تسابيح شهادة: سريرٌ فوق التراب

2013-09-24
0
420

تسابيح شهادة: سريرٌ فوق التراب      

 ندى بنجك

الناس ألوان، والحياة معابر، وكل ما حولك متغيّر، تمرّ عليك أيام أو لحظات، تشعر أنك بحاجة إلى وليف لروحك، إلى غمرة اطمئنان، إلى مستقرّ لا يتغيّر. تعالَ معي إذاً لكي نعيش كل هذا، في مكان يجعلك تشعر أنك خارج المكان، وأنك عاشق اللحظة التي أنت فيها..

في ناحية جانبية من مدينة صور الجنوبية، يطل مكان لا ينفصل عن البحر، إذ يلفه من كل الجهات. المكان مقبرة، لا تختلف عن مثيلاتها في باقي المدن أو القرى. فيها الأموات، وفيها الذين لم يبصروا وجه الموت، لكنهم يشرقون بين القبور الكثيرة، ويحطّون كالعصافير تحت الشجرات الكثيفة.

*وليٌّ في جسد طريّ

"الضريح سرير فوق التراب".. أحبّة يأتون، يستبقون مواعيد الصلاة، فهنا الكلام مع الله بلا ممرّات، وهنا القلب يضيء قنديلاً، وأزهاراً لها لون عمره الأبيض.

ساكن الضريح "هيثم"، قد طلع متفرّداً، من بركان الملذّات، ومشى فوق الجمر، لامس كثيراً أنوار الله، حتى خافت عليه أمه، فبكت من اقتراب فقدانه، وخاف هو من غربة البقاء في بيئة لا تشبهه، فبكى من تأجيل الشهادة.

هو شاب لم يكن يتجاوز السادسة عشرة، يوم بدأ يجهد نفسه، حتى أصبح وجهه بيت أسرار، وعيناه مرآة جارحة، وصوته صلاة، وصلاته حبلاً متصلاً بين روحه ورب الأرض والسماء. شاب كل جوارحه أوصلته إلى لائحة الخواص، أنه من فصيلة الاستشهاديين، وهو من قبل ذلك قد بان للكثيرين، أنه وليّ في جسد طريّ.

يحكى أنّ هيثم دبوق هو الاستشهادي الأول والوحيد الذي أقيم له تشييع، فدفن في مدينته صور. صفحات فرادته حكايات، يصعب البوح بمعظمها، وتشرق الروح لهاتيك التي تمّ فكّها من قيود النورانيات، فتداولها الأحبّة من قلب إلى قلب.

قبل حوالي ثلاثة أشهر من تنفيذه للعملية الاستشهادية، كتب هيثم رسالة للإمام الخميني المقدس، يطلب فيها دعاء، وعندما قرأها الإمام قدس سره دوّى بكلمات، فقال: "إن هؤلاء الشهداء هم أهل العرفان الحقيقيون" 1.

*وبكى السيد طويلاً

لهيثم كتابات جمعت، ووصية تصلح لأن تكون فاتحة الكشف عن طريق "هَبْ لي كمال الانقطاع اليك"، ومفتاح المعرفة والعبور. تلك الوصية، قد تلاها هيثم في حضرة سيد شهداء المقاومة الإسلامية السيد عباس الموسوي قدس سره، قبل انطلاقه لتنفيذ العملية الاستشهادية، فبكى السيد طويلاً، وقال بعفوية بعد غيابه: "إن هذه الوصية تحتاج إلى مترجم عرفاني" 2.

في وادي العرفان إذاً، سلك هيثم. لم يتعب، ولم يتعثّر، لأن المولى "علياً"  عليه السلام كان دليله، منذ الوطأة الأولى. أبصره هيثم في رؤيا وهو في بداية الهجران لبيئة غير ملتزمة، أخبره عن مصيره في معسكر المقاومة، وأنّه سينفّذ عملية استشهادية. كان هيثم حينها قد بدأ رحلة التعمّق والمطالعة في الكتب الإسلامية ذات البعد المعنوي، مثل كتاب "الآداب المعنوية للصلاة"، و"الأربعون حديثاً"، وصار يلفت كل من حوله بمختلف الحركات، من طريقته في الحديث إلى صلاته المختلفة جداً في مسجد المدينة، ثم تطلعات لم يحصل أن خطرت في يوميات الشبان في مثل عمره، في زمن استحوذت عليه الأفكار العلمانية والأحاديث الملوّثة.

*مع الإمام  عليه السلام.. مفتاح العروج

لم يتسجل هيثم في حوزة أو معهد إسلامي، لكنه اشتغل على نفسه بنفسه. رؤياه مع الإمام علي  عليه السلام كانت مفتاح عروجه، ثم أكمل بصدق عرف من أين يقطف حبّات الضوء، وكيف يجعلها تنهمر كالشلال في قلبه. سريعاً، كان اختراقه لفضاءات العتمة، وخفيفاً، كان وصوله إلى أغصان العشق، تماماً مثل طائر أفرد جناحيه وارتفع.

