الثورة الإسلامية طريق الاستمرار

2010-03-10
0
226

إنّ الدفاع وحراسة وإسناد الثورة الإلهية من الواجبات التي أكدها القرآن الكريم... وفي طليعة الطرق التي يتم بها ذلك هو استذكار الثورة الإسلامية ويوم انتصارها.

 

وعندما يشير القرآن الكريم إلى ثورة الرسالات الإلهية، ويخاطب نبينا (صلى الله عليه وآله) فانه يذكرها كقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ﴾[1] أو ﴿اذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ﴾[2] فذكريات الرسالات الإلهية، هي تذكرة، لأن مجرّد استعادة الذكرى يعزّز من بقائها.

 

فذكرى انتصار الثورة وإحياء هذه الذكرى، هو شكر على نعمة الله كما أن الاحتفال باليوم الذي عاد فيه الإمام إلى أرض الوطن، والاحتفال بعشرة الفجر سوف يكون مؤثراً أبلغ التأثير في حفظ وحراسة الثورة حتى يوم الفتح الأكبر وانتصار الحق على الباطل.

 

الثورة منتصرة ما دامت مستمرة، سواء في مرحلة الحدوث وفي مرحلة البقاء أيضاً، فسلوك طريق الأنبياء لا ينحصر في إجراء بعض المراسم الاحتفالية.. فمجرّد الاحتفال ببعض الأيام أو تسميتها بأسماء ما غير كاف.

 

والآن لنتأمل في الطريق الذي يمكن به استمرار وتداوم الثورة كما يرسمه القرآن الكريم. عندما يستعرض القرآن الكريم الصراع بين موسى (عليه السلام) وفرعون نرى موسى (عليه السلام) يتمتم بهذه الكلمات: ﴿رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ﴾[3].

 

فهذه الإمكانات من علم ومن قوة بأس ستكون في طريق الخير، ولن تكون إسناداً للمجرمين والطغاة، سوف لن ينبض قلبي إلا بذكرك ولن أخطو خطوة واحدة إلاّ برضاك.

 

وعندما قاد موسى شعبه وبأمر من الله إلى أرض لا يحكمها الفراعنة، ووصل ساحل البحر ولاحت لبني إسرائيل جيوش فرعون الجرّارة تطاردهم أيقنوا بالنهاية السوداء: ﴿فَلَمَّا تَرَاءى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾[4].

 

ولكن موسى (عليه السلام) وهو يدرك أن الله سبحانه ينصر عباده هتف واثقاً: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾[5].

 

هذا هو طريق موسى (عليه السلام) مقاومة الظلم ومواجهة الأخطار، وقد عقد موسى (عليه السلام) العزم ألاّ يكون ظهيراً للمجرمين: ﴿رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ﴾[6].

 

هذا هو خط موسى (عليه السلام) الذي يحظى بالإمداد الغيبي.

 

ومن شروط هذا الخط الصلاة.. لقد أجمل القرآن الصلوات الخمس في آية واحدة من قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إلى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾[7] وهذه جملة قصيرة أشارت إلى الصلوات الخمس.. والصلاة لا تتم إلا بقراءة الحمد فاتحة الكتاب العزيز فماذا فيها!

 

إننا نقرأ هذه الآية: ﴿إهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ﴾[8] وهذا تضرّع إلى الله نطلب فيه أن يرشدنا إلى طريق الذين أنعم الله عليهم من الأنبياء.. الطريق الذي قال فيه موسى (عليه السلام): ﴿ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾.

 

إذن فطريق استمرار الثورة إنما يكمن في الصلاة: صلاة الفجر وصلاتي الظهرين والعشائين. فمواجهة الظلم ومقاومة الفراعنة هو جوهر الصلاة.. فالمقاتلون المحاصرون في الجبهات عندما يقول أحدهم: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ فهذا من بركات الصلاة.. وعندما يكونون في غمرة الخطر يهمسون: ﴿لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا﴾[9] فإن هذا من ظلال الصلاة.. ومن هنا فان استعادة ذكريات الانتصار والشكر لله على نعمة الظفر هو الطريق الذي يصون الثورة ويحرسها.

 

وواجب الأمة الإسلامية في قبال هذه النعمة الإلهية هو التزامها الميثاق. وقد ذكر القرآن الكريم فريقين، قالا نعم للإسلام: فريق عاهد الله سبحانه على عدم التراجع والهزيمة ولكنه انزلق وتناسى الميثاق: ﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُولًا﴾[10].

