القراءات الجديدة للمصادر الدينية في مدار النقد

2009-08-18
0
207

تمهيد

 

موضوع هذه المقالة وفق الاقتراح الذي قدم لي هو «نقد التفاسير الحديثة، أو القراءات الجديدة للمصادر الدينية»[1]. وهو عنوان يبعث على الاشتباه إلى حد معين، ذلك انه يثير استفهاما حول قابلية كافة التفاسير الجديدة للكتاب والسنة للنقد والتفنيد، فيما الأمر ليس كذلك، فهذه المقالة لا تهدف إلى أمر من هذا القبيل، فما نهدف إليه هنا انما هو نقد النسبية المطلقة في فهم النص الديني، فنحن نلاحظ اليوم كتابات عديدة لمجموعة من الكتاب في العالم الاسلامي تصب جميعها في الاتجاه النسبي هذا. وبالرغم من ان العبارات المستخدمة، احيانا، ذات معان مختلفة الا ان الأمور في النهاية تصب في مجرى واحد، وهو الترويج والدعاية لنوع من النزعة التشكيكية والنسبية في فهم النصوص الدينية.

 

اما كبار المحققين المسلمين فيعارضون النسبية المطلقة في فهم النص الديني في الوقت نفسه الذي يذهبون فيه إلى الاخذ بمبدأ الاجتهاد وحيويته المتواصلة. وفي الحقيقة لن يكون لتحول الفهم معنى معقول ما لم تكن لدينا مجموعة من الاستنتاجات التي نعدها ثابتة، فهؤلاء يؤمنون بثبات بعض المفاهيم على الصعيد الديني، وهي تلك الاستنتاجات المرتكزة على النصوص القطعية للكتاب والسنة، أو المفاهيم التي تشكل الضروريات الدينية. والتحول والاجتهاد في فهم الدين يمكن الاعتراف بهما وفق هذه النتائج الثابتة، ومن دون امتلاك هذه النتائج لن يكون بأيدينا أي معيار لتقييم الفهم والاستنتاجات.

 

ووفقا لذلك، عندما نؤكد، في هذه المقالة، على بطلان النسبية المطلقة فاننا لا نهدف إلى القول بثبات كافة الافهام والاستنتاجات، وانما ندعي امرا اكثر معقولية وتواضعا، وهو تحقيق الاجتهاد المتواصل في بعض المقاطع من الكتاب والسنة ووجود مقدار من الثبات في بعضها الآخر.

 

النسبية أو المذهب النسبي

 

قبل الشروع في نقد المذهب النسبي، في قراءة النص الديني، لابد لنا من تقديم تصور اوضح له حتى تنجلي امامنا القضية التي يتمحور حولها الخلاف، ومن ثم النظرية التي نقوم بنقدها.

 

ان المطلعين على المجريات الفكرية والفلسفية في الغرب يعلمون جيدا المجالات المتنوعة التي طرحت فيها النزعة النسبية، فهناك توجهات نسبية متشددة ومتطرفة في مجال عالم المعرفة (Epistemology)، سيما فلسفة العلم (Philosoply of Science) وكذلك فلسفة اللغة (Philosoply of Language) موردا للتوجهات. وقد كانت هذه التوجهات موردا للنقد على الدوام من طرف المعارضين والمخالفين لهذه النزعة.

 

فعلى سبيل المثال ـ بالاضافة الي المذهب النسبي الموروث عن اليونانيين ـ كانت آراء توماس كوهن (T.Kuhn) وبول فايرابند (Paul Feyerabend) في فلسفة العلم[2] وغادامر (H.G. Gadamer) في الهرمنيوطيقا[3] وبعض آراء كواين في فلسفة اللغة[4] (لا سيما نظرية الكلية في معاني الالفاظ Holism، ونظرية عدم تعين المعني (Indeterminance)، ذات جذور نسبية واضحة، وهكذا الحال في ايمانية فيتغنشتاين (Wittgensteins Fideism) فانها تعد، وفقا لبعض التفاسير، المعنى تعين عدم ونظرية ، الحال وهكذا واضحة، نسبية جذور ذات نوعا من النسبية ايضا[5] وذلك بالرغم من ان هذه النسبية ليست صحيحة في حدود اعتقادي، يقر يطرحها التي ففي نظرية اشكال الحياة (Forms of Life) التي يطرحها يقر بثبوت بعض المعارف في كافة انماط الحياة والعيش، وهو بحث له مجاله الخاص به.

