أساطيل الحرية تجدد روح الخمينية

2010-06-21
0
210

ثمة جدل مثير وساخن لدرجة (صك الحديد بالحديد) في الشارع الإسلامي العريض بين نخب مسلمة من أشباه المثقفين وأشباه علماء الدين ممن ينتمون إلى مدرسة القراءة (الرحمانية) للدين كما يسمونها أنها تدعو إلى نبذ (التشدد) والتزام منهج الدعة والقعود عن نصرة المظلوم وعدم التصادم مع الغرب الاستعماري وأدواته الإقليمية بحجة أن موازين القوى الإقليمية والعالمية لا تسمح بذلك وان المطلوب هو المحافظة على الحد الأدنى من الدين والالتزام الديني والوطني متمثلا بعلاقة الفرد بربه والاكتفاء تاليا بشعار (مصلحة الدولة القطرية أولا), وبين جيل جديد من المثقفين المتنورين وعلماء دين ثوريين جدد من أهل البصائر والعزائم ممن يرون بأن الفرصة باتت مؤاتية أكثر من أي وقت مضى أمام الأمة وجمهورها العريض للاستعداد ليوم الزحف الأكبر على قوى الهيمنة والاستعمار وأدواتهما الإقليمية والمحلية, إحياءً لدين الله وانتزاعا لحقوق عيال الله المنهوبة على مدى قرون, مستندين في ذلك على تقدير للموقف اقرب ما يكون ملامسة لواقع, القدر المتيقن منه بان قوى الامبريالية وعتاة الحرب الدوليين يمرون في أصعب أيامهم بسبب الإنهاك الشديد للقوى حتى صارت أيامهم عدد وأعدادهم بدد وما ميادين أفغانستان والعراق ناهيك عن لبنان وفلسطين وقيام تركيا الحرة الأخير إلا خير شاهد ودليل!

 

إن حالة إيران المتمردة على قوى الطغيان العالمي وإن تبلورت في الظاهر بشكل نـزاع حول طموحاتها النووية المشروعة وعزمها الراسخ على انتزاع حقوقها من حلقوم ما بات يسمى بالمجتمع الدولي, لكن الكامن في أعماقها هو ذلك التصميم الأكيد لقيادتها العليا كما لجمهورها الواسع على ضرورة تجديد البيعة مع دينها كما مع قادتها الثوار الأوائل, ومع منظومة قيمها الثورية التي كانت الأساس لقيام دولتها الحديثة!

 

ففي السنة التي مضت كان من السهل على المتتبع لأحوال الحراك النخبوي في إيران أن يقرأ في عيون الأجيال الثورية الجديدة وكأن علي شريعتي يعود إليها مرة أخرى وبقوة طالبا منها الثورة على الموروث من التقاليد ولكن هذه المرة على (شورى التجار) المتجددة في أصحاب المراجعات من الذين ترهلت عقولهم وأفئدتهم, ومطالبا إياها أيضا إعلان انتمائها من جديد إلى مدرسة أبي ذر الغفاري الثورية التي رفضت الانحناء أمام سلطة القبيلة والحزب والعشيرة ونذرت نفسها قربانا في مذبح الفداء والإيثار!

 

تماما وكأن الإمام الخميني هو الآخر ينهض من جديد ليقول للسواد الأعظم من جمهور الجيلين الثالث والرابع للثورة, بأنه ها قد حان من جديد موعد القيام على الموروث من العادات والتقاليد من (فقه الانتظار السلبي) الذي هزمته الثورة فيما هو يحاول الظهور من جديد بلباس بعض رجال الدين وأشباه المثقفين, تماما كما قد حان موعد البيعة مجددا مع الإسلام الثوري المحمدي الأصيل, إسلام الحفاة والفقراء والمستضعفين, الإسلام العابر للأعراق والحدود إسلام الدفاع عن فلسطين والاستشهاد في سبيلها, في مقابل إسلام قراءة الفاتحة في المقابر والمناسبات, وإسلام الحيض والنفاس وإسلام التواكل والخمول والتسليم بقدر التبعية لسلطة المستكبرين وأتباعهم من وعاظ السلاطين وباختصار شديد (الإسلام الأمريكي) المستورد من ما وراء البحار!

 

ليس هذا هو وصف حال مخاصمات وسجالات النخب المتشبهة بالغرب مع السواد الأعظم من جيل الشباب في إيران فحسب بل هي حالهم كما أظن وأزعم في كل قطر من أقطار العالم الإسلامي, وليس ما يحصل في تركيا من حراك ثوري رائع من أجل الدفاع عن ذلك الإسلام الحر والمحمدي الأصيل العابر للقوميات والحدود والمتصل بأم القضايا في فلسطين عبر أسطول الحرية وتداعياته المتسارعة إلا أحد أشكال تمظهر تلك الحالة المتأججة لدى شباب العالم الإسلامي من جبال الأطلس غربا إلى سور الصين العظيم شرقا!