يُحكى أنّ هيثم كان يرفض أن يتقاضى أي مبلغ مادي، خلال عمله مع المقاومة، فهو ساكن المحور. ولمّا كان يُرفض طلبه، كان يوزّع المال على العائلات المحتاجة.

 

*وفي المقاومة كشف وعبور

يحكى أن هيثم كان يزداد نورانية من أسبوع إلى أسبوع، فيكون محطّ أنظار الرفاق في كل جلسة. قليل الكلام هو، وإن حدّث، فإنما يغرف كلماته المعدودات من كتاب القرآن. خجول جداً، لكنه ارتدى طلّة مهيبة ومشية واثقة. هي أشهر ستة فقط، كانت مسافته الزمنية في الكشف والانكشاف والعبور، بعدها صار هيثم هو تماماً "عبد الرؤوف"، اللقب الذي اختاره لنفسه، فلم يعرفه إخوانه سوى بهذا الاسم، الذي دوّى في المحاور، بصبغته التقيّة.

جاء عبد الرؤوف إلى محور بنت جبيل فتى في السادسة عشرة من عمره، تلقاه الشهيد القائد الحاج (جواد سمير مطوط) الذي كان يتولى مسؤولية المحور. إن هي إلّا فترة قصيرة جداً، وصار هيثم الرفيق المحبّب إلى قلب الحاج جواد، ينغرس معه في كل المهمات، ويأسره بخلجاته الملائكية.

 *فارس الغيب

ثمة خيط ربّاني كان يوصل ما بين عبد الرؤوف والإخوان من حوله. وأسمى الحكايات التي جمعتهم، أنه كان يُلهَم ببعض مجريات الأمور في العمليات قبل حصولها. هي مسألة ارتبطت به ارتباط الصباح بمطلع الشمس.

ليس بإمكانك أن تقول عبد الرؤوف، إلّا وتستحضر يوم جلس قبل الانطلاقة إلى عملية برعشيت في العام 87، وأخبر أحد المسؤولين في العملية، أنه سوف يستشهد في العملية أخوان مجاهدان، هما غسان علوية وماجد غدّار. ودار الاشتباك مع الصهاينة، وكادت العملية أن تنقضي بلا شهيدين، نظر إليه الأخ المسؤول مستغرباً، ثم رمشة عين، ونزلت قذيفة أصابت الشهيدَ غساناً والشهيدَ ماجداً 3.

عمليات المقاومة زمن طويل، وهيثم "عبد الرؤوف" فارس غيبياتها بجدارة. تلك التجليات كانت تفيض منه كله. يكفيك أنْ تعلم أنَّ الشهيد الشيخ أبا ذر رضوان الله عليه، كان يصرّ في محضر عبد الرؤوف، أن يصلّي بهم جماعة. ويصطحبه من محور إلى محور، لكي يتولى مساحة في الحديث، لأنّ ما كان يتفوّه به عبد الرؤوف هو قداسة وليس أي كلام.

هذا عبد الرؤوف إذاً جنة الله في ذلك المكان. وها إني أسمع همساً يقول:

سآتي إليك حتماً. أتقدم نحوك، أخلع نعليّ قبل أن أقترب، فقد أيقنت كم أنك عشق مصفّى في جسد، وطهر زلال. أنا الآن جنبك، أمدّ يدي المرتعشة، أرفع عنك غطاءك قليلاً، فإنّي بحاجة إلى أن أعيش خارج الزحام، ولا مكان إلا عينيك، أهمس لك: دعني قليلاً أرحل عن نفسي وأغب معك. ثم أسألك أن تدلّني على صلاة من دون كلام، أسلّم بها عليك يا هيثم.

 *الشهيد هيثم في سطور

1 - الاستشهادي هيثم صبحي دبوق ولد عام (1969) في مدينة صور الجنوبية.

2 - نفّذ عمليته الاستشهادية في منطقة تل النحاس – طريق الخردلي في التاسع عشر من آب عام 1988.

--------------------------------------------------------------------------------

1- رواها أحد الإخوة المجاهدين الحاضرين في اللقاء، في مقابلة أجريت بتاريخ: تشرين الأول 2012م.

2- رواها أحد الإخوة ممن واكبوه حتى اللحظات الأخيرة قبل العملية في مقابلة أجريت بتاريخ: تشرين الأول 2012م.

3- هذه القصة وغيرها الكثير مما عرفه ورواه أكثر من شاهدٍ رافقَ الشهيد خلال حياته الجهادية، وقد التقينا أحدهم ونقلها عنه في: أيلول 2012م

المصدر: مجلة بقية الله


تعليقات الزوار
ارسال تعلیق