ولاية الفقيه الدولة الممهدة ومعنى التاريخ

2011-07-19
0
6304

لا يمكن (تفكير) إيران في حاضر مغلق، فإيران والحركة، حركة الزمان، جانبان متلازمان، فإيران هي الرجوع إلى (الأصل) إلى عصر الرسول (صلى الله عليه وآله) عن طريق أهل البيت (عليهم السلام)، ولا يتم الرجوع إلى عصر الرسول (صلى الله عليه وآله) والأئمة (عليهم السلام) إلا بالانفتاح على المستقبل، ومن هنا لا يمكن (تفكير) إيران إلا بالمستقبل أي دراسة الدولة الإيرانية بمضامين وقيم ومفاهيم الرجوع إلى الأصل والتطلع إلى المستقبل الموعود، ففي إيران الزمان له خصوصيته: الزمان الإيراني هو زمان يتفاعل فيه الحاضر مع (الأصل) ومع (المستقبل): وهذا ما أربك الدولة الغربية في تعاملها مع إيران، فالغرب لم يفهم حقيقة مواقف إيران منذ قيام الثورة الإسلامية فراح الفكر الغربي يصف الإيرانيين بأنهم (مجانين الله) ويصف الدولة بأنها ثيوقراطية عصر الظلمات، فالفكر الغربي لم يستطع أن يتخذ موقفا علميا أو موقفا (عاديا) من التساؤلات التي طرحتها الثورة الإسلامية ودولتها، فهو لم يستجب استجابة منتجة للمعرفة ومنتجة للحوار بل سجن نفسه في دائرة ردود الفعل العدائية والاستعلائية لذلك عجز الفكر المعاصر عن فهم حقيقة الثورة والولاية والدولة الإيرانية لأنه فكر إطلاقي عدمي لا قدرة له على استيعاب المعنى العقائدي والتاريخي والشعبي للدولة الإيرانية.

 

ولاية الفقيه ومعنى التاريخ:

 

ولاية الفقيه هي المرجعية الوحيدة، اليوم في العالم التي تمتلك الطاقة العقائدية والتاريخية وتمتلك المعنى والمعرفة الملازمة لهذا الحجم العقائدي والتاريخي.

 

هذه المرجعية هي مرجعية جديدة في الجغرافيا السياسية والثقافية العالمية، فالفكر المعاصر مازال لم يمتلك بعد الطاقة الموضوعية والمفاهيمية لفهم ولاية الفقيه.

 

فهو قد تسرع وبسط الأمور وحجز ولاية الفقيه في دائرة الثيوقراطية والماضوية، أو حجزها في الصراع بين (الأصوليات) والديمقراطية وعقلانية الثقافة الغربية.

 

فولاية الفقيه هي المرجعية الوحيدة التي تمتلك المعنى والأفق التاريخي الذي يؤسس لسياسة منقطعة النظير: سياسة المعنى وسياسة المسافة الزمانية الواسعة التي تعطي للسياسة وللزمان السياسي كل فعاليتهما وأبعادهما وتفتح المجتمع والدولة على التحولات الكونية.

 

يعتبر الفكر الغربي أن الفلسفة قد وصلت إلى منتهاها، فالعقل والتاريخ قد حققا كل الإمكانيات في المجال الفلسفي ولم يبق إلا الخضوع لتاريخ بمعناه الهيجلي، وهو تاريخ تنفي نهايته كل تطلع بل تنفي كل حلم، هذا الانسداد فرقعته ولاية الفقيه بتفجيرها للثورة وتأسيسها للدولة الممهدة في إيران، فالدولة ليست مجرد دولة ما بعد الثورة أو دولة الثورة بالمعنى العام لمفهوم الثورة بل هي دولة الممارسة السياسية عن طريق استراتيجية المدى القريب والمدى البعيد، لأن مشروع الدولة هو مشروع كوني يلازم كونية عقائدية المستقبل الموعود.

