من الإستبداد إلى الديمقراطية

2009-03-11
0
205

دراسة في فكر الشيخ النائيني من خلال كتابه «تنبيه الأمة وتنزيه الملة»

 

المقدمة

 

كان للتحدي الحضاري الغربي على المستويين العسكري والعلمي بشكل عام أثره في إجاد ردات فعل عربية وإسلامية، كان من نتائجها انبلاج فجر النهضة العربية والإسلامية. هذه النهضة التي شملت مختلف الميادين الفكرية والواقعية. ومن ثم انطلق المفكرون والأصلاحيون المسلمون، خصوصاً مع بروز عامل خطير، تمثل في مجموعة من التحديات، وضعت أساس هوية الأمة في قفص الإتهام، حيث ظهرت عدة انتقادات تتهم الدين الإسلامي بكونه أحد أسباب التخلف الحضاري، وتدعو الشعوب العربية والإسلامية للتحرر منه، وقطع الصلة مع قيمه ومثله.

 

لذلك واستجابة لهذا التحدي الخطير قام عدد من المفكرين الإسلاميين، بحركة نشطة على مستوى التأليف والكتابة والرد. لعرض وشرح المذهب الإسلامي ونظرياته المتميزة في جميع مناحي الفعل الإنساني. ولتوضيح الإلتباس الحاصل من جراء الغزو العسكري والفكري للحضارة والإستعمار الغربيين. وبيان أن الإسلام دين الحضارة والمدنية، وانه بريء من التخلف الذي تتخبط فيه الشعوب في البلاد الإسلامية.

 

وقد تجاوزت هذه الردود مهمة الدفاع عن الإسلام وشريعته وقيمه، إلى الشروع في عملية تأصيلية واسعة النطاق شملت مجمل الميادين الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وذلك لبروز التفوق الحضاري الغربي، وظهوره للعيان في هذه المجالات، وإنبهار غالبية الشعوب المسلمة بما حققته هذه الحضارة المعاصرة من انجازات مهمة في هذه الميادين.

 

ومن أهم الميادين التي كان لزاماً على المفكر الإسلامي طرقها وإماطة اللثام عن مشكلاتها وملابساتها، النظرية السياسية في الإسلام. خصوصاً وقد أسفر التقدم الغربي عن مذاهب سياسية جديدة تتفق في جوهرها على تحرير الإنسان من كل أنواع الإستبداد السياسي وتمنحه مجموعة من الحقوق، كان قد حرم منها لقرون خلت.

 

وبما أن العالم الإسلامي كان يرزح تحت نير الحكم الاستبدادي، لعدة اعتبارات تاريخية واجتماعية وفكرية، فقد تم الربط بين الإسلام والإستبداد. بل اعتبر الإسلام من خلال بعض النصوص واجتهادات طائفة من العلماء، من الداعين للإستبداد السياسي والمحافظين عليه.

 

من هنا تبرز أهمية كتاب الشيخ النائيني: «تنبيه الأمة وتنزيه الملة»، فهو من جهة يعالج عملية تأصيل شرعي للعمل السياسي، وبالخصوص الحقوق السياسية للفرد والأمة والتي بتحقيقها يحجم الاستبداد السياسي إن لم ينته. ومن جهة أخرى يقدم انطباعاً خاصاً يتعلق بالفقيه أو المجتهد، وبخصوصية موقعه وهو ينبري لمعالجة قضايا الأمة المستحدثه ومشاكلها. وعلى الخصوص مشاركته في التنظير وتأصيل المذهب الإسلامي السياسي. وما يترتب على ذلك من حقوق ظلت مسكوت عنها، لا يوليها الفقيه المسلم سنيا كان أم شيعياً، أي اهتمام يذكر إلا في حالات نادرة قليلة.

 

أما سبب اختيار هذا الكتاب لجعله منطلقاً لمعالجة إحدى عمليات التأصيل للنظام السياسي الإسلامي. فإن ذلك يرجع لعدة أسباب:

 

 أولها، أن هذه الرسالة تعتبر باكورة التأليف في هذا الميدان في الأزمنة المعاصرة. فقد كتبت في البدايات الأولى لهذا القرن.

 

ثانياً: ما احتوته هذه الرسالة من نقاش علمي رصين لتأصيل الحقوق السياسية وعلى رأسها قضية الشورى وحق الأمة في المشاركة في تسيير شؤونها العامة.

