مقدمة فكرية لحركة المشروطة

2009-11-29
0
212

كان الغزو الصليبي على مر عصور التاريخ الإسلامي عاملا من عوامل تماسك المسلمين ووحدة صفهم واجتماع كلمتهم.. ولكن المرحلة الأخيرة من هذا الغزو استطاعت أن تمزق وتشتت.. لأنها كانت وفق خطة مرسومة دقيقة.
والخطة تقضي تجنيد أفراد من داخل العالم الإسلامي ينفذون خطة المستعمرين عن قناعة أو عن تطميع. ولذلك ظهر منذ بداية الغارة الأخيرة في جميع أرجاء العالم الإسلامي فئة أطلقت على نفسها أسماء مختلفة: منوري الفكر .. المثقفين.. التقدميين و .. ويجمعها التنكر لجذور الأمة الفكرية والعقائدية والروحية. والهزيمة النفسية أمام الغرب.
وهذه الفئة استطاعت أن نقدم للغزاة خدمة لم تقدمها لهم جيوشهم المجهزة ولا أسلحتهم الفتاكة المتطورة. لأنها توجّهت إلى إضعاف عامل بقاء الأمة وقوامها وتماسكها.
ولكل بلد في العالم الإسلامي تجربته المرة في هذا المجال. وهنا نحن نقدم تجربة إيران في دراسة فريدة من نوعها، عسى أن تكون عاملا على توعية الأمة على ما يحيط بها من محاولات التمزيق والسيطرة.

 


 المقدمة
اتجهت دعوة الأديان الإلهية جميعا إلى دفع المسيرة البشرية على طريق الكامل المطلق سبحانه، لتحقق بمقدار ما أوتيت من قوة وقدرة وتجربة كمالها النسبي في مجال العلم والحكمة والعدل والإبداع والجمال. وكانت الرسالة الإسلاميّة  هي خاتمة الرسالات السماوية، لما تحمله من مقومات الدفع الهائلة للبشرية حتّى يرث الله الأرض ومن عليها.
والواقع أن الإسلام نهض بعملية تحرير كبرى للبشرية حين وضع عنها أصرها وما كان عليها من أغلال العبوديات الكاذبة والأوهام الفارغة والعصبيات الضيقة، وجعلها تنطلق بسرعة فائقة في ميادين الكمال البشري. وهذه الانطلاقة آتت أكلها على الساحة التاريخية وامتد عطاؤها ليشمل كلّ أصقاع المعمورة بصورة مباشرة وغير مباشرة، وليرسم للإنسانية طريق عزتها وكرامتها.
ورغم كلّ ما واجه المسيرة من عقبات الذاتيات المستفحلة، والآلهة المزيفة المتعملقة، والجبابرة الطغاة، والموجات الهمجية، وعمليات الإبادة الحضارية، ومظاهر التزييف والتخدير والتحميق والتحمير باسم الدين، رغم كلّ ذلك ظلت شعلة الدفع الكبرى متوهجة تثير الأشواق البشرية في المجتمعات الإسلاميّة  نحو الفكر والمعرفة والعدل ومقارعة قوى الظلام..
وهذه العلوم الواسعة المعمقة في شتى مجالات المعرفة، وهذا النشاط الواسع في حقل التدريس والتأليف على مرّ العصور، وهذه الثورات المتواصلة رغم كلّ ما لاقته من بطش وتنكيل إنما هي تعبير عملي عن شحنة الدفع التكاملي التي أودعها الإسلام في نفوس أبنائه.
 
غير أن العالم الإسلامي واجه منذ أوائل القرن السابع عشر الميلادي خطة لاقتلاع هذه الروح الإسلاميّة  من النفوس، ولخلق هزيمة نفسية أمام الأعداء، ولتربية جيل يتطوع لتقديم كلّ مقدرات بلاده ضحية على معبد الطاغوت الغربي. ونشأ على أثر ذلك جيل ما يسمى بالمثقفين أو منوري الفكر ليتولى «مسؤولية» تعميق الهزيمة وبيع المقدرات والاستهانة بكل ما هو أصيل في هذه الأمة.
وفي هذه السطور نتحدث عن تجربة إيران في إطار خطة المسخ هذه لنضيفها إلى رصيد تجارب العالم الإسلامي، عسى أن يكون هذا الرصيد لنا عونا في صحوتنا الإسلاميّة المعاصرة.

