منهج الفقيه المحقق السيد البروجردي في بحث ولاية الفقيه

2008-12-03
0
196

الحكومة من ضروريات الدين

 

  لا أعرف فقيهاً يعتبر الحكومة الإسلامية وإقامتها من ضروريات الدين، بما تحمل هذه الكلمة من مدلول فقهي خطير.

 

فإن ضروريات الدين هي الاُمور التي يلازم إنكارها إنكار الدين رأساً، وهو بمعنى الارتداد، وذلك أنّّ التشكيك في الاُمور الثابتة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالضرورة بمعنى التشكيك في الرسالة والنبوة. التشكيك في الرسالة والنبوة من الارتداد باتفاق كلمات الفقهاء.

 

وقد لاحظت في كلمات آية الله الفقيه المحقق السيد البروجردي (رحمه الله) اعتبار الحكومة الإسلامية من ضروريات الدين.

 

ورأيه هذا يذكره عنه تلاميذه الذين كتبوا دروسه التي ألقاها في بحث صلاة الجمعة.

 

 إجمال البحث

 

  يقرّر السيد الروجردي (رحمه الله) هذه الحقيقة ضمن أربع نقاط:

 

النقطة الاُولى: أن للحياة الاجتماعية متطلبات وضرورات لا يمكن أن ينهض بها الأفراد، ولا يتأتى إلاّ من قبل الأنظمة السياسية والإدارية (الحكومات والدول) مثل شؤون الأمن الداخلي والخارجي والقضاء.

 

النقطة الثانية: أن الشريعة الإسلامية لم تهمل هذه المتطلبات بالضرورة. وأولاها اهتماماً كبيراً في صُلب التشريع، ولابد أن تقرّر الشريعة لهذه الضروريات من ينهض بها في المجتمع لإدارة المجتمع وتنظيم حركته السياسية.

 

النقطة الثالثة: الشؤون الإدارية والسياسية في المجتمع لا تكون مفصولة في الإسلام عن الشؤون الدينية للمجتمع مثل إقامة صلاة الجمعة والعيدين وشؤون الدعوة. وقد اقترنت هاتان المهمتان بعضها ببعض منذ عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى نهاية عصر الخلافة، وتلقاها المسلمون من مسلمات أحكام هذا الدين.

 

النقطة الرابعة: إن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) كانوا يتولون من أمور أتباعهم وشيعتهم ما كان يتولاه الخلفاء من أمور عامة المسلمين، وكانوا يرون أن التصدي للولاية والزعامة العامة من حقهم، ويعرف ذلك كل من قرأ سيرتهم وأحاديثهم. وكان أصحابهم وشيعتهم يرون أنهم (عليهم السلام) هم المرجع الذي يجب أن يرجعوا إليهم في شؤون دينهم ودنياهم. كما يرجع الناس إلى الخلفاء، ولسنا نشك أن الأئمة كلهم كانوا يتصدّون من أمور شيعتهم وأتباعهم ما كان يتصداه الخلفاء من أمور عامة المسلمين.

 

 والنتيجة المترتبة على هذه النقاط الأربعة أن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) كانوا يتصدون من أمور أتباعهم وشيعتهم ما يتصداه الخلفاء والحكام يومذاك، وكانوا ينصبون لأتباعهم وشيعتهم في شؤون دنياهم ودينهم من يتولى أمورهم إذا كانت الظروف الأمنية والسياسية لا تسمح لشيعتهم بمراجعتهم وأخذ حكمهم ورأيهم في المسائل العامة.