 

نريد هنا ومن دون ان نلاحق فرعا فكريا لفيلسوف معين ان نعرض بصورة مختصرة ثلاث أطروحات فقط من بين الأطروحات المتعددة التي تستفاد من مطاوي كلمات النسبيين الدينيين، ومن ثم نشير إلى نقدها. والجدير بالذكر هنا انه من الواضح ان المقالة التي تبنى على الاختصار التام لا تستطيع ان تفي لا بتلك الأطروحات ولا بالانتقادات التي تتوجه إلى جزئياتها وتفاصيلها.

 

الأطروحات المختلفة للنسبية

 

الأطروحة الأولى

 

ان انواع الفهم البشري جميعها ومن ضمنها الفهم البشري للكتاب والسنة في حالة تحول، ومن ثم فليس لنا أي فهم ثابت على الاطلاق، ما يعني نتيجة عدم وجود معلومات قطعية الصدق بين ايدينا، أي انه ليس ثمة فهم غير قابل للنقد[6]. هذه الأطروحة النسبية نفسها قابلة للنقد، كما انها من الناحية المنطقية تدمر نفسها وتنقض ذاتها.

 

اما النقد، فيتمثل في قضايا من قبيل «استحالة اجتماع النقيضين» و«2+2=4» وكذلك القياسات المنطقية وامثال ذلك، اذ لا يعقل التحول في فهم هذه القضايا، بمعنى انه ليس ثمة شخص يدعي امكانية اجتماع النقيضين في ظرف واحد، وبعبارة اكثر منطقية يحكم كل انسان بعدم وجود اجتماع للنقيضين في العوالم الممكنة، أو بعدم صحة المعادلة: «2+2=5» مثلا، وهكذا الاقيسة المنطقية الخ...

 

وبالاضافة إلى المشكلة السابقة تنقض هذه النظرية نفسها ايضا، أي ان شمولها لنفسها يستدعي عدم شموليتها ايضا، فاذا كانت كافة الافهام البشرية في حالة من التحول والتبدل، فان هذا الفهم نفسه هو في حالة تحول وتبدل ايضا، فمن الممكن ان لا تصدق هذه القضية في ظرف ما أو في عالم ما، ومن ثم لن تكون كافة الافهام في حال من التحول والتغير.

 

وقد اجاب بعض الباحثين عن هذه الاشكالية المعقدة، فقال:

 

اولا: ان مقولة «كل الافهام في حال التحول» انما هي مقولة من الدرجة الثانية، بمعنى انها ناظرة إلى قضايا الدرجة الأولى، ولذلك فليس ثمة أي تال فاسد من تعميم الحكم لقضايا الدرجة الأولى.

 

ثانيا: ليس تحول الفهم ذا صيغة اثباتية ابطالية دائما، بل ان ذلك يشمل ظاهرة العمق والتعمق في الفهم نفسه، فالفهم الاعمق لا يلزم منه بالضرورة ابطال الفهم السابق أو اثباته، بل ان ذاك الفهم السابق نفسه قد اصبح اكثر عمقا[7].

 

وفي ظني الشخصي فان هذا الجواب لا يحل مشكلة النسبية المطلقة باي وجه من الوجوه، بل انه في الواقع يعد نوعا من الفرار من المشكلة نفسها، اذ ان مجرد القيام بتقسيم القضايا إلى قضايا الدرجة الأولى وقضايا الدرجة الثانية لا يرفع المناط في التشكيك في ما سمي بالتحول والتبدل، اذ اننا نسأل: لماذا كانت قضايا الدرجة الأولى (First Order) في حال تحول فيما قضايا الدرجة الثانية (Second Order)  في امان من هذا القانون؟ ومجرد كون القضية ناظرة إلى قضايا اخرى لا يسوغ هذا التفكيك.