 

ثالثها: الفهم والاستيعاب العميق للتطور السياسي في الغرب من طرف فقيه مسلم شيعي إمامي بالخصوص. وأخيراً الرغبة في إغناء الفكر السياسي الإسلامي بالتذكير بهذا الأبداع الذي لفه النسيان، أو كاد. لتحقيق التراكم النظري في هذا المجال. وإثراء الخليفة المعرفية السياسية لأبناء الصحوة الإسلامية. خصوصاً وأن موضوع الشورى والديمقراطية مازال طرياً تتداوله الأقلام والألسن. لأننا لم نقطع بعد صلاتنا العميقة والتاريخية بالإستبداد السياسي؟!.

 

أما منهجنا في معالجة هذا الموضوع فلا يقتصر على عرض ما جاء به الشيخ النائيني من أفكار وآراء في محاولته التأصيلية. بل معالجتها ورفدها ببعض ما ذكره المفكرون الإسلاميون القدماء والمعاصرون في هذا المجال. وذلك للوصول إلى تشكيل صورة متكاملة لعملية التأصيل الإسلامي لنظام الحكم الديمقراطي أو الشوروي.

 

الشيخ النائيني وعصره

 

ولد الشيخ محمد حسين النائيني النجفي في حدود سنة(1273هـ-1853م)، في بلدة نائين بضواحي أصفهان. حيث تلقى أول مبادئ العلوم فيها. ليهاجر بعد ذلك إلى أصفهان سنة 1293هـ أو 1295هـ على اختلاف بين المؤرخين. حيث قرأ على أشهر علمائها. ثم هاجر منها إلى العراق ودخل سامراء في محرم سنة 1303هـ وقرأ فيها على يد الميرزا السيد محمد حسن الشيرازي الشهير إلى سنة وفاته(1312هـ). ثم غادر سامراء إلى مدينة كربلاء، وبقي فيها مدة، لينتقل بعدها إلى النجف سنة(1314هـت). وفيها بدأ يحضر دروس أستاذه الملا كاظم الخراساني. ومباشرة بعد وفاة الخراساني اشتغل الشيخ النائيني بالتدريس. وبعد وفاة الميرزا محد تقي الشيرازي، انتقلت إليه الرئاسة الدينية فاصبح مرجعاً للتقليد هو والسيد أبو الحسن الأصفهاني. حيث استقامت لهما الرياسة العلمية داخل الحوزة الدينية في العراق(1).

 

وعند الإعلان عن «السلطة المشروطة» في إيران سنة 1324هـ، كان النائيني من أكبر الدعاة إليها، وألف كتابه بالفارسية «تنبيه الأمة وتنزيه الملة»، في لزوم مشروطية ودستورية الدولة لتقليل الظلم على أفراد الأمة وترقية المجتمع».

 

وطبع عليه تقريض للشيخ ملا كاظم الخراساني، والشيخ عبدالله المازندراني ثم بعد ذلك بمدة(2) ، جمع ما أمكن جمعه من نسخه. بل كان يشتريها بقيمة غالية(3). وأتلفت بأمره وبقيت منه نسخ(4) ، نجت من الإتلاف. وقد عرب منه فصول وطبعت في مجلة العرفان الصيداوية.

 

توفي النائيني ظهر يوم السبت 26/ جمادي الأولى/ سنة 1355هـ. عن نحو(82 سنة) ودفن في بعض حجرات الصحن الشريف(5)(مقام الأمام علي ). بالنجف الأشرف في العراق.

 

ملابسات الوضع في إيران والدعوة إلى المشروطية

 

ذهب أغلب المؤرخين لنهاية الحكم القاجاري في إيران إلى أن حركة المطالبة بالدستور والنظام النيابي، كانت من أبرز الأفكار السياسية التي هبت على إيران من عاصمة الدولة العثمانية، ويعود سبب ذلك إلى قرب تركيا من أوربا وشدة تأثرها بالحضارة الغربية(6). بالإضافة إلى أن الشاه ناصر الدين كان ممن أعجبوا بالحضارة والمدنية الغربية، حيث سافر إلى أوربا عدة مرات، واستقبل بحفاوة مبالغ فيها، كان من نتيجتها بداية تحديث إيران بإدخال التلغراف وبعض النظم والمختراعات الجديدة، وإرسال البعثات إلى أوربا وإنشاء «دار الفنون» لتخريج موظفين أكفاء للدولة ودبلوماسيين(7).