 

فلم يكن يتيسر لأتباع أهل البيت (عليهم السلام) مراجعة أئمتهم عليهم السلام، وذلك للظروف الأمنية التي كانت تحيط بهم غالباً، وإن كانت تجعل من العسير مراجعتهم، بالإضافة إلى أن أتباع أهل البيت (عليهم السلام) كانوا قد توسّعوا وانتشروا في البلاد من آسيا الوسطى شمالاً إلى المغرب الإفريقي غرباً إلى بلاد خراسان الواسعة في الشرق، ولم يكن من الميسور لشيعة أهل البيت (عليهم السلام) في هذه الأقطار البعيدة مراجعتهم عليهم السلام، ولم يكن من الممكن لهم إهمال الشؤون التي تتطلب الولاية الشرعية مثل الولاية على أموال القصر والتصرف فيها وجباية الأموال العامة التي يعود التصرف فيها إلى أمر ولي أمر المسلمين وإذنه مثل الأخماس والزكوات وما أشبه ذلك.

 

كما لم يكن من الجائز مراجعة الحكام الجائرين والخلفاء الذين كانوا ينهون شيعتهم وأتباعهم من مراجعتهم والركون إليهم، ويرون أن ذلك من الركون إلى الظالمين الذين نهانا الله تعالى عنه.

 

فلا محالة لابد أن يعينوا وينصبوا لشيعتهم من يتولى هذه الأمور من علماء أصحابهم.

 

هذا في عصر الحضور.

 

أما في عصر الغيبة، حيث كانت تنقطع العلاقة بينهم (عليهم السلام) وبين أتباعهم بشكل كامل... كانت تبرز الحاجة إلى وجود مثل هذه المواقع المسؤولة من شؤون الناس العامة (الولاية العامة) أكثر من ذي قبل.

 

وقد كان الأئمة (عليهم السلام) يُعدّون لمثل هذا العصر ويخبرونهم عنه، وبأن هذا العصر سوف يطول... فلم يكن من الممكن أن يهمل أئمة أهل البيت (عليهم السلام) أمر أتباعهم الذين لا يرجعون في شؤون دينهم ودنياهم إلى غيرهم طيلة هذا العصر من غير أن ينصبوا لهم على نحو الخصوص أو العموم من يرجعون إليهم في عصر الغيبة، كما لم يكن ذلك من الممكن في عصر الحضور، إلاّ أن هذه الحاجة تبرز أوضح وأقوى في عصر الغيبة.

 

كل ذلك واضح لا نشكّ فيه، ولا نشك أن أصحاب الأئمة (عليهم السلام) كانوا يسألونهم عما يصنعون في شؤون دنياهم في عصر الغيبة، وفي عصر الحضور أيضاً عندما لا تشير لهم مراجعتهم والوصول إليهم.. وأن الأئمة (عليهم السلام) كانوا ينصبون لهم في عصر الحضور والغيبة من يتولى أمورهم، ويملك فيهم الولاية الشرعية التي يحتاجها الناس في دنياهم... غير أن هذه المراجعات والأجوبة قد فقد أكثرها ولم يبق في المجامع الروائية غير عدد يسير منها مثل مقولة عمر بن حنظلة وما رواه أبو خديجة في هذا الباب وغيرهما.

 

 اشتراط الفقاهة في ولي الأمر

 

  وإذا ثبت ذلك كله، ولسنا نشك فيه، نقول أنه لم يعهد لهذ المنصب... وكل من قال بالولاية في عصر الغيبة بالنيابة عن الإمام المعصوم (عليه السلام) فقد اشترط الفقاهة في ولي الأمر، بالنيابة، في عصر الغيبة.

 

فالأمر يدور بين عدم نصب حد للولاية في عصر الغيبة بالنيابة عن الإمام المعصوم عليه السلام، وهو ما ثبت بطلانه، و تخصيص النصب للولاية بالفقهاء، خاصة، ولا قائل بالفرض الثالث وهو نصب غير الفقيه للولاية.

 

وإذا در الأمر بين الفرض الأول والثاني فلا محالة يتعين القول بالفرض الثاني لبطلان الفرض الأول، وهو إهمال النصب وإهمال شؤون المؤمنين من أتباع أهل البيت (عليهم السلام) في عصر الغيبة أو الإذن لهم بمراجعة الحكام الظلمة الذين نهى أهل البيت (عليهم السلام) أتباعهم عن مراجعتهم والتحاكم إليهم، وعدّوا ذلك من التحاكم إلى الطاغوت الذي نهانا الله تعالى عنه.