 

ان علينا ان نسأل: هل ان التشكيك الذي اثاره النسبيون، في مناطه وجوهره، شامل لمثل هذه القضايا أو لا؟ في تصوري الأمر كذلك بالتأكيد، ذلك ان القول بتحول المعارف، وفق تصريحات الكثير من القائلين به، ناشئ عن المحدودية البشرية، ففهم الانسان يتشكل تبعا لمحدوديته البشرية، ومن ثم فلا مفر من ان تسري تلك المحدودية إلى معارفه.

 

ومن هنا فاذا كان هذا هو استدلال النسبيين، فان هذه الاشكالية تسري إلى معارف الدرجة الثانية، كما هو الحال في معارف الدرجة الأولى، وحصره بالاخيرة لا دليل عليه.

 

اما الجواب الثاني المتعلق بمسألة التعميق، فانه يحتاج إلى اثبات مقولة جديدة تسمى «التعميق»، فهل ثمة شيء اسمه التعميق غير التكامل الكمي المتبلور على شكل الاثبات والابطال؟ انني غير قادر على القبول بشيء من هذا القبيل، فالكثير من الأمور التي اطلقوا عليها اسم تعميق الفهم، والفهم المعمق، انما تؤول إلى تأسيس قضية جديدة مختلفة عن القضية الأولى، فمثلا قد يقال احيانا: ان نظرية الاعتبارات في «الوجوب» هي نوع من تعميق الفهم لقضية «صلاة الجمعة واجبة»[8].

 

لكن في تصورنا لا تعمق نظرية الاعتبار فهمنا لهذه القضية، ولكنها تفسير يقع في مصاف التفاسير الاخرى التي قد لا تجتمع مع بعضها بعضا، كتفسير الوجوب على اساس ابراز ارادة الامر، أو بيان الضرورة بين الفعل والكمال المطلوب. وعلى اية حال فاصل مقولة تعميق الفهم بشكل مغاير للتكامل الكمي فيه أمر غير قابل للتصديق، فكيف بجعلها اساسا للتحول المعرفي العام[9].

 

الأطروحة الثانية

 

ان الكثير من المفردات الواردة في الكتاب والسنة تفسر على ضوء العلوم العصرية، وحيث ان العلوم العصرية في حال تحول دائم، فان فهمنا للكتاب والسنة المشتملين على هذه العلوم هو الآخر في حال تحول ايضا.

 

فالشخص الذي يقرأ في القرآن الكريم، مثلا، كيف اقسم الله تعالى بالشمس يفهم اذا كان من ابناء القرن الخامس الهجري ان الله تعالى يقسم بكرة مضيئة تدور حول الأرض، ويبلغ حجمها ما يساوي المئة والستين ضعفا لحجم الأرض. اما لو كان معاصرا مطلعا على العلوم الحديثة فانه يفهم الآية على انها قسم بكم هائل من الغاز الذي تبلغ حرارته العشرين مليون درجة ليشكل كيانا من طاقة ذرية تدور الأرض نفسها حوله، وهكذا الحال في ما يتعلق بمفردات من قبيل التين والزيتون والشمس والقمر والتراب والدم... الواردة في القرآن الكريم، ومن هنا تقوم الافكار العلمية والفلسفية بالتحكم بكل مفردة من هذه المفردات لتمنحها معنى جديدا لم يكن لها من قبل[10].