 

إلا أن الشاه ناصرالدين(8) ، كان يرفض أن يتعدى التحديث إلى الكلام عن القوانين المنظمة للحكم أو الدستور، أو ما سمي فيما بعد بـ «المشروطية»(9).

 

وقد صرح ذات مرة، أنه يود أن يكون محاطاً بحاشية من الأغبياء لا يعرفون عن بروكسيل، هل هي مدينة أم نوع من الخس(10). إلا أن ما قامت به كل من روسيا القيصرية وبريطانيا زعيمة الاستعمار آنذاك، من التدخل في السياسة الداخلية لإيران. والصراع الذي احتدم بين أنصار الفريقين الداعم للمشروطة الرافض لها. قد عجل بتسارع الأحداث وتفجرها.

 

ويمكن الحديث عن بداية «حركة المشروطة» في إيران، من جراء حادثة بسيطة حدثت في عام 1905م. وخلاصتها أن نفرا من أهل البازار خالفوا بعض الأوامر الحكومية، فأمرت الحكومة بشد أقدامهم في «الفلقة» وجلدهم بالسياط(11). ولم تكن «الفلقة» شيئاً غريباً في الوسط الاجتماعي آنذاك. فهي عادة متبعة لدى الملوك السابقين. لكنها دفعت هذه المرة بعض الناس، ومنهم رجال الدين إلى الإلتجاء(12) ، في «مسجد الشاه» بجانب البازار الكبير.

 

لينتقلوا بعدها إلى بلدة «الشاه عبدالعظيم» حيث ارتفع عدد الملتجئين يوماً بعد يوم، وقرروا أن لا يغادوا المكان حتى يستجيب الملك لمطالبهم المتمثلة في عزل «عين الدولة» من منصبه وتأسيس دار العدالة أطلقوا عليها إسم «عدالة خانه».

 

ومما زاد في أهمية هذا الالتجاء، أن إثنين من أكابر علماء طهران كانا من بين الملتجئين وهما السيد محمد الطباطبائي والسيد عبدالله البهبهاني. كما كان بينهم الواعظ المشهور آغا سيد جمال الدين(13).

 

وكانت النتيجة أن خضع الشاه لمطالبهم ورجع العلماء والناس إلى ديارهم فرحين بأول نصريتم تحقيقه على الاستبداد. لكن الشاه وكما يؤكد المؤرخون لم يستطع الوفاء بوعده مما دفع بالوضع للأنفجار من جديد، حيث تكاثفت فيه الإرادة الشعبية مع إصرار العلماء الذين استخدموا جميع أسلحة الضغط المادية والمعنوية، مما أرغم الشاه مظفر الدين أخيراً على إصدار القرار الذي طال انتظاره، وهو «فرمان مشروطيت» الذي أذيع في 15 أغسطس عام 1906م.

 

وهكذا فقد أسفر الإنقلاب الدستوري في عهد مظفر الدين شاه، أو ما يسمى بـ(انقلاب مشروطية) عن قيام حكم ملكي مقيد بأحكام الدستور، وعن حياة نيابية وحكم ديمقراطي(14).

 

لكن الفرصة الكاملة لم تعط لهذه التجربة الدستورية والبرلمانية كي تنجح أو تتجذر كفعل وممارسة سياسية. فقد عارض الشاه محمد علي(15). الذي تولى الحكم بعد مظفر الدين شاه، هذا التوجه الديمقراطي. وحاصر البرلمان وضربه بالمدفعية وأعلن العودة للإستبداد السياسي والحكم الغير مشروط.

 

وكانت النتيجة أن حاول الوقوف أمام رياح التغيير التي بدى أن لا مناص من إيقافها. فكان أن قعلت جذور سلطته ورمته بعيداً إلى روسيا، هارباً من شعبه الثائر. حيث ثم خلعه وتولية إبنه الصغير أحمد ملكاً لإيران. لقد كان هذا الاختيار أكبر خطأ ارتكبه الثوار سيفصح عنه التاريخ، مع الأنقلاب العسكري الذي قام به علي رضاخان قائد حامية طهران، منهيا به حكم القاجار، ومؤسسا في نفس الوقت عرش الطاووس، الذي سيكتب عنه التاريخ صفحات مريرة من الصراع السياسي، بين القوى التحررية الوطنية والإسلامية، وبين شاهات إيران. لينحسم الصراع قبل نهاية هذا القرن لصالح الثورة الإسلامية، بقيادة رجل دين يحمل صفة «فقيه مرجع» لتبدأ معه فصول جديدة من تاريخ تجربة الحكم الإسلامي في إيران بما له وما عليه.