 

يقول تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيدًا}[1].

 

ولابد إذن أن يكون الفقهاء هم المنصوبون في عصر الغيبة لولاية أمر المسلمين عامة بموجب المقدمات المتقدمة.

 

هذه خلاصة آراء السيد البروجردي (رحمه الله) في ولاية الفقيه في عصر الغيبة، أنطلق فيها إلى القول بولاية الفقيه دون أن يلجأ إلى الاستدلال بالروايات والأحاديث التي لا تخلو من مناقشات ومؤاخذات علمية والتي يقول عنها الشيخ الأنصاري (رحمه الله) أنّ الاستدلال به أشق من خرط القتاد.

 

وفيم يلي تفصيل وإيضاح وبسط لبعض النقاط المتقدمة الذي يحتاج إلى بسط وتفصيل:

 

تفصيل النقطة الأولى

 

للحياة لاجتماعية حاجات ومتطلبات ضرورية لا يمكن أن ينهض بها الفرد في أي مجتمع من المجتمعات. وأهم هذه الضرورات ثلاثة:

 

أولاً: الخدمات الاجتماعية البالغة حد الضرورة، وهي تحتل مساحة وسعة من حياة الناس مثل الخدمات الصحية والتربية والتنظيم والمواصلات، وأمثال ذلك، وهذه الخدمات تتوسع وتزداد وتتعقد كلما تقدم الزمان، وتطورت حياة الإنسان.

 

ثانياً: القضاء وحسم الخلافات والمشاكل التي يتعرض لها الناس في علاقاتهم وتعاملهم عادة.

 

ثالثاً: توفير الأمن في حياة الناس من العدوان الداخلي وهو عدوان بعضهم على بعض، والعدوان الخارجي، وهو يتطلب وجود رقابة اجتماعية قوية وإنزال العقوبات القانونية لحماية أمن الناس من الداخل، وحفظ أموال الناس وأعراضهم وحفظ أموال القصر والأموال والثروات العامة من الضياع والتلاعب والعدوان، كما يتطلب وجود قوة عسكرية نظامية لحفظ أمن المجتمع من الخارج.

 

وليس من الشك في ضرورة هذه الحاجات في الحياة الاجتماعية واختلال الحياة الاجتماعية من دونها، كما لا شك أن هذه الحاجات لا يمكن أن ينهض بها الفرد إطلاقاً، ولا يتيسر القيام بهذه الحاجات إلاّ من خلال الهيئة الحاكمة والنظام السياسي والإداري للمجتمع.

 

أن الدولة بكل مكوناتها هي المؤسسة الوحيدة التي تستطيع القيام بهذه المهمات في حياة الناس، وضرورة هذه الحاجات في حياة الناس تساوي ضرورة قيام الدولة في المجتمع للقيام بهذه المهام.

 

يقول أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ: ((لا يصلح الناس إلاّ أمير برّ أو فاجر)).

 

قالوا: يا أمير المؤمنين، هذا البر فكيف بالفاجر؟

 

قال: ((ان الفاجر يؤمّن الله به السبيل، ويجاهد به العدو، ويجبى به الفيء، ويقيم به الحدود، ويحج به البيت، ويعبد الله فيه السلم حتى يأتيه أجله))([2].

 

تفصيل النقطة الثانية

 

تتناول الشريعة كل الشؤون التي ذكرناها في النقطة المتقدمة بشكل واسع ومنظم، وتتشابك الأحكام التي لا يمكن تنفيذها إلاّ من خلال وجود سيادة شرعية (دولة ونظام) في أبواب الفقه المختلفة حتى يكاد أن يكون هو الطابع العام لأوسع مساحة في الفقيه.