 


 
بدايات الخطة
في سنة 1600 ميلادية (1020 هجرية) وقّعت الملكة «اليزابيث الأولى» على وثيقة حصر التجارة الشرقية باسم شركة الهند الشرقية تمهيدا لغزو الهند. ووضعت وزارة المستعمرات البريطانية خطة السيطرة على إيران، واقترن غزو الهند بالهجوم على إيران، واقتضت الخطة بالنسبة لإيران تنفيذ مايلي:
1
ـ أن تبادر وزارة الخارجية البريطانية إلى تأسيس سفارة ومؤسسات بريطانية في إيران.
2
ـ توجيه التعليمات إلى الشركات البريطانية لتأسيس فروع تجارية في إيران وللعمل على مدّ الطرق وإنشاء البنوك والحصول على امتيازات استثمار المناجم.
3
ـ توجيه التعليمات إلى المستشرقين للتوجه إلى إيران ودراسة آداب هذا البلد وتاريخه وفنونه.
4
ـ إصدار التعليمات إلى علماء الآثار لدراسة الآثار التاريخية في هذا البلد، وكانت هذه الدراسة مقرونة طبعا بنهب منظّم دقيق لكثير من كنوز إيران الأثرية.
5
ـ أن تنشط المحافل الماسونية البريطانية الفرنسية في إرسال أفرادها إلى إيران لتشكيل تنظيمات ماسونية فيها، وتشجيع الإيرانيين الوافدين على بريطانيا للانتماء إلى الماسونية.
6
ـ أن  تنشط الإرساليات البريطانية إلى إيران في الاستفادة إلى أقصى حد مما في البلد من فساد وارتشاء وسرقة، وأن لا يعملوا أبدا على معالجتها، بل أن يسعوا في إشاعتها.
7
ـ منح الدبلوماسيين البريطانيين المقيمين في إيران صلاحيات لعقد معاهدات تتوجه إلى تقسيم البلاد، وإضعاف الحكومة المركزية، وصد أية عملية تنمية فيها.
وكانت كلّ بنود هذه الخطة تتجه إلى تمهيد السبل أمام الغزو البريطاني لإيران.(1)
ولو أمعنا النظر في جذور كثير من الحوادث المفتعلة خلال القرنين الأخيرين في إيران لوجدناها تعود إلى تلك الخطة الموضوعة.
لقد بدأ تنفيذ هذه الخطة حين كان أبناء هذا البلد يغطّون في سبات عميق، لا يدرون ما يجري حولهم، ولا يفكرون إلاّ في معاناتهم اليومية من الجوع والمرض وأنواع الأوبئة الوافدة من شبه القارة الهندية. وعلى حين غرّة اقترنت أمراضهم وأوبئتهم بأمراض وأوبئة «سياسية» غير مشهودة، ظهرت آثارها فيهم بالتدريج، وظهر الضعف والهزال في جسد هذه الأمة العظيمة المقاومة الصامدة على مرّ التاريخ، وأنزلوا كلّ يوم جرحا عميقا في شلو من أشلائها، وحالوا دون تطبيب
هذا الجرح ومعالجته، ولما آل الأمر إلى عفونته، تقدموا متلبسين بلباس جرّاح عطوف إلى فصل هذا الشلو عن الجسد. واستفحل الفساد بألوانه حتّى خيم اليأس على الناس، وأيقنوا أن لا قدرة لهم على العلاج.
في مثل هذه الظروف الحاكمة تحرك الخناسون ليكتبوا لآلام هذه الأمة المحتضرة وصفة دواء ربّما أزالت بعض العوارض وسكّنت بعض الآلام، لكنها كانت تؤدي فيما تؤدي إلى الغفلة عن جذور المرض وعلاجه.
يبدو أن أول مبعوث رسمي بريطاني قدم إلى إيران في العصر الصفوي هو «انطوني جنكنسن»، فقد بعثته ملكة بريطانيا محمّلا برسالة إلى الشاة طهماسب تخاطبه فيها بما يتناسب مع مزاج الشاه الصفوي من ألقاب: شاهنشاه إيران وشعب «ماد» و «پارت» و «گرگان» و «كرمان» و «ماركو» (مرو) وقبائل ضفتي شط دجلة وسائر القاطنين بين بحر الخزر والخليج الفارسي .. الصوفي الكبير .. الحاكم العريق والمقتدر .. ثم تقول له : لقد بعثنا إليكم خادمنا الوفي انطوني جنكنسن ليتجول في بقاع مملكتكم ولاقامة علاقات تجارية مع رعاياكم..