 

لقد أعادت ولاية الفقيه الحياة إلى السياسة والثورة وعلاقة السياسة بالدين وطرحت للتحليل النقدي وإعادة النظر لكل من الرأسمالية والاشتراكية والديمقراطية والعولمة والحروب الإقليمية والسلاح النووي واقتصاد السوق والثقافة، فولاية الفقيه أعادت الحياة إلى الأمة الإسلامية بعد أن أراد الغرب ابتلاعها في التاريخ الهيجلي ابتداء من اتفاقية مخيم داوود إلى مدريد وأوسلو.

 

هذه الاتفاقيات هي كلها هيجلية: بمعنى أنها مجرد تعبيير عن الخضوع للتاريخ المهيمن، تاريخ الأقوياء. في هذا الجو الاستسلامي الذي أسست له كل من واشنطن وباريس عن طريق التبرير الفلسفي الهيجلي (نهاية التاريخ). في هذا الجو كسرت ولاية الفقيه التاريخ وفتحت الأفق لتاريخ جديد: فقم هي الزمان الإيراني، الزمان المهدوي الذي لا يمكن للزمان التاريخي أن يستوعبه، فحجم الزمان المهدوي هو حجم علاقة ما هو نسبي (الاجتهاد والتاريخ) بالغيب وهذا ما جعل السياسة في إيران سياسة زمان منفتح على الغيب إلى درجة أنه يمكن القول بأن هناك في هذا العصر، زمان إيراني يجابه نهاية التاريخ أي يجابه تحديات الغرب الفكرية والسياسية والعسكرية.

 

لا وجود لمجال لا ترتبط به وتتعامل معه السياسة فولاية الفقيه كشفت في هذا العصر، عصر موت السياسة كشفت عن حقيقة السياسة كمفهوم شامل تتفاعل فيه الروحانية مع المادية والدنيا مع الآخرة، لأن (السياسة عبادة والعبادة سياسة) كما أكد الإمام الخميني (قدس سره)، فلا وجود لفكر غريب عن السياسة حتى الفكر الأكثر تجردا والأكثر روحانية كالعرفان. فإذا كان هيجل قد جعل الدولة تجسيدا للعقل الكوني أي للمطلق فإن هذه الصنمية قد عبرت عنها الحروب الاستعمارية والحربان العالميتان، وفي الأخير زالت حقيقة الدولة في نظرية نهاية التاريخ لكوجيف (Kojève) وفوكوياما (Fukuyama) وقد كشفت ولاية الفقيه عن صنمية الدولة الهيجيلية عن طريق الثورة وتأسيس الجمهورية الإسلامية الدولة الممهدة أي الدولة ذات العلاقة بالمثل الأعلى الحقيقي الذي تستمد منه الطاقة للسير نحو الآفاق: آفاق التعبد المنتج للتقدم.

 

فالدولة الممهدة لم تنتج الاستعمار والحروب والفتن على غرار دولة هيجل، بل أنتجت الجهاد أي التحرر من الاستبداد في إيران وفلسطين ولبنان.

 

فالدولة الممهدة التي تقوم على هذا المعني الجديد للسياسة هي دولة الإمكانيات التي تكشف أن التاريخ ليس له اتجاه واحد على غرار التاريخ الهيجلي، فالطاقة التعبدية للدولة تفتح الآفاق وتتجاوز الانسداد الذي نظر له هيجل وماركس ثم فوكوياما اليوم: إنه تاريخ الانتظار أي تجاوز النهايات وتحطيم التاريخ المهيمن للسير في مسار تاريخ جديد في أفق تجسيد مشروع كل الأنبياء عن طريق التطلع والممارسة الثقافية والسياسية للدولة الممهدة.

 

وهكذا فالحقيقة التعبدية للسياسة وللدولة بقيادة ولاية الفقيه تحرر الإنسان من هيمنة التاريخ (الهيجلي)، فحضور الروحانية في السياسة والدولة زلزل الفكر السياسي الغربي وزلزل التاريخ وفتح المجال لزمان جديد نحو تاريخ جديد) الزمان الإيراني) الموجه من طرف الدولة الممهدة نحو المعنى والآفاق لا نحو النهاية وموت السياسة.