 

لقد اقتربت الساعة وانشقت النخب الحاكمة وتشظت سلطاتها المنتشرة على طول الوطن العربي والإسلامي الكبير, فيما تستعد موجات جديدة من جمهور العامة من الناس متحالفة مع نخبها الجماهيرية الصاعدة معها وبها إلى أساطيل الحرية للإبحار نحو فلسطين, حيث المحك الحقيقي بين الثرثرة والتحشيش الفكري, وبين العمل الجاد والإقدام المباشر من أجل نصرة قضية الأمة الأولى التي تبقى وحدها هي من في قدرتها أن تخفض ملوكا ورؤساء دول وترفع آخرين!

 

كل ذلك لأن مستوى الصراع بيننا وبين العدو الاستعماري حول الهويات والخيارات الحضارية وحجمه وكثافته وتراكمه غدا عالميا بامتياز, ولم يعد محصورا بين أسوار قطر بعينه, فضلا عن حصره بين جدران طائفة أو مذهب أو قبيلة أو عشيرة أو حزب أيا كانت حدود هذه الفئة أو تلك متسعة, فما بالك لو ضاقت إلى درجة (أنا أولا)!

 

إنه ذلك الكم الهائل من الشعور والمشاعر المتقدة والمتدافعة والمكثفة إلى حد حافة الانفجار, والتي قد لا تلمسها في أدبيات مدعي تمثيل هذه الجماهير العريضة وما أكثرهم, لكنك تلمسها قطعا وهي تتفجر في لحظات قيامة الأمم والشعوب في كل الشوارع والأزقة والحارات دفاعا عن الهوية والكرامة كلما تجرأ عليهما الشيطان الأكبر أمريكا هنا أو هناك, أو حاول استفزازها الشيطان الأصغر إسرائيل في هذه الواقعة العدوانية أو تلك!

 

وهاهي تلك المشاعر الجياشة اليوم تمخر عباب البحار لتصل إلى القارات الخمس وتسري في قلوب الناس وأفئدتهم كالنار في الهشيم, والتي لا ولن تستطيع أي قوة في العالم بعد اليوم مهما كانت مدججة بأسلحة الدمار الشامل أن تحد من سرعة انتشارها!

 

إنها المشاعر التي تحولت إلى حزب عالمي مهمته الدفاع عن مظلومية الشعب الفلسطيني التاريخية لتصبح تلك المظلومية بدورها أوراقا ثبوتية تبلور مواطنية جديدة لـ (دولة) تتشكل في الوجدان والضمير العالمي عابرة للحدود والقوميات يفخر بالانتماء إليها كل أحرار العالم دون تمييز!

 

تلمسها في شوارع اسطنبول وأنقرة كما تلمسها في شوارع طهران وأصفهان كما في شوارع دمشق وحلب وبيروت وبنت جبيل فضلا عن عمان وبغداد والقاهرة كما في شوارع إسلام آباد وكوالالامبور وجاكارتا تماما كما باستطاعتك أن تلمسها في شوارع نيويورك ولندن وبر لين بل وحتى في البيت الأبيض الأمريكي ممن ضاقت بهم أروقته الصحفية الأحادية وغيرها وغيرها!

 

وقبلة أولئك جميعا باتت فلسطين بامتياز وبيت المقدس في القلب والفؤاد وغزة في مرمى البصر والبصيرة, بعد أن ضج العالم كله من هول جرائم حكام الكيان الإسرائيلي الصهيوني من النازيين الجدد ما دفع الطليعة منهم أن يعملوا بكل ما أوتوا من حيلة وقوة لوضع حد لهذه الغدة السرطانية مرة واحدة والى الأبد!

 

إنها المعركة الكبرى التي انتقلت من عهدة أبناء القسام وسرايا الجهاد وشهداء الأقصى وأبو علي مصطفى والناصر صلاح الدين لتصبح في عهدة أحرار العالم أجمع!

 

وإذ كنا نأمل بأن أساطيل الحرية ستحرر كل من لا يزال في عقله شك أو ترديد في عدالة أم القضايا العالمية, فإننا في الوقت نفسه متيقنون بأن البحر سيغرق القتلة والمجرمين مهما حاولوا وقف أمواجه, ومداد هذا البحر سيكتب بإذن الله نهاية تلك (الفزاعة) التي صنعها الغرب يوما لحاجة في نفس يعقوب وهاهي اليوم تؤرقه, بعد أن تحولت إلى عبء ثقيل عليه لامناص له غير الإقرار بخطيئته التاريخية والعودة عنها بقرار شجاع يعيد الحق لأهله قبل فوات الأوان وقبل أن تجرفه أساطيل الحرية مع صنيعته التي بدأ العد العكسي لحساب أيامها المتبقية من عمرها الافتراضي!

 

 

 


تعليقات الزوار
ارسال تعلیق