 

ففي العبادات، وهي تخصّ العلاقة بين العبد وربّه نجد أن طائفة واسعة من العبادات مصمّمة لكي تتم ممارستها من خلال وجود نظام سياسي وإداري وسيادة شرعية، مثل صلاة الجمعة والعيدين والحج وتربطه الشريعة نظام علاقة الإنسان بأسرته في شؤون الزواج والطلاق والنفقة والميراث وهي ما يسمى اليوم بـ (الأحوال الشخصية)... وبالقضاء، وهو الذي يتولى حسم الخلافات التي يحدث داخل الاُسرة في الزواج والطلاق والميراث والنفقة، ولا يمكن تنفيذ هذا النظام بشكل كامل من دون القضاء.

 

وتتناول الشريعة بتنظيم علاقات الناس بعضهم ببعض في الأموال والحقوق وهو (الأحكام المدنية) و (المعاملات) وهي كذلك تحتاج إلى رقابة الدولة القضاء.

 

وتتناول الشريعة أحكام الرقابة (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) و (الحسية).

 

كما تنظم الشريعة علاقات الناس بالحاكم والهيئة الحاكمة وهي (الأحكام السلطانية)، وتتناول القانون الإداري و الحقوق الدستورية.

 

وتنظم الشريعة واردات الدولة ومسؤولياتها المالية وهي (النظام المالي) وأحكام الزكاة والخمس والأنفال والفيء.

 

كما تتناول الشريعة ما يحدث بين الناس من الخلافات بالتسريع والتفصيل، وتحدد الجزاء والعقوبات بشكل دقيق وهو (باب القضاء) وقانون (العقوبات والجزاء).

 

كما تنظم الشريعة علاقة الدولة الإسلامية بالدول الاُخرى في السلم والحرب، وهو ما يسمى بـ (القانون الدولي).

 

ولا نريد أن ندخل تفاصيل البحث عن هذه النقطة فهي كثير، وكما قلنا سابقاً تشبيك أحكام الولاية والسيادة السياسية والحاكمية بأبواب الفقه المختلفة حتى تكاد ن تغطى أوسع مسحة في الفقه من العبادات إلى المعاملات والعقود والإيقاعات والسياسات.

 

 الخطابات الشرعية الموجهة إلى الهيئة الاجتماعية

 

  استطراداً في هذا البحث ذكرتُ في كتاب (ولاية الفقيه)[3] إن الخطابات الشرعية الموجهة إلى الذين آمنوا أو إلى الناس على ثلاثة أنحاء:

 

النحو الأول من الخطاب فقد يتعلق الحكم بعامة الناس، ولكن على نحو البدلية، فيسقط الحكم بامتثال البعض له، وهي الواجبات الكفائية التي يتحقق فيها غاية الحكم بامتثال البعض بما فيه الكفاية كالطبابة والتعليم وإغاثة المنكوبين وما أشبه ذلك.

 

ومثال ذلك في القرآن قوله تعالى: {فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ}.

 

والنحو الثاني من الخطاب الشرعي ما يتعلق الخطاب بالجميع على نحو الاستغراق، ولا يسقط الواجب بامتثال البعض له كما في (الواجبات الكفائية)، ولكن لكل فرد من المكلفين امتثال خاص وعصيان مستقل عن غيره، وينحل الخطاب في أمثال هذه الموارد إلى خطابات عديدة كثيرة عدد المكلفين، ويكون لكل مكلف خطاب خاص به، وامتثال أو عصيان يخصّه.

 

مثل قوله تعالى: {وَأَنْ أَقِيمُواْ الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ}[4]، {أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ}[5]، {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ}[6]، {وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ}[7].

 

وهذه طائفة واسعة من الخطاب الشرعية تعم المكلفين على نحو الاستغراق، وتخل إلى خطابات عديدة وكثيرة عدد المكلفين.. وهذه هي الواجبات العينية في مقابل الواجبات الكفائية.