 

إن علاقة ولاية الفقيه مع التاريخ وسعيها، عن طريق الدولة، لتجسيد معنى التاريخ سياسيا وثقافيا واقتصاديا إن هذه العلاقة تقوم على نظام معرفي يختلف عن الفلسفة الغربية ويختلف عن الأساس المعرفي للعلوم الاجتماعية الغربية على العموم، فالفلسفة الغربية اعتبرت نفسها تجسيدا للمطلق في التاريخ عن طريق هيجل، كما أن العلوم الاجتماعية الغربية تدعي الكونية والكونية الوحيدة. في مقابل هذا التسرع في التنظير وفي إصدار الأحكام القطعية والنهائية تنظر ولاية الفقيه إلى الوقائع والأحداث وحركة التاريخ نظرة اجتهادية، أي تعتمد على نظام معرفي ينفي عقائديا وابستمولوجيا، كل المسارات المعرفية التي تؤدي إلى الأحكام القطعية وتؤدي بالتالي إلى الغرور، فالاجتهاد يؤسس لمعرفة نسبية، أي لمعرفة مفتوحة على المستجدات أي مفتوحة على حركة التاريخ، فالثوابت (النص الموحي) لا تنفي النسبية بل تحولها إلى مستوى المعنى التعبدي الذي يؤسس للمعنى المعرفي والابستمولوجي، فالفكر الغربي يرى أن الفلسفة تجسيد للمطلق في التاريخ (فلسفة هيجل) في حين أن ولاية الفقيه تمارس وترى أن الاجتهاد علاقة تعبدية مع الله وعلاقة معرفية مع الواقع والأحداث: علاقة معرفية ذات أفق تعبدي. فولاية الفقيه فتحت الشعوب الإسلامية على معنى التاريخ من خلال الرجوع إلى الأصل لا على أساس (الذاكرة) فحسب، بل على أساس التاريخ، أي انطلاقا من الرجوع النقدي إلى الأصل، وهو رجوع كشف عن الاختلاف الجذري بين خط الإمامة وخط الملك.  فمعنى التاريخ أصبح في إيران فعلا وممارسة أي أصبح عن طريق ولاية الفقيه ملازما للسياسة وللدولة. فقوة الجمهورية الإسلامية الدولة الممهدة تكمن في سيرها في طريق معنى التاريخ، لا تاريخ الأقوياء أي تاريخ القوى المهيمنة في هذا العصر، بل تاريخ معاكس يجعل الدولة الإسلامية وهي الجمهورية الإسلامية اليوم، دولة ممهدة للظهور وللدولة الكونية. فارتباط الأمة بالحدث خاصة إذا كان هذا الحدث في خط أهل البيت (عليهم السلام) فهذا الموقف هو موقف سياسي يعبر عن صمود الشعب ومقاومته لإنقاذ الحدث من النسيان ومن الزوال، فالحدث فكرة ثورية تبعد الشعب عن الخضوع للواقع القائم وتربطه بالمعنى الحقيقي للتاريخ، وهكذا فعلاقة دولة ولاية الفقيه بالواقع وبالأحداث ليست علاقة ظرفية وليست علاقة جزئية بل هي علاقة إشكالية تؤسس للوعي التاريخي الضروري لكل سياسة تسعى إلى التغيرات الكبرى، هذا الوعي التاريخي ليس تجسيدا للعقل الكوني في التاريخ (تألية التاريخ) بل هو أداة ووسيلة لممارسة القيم والمفاهيم الإسلامية ذات الجوانب الروحية والسياسية والاجتماعية وتجسيدها في الواقع لتوجيه حركة التاريخ نحو الأهداف العقائدية التي تتمحور حول وعد الله بنصر المؤمنين، فولاية الفقيه حولت الحياة السياسة في إيران إلى مهدوية يومية تقتلع الشعب الإيراني والدولة من ثقل الواقع وهيمنته، فالواقع الإيراني ليس واقعا هيجليا بل هو واقع إمامي يتميز بالرفض والتجاوز والتطلع إلى التغيرات الكبرى.

