الإمام الخميني ثورة العشق الإلهي

2016-01-31
0
9324
الإمام الخميني ثورة العشق الإلهي

الإمام الخميني ثورة العشق الإلهي

الظاهرة، ومنطقة البحث عنها

الإمام الخميني ظاهرة هزت كل شيء.. التاريخ والوجدان، والخميني دخل فجأة ليصوغ العالم من جديد، ويعيد تركيب المفاهيم في مجالات الحياة جميعها...

ولهذا كان مدوّيا في ظهوره، وكان مدوّيا في غيابه.. فهو الغائب الحاضر، والشاهد الشهيد، والإنسان الإلهي... الإنسان الذي صاغه الإسلام وقدّمه إلى العالم.

ففي زمن يلفه الضباب.. في زمن يعربد فيه الشيطان.. وفي زمن تولول فيه رياح الزمهرير وهي تجوس المدن الخائفة..

وبدأ الإنسان مستسلما.. إذا بالأرض تهتز وتربو وتنجب "روح الله".. وإذا بالعالم يرنو إلى وجه مشرق، يحمل شارات الأنبياء.. فجاءنا سيفا قرآنا.. صهيلا مخزونا من كربلاء.. من يوم عاشوراء..

وعندما أشرق بدأ عصر الزوابع.. لأن الخميني بدا كأنه قادم من أعماق التاريخ.. تاريخ الرسالات الإلهية..

كان بشارة هذا العصر..

أجل بدأ زمن الزوابع، والغيوم المخزونة بآلاف البروق والرعود.. كأنه الحسين قادم من أرض كربلاء... جوادا ينبعث من أعماق رمال الصحراء..

في صورته أنغام الزبور.. تراتيل التوراة.. بشارة الانجيل وآيات القرآن الكريم..

فأية روح ينطوي عليها روح الله الخميني؟! وأي قلب يضم صدره؟! وما الذي يحمله من سلاح لكي يهزم نظاما مدججا بأسلحة الدمار جميعها؟ بل كيف تأتى له أن يهزم الشيطان الأكبر؟ هل كان يحمل عصا موسى أو فاس إبراهيم أو روح الحسين؟ أجل أية روح هي روحك الكبيرة؟ حتى يرفض قبرك صمت المقابر.. وحتى يدوي صمتك الأن بلغة مدهشة هي أبلغ من أبجديات الدنيا جميعها.

ألأنك التحقت بالحسين.. والذين التحقوا بالحسين لن يموتوا..

ألأنك اكتشفت نبع الخلود؟ ليعذرني القارئ على هذه السطور الملتهبة لأنني لا أستطيع أن أتحدث عن الخميني..

ولأنه لا يمكن سبر المخزون الروحي للإمام الراحل.. لأننا بطبيعة الحال لا نملك الأدوات التي تعيننا في الكشف عن هذا المضمون العميق الغور والذي يرتبط بالسماوات البعيدة.

فالرجل، وبلا جدل، كان إلهيا.. وكان إنسانا موفقا في اكتشاف الطريق إلى السماء بحيث تستحيل حركاته وسكناته إلى نظام دقيق يشبه نظام الكواكب والنجوم.

وإذا ما أردنا أن نفهم هذا الإنسان يتعين علينا أن نكتشف خطوة الحسين التي هي ذروة الفناء الكامل من أجل الإنسانية...

لقد كانت الخطوة الحسينية آخر الخطى في طريق الحب الإلهي..

أجل يتعين علينا أن نفهم كلمات الحسين في تلك البقعة من دنيا الله، وهو يهتف:

تركت الخلق طرّا في هواكـا           وأيـتمـت الـعيال لكي أراكا

فـــلـــو قطعتني بالحب إربـا           لما مال الفؤاد إلى سواكا

ولذا يتعين على المرء إذا ما أراد اكتشاف الإمام الخميني، أن يسبر أغوار النفس الإنسانية ليس في ضوء معطيات علم النفس الحديث فقط.. وإنما توظيف الأطر الإسلامية، بل واستخدامها، في أية دراسة جادة يمكن أن تكون لها نتائج تتجاوز، بل وتحطم السقف الحضاري الذي وضعته الثقافة المادية والنمط الغربي في التفكير.

وفي مثل هكذا دراسة يتوجب أن نتوغل في ميدانين مهمين هما: "التصوف" و "العرفان" بالرغم من التداخل الشديد بينهما.. ثم بسبب التناقض الحاد في النتائج، أعني في المواقف النهائية إزاء مسالة الوجود والحياة ودور الإنسان.