 

وهؤلاء صوتوا من أجل الإسلام وعاهدوا على المقاومة والثبات ولكنهم فرّوا عند الخطر.. غادروا سوح الجهاد وتركوا الإسلام وحيداً.

 

وقد هاجمهم القرآن الكريم وذكّرهم بخطورة ما أقدموا عليه: ﴿قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِن فَرَرْتُم مِّنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَّا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾[11].

 

أما الفريق الآخر فقد صمد حتى النهاية.. لقد كانوا أمثلة في الوفاء بالعهد والميثاق: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾[12] لقد عاهدوا الله وأعطوا الميثاق على المقاومة حتى الموت ثم وفوا بما عاهدوا فمجّدهم الله عز وجل، لأنهم آمنوا بالحق ودافعوا وقاوموا وقاتلوا واستبسلوا ولم يبدّلوا رأيهم ولم يتراجعوا عن ميثاقهم﴿وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾.

 

والقرآن الكريم ومن أجل أن يربّي الناس على إدامة الثورة وأن يعوا واجباتهم ويقوموا بأدائها وحتى يدركوا أسرار الإمداد الغيبي وسرّ انتصار الإسلام، فإنه يشير إلى ذلك بوضوح تام كقوله تعالى في سورة الحشر: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ﴾[13].

 

المسلمون ما كانوا يتصوّرون ذلك ولم يدر في خَلَد أحدهم أن ينهار الطغاة بهذه السرعة وتسقط قلاعهم وحصونهم، وتذهب كل خططهم الجهنمية أدراج الرياح..

 

كما أشارت سورة الفتح إلى ظنون المنافقين ورعبهم من الموت وقد صورت لهم عقولهم المريضة أن الرسول (صلى الله عليه وآله) وجنوده سوف لن يعودوا إلى ديارهم وسوف يلقون حتفهم في الصراع والمواجهة.

 

لقد كانوا في غفلة عن إمدادات السماء والغيب الإلهي، الذي لا يترك عباد الله المخلصين دون إسناد:

 

﴿بَلْ ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إلى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا﴾[14]إنها الظنون التي راودت البعض في هزيمة الثورة أمام جيش مجهز بالسلاح.

 

وإنّ حرس الثورة بتسليحه الضعيف سوف يهزم لا محالة، ولكن الله سبحانه نصر الحق وجاء الإمداد الغيبي, أجل أنهى الظنون التي تنبعث في القلوب المرضى: ﴿وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ﴾[15]﴿وَكُنتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾[16] عندما أرسل الإمام علي (عليه السلام) مالك الأشتر لإدارة الإقليم المصري زوّده بكنز من الحِكم والأسرار ومنه هذه النظرة العميقة في أهداف الثورة والتغيير الاجتماعي: قال له وللشعب المصري الأصيل: (إنّ هذا الدين قد كان أسيراً في أيدي الأشرار، يُعمل فيه بالهوى ويُطلب به الدنيا)[17].

 

فالهدف النهائي للنهضة إنما هو تحرير الدين من أسر الطغاة الذين كانوا يمرّرون طغيانهم باسمه.. وتحرير الدين يكون بالقضاء على الخرافة والأوهام التي تنطلي على عموم الناس لتأخذ حالة القداسة بحيث تصبح الأسطورة هي الدين أما الدين فمكبل بالقيود ممنوع من ممارسة دوره في صياغة الحياة الإنسانية.

 

ومن هنا يؤكد الإمام علي (عليه السلام) على مالك الأشتر قائلاً: (وأكثر من مدارسة العلماء ومناقشة الحكماء)[18].

 

فالعلماء لهم دور كبير وفاعل في تحرير الدين من أسر الخرافات ومن أطماع الذين يحاولون التسلّط باسمه!

 

وعندما يتحرر الدين من أسر الخرافة والأسطورة ومن مخالب وعاظ السلاطين عندها يمارس دوره في تحرير الشعوب..

 

إنّ مالك الأشتر في هذا العصر والذي استجاب للإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) هو قائد الثورة الإسلامية الكبرى الإمام الخميني الراحل (رضوان الله عليه).

 

إنه القائد الإلهي الذي حرّر أحكام الدين وأعتق الحِكَم الإلهية، فهو الذي ألّف السفر العظيم(مصباح الهداية إلى الخلافة والولاية) عندما كان في الثلاثين من عمره.. ذلك السفر المشحون بكل معارف العرفان الذي اجتاز الفلسفة.