 

فكل مواقف الجمهورية الإسلامية منذ قيام الثورة كانت تسير في هذا المسار: الحرب المفروضة، الرفض الجذري للتطبيع مع الكيان الصهيوني، الملف النووي والعلاقة مع الغرب على العموم.

 

لقد حولت ولاية الفقيه جزئيات الأحداث والوقائع إلى باب للدخول إلى الكونية أي إلى طريق نحو الهدف المهدوي الموعود.

 

فولاية الفقيه تجاوزت ابستمولوجيا الانسداد أو الانسداد الابستمولوجي في مجال التنظير والتوقع وجهنم نهاية التاريخ.

 

لقد مات تاريخ الفلسفة (الفلسفة الغربية) في إيران، فالثورة الإسلامية تجاوزت الكونية الغربية وحطمت التاريخ بالمعنى الهيجلي والماركسي، أي التاريخ كمرجعية مطلقة وما يلازمها من رؤى إلى السياسة والدولة والمجتمع والفرد والذات.

 

فولاية الفقيه قلبت علاقة الفلسفة بالواقع، فالفلسفة الغربية كفلسفة نقدية تدعى بأنها تحكم على العالم وتقيمه في حين أن ولاية الفقيه جعلت الواقع (الواقع الإيراني) هو الذي يحكم على الفلسفة وينتقدها ويقيمها، فهذه هي النهاية الحقيقية للتاريخ والنهاية الحقيقية للفلسفة النقدية وفتح المجال لتاريخ معاكس ولفلسفة بديلة هي الفلسفة النبوية أو الإلهية التي يتفاعل فيها الفقه مع علم الكلام والفلسفة والعرفان:

 

الفلسفة الإلهية التي تكسر غرور الفلسفة النقدية باسم التواضع والتقوى بدلا من ادعاء الكونية.

 

إن كل مواقف ولاية الفقيه سواء في الحالات العادية أو في الحالات الاستثنائية: والحقيقة أن زمان الحالات الاستثنائية أطول في إيران من زمان الحالات العادية: الحرب المفروضة، كل أنواع الحصار وأخيرا الأزمة المفتعلة لما بعد الانتخابات الرئاسية سنة 2009، كل هذه المواقف من طرف ولاية الفقيه هي في حقيقتها مجابهة وتحدي للفكر الغربي ولأسسه الهيجيلية في صورتها الماركسية وفي صورتها الأخيرة في كتابات كوجيف (Kojeve) وف. فوكوياما (F. Fukayama) وغيرهما. فولاية الفقيه تطرح في تنظيرها وقيادتها للدولة كونية جديدة ومفاهيم جديدة تقوم على أساس مرجعية تتناقض مع التاريخ كمرجعية مطلقة من منظور هيجل وماركس، فالحقيقة في منظور ولاية الفقيه ليست هي التاريخ بل هي ما يتجاوز التاريخ وهذا ما جعل ولاية الفقيه تنقد وتجابه وتتحدى وترفض: ترفض المرجعية المحاثية والمهيمنة أي ترفض التاريخ القائم وتؤسس لتاريخ آخر هو تاريخ معاكس لتاريخ الأقوياء، تاريخ الأمر الواقع. فإذا كان (كل واقعي معقول كما في منظور الفلسفة الهيجلية، فإن الواقع ليس معقولا في منظور ولاية الفقيه، لأن الواقع ليس مرجعية حقيقية والحقيقة ليست هي التاريخ. خاصة إذا كان هذا التاريخ هو تاريخ الأقوياء. هذا النقد الجذري للمرجعية كما تجسدت في الفكر الغربي الذي أسس له هيجل، هو الذي جعل الثورة الإسلامية ثورة جذرية لا علاقة لها بالثورة الفرنسية والثورة البلشفية وجعل مواقف الولاية تجاه الأحداث مواقف لم يألفها الفكر السياسي الغربي. في أفق هذا الرفض المنطلق من مرجعية غير مرجعية التاريخ كمرجعية مطلقة هناك مشروع كوني يتجاوز المشروع السياسي والحضاري الغربي الذي نفدت طاقة مرجعيته فتحول المشروع إلى مجرد تسيير للواقع القائم الذي لا أفق له إلا المجهول والعدمية، وعلى العكس من هذا المشروع الذي تحيط به جهنم اللامعنى، طرحت ولاية الفقيه المشروع السياسي والحضاري الإسلامي الذي يتمحور حول صرامة ووضوح المعنى: معنى التاريخ الملازم لمعنى الوجود والإنسان، هذا المعنى يفعل علاقة الأمة بالواقع وبالأحداث ويحول، وقد حول بالفعل، الانتظار إلى ثقافة وفعل وممارسة وثورة في عصر موت الإيديولوجيا وموت الثورة.

