الحقوق المصطلحة، فإنها موقع التكوين المنيع، لا توصّى ولا تورّث، لذا فإن عناوين الحق والوصية والوراثة ناظرة إلى قضايا الحكمة العملية وإدارة وتدبير شؤون المسلمين.

 

2ـ قال أمير المؤمنين عليه السلام بعد البيعة، حينما واجه ما لم يتوقّعه من معارضة طلحة والزبير: «والله ما كانت لي في الخلافة رغبة ولا في الولاية إربة»(18).

 

يتّضح من خلال دراسة محتوى جميع الخطبة والتأمّل الكامل في النقطة التي ذكرها أنّ المراد من الخلافة ليس هو الموقع المنيع لخليفة الله، الذي هو محطّ رغبات الجميع الأعمّ من الملائكة وغيرها، وليس المراد من الولاية منزلة التكوين الرفيعة التي يطلبها السالكون الشهود دائماً، وإنّما المراد منها إدارة المجتمع الإسلامي ووالي المسلمين.

 

3ـ قال الإمام علي بن أبي طالب ـ عليه السلام ـ في معركة صفين: «فقد جعل الله سبحانه لي عليكم حقّاً بولاية أمركم ولكن عليَّ من الحق مثل الذي لي عليكم...» (19).

 

واضح أنّ المراد من الولاية في الخطبة المذكورة هو الإدارة ووالي المسلمين، لأنّه اعتبرها جزء من الحقوق، وفي مقابل ذلك أكّد حقّ الشعب، والولاية التكوينية وإن كانت حقيقية لكنّها ليست الحق المصطلح في الحكمة العملية.

 

4ـ كتب الإمام علي عليه السلام كتاباً إلى واليه في البحرين (عمرو بن أبي سلمة المخزومي) جاء فيه: «أما بعد فإنّي ولّيت نعمان بن عجلان الزرقي على البحرين... فلقد أحسنت الولاية وأديّت الأمانة...» (20). ففي هذا الكتاب عرض لولاية وحكومة غير المعصوم المنصوب من قبله.

 

5ـ اعتبر الإمام علي عليه السلام ـ بشكل صريح ـ سياسة وولاية الأمويين باطلة، وأنهم لم يعطوا الحق للعلويين، فقد جاء كتاب كتبه إلى معاوية: «... متى كنتم يا معاوية ساسة الرعية وولاة أمر الأمّة.. (21) وما أنت والفاضل والمفضول والسائس والمسوس..» .

 

لا شك أنّ المراد من السياسة والولاية في هذا الكتاب هو الحكومة وإدارة البلاد، فقد جاءت الولاية بمعنى الحكومة في موارد عديدة من عهد الإمام علي عليه السلام إلى مالك الأشتر، وأساس ذلك هو آية (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم)(22)، التي ظهرت في غدير خم بعنوان (مولى).

 

6ـ كما أن للولاية بمعنى الحكومة سابقة في النصوص الدينية، كذلك الأمّة بمعنى قيادة المجتمع الإسلامي مطروحة فيها بشكل كامل، لذا يقول الإمام أمير المؤمنين عليه السلام في رسالته إلى بعض عمّاله: (فقد أسخطت ربَّك وعصيت إمامك) (23)، وكذلك قال نفس هذا المضمون في رسالته الأخرى إلى مصقلة بن هبير الشيباني عامله ووالي أردشير حُره (من مدن فارس)، إذ الإمامة بمعنى الحكومة قد جاءت في النصوص الدينية، كما جاء في الفقرة (51) من عهد علي عليه السلام إلى مالك الأشتر، هكذا: «فولِّ من جنودك أنصحهم في نفسك لله ولرسوله ولإمامك..» (24).

 

7ـ بعد أحداث هجوم بُسر بن أبي أرطاة جاء في خطبة للإمام علي عليه السلام بهذا المضمون: «... باجتماعهم على باطلهم وتفرّقكم عن حقّكم وبمعصيتكم إمامكم في الحق وطاعتهم إمامهم في الباطل»(25). فالإمامة في هذه الرسالة تعني قيادة المجتمع.

 

8ـ جاء في رسالة أمير المؤمنين عليه السلام إلى قُثم بن عبّاس الذي كان عامله في مكّة: «التابع لسلطانه المطيع لإمامه...» (26).

 

تعليقات الزوار
ارسال تعلیق