ومع هذا، فإن الدراسة يجب ألا تغفل مفردات مثل الحب الإلهي والتجارب الروحية لأئمة أهل البيت (ع).

وفيما يخص الظاهرة الصوفية يمكننا أن نتصور هذا المشهد مثلا:

"واقفا كان على شاطئ دجلة، الأمواج تتدافع بين يديه.. ذاهلا عن منظر النخيل الباسق وهو ينهض على امتداد جبهة النهر، وقد بدت ذرى ألم آذن وقباب المساجد من خلال سعف النخيل.. أسماله وشعره المسترسل مع الريح يصرخان بصوفيته.. درويش عابر سبيل..

ويقترب أحدهم منه، ويدور هذا الحوار:

أتريد أن أوصلك إلى الضفة الأخرى؟ لا.

أتريد أن تغرق؟ لا.

ما تريد إذن؟! تمتم الدرويش بذهول:

أريد الذي يريد!".

وهذا مشهد معبر له دلالات تحكي انسحاق إرادة الإنسان في مساره وتجربته الحياتية.

إننا إذا ما أردنا أن نفهم الظاهرة الصوفية، ونتعرف إلى البواعث في الجنوح إلى التصوف، لا يمكننا إلغاء لذائذ الصوفية ومصادرتها، أو الاستهانة بها.. بالرغم من جميع سلبيات الانسحاب من مهمة إعمار الأرض.

كما لا يمكننا أيضا حذف الأسباب التي قد تدفع ببعضهم إلى الجنوح إلى عالم التصوف.. هذا العالم الذي يعج بالتصورات والأوهام وقدر من الحقائق.. وما تفرزه النفس البشرية بجميع امتداداتها المترامية وعمقها السحيق..

وهناك نقطة حياتية في دراسة هذه الظاهرة الروحية والنفسية، وهي عدم الاقتصار على تجربة معينة أو مقطع زماني محدد، من دون التوسع في الإلمام بالتجارب المتنوعة في هذا العالم الغامض والامتداد مع التاريخ الحضاري للإسلام والتوقف في هذه الصومعة أو الدخول في ذلك "الخانقاه".

على أن دراسة ظاهرة التصوف ستقودنا إلى دراسة ظاهرة أخرى، تلك هي ظاهرة العرفان، التي قد نجد كثيرا من أوجه الشبه بينهما مع انفصالهما في محاور جوهرية، وبخاصة في البعدين الفردي والاجتماعي.

وفي دراسة مثل هذه الظاهرة المعقدة.. يجد المرء نفسه غائصا في عالم النفس الإنسانية، يحاول أن يتعرف طبيعة مكنوناتها والقوى التي تتجاذب فيها قيادة الإنسان لتسيطر على مساره وتجربته في الحياة.

فهناك مساحات شاسعة تزخر بالأوهام والخيال الوثاب، وهناك ميدان تموج فيه الغرائز والميول البشرية.. وهناك إلى جانب ذلك كله آفاق ممتدة تتألق فيها الحقائق التي أودعها الله سبحانه لتكون مصابيح تضيء الطريق إمام عباده.

ولعل هذا ما ترمز إليه آيات القرآن الكريم، وهي تتحدث عن:

"النفس اللوامة".

"النفس الأمارة بالسوء".

و"النفس المطمئنة".

ومن هنا فإن أية دراسة، في هذا المضمار، يمكنها أن تستوفي شروط البحث الموضوعي، ينبغي أن تتحرك في إطار نفسي يتألف من ستة أبعاد لها دورها في رسم الحياة الإنسانية، فهناك:

الفطرة: التي هي مستودع السر الإلهي في حياة بني آدم بما يجسد بشريتهم وإنسانيتهم.

العقل: الذي يمثل دائرة التمييز والتأمل بما يمتلكه من مسلمات منطقية.

ثم تأتي:

الإرادة: التي تجسد حرية الإنسان واستقلاله.

الضمير الإنساني: الذي يمثل القانون الأخلاقي في أعماق البشر.

كما يأتي:

القلب: بوصفه مركزا للعاطفة الإنسانية والجزء النابض الذي يتلقى الإشراق والوعي.

أما البعد السادس والمهم فهو:

مجموع الأهواء النفسية، حيث تحتدم الغرائز البشرية الظامئة دوما والتي تنشد الإشباع.