 

فولاية الفقيه فككت ودحضت مفهوم (التاريخ الكوني) ونسفت من الأساس الفلسفة السياسية الغربية وتجسداتها في العالم خاصة العالم الإسلامي وكشفت عن حقيقة هذه الفلسفة السياسية كمجرد أداة تبرير لاستغلال الشعوب، فمعنى التاريخ الذي تقوم على أساسه هذه الفلسفة هو معنى لتبرير الاستغلال والهيمنة وليس معنى الحقيقة، فالحقيقة هنا هي مجرد واقع مهيمن منقطع عما يتجاوزه: فالواقع محايث والتاريخ محايث ولا حقيقة إلا المحايثة وهذا ما جعل الفكر الغربي الذي أسس له هيجل ينظر للعبث والعدمية ونهاية التاريخ.

 

ولاية الفقيه تجاوزت، وتتجاوز باستمرار، فخ (الأمر الواقع) أو (ثقل الواقع) لأن الفكر الاجتهادي للولاية لا يكتفي بالتمييز بين الحلال والحرام في حدود فقه الفروع أو بين الخير والشر بدون اهتمام بمعنى التاريخ، فربط المفاهيم الفقهية والكلامية والسياسية بمعنى التاريخ، وهي مفاهيم تقتضي حتما رؤية إلى التاريخ، يحرر الشعوب الإسلامية من الخضوع للحتمية القاهرة للأحداث والقضايا والعوائق التي تقوم أمام تحرير هذه الشعوب، فالمفاهيم الفقهية والكلامية تضع مسار حركة التاريخ موضوع سؤال ونقد وتفتح المجال لتاريخ معاكس للتاريخ القائم وتفتح الأبواب للمستقبل، فمفاهيم وأحكام الحلال والحرام والخير والشر هي مفاهيم وأحكام تحكم على التاريخ بدلا من أن تخضع لحكم التاريخ معيارية هذه المفاهيم وطاقتها التقييمية والتغييرية تنظر إلى الظلم والاستبداد والاستغلال والتبعية كاختلال وفوضى في ميدان (ما هو كائن) باسم (ما ينبغي أن يكون) فالفقه يؤسس لرؤية سياسية خارج الواقعية التبريرية وخارج فلسفة الخضوع للواقع التي أسس كل لها من الماوردي في الأحكام السلطانية والغزالي عن طريق مفهوم (السلطان المطاع).

 

فولاية الفقيه كنيابة، بقدر ما ترسخ الولاية في الواقع والأحداث بقدر ما تفتحها على الأفق التاريخي على المدى البعيد، وهذا ما يحرر السياسة بقيادة ولاية الفقيه، من الحتمية التاريخية القاهرة أو ما يسمى اليوم بالعصر الأمريكي.

 

فالفكر الغربي يسعى إلى إخراج إيران من (الواقع) الواقع الإيراني الكوني عن طريق إخراجها من سياقها التاريخي العقائدي أي من سياقها (الكوني). ونتيجة لذلك أو عن طريق ذلك، يسعى الفكر الغربي إلى لا تسييس الحقيقة الإيرانية كحقيقة عقائدية وتاريخية وثقافية تقودها ولاية الفقيه، إن هذه المفارقة هي من أكبر مفارقات هذا العصر: سعي الغرب إلى دفع الشعب الإيراني نحو العماء واللاعقل واللاسياسة، أي سعيه إلى إخراج شعب تاريخي وأرض تاريخية من التاريخ لأن نظرية نهاية التاريخ تقتضي ذلك! فمن هذا المنظور كل الأحداث التي تقع خارج الغرب، وخاصة الحدث الإيراني، هي مجرد أحداث غامضة وهامشية تعبر عن مرحلة ما قبل الحداثة.