 

بين يدي الكتاب..

 

النسخة التي اعتمدناها في هذه الدراسة هي النسخة التي نشرتها مجلة الموسم التراثية في عددها الخامس (السنة الثانية 1990م ـ 1410هـ). والسبب في ذلك يعود لندرة نسخ الكتاب، وعدم وجود طبعات جديدة في الأسواق.

 

فالكتاب كما اشرنا إلى ذلك في المقدمة قد جمعت جل نسخه في حياة مؤلفه عندما تولى منصب المرجعية لأنه رأى، أن وجود هذه الرسالة بين يدي خصومه من حملة فكرة الإستبداد، حجر عثرة في سبيل توطيد أمور الزعامة له. إذ كان يتخذها خصومه وسيلة لإيغار صدور السواد من الناس عليه. وتصويره لهم رجلا من رجال لسياسة لا رجلا من رجال الدين(16).

 

لكن ما يجعلنا نطمئن لهذه النسخة، ما قاله الإستاذ محمد سعيد الطريحي رئيس تحرير مجلة الموسم، من أن اعتماده في هذه النسخة المنشورة كان على النسخة المعربة لأستاذ الجيل صالح الجعفري (17). مع مراجعة النسخ الأصلية المخطوطة التالية.

 

ـ النسخة المخطوطة بخزانة الدكتور عبدالله فياض ببغداد.

 

ـ نسخة مخطوطة في مكتبة الوزيري بمدينة يزد(بإيران).

 

مشروعية الدولة ومنشأ الإستبداد

 

اجمع العقلاء ومن ضمنهم الأمة الإسلامية على ضرورة وجود سلطة تحكم وتنظم الاجتماع البشري، وذلك لأن الحكومة من ضرورات العمران لحفظ الإنسانية ورعاية مصالحها القومية والروحية. وهذا الإجماع حول وجوب إقامة السلطة، هو رأي أهل السنة ورأي الشيعة جميعاً(على اختلاف في الوجوب)، ورأي المعتزلة إلا نفراً قليلاً، ورأي الخوارج ما عدا النجدات(18).

 

وذلك لضرورة ترتيب العلاقات الاجتماعية، بما يكفل تحقيق العدالة بين أفراد الرعية ويمنع تطاول بعضها على بعض بالظلم أو انتهاك الحقوق والحريات. وحفظ كيان الأمة ومقوماتها من الزوال من جراء تصادم المصالح بين أفراد والجماعات.

 

«أما كيفية إستيلاء السلطان وتصرفه في المملكة باعتبار كونه من باب التملك أو من باب الولاية فهي ـ حسب الشيخ النائيني ـ متصورة على وجهين لا ثالث لهما أبداً»(19).

 

أي اعتبار السلطة من باب التملك والملك الشخصي، الذي يعطي الحق في التصرف في المنافع المادية وتسخيرها للأغراض الشخصية. وهذا يفضي إلى إبعاد مجموع أفراد الرعية باعتبار التملك المطلق. أما من يرفض هذا الاستعباد أو يروم كسر قيود العبودية. أو يطالب بحقه في المنافع المادية، فيعتبر متمرداً مارقاً، خارجاً عن الطاعة، مما يعرضه لأنواع المضايقات والمصائب الجسيمة.

 

فتمامية الملك إذا تحققت، تعطي المالك الحق في التصرف العام ، بالبيع أو الهبة أو التعطيل. بل يمكنه إفناء وتخريب ما تملكته يده. إذا لم يجدر رادعا من عقل أو ضمير. وهذا الحكم المبني على التملك الشخصي هو ما اصطلح عليه بالإستبداد. ووصفه ابن خلدون بالملك الطبيعي لأنه «حمل الكافة على مقتضى الغرض والشهوة عن طريق التغلب والقهر»(20).