 

وطائفة ثالثة من الخطابات تتوجه إلى العموم، ولكن على النحو الجمعي (المجموعي) دون أن تحل إلى خطابات عديدة عدد المكلفين المخاطبين بهذا الخطاب، وذلك أن هذه الطائفة من الخطابات لا تتوجه إلى الأفراد أساساً، كما في الطائفة الاُولى والثانية، وإنما تتوجه إلى الهيئة الاجتماعية (مجتمعة)، ولا يكون له امتثال واحد أو عصيان واحد، ولا يمكن فيها أن يتعدد العصيان والامتثال عدد المكلفين.

 

وهذه الخطابات تخص الأمور التي لا تتأتى من الأفراد عادة، مثل إقامة الحدود والأمر بالقتال.

 

فلا يمكن أن ينهض فرد واحد بإقامة الحدود والقضاء، وإنما المخاطب بالقتال والقضاء. وأمثالهما من الأحكام الهيئة الاجتماعية، وذلك لأن التنفيذ الفردي لهذه الأحكام يؤدي إلى اختلال واسع في الحياة الاجتماعية، والحالة الصحيحة لتنفيذ أمثال هذه الأحكام وهي كثيرة الحالة الاجتماعية المركزية.

 

ومثال ذلك في القرآن قوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا}[8]، {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ{[9]، {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ}[10] وأمثال ذلك في القرآن كثيرة.

 

ونحو قوله تعالى: {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}[11].

 

فليس كل المسلمين في هذه الآية بالخطاب لمكان قوله تعالى: { وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ} و(من) في الآية الكريمة ظاهرة في التبغيض والاُمة هي الجماعة، فالآية تخص جماعة من المسلمين، وليس كل المسلمين في مقابل الآيات التي تعم حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على كل المسلمين مثل قوله تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ} حيث توجّه الحكم إلى عموم المؤمنين، ونحن نفهم من هاتين الآيتين أن للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر منهجين واُسلوبين:

 

 المنهج العام وهو مودّي الخطاب الثاني والمنهج الخاص الذي يتم من خلال هيئة مسؤولة من قبل الدولة في مراقبة أحوال الناس ويملك صلاحيات التأديب والتعزير، من قبل القائمين بنظام الحسية في المجتمع. وتنفيذ أمثال هذه الأحكام، وهي كثيرة وواسعة في الشريعة يحتاج إلى حالة نظامية يتوفر فيها ثلاثة أمور:

 

1 ـ القوة والنفوذ أولاً.

 

2 ـ والشرعية ثانياً.

 

3 ـ والمركزية ثالثاً.

 

وهي مقومات (الدولة) بتعبير دقيق.

 

النقطة الثالثة

 

  أن السيرة الثنائية منذ عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى آخر أيام الخلافة هي وحدة الزعامة الدينية والسياسية، وعندما هاجر رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ إلى المدينة أقام في المدينة حكومة ورئاسة بالمعنى الدقيق للكلمة، وتولى هو (صلى الله عليه وآله) رئاسة هذه الحكومة إلى جنب الأعمال الدينية الأخرى التي كان يقوم (صلى الله عليه وآله) بها في إقامة الجمعة والجماعات والدعوة إلى الله والتبليغ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكان (صلى الله عليه وآله) يمارس القضاء، ويقود الجيش، ويحكم البلاد، وينصب القضاة والولاة وقادة الجيش، ويُجبى إليه الأموال، وكان المسجد هو مركز وموقع رئاسة الدولة... وجرى على هذه السيرة الخلفاء من بعده، ورغم كل الظلم والانحرافات التي حصلت في جهاز الخلافة أيام بني اُمية وبني العباس لم تتغير هذه السيرة، وكان الخليفة يتولى شؤون الناس الدينية وفي نفس الوقت يتولى الزعامة السياسية في الدولة.