 

هذه الأطروحة التي تختزن بشكل واضح التوجه النسبي في فهم الكتاب والسنة تنبني على مبنى غير سليم في ما يرتبط بمداليل الالفاظ، فكأنه حصل هناك تصور يقضي بان التعرف على تمام مواصفات شيء ما وعوارضه هو أمر يعد دخيلا في فهم معنى هذا الشيء، وبعبارة اخرى معاني الالفاظ ذات سعة كبيرة إلى درجة اشتمالها على هذه الاوصاف جميعها، وغايته هو ان معاني الفاظ أي شيء مرتهنة بحجم اطلاع الشخص نفسه على عوارض ذلك الشيء واوصافه وحقيقته.

 

وسر الخطأ والاشتباه، في هذا الرأي، هو ان اوصاف شيء ما وعوارضه خارجة عن معناه، والا تبدلت بعض القضايا الممكنة بالنسبة للاشياء إلى قضية ضرورية، فالجملتان: «الشمس تدور حول الأرض» و«الأرض تدور حول الشمس» تعدان جملتين ممكنتين، وعلى اية حال فمفهوم كل منهما خارج عن مفهوم موضوعهما، وبالطبع عن اللفظ الدال على هذا الموضوع، واذا لم يكن الأمر كذلك وكانت جملة «الأرض تدور حول الشمس» داخلة في معنى كلمة «الشمس» لكانت قضية «الأرض تدور حول الشمس» قضية ضرورية في هذه الصورة، ذلك ان معنى الشمس وفق الفرض الاول متضمن لهذه النقطة، وهي ان الأرض تدور حول الشمس، والحال ان الذي يبدو لنا هو ان هذه القضية ممكنة، وهكذا الحال في باقي المفردات.

 

نعم هناك بحث في فلسفة العلم والفلسفة التحليلية يحكي عن ماهية القضايا العلمية، فهل هذه القضايا ضرورية أو ممكنة؟ ومن غير البعيد ان يكون القول بضروريتها هو القول الاصح، لكن هذه المسألة لا تؤثر على البرهان المتقدم، اذ يمكن الاستفادة من التحليلية والتركيبية مكان الضرورية والممكنة، فقضية «الشمس تدور حول الأرض» هي بوضوح قضية تركيبية (Synthetic) حتى لو كانت ضرورية (Necessary), والحال ان القول بدخول اوصاف الشمس في معنى لفظها يوجب تبديل القضية اعلاه إلى قضية تحليلية، ذلك ان المحمول يتحصل من مفهوم الموضوع، وهي نتيجة لا يمكن الموافقة عليها باي وجه من الوجوه.

 

وبهذا يتضح ان اوصاف الاشياء وعوارضها ليست داخلة في معنى لفظها، والمعرفة بها هي معرفة يمكن للعلم والفلسفة مثلا الوصول اليها في مورد ذاك الشيء، فلم يختزن دوران الشمس حول الأرض أو دوران الأرض حول الشمس في مفهوم لفظ الشمس نفسه.

 

وبناء على ذلك، فان معنى المفردات الواردة من هذا القبيل في الكتاب والسنة لا يتغير من هذه الجهة على الاقل. نعم ان معلوماتنا في ما يرجع إلى القمر عندما نقرآ آية {كلا والقمر} [المدثر/32] مغايرة للمعلومات السابقة، لكننا من لفظ «القمر» نفهم ما تم فهمه منذ عدة قرون، أو في صدر الاسلام، ومن ثم فلم يحصل تغاير في المعنى اللفظ ي للقمر، وهناك فارق اساسي وواضح بين هذين الامرين[11].

 

ان الأطروحة المتقدمة هي نوع بسيط من النظرية التوصيفية للاسماء الخاصة (escriptive theory of proper name) التي يعد بطلانها اليوم من مسلمات الفلسفة التحليلية. نعم، النظرية التوصيفية تملك بيانا اكثر تعقيدا من هذا يقوم على اساس تثبيت المحكي (Fixing Reference), وعلى اساس مجال القضايا (Scope) ونطاقها، وقد قمت بشرح تفصيلات هذا الأمر في كتابي: «الفلسفة التحليلية، الدلالات والضرورات»، كما تعرضت هناك للاشكالات المتوجهة على هذه البيانات الاكثر عمقا بشيء من التفصيل ايضا.