يقول اللورد كورزن (curzon) في كتابه إيران ومسألة إيران (persia and persian Question)): «حين قدم جنكنسن قزوين وقابل الشاه وسلمه رسالة ملكة بريطانيا قال له الشاه: آه، أيها الكفار، نحن لسنا بحاجة إلى صداقتكم، وأمره بالعودة من حيث أتى، ثم أمر الشاه أن تعفّر آثار أقدام هؤلاء البريطانيين بالتراب لأنهم نجّسوا الأرض التي وطأوها».
خرج هذا المبعوث البريطاني من إيران خائبا، واتجه إلى موسكو، وقضى الشتاء هناك، وفي العام التالي عاود الكرة واصطحب معه شخصين هما «توماس الكوك» و «ريتشارد جني»، وتوجه نحو إيران، لكنه وجد من «عبدالله خان» والي شيروان صدودا وإعراضا، لان هذا الوالي كان ساخطا بسبب مقتل أحد المسلمين
على يد أحد أتباع روسيا! فعاد الثلاثة أدراجهم يجرون أذيال الخيبة.
ويظهر أن محاولات البريطانيين وخططهم للنفوذ في بلاط الشاه تواصلت بكثافة، إذ نرى بعد عامين يدخل بلاط الشاه طهماسب وفد تجاري بريطاني مبعوث من شركة الهند الشرقية، وينجح الوفد في كسب موافقة الشاه على إعفاء الشركة من الحقوق الجمركية والترانزيت، وعلى إجازة الشركة أن تسافر إلى كلّ أجزاء إيران وتتاجر فيها.(2)
هذا أول موضع قدم للبريطانيين في إيران، وتبعه نشاط دائب أدى إلى إقامة علاقات ودية!! بين البلدين.
يحسن بنا أن نستقرأ في هذا المجال بعض النصوص في كتاب تاريخ العلاقات الإيرانية الأوروبية:
جورج منوارينغ (George Manwaring) من مرافقي «السير انطوني شرلي» يتحدث عن وصول الوفد البريطاني قزوين والضيافة التي أعدها له الشاه عباس، يقول:
«
في قصر فخم جدا ورائع جدا، علقت على جدرانه المنسوجات المذهبة الثمينة، وفرشت على أرضه سجاجيد جميلة، وضع على المائدة ألوان الأطعمة، وأذكر منها فقط أنواعا من الرز، كلّ نوع بلون معين. وفي المجلس عدد من مطربي البلاط يشتغلون بالعزف، وفي داخل البيت مجموعة خاصة من العازفين. وإضافة إلى ذلك ثمة عشر نساء جميلات فاتنات يلبسن ثمين الثياب كن يمارسن خلال مدة الضيافة الرقص والدبك على الطريقة الإيرانية».
.. «
السير روبرت شرلي بعد مغادرة أخيه تولّى منصب قيادة عسكرية، ونال الرتب والنياشين الراقية خلال حروب شاه إيران مع السلطان العثماني، وأبدى من الحزم وفنون الحرب ما جعل الإيرانيين يهدونه التاج تقديرا لفتوحاته. حين واجه العدو أخذ بيده رمحا وحمل على الأتراك حملة أثارت الحيرة والدهشة، وأدت إلى هزيمة الأتراك».
«
صموئيل پرچاس» (Samuel Purchas) القسيس البريطاني الذي زار المشرق خلال السنوات بين 1613 و 1626 يكتب في رحلته:
«
الحكومة العثمانية التي بثت الخوف والرعب في العالم المسيحي، هي الآن مذعورة من فرد بريطاني هو السير انطوني شرلي، وقلقة على مصيرها. لقد تعلم الإيرانيون فنون الحرب من شرلي...».(3)
في هذه النصوص التاريخية نكات على غاية الأهمية تستطيع أن تضع النقاط على كثير من الحروف. يتبين منها:
أولا: أن السياسة الاستعمارية تقضي أن المستعمرين حين يطردون من الباب يحاولون أن يتسوّروا المحراب. ويواصلون المحاولات تلو المحاولات بشتى الأساليب حتى يحققوا ما يصبون إليه من أهداف.
ثانيا: إن الوضع الداخلي للبلاط كما ورد في النص يميط اللثام عن حقيقة الحكم الصفوي. فهو ـ رغم اشتهاره بالدفاع عن التشيع وإفساح المجال لمراقبة وإشراف علماء الدين ـ كان غارقا فيما يغرق فيه الطواغيت والمتفرعنون.
ثالثا: مدى ما كانت تحمله الصليبية من حقد على الدولة العثمانية، وسبب اهتمام انطوني شرلي بتدريب الإيرانيين عسكريا، وتحويلهم إلى خنجر يطعن ظهر العثمانيين.
 