 

واستقرت هذه السيرة في نفوس المسلمين وتعمقت خلال فترة الخلافة الإسلامية في التاريخ.

 

ورغم اختلاف المسلمين وتفرقهم في أمر الخلافة بعد رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ لم يختلف المسلمون في أمر هذه السيرة، وهي وحدة الزعامة الدينية والزعامة السياسية في المجتمع الإسلامي.

 

والنتيجة التي يستنتجها من هذه النقاط الثلاثة هي أن قيام الرئاسة والحكومة الإسلامية في المجتمع الإسلامي، ووحدة الزعامة الدينية والسياسية من الضروريات المركوزة والثابتة في أذهان المسلمين منذ هجرة رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى المدينة إلى آخر عصر الخلافة الإسلامية.

 

 النقطة الرابعة

 

  كان أئمة أهل البيت (عليهم السلام) يعتقدون أن الإمامة والخلافة من بعد رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ لهم، وكان أتباعهم وشيعتهم يتعاملون معهم بعنوان أئمة المسلمين وخلفاء رسول الله صلى الله عليه وآله.

 

وإذا أخذنا بنظر الاعتبار النتيجة التي استخلصنا من النقاط الثلاثة المتقدمة.. عرفنا أن أتباع أهل البيت (عليهم السلام) كانوا يرجعون إلى أئمة أهل البيت عليهم السلام، فيما كان يرجع فيه عامة المسلمين إلى الخلفاء، من شؤون دينهم ودنياهم.

 

وهذه النتيجة في سياق النقاط السابقة قطعية. فلم يكن يعرف أتباع أهل البيت وشيعتهم مرجعاً لهم في الشؤون التي تتطلب تدخل ولي الأمر مثل الأموال العامة وأموال القصر والغائبين... غير أئمة أهل البيت عليهم السلام.. والأخبار الواردة عن أهل البيت (عليهم السلام) والأسئلة والأجوبة بينهم وبين شيعتهم حافلة بهذا المعنى، ولسنا نحتاج إلى التوقف أكثر عند هذه النقطة.

 

  النتيجة

 

  والنتيجة إلى نستخلصها من النقاط المتقدمة أن الأئمة (عليهم السلام) كانوا ينصبون لشيعتهم في البلاد من يتولى أمور دنياهم في عصر الحضور... فلم يكن من الميسور لشيعتهم مراجعتهم كلما أرادوا وكلما احتاجوا إليهم في شؤونهم.

 

فقد ضيق حكام بني العباس على أهل البيت (عليهم السلام) تضييفاً شديداً، وحبسوهم، ومنعوا عنهم الزيارات، وأخضعوهم لرقابة أمنية مشدّدة، مما جعل اللقاء بهم غير متيسرة دائماً، كما أن شيعة أهل البيت (عليهم السلام) كانوا قد توسعوا في البلاد في هذه الفترة، ولم يكن من الممكن لهم أن يلتقوا بهم (عليهم السلام) كلما أرادوا ولذلك نجزم نحن أن الأئمة (عليهم السلام) كانوا قد نصبوا لشيعتهم وكلاء منهم يتولون من أمور دينهم ودنياهم ما كان يتولاه القضاة والحكام والمنصوبون من قبل الخلفاء في البلاد، هذا في عصر الحضور.

 

 في عصر الغيبة

 

  أما في عصر الغيبة فإن الحاجة إلى تعيين وكلاء عنهم (عليهم السلام) لإدارة شؤون اتباعهم وشيعتهم يكون أوضح وأظهر.

 

ونحن نجزم انطلاقاً من النقاط الأربعة المتقدمة أن أهل البيت (عليهم السلام)كانوا قد نصبوا لشيعتهم في عصر الغيبة نصباً خاصاً وعاماً من يتولى أمورهم غير أن أكثر هذه النصوص قد ضاع فيما ضاع من تراث أهل البيت عليهم السلام


تعليقات الزوار
ارسال تعلیق