 

اما في ما يتعلق بالنظريات المبينة لماهيات الاشياء فهذا يحتاج بحثا آخر ضروريا ايضا، فقد يقال احيانا: ان نظرياتنا الجديدة تعطي عباراتنا ومشاهداتنا معاني جديدة، ولذلك فان المعاني مسبوقة بالنظريات التي تمثل لباسا لها، لكن لا المشاهدات ولا العبارات تعطي جميع النظريات وكافة المعاني، فبعضها اكثر تأييدا فيما بعضها الآخر لا تأييد فيه من الاساس والجذر، فثبات الالفاظ لا يصح اعتباره مساويا لثبات المعاني وموجبا له، فالمعاني تابعة للنظريات، وحيث ان النظريات متبدلة فان المعاني متبدلة ايضا في الوقت الذي تكون فيه الالفاظ ثابتة[12]. وقد اشار هذا القائل إلى النظريات المرتبطة بالماء والتراب والسماء والأرض في الماضي والحاضر كما جعل من اختلافها مؤكدا لكلامه هذا[13].

 

والحق ان هذه المسألة تختلف عن المسألة السابقة، فالمدعى هنا هو ان النظريات التي تعطينا مثلا البنية الماهوية للاشياء تعد ايضا معينة لمعانيها، وهذا الادعاء اكثر وجاهة حسب الظاهر من الادعاء السابق الذي كان يقول: ان اوصاف الشيء وعوارضه دخيلة في مفهومه، فالمدافع عن المدعى المتقدم يمكنه القول: ألم توضع الالفاظ للماهيات؟ ألم يوضع لفظ الماء، مثلا، لماهية الماء؟ وعليه فاذا قالت النظرية: ان ماهية الماء عبارة عن «العنصر البسيط السيال»، فان المعنى يكون قد تحصل بذلك، وفي المقابل اذا قيل: ان ماهية الماء عبارة عن «HO2»، فان المعنى سوف يتغير. فاذن في حالة النظريات التي تشرح البنية الماهوية للاشياء يمكن القول: ان هذه النظريات تقوم بتعيين معاني الالفاظ لهذه الاشياء.

 

وبالرغم من الوجاهة الظاهرية لوجهة النظر هذه الا انه لا يمكن اعتبارها صحيحة، ويمكن بالمزيد من التأمل تبين النواقص الموجودة فيها، فحتى في موارد الالفاظ ذات الماهية الواقعية لا يمكن اعتبار النظرية المرتبطة بماهياتها مؤثرة في معانيها، فلو كان الوضع على هذه الحالة كان ينبغي ان تكون قضية «HO2» قضية تحليلية (Analytic Synthetic) بكل وضوح، فليس الأمر بحيث ان معنى المحمول قد تم استخراجه من معنى الموضوع، ومن ثم فصدقه انما هو بلحاظ عالم المعنى فقط، بل ان هذه القضية ذات محتوى عيني وواقعي مرتبط بالعالم الخارجي.

 

سول كريبكي (Saul Kripke) في كتابه: (التسمية والضرورة) (Naming and Necessity) سجل مجموعة من الادلة في رد  المدعى المتقدم، وقد طرحت هذه الادلة بشكل مفصل في كتاب: «الفلسفة التحليلية، الدلالات والضرورات» ولا مجال لبحثها هنا.

 

واكتفي هنا بالاشارة إلى ان الشيء المعقول حتى في مورد اسماء الماهيات هو وضع اللفظ للماهية بنحو الاجمال، اما تفاصيل الماهية (اي تلك الماهية التي لا نملك المعلومات الكافية عن زواياها بالدقة) فهي خارجة عن مدلول الالفاظ، وهذا يعني ان مدلول لفظ «الماء» هو الاشارة الاجمالية للماهية المجملة التي نعرف مصاديقها البارزة، ومن ثم ففي هذا المعنى الاجمالي لا علاقة لـ «العنصر البسيط» ولا لـ«HO2» ايضا بل ولا لأية خصوصية اخرى يمكن ان تقترح من قبل النظريات المستقبلية.