 

أما أفراد الرعية في ظل هذا الحكم التملكي المطلق، فهم مقيدون بسلاسل العبودية، حظهم في هذه الحياة لا يختلف كما يقول الشيخ النائيني عن «حظ النباتات التي لم تخلق إلا لغيرها، وليس لها حظ استقلالي أبداً. تسمى لجهلها بحقوقها وظلمها نفسها بالأمة المستنبتة، أي المندرجة في عداد النباتات البرية والحشائش الصحراوية»(21) ، والاستبداد من حيث هو تصرف غير مقيد وتحكمي في شؤون الجماعة السياسية(22) ، درجات مختلفة، يحدوها مدى وعي الأمة أو جهلها بمجمل حقوقها الذاتية والاجتماعية. وهذا «الجهل المطلق»(23) ، كما يصفه عبدالرحمن الكواكبي، وقلة الوعي بالحقوق السياسية، يعتبر أحد أهم أسباب نشوء الإستبداد وتعمفه في كيان الأمم واستفحاله. بالإضافة إلى عدم وجود قانون أو قاعدة موضوعية أو متفق عليها تحدد تصرفات الحاكم وتعطي للرعية أو المحكومين الحق في المحاسبة أو المتابعة.

 

في مقابل الحكم الإستبدادي المطلق، هناك الحكم المقيد والمشروط. مقيد بالشرائع المتفق عليها ومشروط بالسعي لأقامة وظائف الدولة، والعمل على إجراء مصالح الرعية دون إدعاء حق التملك للمنافع العامة أو التفرد بالحاكمية المطلقة.

 

وهذين القسمين من أنواع الحكومة، متناقضين في أصولهما وآثارهما. والسلطنة في حقيقتها عارية عن الأوهام الإلهية، رغم إدعاء المستبد وجنوحه المستمر لأتخاذ «حفة قدسية يشارك بها الله، أو تعطيه مقام ذي علاقة مع الله»(24) ، كما يقول الكواكبي.

 

ومن ثم ينطلق في محاولة لتشريع الحقوق ووضع القوانين التي تخدم مصالحه وشهواته التحكمية بالدرجة الأولى. فالإستيلاء أو الحكم في واقع الأمر، إنما هو مشروط بمقدار الولاية والتصرف في الوظائف العامة. حيث آحاد الشعب كما يقول الشيخ النائيني ـ «شركاء مع السلطان في جميع القوى النوعية ـ مالية وغير مالية ـ ونسبتها لهم بالسوية لا تتفاوت بتفاوت درجاتهم»(25) ، فالحاكم والمحكوم في نظر الإسلام إختلاف بينهما ولا تمايز إلا في تنوع الحقوق والواجبات التي حددتها الشريعة لكل منهما.

 

يقول الشيخ محمد مهدي شمس الدين: «والحاكم والمحكومون أمام الشريعة سواء فليس تمة آية امتيازات، أو استثناءات، ولا لأسرهم بالنسبة إلى أي تكليف من التكاليف الشرعية»(26) ، وعليه فأي استحواذ أو تملك لمنفعة خارج إطار الحقوق الشرعية المعتبرة، يعتبر تجاوزاً للشريعة، وأي مس بمصالح الأمة من جهة الإستيلاء، أو التفريط، يعتبر تجاوزاً لحدود السلطة المخولة من طرف الأمة لأي حاكم. وبالتالي يكون السقوط في الإستبداد والظلم المنهي عنه شرعاً وعقلا. وقد أعطت الشريعة للأمة في هذه الحالة حقوقاً وضوابط للتعامل مع هذه النازلة مبينة في محله(27).

 

إن التصدي للولاية لا يخرج عن كونه حسب النائيني ـ مجرد أجير أو أمين يحمد على إحسانه ويعاقب على إساءته، ولا يمكنه أن يجرد أفراد الرعية من حق الأعتراض، إذا ما اقترف تجاوزاً ما يخص حدود الشريعة أو مصلحة الأمة. لأن النقد والأعتراض، «غير مقيد بإرادات السلطان التحكمية وميوله القلبية، وهذه السلطنة تسمى: المحدودة والمشروطة، والدستورية. والقائم بهذه السلطة يسمى الحافظ والحارس والمسؤول»(28). والأمة المتنعمة بهكذا نظام تكون أمة «محتسبة وحرة وحية»(29).