رابعاً: فتح الطريق أمام الغزو الثقافي والمسخ الثقافي..
كل الجهود انصبت على طريق نهب ثروات الشعوب وعلى إزالة كل مانع في هذا الطريق. ولم يكن ثمة عقبة أمام نفوذ الأجانب في بلدان العالم الإسلامي أكبر من الإسلام بمعناه الشامل. وكان الغرب الصليبي على علم كامل بخطر الإسلام، ولذلك لا نشك في وجود الأيدي الصليبية وراء هجوم المغول على العالم الإسلامي، ووراء الصراع الدموي بين العثمانيين والصفويين.
كانت الأيدي الغربية الآثمة تسعّر نار الخلافات والحروب بين الاخوة المسلمين الإيرانيين والأتراك لتضعفهما معا ولتوقف الإيرانيين عند حدود مصالح إمبراطورية الهند الشرقية وتوقف الأتراك عند حدود أوروبا المركزية، ثم لتأتي على سائر أجزاء العالم الإسلامي لتأكلها واحدة بعد أخرى بعد أن أكلت الثور الأبيض.
واجتمعت العوامل لتنخر في جسد الحكومة الإيرانية وتؤدي بها إلى منتهى الضعف والهزال: تدهور الحكومة الصفوية.. وهجوم الأفغان.. وقيام شركة الهند الشرقية.. وتنفيذ الدسائس في الحدود الجنوبية والجنوبية الشرقية.. وتزلزل الحكومة الزندية.. وفشل «لطف علي خان الزندي» في الاحتفاظ بالسلطة التي وطدها له أبوه.. والمجازر الدموية الظالمة التي ارتكبها «آقا محمد خان القاجاري»..
ولسوء الحظ فان هذا الضعف والهزال في جسد الحكومة الإيرانية صادف ذروة اقتدار «نابليون» ملك فر انسه الذي استشعر حلول روح «الاسكندر المقدوني» فيه، وطمح إلى أن يسخّر الشرق والغرب تحت قبضته.. واستهدف إلى أن يتعاون مع «بولس الأول» قيصر روسيا، ومع الجيش الإيراني ليخرج الهند من قبضة البريطانيين. من هنا دخل البريطانيون بكل قواهم ساحة المعركة ليحولوا دون تنفيذ خطة نابليون، واتجهت جهودهم بالدرجة الأولى صوب إيران التي كانت تعتبر يومئذ بوابة الهند.
«
السير هاردفورد جونز» و «السير جان ملكم» وهما من كبار أساتذة الماسونية يدخلون إيران، ويذكر جونز في مذاكرته: «... لقد أدخلت في الماسونية ما استطعت من رجال إيران ووفّرت الأجواء لقدوم السير جان ملكم».(4)