 

وبناء عليه، فان ما نفهمه من لفظ الماء في قوله تعالى: ﴿وانزلنا من السماء ماء بقدر فاسكناه الأرض﴾ [المؤمنون/18] وما كان يفهمه المسلمون الاوائل في صدر الاسلام نفسه، والتفاوت الوحيد هو انه من الممكن ان تكون اطلاعاتنا عن الماء غير متوافرة لدى مسلمي صدر الاسلام، وهو تفاوت لا علاقة له بمعنى اللفظ ومدلوله.

 

الأطروحة الثالثة

 

كلما كانت هناك مصادرات دخيلة في قبول الوحي فان هذا سيكون دخيلا في فهمه، وحيث ان المصادر والفرضيات القبلية الدخيلة في الاعتراف بالوحي انما تمثل في الواقع الفهم الخاص للمتدينين عن العالم والانسان فانه لا محالة سيكون مبنيا على جملة مبان فلسفية ومعرفية خاصة[14]. وحيث ان هذه المباني الفلسفية والمعرفية في حال تحول دائم فان فهم الكتاب والسنة سيكون هو الآخر في هذه الحال ايضا.

 

في تصورنا فان الملازمة بين الفرضيات القبلية للاعتراف بالوحي وفهمه انما هي مجرد ادعاء، وهو ادعاء غير صحيح، ولا يمكن باي وجه من الوجوه ان تكون شروط الاعتراف بالوحي دخيلة في فهمه، ومن افضل الادلة على هذا الكلام التحقيقات التي قام بها المستشرقون على صعيد فهم الكتاب والسنة، فاذا بنينا على ان ما كان شرطا في قبول الوحي شرط في فهمه ايضا فهذا يعني انه لا يمكن لاي مستشرق مسيحي ان يفهم القرآن الكريم أو يدرك الاحاديث النبوية وهكذا، وهي نتيجة لا يخفى وضوح بطلانها على أي مبتدئ.

 

وسر الخطأ في هذا المدعى هو الخلط الذي حصل بين عمليات «فهم النص» وقبوله، فمن الممكن ان يفهم الانسان نصا معينا، من دون ان يكون معتقدا به، نعم لابد من ان يكون هناك نوع من التناغم والانسجام، لدى المؤمن، بين معتقداته وبين فهمه للقرآن والسنة، بيد ان هذا الانسجام لا يعني توقف واحد منهما على الآخر.

 

ما تقدم حتى الآن كان عبارة عن عرض ثلاث أطروحات من بين مجموعة أطروحات مختلفة متصلة بالاتجاه النسبي في فهم الدين، وهناك بيانات اخرى متعددة ايضا تتعلق بهذه النسبية لا مجال مع الاسف لطرحها هنا ومن ثم نقدها، لكن المقدار الذي بيناه يمكنه ان يدلل على ان أطروحة الفهم الديني النسبي مقولة مبنية على اسس غير سليمة في باب الهرمنيوطيقا (Hermenutics) وفلسفة اللغة (philosophy of Language) يمكن بتنقيحها.

 

النسبية من المنظار الديني

 

كان الكلام في البحث السابق منصبا على المذهب النسبي من زاوية خارجية، أي خارج النطاق الداخلي الديني، لكن يجدر بنا الانتباه إلى أمر آخر ايضا، وهو: هل ان هذه النسبية يمكن الاعتراف بها من جانب الكتاب والسنة أو انها منفية جزما؟ في تصورنا الاحتمال الثاني هو الاحتمال الصحيح، فما يستنتج من مجموع الآيات والروايات المتعددة يفيد بطلان الاتجاه النسبي ورده بشكل قاطع، وفي الحقيقة الدين، بفرضياته القبلية، لا يمكنه القبول بنسبية الفهم لدى مخاطبيه وبشكل مطلق، أي ذاك الفهم المتعلق بما جاء في الكتاب والسنة بحيث لا نكون قادرين على القول: ان الكتاب والسنة يدلان واقعا على هذا الامر.