 

في حين أن مفهومي ولاية الفقيه والانتظار يتخذان موقعهما خارج هذا السياق، يتخذان موقعهما في سياق المرجعية الضرورية والكفاية للتاريخ وللإنسان في التاريخ، فولاية الفقيه تقدم للشعوب الإسلامية وللعمل السياسي المعنى الضروري والكافي الذي يدفع بالشعوب الإسلامية نحو الثورة والتغيير، فالولاية التي تتخذ موقعها في أفق الظهور تمتلك أقوى معنى وتعطي للشعوب أكبر أمل لتغيير أوضاعهم، بل تعطيهم ما يتجاوز الأمل: الانتظار.

 

لقد حولت ولاية الفقيه الثورة الإسلامية إلى قطيعة مؤسسة لمرحلة تاريخية جديدة بفضل تأسيس الجمهورية الإسلامية الدولة الممهدة الملازمة لقيم هذه الثورة، فالثورة هي من هذا المنظور، النقطة الفاصلة لحركة التاريخ، بحيث أن هناك مرحلة ما قبل الثورة ومرحلة ما بعد الثورة، فالثورة الإسلامية - بفضل أسسها العقائدية وبفضل قيادتها من طرف ولاية الفقيه كنيابة عن الإمامة - ليست زمانا مستقطعا بل هي مؤسسة لمرحلة تاريخية جديدة: مرحلة الدولة الممهدة.

 

كل دولة تقوم على نظام سياسي وكل دولة لها منطق في تحركها عبر التاريخ. هذه صفة عامة ملازمة لكل دولة في العالم، لكن هناك دول كدول العالم الإسلامي هي دول لا منطق لها والطريق أمامها مسدود والأفق مغلق بل لا أفق لها، هذه الدول هي دولة اليوم لليوم فحياتها حاضر مغلق مقتطع من التاريخ لأنه لا يوجد أمام هذه الدول إلا الفراغ والعدم، وهذا عكس الدولة الإيرانية اليوم حيث أن دولة ما بعد الثورة القائمة على مرجعية ولاية الفقيه هي دولة المعنى ودولة الآفاق الملازمة للمعنى ودولة الفعل والطاقة التغييرية الملازمة للمعنى ولسعة الآفاق، وهي آفاق تلازم المعنى، أي معنى السياسة كجزء من معنى الوجود.

 

وهكذا فدول العالم الإسلامي تفكر بالسلبيات نتيجة لتبعيتها الانتحارية للغرب ونتيجة لانسداد الأفق أمامها ويأسها من التحرر من هيمنة الغرب. في حين أن هذا الواقع هو واقع غير مشروع في نظر ولاية الفقيه، فالولاية تميز بين الواقعي والشرعي، فالدول التابعة للغرب هي واقع ولكنه غير شرعي، فإلى جانب الواقع هناك المثال، المثال والمثالية ليست مجرد مفاهيم بالنسبة لولاية الفقيه بل إنها تتخذ معنى الواجبات الشرعية لأنها متلازمة مع وعد الله بنصر المؤمنين ومتلازمة مع وجود الجهاد، فدولة ولاية الفقيه تفكر بالإيجابيات هي دولة مثالية تنطلق من الواقع. فالغرب يضع عوائق أمام كل تفكير مثالي في الأنظمة السياسية في العالم الإسلامي، ويدفع بهذه الأنظمة إلى التمسك بالمواقف الواقعية التي تفتتح الباب للتنازل تلو التنازل أمام هيمنة الغرب. ولاية الفقيه توجه العمل السياسي على أساس معنى التاريخ: وعد الله بنصر المؤمنين، هذا الوعد يقتضي مواقف مثالية تتجاوز الواقع ولكنها لا تنفيه وإلا تحولت المثالية إلى مثالية مجردة وحالمة فالمثالية الملازمة لولاية الفقيه تغير الواقع انطلاقا من الواقع كما فعل الإمام الخميني (قدس سره) فالإمام فجر الثورة وأسس الدولة بعيدا عن المثاليات الحالمة وبعيدا عن الواقعية المبررة للأمر الواقع.