فتح علي شاه الذي كان يعاني من عجز في الميزانية ومن النفقات الباهضة لبلاطه وبيت حريمه اضطر إلى تأمين احتياجاته عن طريق أخذ الرشوة تحت عناوين مختلفة من الأوربيين.
حاشية الشاه اقتدوا بالشاه في أخذ مثل هذه الرشاوي. على سبيل المثال وزير خارجيته «ميرزا أبو الحسن خان الشيرازي»، الذي شغل قبل ذلك منصب سفير إيران في بريطانيا، كان يتقاضى راتبا شهريا بمبلغ ألف روبية من شركة الهند الشرقية، منذ سنة 1810 حتّى وفاته سنة 1846، ومن الطريف أنّه  تقدم سنة 1843 بطلب إعطاء نصف هذا المبلغ لولده بعد وفاته!5 هذا الطلب رفضه «اللورد بالمرستون» وزير خارجية بريطانيا آنئذ. وسنعود إلى الحديث عن ميرزا أبو الحسن هذا في مناسبة أخرى.
«
جان ويليام كي» البريطاني يتحدث في كتابه: «تاريخ الحروب الأفغانية» عن مهمة السيرجان ملكم والسير هاردفورد جونز، وتوزيعهما الرشاوي على الشاه وحاشيته ويقول:
«
كان ملكم يحل مهمة الدخول في محادثات مع إيران عن أحد طريقين: الأول: إعطاء 300 ـ 400 ألف روبية على شكل قرض لمدة ثلاث سنوات إلى الحكومة الإيرانية. والثاني: أن يكسب الشاه وحاشيته بدفع الرشاوي لهم. وملكم اختار الطريق الثاني ونال مبتغاه.(6) كانت كلّ المشاكل تحل عن طريق الجنيهات والذهب البريطاني بشكل سحري.
..
على سبيل المثال لو أريد إخراج أحد أتباع فرنسا من إيران، فان قيمة إخراجه يساوم عليها كما يساوم على ثمن الحصان. إيران بلد لا يمكن القيام فيه بأدنى خطوة دون إنفاق مبالغ ضخمة».(7)
خطط بريطانيا الماهرة في زمن حكومة نابليون بشأن إيران تعد من أتقن الخطط وأبرعها في تاريخ الدبلوماسية العالمية. فقد نجحت هذه الخطط في إحباط محاولات فرنسا وروسية للإغارة على الهند، بل ونجحت أيضا في فصل أجزاء مهمة عن إيران وشراء ذمم عدد من الرجال وتحويل الحكومة إلى كائن هزيل لا يقوى على شيء.