ومن هنا، فإن الشخصية الإنسانية إنما هي حصيلة التجارب البشرية الحياتية، وما يسفر عن الصراع المستمر والدائم في الأعماق، ونتائج الحرب الداخلية، ودور المؤثرات البيئية بجميع أبعادها السياسية والفكرية والاجتماعية وحتى الجغرافية في حسم الصراع لصالح اتجاه ما داخل النفس الإنسانية.

وعندما نتحدث عن الأهواء النفسية يجب ألا تتداعى في أذهاننا الصور السلبية عنها.

ذلك أن الأهواء إنما تمثل جزءا من الطبيعة والطاقة الإنسانية الخاضعة للتوجيه والترشيد سلبا وايجابا، ويمكن ان نسوق من عالم الفيزياء معادلة الطاقة الذرية مثلا، فهي تبين مقدار الطاقة الكامنة في الكتلة بعيدا عن طريقة استخدامها في مفاعل نووي لانتاج الكهرباء أو لصنع قنبلة ذرية لا تبقي ولا تذر! فالأهواء النفسية البشرية طاقات خاضعة للاستخدام السلبي والايجابي انطلاقا من معادلة اخلاقية معينة.

ومن هنا ينبغي ان ندرك ان الأهواء يجب ان تبقى ضمن اطارها طاقة محركة ومنعها من تسلم زمام القيادة في الحياة الإنسانية فردا وجماعة.. لان ذلك يعني هزيمة الارادة ومركز القرار واقصاء العقل، أو تحجيم دوره، واعراضه عن القانون الاخلاقي الذي يمثله الضمير والوجدان الإنسانيان.

فالأهواء التي يستنكرها القرآن الكريم بشدة، ويهاجمها، هي الأهواء التي احتلت موقع القيادة في حياة البشر، كما نرى ذلك واضحا في قوله تعالى:

{أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه} الجاثية/3.

{فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم} القصص/50.

{فلا تتبعوا الهوى} النساء/135.

{ولا تتبع أهواءهم} المائدة/49.

ولعل هذه الأهواء المتسللة إلى مركز القيادة والتي اغتصبت دور العقل هي التي يواجهها رد الفعل في الجنوح إلى التصوف.. فالتصوف يحارب الأهواء ليقضي عليها لا ليطردها من مركز القيادة فقط، ويتركها تمارس دورها بوصفها طاقة محركة.

وفي هذه المنطقة نجد التأرجح في فهم "الزهد".. فهناك ابتعاد عن الحياة وجنوح إلى الانزواء.. وهناك في الطرف المقابل امتلاك للحياة وتحرر من العبودية للمادة والدنيا، وفي هذه المنطقة ينبغي ان نبحث عن الإمام الخميني.

يقول الإمام الشهيد محمد باقر الصدر: "المسلمون الذين يمارسون اعمار الارض بوصفها جزءا من السماء، يتطلعون اليها ويسهمون في تنمية الثروة باعتبارهم خلفاء عليها، ابعد ما يكونون عن الزهد السلبي الذي يقعد الإنسان عن دوره في الخلافة، واقرب ما يكونون إلى الزهد الايجابي الذي يجعل منهم مادة للدنيا لا عبيدا، ويحضهم ضد التحول إلى طواغيت لاستغلال الآخرين".

اجل يجب ان نفتش عنه في محراب جامع الكوفة.. وننصت إلى مناجاة علي بن أبي طالب فيه، أو بين باسقات النخيل في قلب الليل:

"مولاي يا مولاي، أنت المولى، وأنا العبد، وهل يرحم العبد إلا المولى؟! مولاي يا مولاي، أنت الدائم وأنا الزائل، وهل يرحم الزائل إلا الدائم؟ مولاي يا مولاي، أنت الدليل وأنا المتحير، وهل يرحم المتحير إلا الدليل؟!".

وهذه كلمات منقوعة بالحب الإلهي لإنسان عاش في قلب الاحداث، حمل السلاح وهو في العشرين ورافق الرسول الأكرم (ص) حتى النهاية، بل وسار على خطاه إلى ان هوى شهيدا في المحراب فيما كان يستعد لخوض حرب مصيرية من أجل تصحيح المسار الحضاري الإسلامي.

اجل يجب ان نبحث عن الإمام الخميني في مسجد النبي الأكرم (ص) في المدينة المنورة وننصت إلى مناجاة زين العابدين:

"يا من أنوار قدسه لأبصار محبيه رائقة، وسمات وجهه لقلوب عارفيه شائقة..