 

وقد تبلورت لدى علماء الشيعة الإمامية بعد عصر الغيبة والى الآن، عدة نظريات سياسية، يقول شمس الدين: «إن الرأي المشهور عند فقهاء تلك الحقبة التالية لسنة الغيبة الكبرى، ذهبوا إلى عدم مشروعية العمل لإقامة حكم لإسلامي على مذهب أهل البيت(ع)، وحاولوا أن يستنبطوا صيغة للتعايش مع الوضع القائم استناداً إلى المبادئ الشرعية التي وضعها الأئمة المعصومون، والقواعد العامة في الشريعة، والأندماج في المجتمع السياسي، مع الاحتفاظ بالهوية الخاصة لخط الإمامة المعصومة في الحياة اليومية والعامة...»(30).

 

ولكن ولضرورة وجود الحاكم لحفظ التجمع الإنساني، وتنظيم حاجاته المختلفة: «فإن الشيعة لا يرون ـ كما يقول الشيخ محمد مغنية ـ أي بأس من الناحية الدينية بقيام أي دولة زمنية في هذا العصر والعصور السابقة، إذا حكمت برضا الناس واختيارهم، وأدت واجباتها كدولة صالحة تحفظ الأمن والنظام، وتصون لكل ذي حق حقه، وتحصن الحدود من الأعتداء، على شريطة ألا تتعرض للأديان من قريب أو بعيد...»(31).

 

وإذا كان لا بد للناس من إمام بر أو فاجر كما يقول الإمام علي عليه السلام، فإن الشيخ النائيني يقترح ضابطين رئيسيين لهذا الحكم للحيلولة دون قيام استبداد سياسي، يغتصب في آن واحد منصب الإمام الغائب وحقوق الناس والرعية. وهما:

 

1 ـ إيجاد دستور وافي بالتحديد المذكور يتضمن رسمياً كيفية إقامت تلك الوظائف، ودرجة استيلاء السلطان وحرية الأمة(32). أي وضع الميثاق الأساسي الذي يحدد «طبيعة السلطة ودورها، وكذلك مجموع الحقوق والواجبات الأساسية للمواطنين، ويضبط نمط ممارسة السيادة أو تخويلها. أي شكل الحكم والحكومة، واختصاصات سلطات الدولة، وعمل وظائفها، والحقوق الأساسية للأفراد، وأخيراً مشاركة المواطنين في ممارسة السلطة بواسطة الانتخاب»(33)، أو المشورة وغيرها من الوسائل المؤدية لهذا الغرض.

 

وهذا الدستور الوافي كما ذكر الشيخ النائيني، لا يعتبر في صحة مشروعيته سوى عدم مخالفة بنوده للشريعة الإسلامية. فهو حسب هذا الفقيه الإمامي، يجب أن يكون مشابها للرسائل العملية التي يكتبها الفقهاء والمجتهدون لتقليد العامة لمعرفة الحلال من الحرام وجميع تفاصيل القضايا الدينية والتعبدية منها بالخصوص.

 

والحقيقة ان هذا الوصف فيه من الدقة والشمولية، وهو اقتراح جيد لو تعمل به الدساتير العربية والإسلامية اليوم. فالمسائل الإسلامية مبوبة ومفصلة بشكل دقيق لا تترك مسألة صغيرة أو كبيرة يحتاجها المسلم في حياته العملية إلا ذكرت وصفها وحكمها الإسلامي من حلال أو حرام، من وجوب أو ندب أو كراهية. وبالتالي فالدستور يجب ان يوضع على شاكلة هذه المسائل أو الفتاوى، ويوزع على نطاق واسع بحيث يحصل كل مواطن على نسخة منه، ليطلع عليها، ويعرف من خلالها حقوقه وواجباته داخل الدولة الإسلامية. وتبرز أهمية هذا الأقتراح العملي في كونه أهم وسيلة للتثقيف القانوني داخل الأوساط المجتمعية ومدخلاً ليس لمعرفة الحقوق والواجبات فقط، ولكن لإنتشار الوعي الحقوقي والسياسي على نطاق واسع. ولو تحقق ذلك لتقلص فعلا حجم الجهل وانتهاك حقوق الإنسان في العالم الإسلامي، سواء من طرف الحكومات أو من طرف المواطنين أنفسهم.