 

وهكذا فمعنى التاريخ ملازم لولاية الفقيه ولطريقة تعامل الدولة مع الواقع والأحداث، هذا المعنى يتخذ موقعه خارج الفلسفات القاتلة:

 

1. فلسفات الواقعية التبريرية.

 

2. وخارج الفلسفات المثالية المجردة.

 

فمعنى التاريخ مثالية واقعية وواقعيته مثالية.

 

لا يمكن في عصرنا الانتماء إلى ولاية الفقيه، مهما كانت صورة هذا الانتماء، دون الانتماء إلى تاريخ الأمة ودون اتخاذ موقف من الحاضر ومن القضايا والأحداث انطلاقا من تاريخ الأمة، أي انطلاقا من علاقة الأمة بالإمامة عن طريق علاقة حجية ولاية الفقيه بالإمامة. فولاية الفقيه ليست مفهوما مجردا وليست قيمة عقائدية وأخلاقية وسياسية لا تتجاوز حدود الآمال والتمنيات فولاية الفقيه كانت دائما مرتبطة بالتاريخ من خلال ارتباطها بالإمامة ومن خلال ارتباطها بالواقع وبالأحداث في جزئياتها وكليتها لأن الولي فقيه، ومن المميزات الأساسية للفقه أنه يعالج قضايا الواقع واهتمامات الأمة ولا يحلق فوقها ليتحول (الفقه) إلى مجرد حالة وعظية تتغافل عن الواقع الحي.

 

وهكذا فبمجرد ارتباط ولاية الفقيه بالإمامة ترتبط بالتاريخ من جانبين:

 

1. ترتبط بالتاريخ كتاريخ موجه من طرف العصمة (عصمة الإمامة).

 

2. وفي عصر الغيبة ترتبط ولاية الفقيه بالتاريخ كتاريخ موجه من طرف الاجتهاد.

 

فحجم ولاية الفقيه هو حجم كوني لا يمكن أن يبقى محصورا ومحجوزا داخل فقه الفروع، أي داخل الفتاوى والحلول الجزئية. فولاية الفقيه تقوم بدورها الحقيقي لما تؤسس لحركة تاريخية تتجه نحو مشروع كوني.

 

التركيبة العقائدية لولاية الفقيه تجعلها منفتحة على الواقع وعلى المجتمع وعلى التاريخ، فالولاية حوار مستمر مع الواقع ومع التاريخ، إلا أن هذا الحوار ليس من قبيل الخضوع لروح العصر، فالولاية اجتهاد أي جهد لتوجيه التاريخ وتغييره لا مجرد الخضوع له، فولاية الفقيه طرحت في هذا العصر رؤية إلى الوجود والمجتمع ورؤية إلى المستقبل، وفتحت أفقا للتغيير عن طريق الثورة وتأسيس الدولة. فالثقافة الملازمة لولاية الفقيه هي ثقافة القطيعة البناءة، أي القطيعة المستوعبة لعطاءات العصر بصورة نقدية، ومن هنا الاختلاف بل التناقض بين ولاية الفقيه ومكونات الدولة في العالم الإسلامي (في القديم وفي هذا العصر): دولة الملك والمستبد العادل وفي عصرنا دولة الزعيم.