 

من جملة الآيات التي لازمها نفي الاتجاه النسبي تلك الآيات التي تعبر عن القرآن الكريم بانه «نور» وكتاب «هداية» وتنعته بذلك: ﴿قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين﴾ [المائدة/15]، ﴿واتبعوا النور الذي انزل معه﴾ [الاعراف/157]، ﴿هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين﴾ [آل عمران/138]، ﴿هذا بصائر من ربكم وهدى ورحمة للمؤمنين﴾ [الاعراف/203].

 

اذا كانت كافة الاستنتاجات والتصورات التي نحصل عليها من فهم القرآن الكريم تخضع لاطار النقص والضعف البشري بلا استثناء، ولذلك فهي في حالة سيلان دائم، بحيث لا يمكننا ان نجزم باي أمر نفاه القرآن أو اثبته... في هذه الحالة كيف يكون القرآن الكريم كتابا هاديا؟! فالكتاب والسنة لا يمكن ان يكونا هاديين الا في الحالة التي يمكن الوصول فيها إلى بعض المحتويات والمضامين التي يحويانها بشكل قاطع ومطابق للواقع.

 

ومن جملة هذه الآيات تلك الايات التي تفرض على المسلمين اتباع الكتاب والنور الالهي كما تعد اتباع النبي (ص) امرا لازما ايضا: ﴿اتبعوا ما انزل اليكم من ربكم﴾ [الاعراف/3]، ﴿وهذا كتاب انزلناه مبارك فاتبعوه﴾ [الانعام/155].

 

متى يمكننا القول: اننا اتبعنا القرآن الكريم؟ اذا كانت كافة استنتاجاتنا من القرآن قابلة للتردد والتشكيك، فان الأمر باتباع القرآن سيكون في هذه الحالة بلا معنى بل فوق طاقة البشر، فوفق النظرية النسبية ما يمكن ان يتبع في كل عصر أو ما يتبع فعلا، انما هو مجرد ظنون وتخيلات يمكن ان تطابق الواقع كما يمكن ان لا تكون كذلك.

 

ومن جملة الآيات هنا ايضا الآية الشريفة: ﴿يعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون﴾، وهذه الآية تدل بصراحة على ان الله تعالى وعن طريق النبي سيقوم بتعليم المسلمين الكتاب والحكمة، فاذا ما كان الفهم البشري في الواقع ناقصا على الدوام فكيف يمكن ان نقول: ان المسلمين قد تعلموا الكتاب والحكمة من النبي (ص)؟! ومن الآيات، ايضا، ﴿هذا بيان للناس﴾ [آل عمران/138]، ﴿هذا بصائر للناس﴾ [الاعراف/203].

 

ومن الواضح انه لا يمكن للقرآن ان يكون بيانا للناس أو بصائر لهم الا في الحالة التي يمكن للناس ان ينالوا فيها الفهم المطابق لهذا الكلام، فاذا كانت افهامنا عن القرآن الكريم ناقصة بشكل دائم فكيف يمكن ان يكون القرآن بيانا لنا أو بصائر كذلك؟ ويقول الامام علي (ع) في نهج البلاغة: «وعليكم بكتاب الله فانه الحبل المتين» (الخطبة 156)، أي ان كتاب الله هو الملجأ لمن تمسك به، فاذا كان افتراضنا عبارة عن انه لا يمكن في أي حال من الاحوال التوصل إلى يقين بمضمون هذا الكتاب المقدس ومن ثم فهمه، فهل يمكن ان يكون تمسكنا به ذا معنى من المعاني؟! بل الصحيح ان التمسك ب


تعليقات الزوار
ارسال تعلیق