يا منى قلوب المشتاقين..

ويا غاية آمال المحبين..

أسألك حبك، وحب من يحبك، وحب كل عمل يوصلني إلى قربك..".

ينبغي ان نفتش عنه في ارض كربلاء.. لأنه يصرح قائلا: "كل ما عندنا هو من عاشوراء".

واذا ما دققنا النظر جيدا سنراه يمسك في يمينه قرآنا وفي شماله الولاء لأهل البيت (ع).. وهما معا يؤلفان الثقلين، ميراث الرسول (ص) الخالد.

ولا نغفل ايضا، ونحن نبحث عنه، ان نتامل بين تلافيف العقل الفذ لصدر المتألهين وفلسفته وأسفاره الروحية الكبرى.

وقد نستعين ببعض الاشارات التي يرصدها اصدقاوه أو الشعراء الذين انبهروا بشخصيته، بل وحتى الذين يمكن تصنيفهم في خانة الاعداء والخصوم.

الإمام في ضمير الشعر العربي

يقول الشاعر العربي مشدوها ومتسائلا:

فبربـك قل مـا الـسر فيـك لـوثـبـة    هززت بها الأعمـاق في عالم الجحد

فوما السر في قلب لديك؟ أخاله    يـهد بـلا حرب ويـرمــي بــلا جــنــد

فوقفت كبحر في الأعاصيـر واسع    وفي زحمة التـيـار كالجـبـل الـصـلـد

ويـقـول الـشـاعر الـكـويتي خـالد مـسعود:

فكلحظـة الأنـفاس في خـطـــوه     لـتـسـتـقـي من روحـه الـنـفـحـتـين

فــمن جــده حــيـنـا ومــن جده      يـا للعطاء الـثـر مـــنـــك الــيــديــن

فظنـوا قطاف المجـد من بـعــده     وبـعـده كـالـقـرب فـــي الــمــرتــيـن

فـمــسافة قد قاسها كـــيـــس     كلمحـة الـطرف لــــــذي مــقـلـتـيـن

ويــقـول الـشـاعـر الـعـراقي جــواد جـمـيل:

فيـا ثاقـب النظرات الـمـسـتفيض      بها حبا إذا ما غفا من غيـره النظر

ففي حاجبـيك من الإصرار ملحمة    من التــواضع إلا انـــــــــه كــــبـــر

فـتـمد كفا إلى الـتـاريـخ تـنـبـئـه     بـأن جرحك رغم السـيـف منـتـصر

ويـقـول الـشـاعر الـيـمني مـحـمود مـفلح:

فهم يـمدحونك كــــل شـــــــيء    إنما يـتجاهلون بـسيـفك الإسلاما

فلو شع نور الحق في حدقاتـهم     عرفــوا العــقيدة منـهـجا وحسامـا

ويـقـول الـشـاعر الـسـوري صـالح عـظيمة:

فأهدى الحسين إليك السيف وابـتسما     فـسـر وحــقــك لن تـرتـد منهزما

فـعـليك مـنـه صفـــات ليــس يـعـرفـهـا     إلا الوفيان مــن ضحى ومن عزما

ويـقـول الـشـاعر الـلـبناني احـمـد مـغـنية:

فمـاذا تريـد من الـقلـوب وتــطـلـب؟     وهواه أنـت تـجود فـيــه وتــخـصـب

فإنـي قرأت علــى جــبـيـنـك آيـــــة      تـحصي خلالك للكـرام وتــنــسـب

فـفرد يـقـوم بــمــا تـــقــوم جحـافـل      أو فوق مـا يـرجى ومــا يــتــرقـب

وهذه قطرات من بحور الشعر العربي الذي تغنى بالخميني إنسانا وثورة وملهما للأحرار.

الإمام في روى أصدقائه

وعندما نحاول ان نكتشف الإمام لدى اصدقائه والذين رافقوه في جهاده الطويل والمرير، سنجد احدهم يقول:

"خمسون عاما لم يترك الإمام صلاة الليل".

وصلاة الليل صلاة تقام في الهزيع الاخير من الليل.. هذه الصلاة أوجبها الله سبحانه على سيدنا محمد (ص) لتعزيز قدرته الرسالية.

ويضيف انصاري كرماني: "يقرأ القرآن بصوته الملائكي الشجي مرات عديدة في اليوم"، و "لقد سمعت صوت الإمام الملائكي مرات عديدة وهو يقرا دعاء كميل".