 

إن علاقة السياسة بفلسفة التاريخ أصبحت رغم ضرورتها ومضطربة بل متناقضة بسبب ارتباك بل زوال إطلاقية التاريخ كمرجعية بعد سقوط جدار برلين، ففلسفة التاريخ في الغرب لم تستطع التأسيس للسياسة لأنها لم تستطع أن تحول العبث والعدمية إلى سؤال منتج لإعادة البناء، بل بقيت سجينة لهذا العبث ولهذه العدمية. وهذا عكس ولاية الفقيه التي تحمل في تركيبتها وبنيتها معنى التاريخ. فكل فصل بين ولاية الفقيه ومعنى التاريخ يزيل المعنى الحقيقي للولاية، أي يجردها من معناها العقائدي والسياسي فتفقد ولاية الفقيه حقيقتها ودورها. فبمجرد ارتباط ولاية الفقيه بالنبوءة عن طريق الإمامة ترتبط بالتاريخ وبمعنى التاريخ، وهذا هو معنى (النيابة) أو جانبا من جوانب معنى (النيابة). فموقع الولي الفقيه هو موقع في حركة التاريخ وموقف من حركة التاريخ.

 

فالولاية جاءت لتعالج مشكلة زمانية أي تاريخية في الأساس: علاقة ولاية الفقيه بالإمامة أي علاقتها بالغيبة وبالظهور. فكل هذه المفاهيم (الغيبة، الانتظار، الظهور. . . ) لا يمكن فهمها بدون ربطها بحركة الزمان أي بمعنى التاريخ.

 

ولاية الفقيه تفعل العلاقة بين الأمة وحركة التاريخ عن طريق تفعيل العلاقة بين حركة التاريخ و)النص). أي بين حركة التاريخ والمعنى، فعملية التنظير والممارسة للولاية تتم ضمن علاقة إطلاقية (النص) بنسبية المرحلة (أي العصر) وآفاق المستقبل الموعود، ومن هنا فالوضع الإيراني وضع معقد لا يريد حل مشاكله عن طريق الزعامة والزعيم بل عن طريق الولاية كامتداد للإمامة، فحل المشكلة بتناسب مع طبيعة المشكلة وآفاقها.

 

المشكلة الإيرانية ليست مشكلة قومية أو وطنية، كما أنها ليست مشكلة تخلف واستبداد فقط، المشكلة الإيرانية مشكلة كونية: عودة الأمة الإسلامية إلى التاريخ، وكل ما يلازم هذه العودة من تغيرات جذرية في كل المجالات الثقافية والسياسية والاقتصادية والإقليمية والدولية، لذلك لا يمكن فهم ولاية الفقيه ودورها وآفاقها المستقبلية إلا ضمن هذه الخلفية.

 

لذلك يمكن القول بأن ولاية الفقيه تجسد اليوم، من خلال الشعب الإيراني والجمهورية الإسلامية، الأبعاد الكونية للإمامة. فكما أن الإمامة طرحت الدولة في أفق الأمة المنفتحة على البشرية متجاوزة القبيلة فكذلك ولاية الفقيه تؤسس اليوم للسياسة وللدولة خارج القومية، فنظرية ولاية الفقيه هي نظرية للدولة والثقافة وللاقتصاد على الصعيد الإسلامي والبشري على العموم لا على الصعيد الوطني الإيراني لوحده، فالولاية ليست مجرد سياسة أو عملية سياسية، فهي في سياق الإمامة التي يتجاوز إطارها الحدود السياسية.

 

فكما أن الإمامة ليست منحصرة في السياسة، خاصة السلطة أي السياسة كتنافس على السلطة بل هي (أي الإمامة) امتداد للنبوءة. فدائرتها واسعة وشاملة لكل جوانب حياة الإنسان فكذلك، الأمر بالنسبة لولاية الفقيه فدورها أوسع من الفتاوى ومن الاجتهادات الجزئية، فهي تؤسس لنظرية وممارسة الدولة والمجتمع والاقتصاد والثقافة والأمة وعلاقتها بالشعوب والثقافات. فالولي يفكر بالنبوءة من خلال الإمامة، فهو يضع بينه وبين الوقائع والأحداث مرجعية عقائدية منقطعة النظير: إنها مرجعية النبوءة


تعليقات الزوار
ارسال تعلیق