 

2 ـ إحكام أساس المراقبة والمحاسبة(34). وهذه المراقبة للسلطة ومحاسبتها لن تتأتى إلا عن طريق قيام مجلس لمندوبي الأمة، الخبراء في السياسة الداخلية والخارجية. مهمته الرئيسية مراقبة القوة الاجرائية ومنعها من السقوط في الأخطاء والاستبداد. على أن يكون المجلس ومندوبيه مسؤولين أمام الأمة بدورهم خاضعين لمراقبتها العامة.

 

مشروعية المجلس والنواب أو أهل الحل والعقد:

 

أما مشروعية هذا المجلس وهؤلاء النواب فهي «بناء على أصول أهل السنة والجماعة حيث كان المعتبر عندهم إجماع أهل الحل والعقد لا غير. وأما بناء على مذهبنا ـ طائفة الإمامية ـ فيكفي لصحتها اشتمال هذه الهيئة المنتدبة على عدة من المجتهدين العدول أو المأذونين من قبلهم ومجرد تصحيحهم الآراء الصادرة وموافقتهم على تنفيذها كاف لمشروعية هذه النظارة..»(35).

 

يراد بأهل الحل والعقد تلك الجماعة التي تتولى تنظيم أمور المسلمين الاجتماعية والسياسية والدينية وتشرف على تحقيق أهداف المجتمع الإسلامي والدولة الإسلامية، وتمثل الأمة في اختيار حكامها وولاة أمرها، ورئيس حكومتها وقائد دولتها...»(36).

 

على أن هذه المجموعة التي تتركز شرعيتها أساساً على مبدأ الشورى الإسلامي، لم يكن لها في تاريخ الإسلام وجودا واضحا ومحدداً كمؤسسة. وإنما خضعت لتجاذب مختلف عبر التاريخ. كما أن مسؤولية أهل الحل والعقد، تكاد تنحصر في اختيار رئيس الدولة، الإمام أو الخليفة. إما غير ذلك من التدخلات في الشؤون العامة فان الوقائع التاريخية تضل غامضة وغير واضحة إلى حد بعيد.

 

بالإضافة إلى أن مفهوم المندوب أو النائب في الفكر السياسي الغربي المعاصر يختلف في كثير من جوانبه عما أنيط بأهل الحل والعقد من مسؤوليات قديماً. لكن الفكر السياسي الإسلامي المعاصر وسع أو حاول توسيع هذا المفهوم، لخلق روابط تجعل من أهل الحل والعقد هم نفسهم مندبو الأمة ونوابها المنتخبون في المجالس النيابية المعاصرة. داخل الأنظمة السياسية المعاصرة.

 

يقول الدكتور محمد غازي: «وهذا ما نص عليه ابن تيمية(ت 728هـت)، الذي يرى أهل الحل والعقد ليسوا إلا ممثلين للأمة. وكل ما يقومون به من واجبات، وما يعلمون من تصرفات هو بالنيابة عن جماعة المسلمين. وهي ليست تصرفات في حق أنفسهم بل هي تصرفات في حق جماعة المسلمين. حتى إذا بايع أهل الحل والعقد رجلاً، وامتنع الناس عن بيعته، لم يصر إماماً. وهذا الكلام في منتهى الوضوح والصارحة في كون أهل الحل والعقد ممثلين للأمة الإسلامية..»(37).

 

وهذا الكلام على إطلاقه يثير المزيد من النقاش حول وظيفة هذه المجموعة كما عرفت في الماضي، ووظيفة المندوب أو المنتخب من طرف الأمة في الديمقراطيات المعاصرة ودوره في المجلس النيابي أو البرلمان الذي قد يتجاوز الاستشارة إلى تشريع الأحكام وتقنين القوانين. لكن الشيخ النائيني لم يناقش هذه التفاصيل الخاصة بعمل المندوب وطريقة وحوله إلى المجلس وحدود صلاحتيه. بل اقتصر كلامه هنا على أصل مشورعية عمل المندوب أو الهيئة المنتدبة، للقيام بعمل المحاسبة والمراقبة.

 

وذلك باشتراط وجود مجموعة من المجتهدين داخل هذه الهيئة أو المجلس، ينحصر عملها في مطابقة القوانين والتشريعات المقترحة، بالشريعة الإسلامية، وعدم تجاوزها للأصول الإسلامية المعتبرة. وإذا لم يكن هناك مجتهدون من ض?


تعليقات الزوار
ارسال تعلیق