 

تزايد النفوذ الماسوني في جهاز الحكم القاجاري
من أجل أن نلقي الضوء على الأوضاع في العصر القاجاري ننقل أولا بعض النصوص عن كتاب «ناسخ التواريخ» الذي يعتبر أفضل مصدر عن هذا العصر:
«
حين تسلط الروس على أرض المسلمين اعتدوا على الأعراض والأموال. بلغ خبر ذلك «السيد محمّد أصفهاني» عن طريق بعض خدم نائب السلطنة ممن كان مستاء من مصالحة الروس. وكتب السيد الأصفهاني الذي كان يقطن العتبات المقدسة إلى جهاز بلاط الشاه أن قد حان حين الجهاد مع الروس فما هو رأي الشاه في ذلك؟ فقال الشاه: نحن كنا دائما في فكر الجهاد ونذرنا أنفسنا لترويج الدين والشريعة. وما إنّ  سمع السيد الأصفهاني برأي الشاه حتّى توجه إلى دار الخلافة فوصل طهران في العشر الأواخر من شهر شوال المكرم، واستقبله جميع الأمراء والعلماء..».
«..
من جانب آخر أمر الشاه «الميرزا أبو القاسم مستوفي الأصفهاني» أن يستضيف »جان مكدانولد كيز» البريطاني الذي أرسلته حكومة الشركة الهندية ليقيم في إيران وكيلا لدولة بريطانيا خلفا لـ«هنري دلك»..».
«..
وأرسل «نيقولا« إمبراطور الروس »كينياز بخشكوف» ليكون سفيرا في إيران.. واستقبله الشاه في السادس عشر من ذي العقدة، فتسلم الشاه رسالة الإمبراطور وعرشا من البلّور مهدى إليه. وهذا العرش كان قد أعده لشاه إيران «الكسندر بادلويج»، ولكنه لم يبق في الحكم، وعندما جلس أخوه نيقولا على عرش السلطنة أرسل ذلك العرش. وهو بطول ثلاثة أذرع وعرض ذراعين من البلور الأبيض المرصع، على كلّ جانب منه ثلاث مشارب يفور منها الماء، وخلف المقعد تمثال قرص الشمس من البلور الصافي..».
«..
يوم الجمعة السابع عشر من ذي القعدة، جناب السيد محمّد والملا محمّد جعفر الاسترآبادي، والسيد نصر الله الاسترآبادي والسيد محمّد تقي القز ويني والسيد عزيز الله طالشي وعلماء وفضلاء آخرون وردوا معسكر الجيش، واستقبلهم الأمراء والحكام. ويوم السبت وصل الملا أحمد نراقي الكاشاني وهو ممن بزّ أقرانه من علماء الاثنى عشرية يرافقه الملا عبد الوهاب القز ويني وجاعة من العلماء والحاج ملا محمّد نجل الحاج ملا أحمد الذي كان هو أيضا من أفاضل المجتهدين. وسارع كلّ الأمراء والحكام والأعيان لاستقباله، واصطحبوه إلى محل إقامته بالتكبير والتهليل. وهؤلاء المجتهدون اتفقوا على إصدار فتوى الجهاد، وأنّ كلّ من يتهاون في جهاد الروس فقد عصى الله وتابع الشيطان..».
«...
وبين هؤلاء كان معتمد الدولة الميرزا عبد الوهاب ووزير الخارجية الميرزا أبو الحسن ممن لا يرتضي محاربة روسيا. أرسل المجتهدون إليهما خطايا شديد اللهجة وقالوا لهما: إنّ في عقيدتكم ودينكم لفتورا، وإلا فلم تستكرهون جهاد الكفار.. فسكت هذان عن المعارضة...».
«
سفير الروس يأس من الحديث مع جهاز الدولة وأراد أن يقابل العلماء عله يصرفهم عن موقفهم، ويقنعهم بأنه يتعهد أن يبعد الروس عن حدود إيران. فأجابه المجتهدون بأن الحديث مع الكافر بلين واستسلام ذنب كبير في شريعتنا، وأننا نعتقد بوجوب جهاد الروس حتّى ولو ابتعدوا عن حدودنا. وفي النهاية استدعى الشاه سفير روسيا وقال له: الأمر الآن أصبح يقوم على أساس مباني الشريعة، ونحن فضلنا دائما قوام الملّة على مصلحة الدولة. وأجازه أن ينصرف، وأعطاه ألف تومان ذهبا وأشياء أخرى...»(8)
ولنتعرف على ميرزا أبو الحسن خان المعروف بـ«ايلچي» (مبعوث الحكومة) الذي أصبح فيما بعد وزيراً للخارجية:
«..