 

وإن المرء ليعجب وهو يسبر هذه المعارف العالية كيف يمكن أن يؤلفه شاب في شرخ الشباب؟! ألا إن ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء﴾[19].

 

فهو ليس في (الفقه الأصغر) فقيه عالم بل وفي (الفقه الأكبر) عارف وحكيم جليل القدر.

 

لقد حدّد الإمام علي (عليه السلام) واجب القائد في مهمة تحرير الدين.

 

وأما واجب الشعب فقد عبر عنه الإمام (عليه السلام) في خطابه إلى الشعب المصري يومئذ قائلاً: (من نام لن يُنم عنه).. إن استمرار الحكم الإسلامي في مصر مرهون بالصحوة وعدم الغفلة لأن العدو الماكر(عمرو بن العاص) يتربّص.. أنه لم ينم ولكنه ينتظر.. إنه يترقب اللحظة التي يغفو فيها الشعب لينقض.. وغياب الغارات لا يعني انعدام المغيرين.. إنهم في مكمن ما وفي كمين ما.

 

لأنه(من نام لم ينم عنه، إنّ أخ الحرب الأرِقُ)[20]، والمحارب الحقيقي الذي يلازمه الأرق، إنه يدرك خطط العدو الكامن المتربص، فلهذا فهو على أهبة الاستعداد دوماً.

 

ومن أجل هذا يوصي الإمام جنوده: (لا تذوقوا إلاّ غراراً ومضمضة)[21]، وهذه الوصايا العلوية ما تزال حتى اليوم تنبض بالحياة..

 

إنّ حضور الأمة في ميادين الصمود والمقاومة هو وحده الذي يحرس الثورة، وإن سعي العلماء من أجل تحرير الدين من الخرافات والأساطير هو السبيل الوحيد لتحرير الدين وبالتالي تفعيله لممارسة دوره التحرّري.. أن على العلماء أن يلهبوا الوجدان الاجتماعي في ضخ هذه الحكم العميقة التي من شأنها بعث الحياة في الأمم والشعوب..

 

إنّ(من نام لم ينم عنه) كلمات معدودة موجزة لكنها يمكن أن تكون منهج في حراسة المجتمع من غارات المغيرين فالعدو يتربص ونحن لا نراه كالشيطان ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ﴾[22].

 

الشيطان يحرّك قواته لتنفذ من مواقع الغفلة وغياب الرؤية ولذا يوجه الإمام خطابه التاريخي للشعب المصري: (إنّ من نام لن ينم عنه، إنّ أخ الحرب الأرِقُ).

 

وإذا ما نام الشعب يبدأ زمن الغارات الأجنبية، وهذه نتيجة الغفلة وغياب الصحوة.

 

فاستمرار الثورة مرهون باستمرار الصحوة وقد ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾[23] ومرهون بنصر الله الذي لا ينصر إلاّ من نصره: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ﴾[24].

 

وهذا هو طريق الأنبياء.

 

 ــــــــــــــــــ

 

[1] مريم، الآية: 41.

 

[2] مريم، الآية: 54.

 

[3] القصص، الآية: 17.

 

[4] الشعراء، الآية: 61.

 

[5] الشعراء، الآية: 62.

 

[6] القصص، الآية: 17.

 

[7] الإسراء، الآية: 78.

 

[8] الفاتحة، الآية: 6 و7.

 

[9] التوبة، الآية: 40.

 

[10] الأحزاب، الآية: 15.

 

[11] الأحزاب، الآية: 16.

 

[12] الأحزاب، الآية: 23.

 

[13] الحشر، الآية: 2.

 

[14] الفتح، الآية: 12.

 

[15] الفتح، الآية: 12.

 

[16] الفتح، الآية: 12.

 

[17] نهج البلاغة: الرسالة 53(عهده (عليه السلام) إلى الأشتر).

 

[18] المصدر السابق.

 

[19] المائدة، الآية: 54.

 

[20] نهج البلاغة: الرسالة 62.

 

[21] المصدر السابق: الرسالة 18.

 

[22] الأعراف، الآية: 27.

 

[23] المجادلة، الآية: 21.

 

[24] الحج، الآية: 40.

 

 

 


تعليقات الزوار
ارسال تعلیق