في سنة 1215 هـ حين أمر فتح علي شاه بتنحية الحاج إبراهيم كلانتر عن رآسة الوزارة واعتقاله، أصبح أعضاء أسرة الحاج إبراهيم بين أسير أو قتيل أو مسمل العيون أو مشرد، كان ميرزا أبو الحسن خان آنئذ حاكم شوشتر، فجيء به أسيرا إلى طهران، وهمّ الشاه أن يقتله لو لا وساطة بعض أعضاء البلاط، فعفي عنه وأجبر على الإقامة في شيراز. لكن الميرزا  هذا استطاع بمساعدة الإنجليز أن يذهب إلى الهند عن طريق البصرة، وأقام في بمبي. وفي سنة 1223، توسط الصدر الأصفهاني فأعاده إلى طهران. وبعد عامين ذهب إلى لندن بعنوان مبعوث الحكومة يرافقه جيمز موريه سكرتير السفارة البريطانية.
«
السير جور اوزلي بارت «Sir Gre Ozely Bart» مستضيف أبو الحسن خان ومن زعماء الماسونية عرف ضيفه بسرعة ورآه مناسبا للورود في حلقة الماسونية. والميرزا أبو الحسن خان مثل الميرزا عسكرخان (أول ماسوني إيراني) طوى كلّ مراسم الماسونية بسرعة، وخلال مدة قصيرة اعتلى منصب «پاست جراند ماستر» «Past Grand Master» وتولى من قبل «جراند لوج انجلند» مهمة التعاون مع السير جور اوزلي ـ الذي ارتقى إلى  منصب رئاسة الماسونية الإقليمية في إيران ـ لتأسيس لوج ماسوني فيها...».(9)
ولنلق الآن نظرة على أهداف روسيا في هجومها على المناطق الحدودية الإيرانية من خلال البند التاسع من الوصية المنسوبة إلى «بطرس الكبير» إمبراطور روسية المقتدر في النصف الأول من القرن التاسع عشر:
«
يجب أن نقترب ما وسعنا من اسلامبول والهند. من يحكم هذه المناطق يحكم العالم حقيقة. من هنا لابد من إثارة حروب مستمرة مع الإيرانيين، يجب إنشاء أحواض صناعة السفن على ساحل البحر الأسود واحتلال هذا البحر والبحر البلطيقي بالتدريج، فهما يشكلان منطقتين مهمتين للتقدم وتنفيذ الخطة. ولابد من العمل على الإسراع في اضمحلال إيران والسيطرة على الخليج الفارسي، وإعادة الحياة قدر الإمكان إلى الطريق التجاري الشرقي القديم عبر سوريا حتّى الهند التي هي بمثابة مستودع العالم. وحين نصل إلى هذه المناطق بإمكاننا أن نعرض عن ذهب بريطانيا».(10)
الضعف التدريجي الذي دبّ إلى جسد الحكومة الإيرانية خاصة في عصر فتح علي شاه قد وفّر الفرصة لهجوم روسيا على إيران، الحروب الروسية الإيرانية التي استهدفت تحقيق أهداف القياصرة التوسعية جرت في مرحلتين، واستغرقت 11 شهرا. المرحلة الأولى: من 1218 إلى 1228 هـ ، والمرحلة الثانية: من 1241 إلى 1243 هـ وأسفرت عن انفصال 17 مدينة من اكبر مدن إيران الشمالية والتحاقها بروسية.
ولنقف ـ ولو قليلا ـ عند ردود الفعل تجاه هزيمة إيران أمام روسيا لأنها هامة في إلقاء الضوء على تسلسل بحثنا هذا. ونكتفي بمثال واحد من أصحاب «الأصالة» وبمثال من «المستغربين».

 

الشيخ شامل
الشيخ شامل رئيس الطريقة الصوفية النقشبندية، وزعيم المجاهدين المسلمين القفقاسيين، أعلن الحرب على روسيا في أواسط القرن الثالث عشر الهجري وحارب لسنوات جيش القياصرة، لتحرير القفقاس من السيطرة الروسية. وتعاون لمدة مع «القاضي ملا» المجاهد القفقاسي المعروف، وبعد مقتل القاضي ملا قتل أيضاً خلفه «حمزة بيك» (1834م) فأصبح الشيخ شامل زعيم مجاهدي داغستان. حارب هذا الشيخ مدة 25 سنة (1834 ـ 1859م) لتحرير بلاده ضد قادة جيش الإمبراطورية الروسية، وحمّل الجيش الروسي خسائر فادحة، وأبدى مهارة قتالية فائقة. استمرار هذه الحرب وطول


تعليقات الزوار
ارسال تعلیق