"وخلال 15 سنة قضاها في مدينة النجف الاشرف، واظب الإمام على قراءة الزيارة الجامعة الكبيرة ليليا، وهي تستغرق ساعة كاملة يقضيها إلى جوار مرقد الإمام علي بن أبي طالب".

وعندما اعلن بني صدر ان الأطباء الالمان وغيرهم صرحوا بان الإمام يعاني تدهورا في صحته ولا قدرة لقلبه على العمل الكثير، فانه (الإمام) يتمشى يوميا ساعتين أو ثلاث ويستغرق في تسبيح الله أو قراءة زيارة عاشوراء، "وعلاقة الإمام بأهل البيت لا يمكن وصفها لأنه كان عاشقا لأهل البيت، فما ان يسمع "يا حسين" حتى تنساب دموعه بالرغم من معرفتنا بصبره وقدرته الفائقة على تحمل المصائب".

وفيما كانت مشكلة احتلال السفارة تأخذ ابعادا خطيرة، في داخل إيران، بسبب الرهبة من رد الفعل الأمريكي، قال الإمام والطمأنينة تشع من عينيه: "ان أمريكا لا تستطيع ان ترتكب اية حماقة".

هذه الطمأنينة التي طبعت الإمام فيما كانت المتفجرات تدمر مؤسسات حساسة برمتها ويتساقط اصدقاوه شهداء الواحد بعد الآخر..

هذه الطمأنينة التي رافقته ولم تفارقه فيما كانت الطائرات المغيرة تحاول قصف منزله والصواريخ البعيدة المدى تتساقط في العاصمة طهران.

وكان الأطباء يندهشون لانتظام دقات قلبه في اشد المنعطفات خطورة: "لأن الذين ارتبطوا بالله لو اخذ منهم الوجود لما فتئوا يقولون: الخير في ما وقع".

اما قصة البحث عن بيت للإمام فتلك قصة طويلة لم تنته الا عندما عثر على بيت مبني بالآجر والطين في حي شعبي شمال العاصمة.

ويقول آية الله ناصري:

"خلال محاضراته لم يغفل الإمام لحظة واحدة عن الاحداث السياسية وما يجري في إيران، كان يؤكد علي وباستمرار بضرورة ايصال الاخبار اليه ومراقبة الاحداث بدقة...".

وشاهدته مرات عديدة وهو يستيقظ في منتصف الليل ويكتب بيانا أو منشورا فيصور ويطبع سرا، ثم ننقله إلى الخارج ويفرح الإمام بوصوله إلى الخارج".

"وخلال السنتين اللتين قضيتهما في السجن لم اكن اتوقع من الإمام ان يفعل شيئا من أجل اطلاق سراحي.. لأنه قال لنا وإمام جمع من الطلبة: إذا كان عملكم من اجلي واذا سجنتم من اجلي، فانا لا املك لكم اجرا، ولا تفعلوا ذلك.. واذا كان عملكم لله فهذا هو تكليفكم الشرعي فلا تتوقعوا مني ان اعمل لكم شيئا".

"من المعروف ان درجة الحرارة في مدينة النجف الاشرف شديدة، وتجتاز في بعض الاحيان الـ 50م.. ذهبت يوما إلى الإمام وبصحبة عدد من الاخوة.. قلنا له: الحر شديد، وانت لا تتحمله لكبر سنك.. الناس يذهبون ليلا إلى الكوفة.. والجو هناك الطف. اجابنا: كيف تريدنني ان اذهب إلى الكوفة من أجل الجو اللطيف في الوقت الذي يقبع فيه اخوتي في سجون إيران؟"، "عندما يجلس ليشاهد ما يعرض على شاشة التلفاز من صور مؤلمة للفقر والحرمان.. كان يبكي".

وفي وقت يصرح فيه ثائر فلسطيني: "لقد سقطت فلسطين من الذاكرة العربية" كان الإمام يعبئ الرأي العام الإيراني ضد اسرائيل، كانه ينظر إلى المديات البعيدة، ويرى ان الحل القومي سوف يخفق في النهاية في حل مشكلة فلسطين، وان شرف القدس يأبى ان تتحرر الا على ايدي المؤمنين، كما عبر عن ذلك الإمام المغيب موسى الصدر (فرج الله عنه).

ومنذ وقت مبكر والإمام يعلن ان اسرائيل كيان غير شرعي، وانه يجب محو اسرائيل من الوجود.

وفي هجوم السافاك على المدرسة الفيضية وارتكاب مذبحة بحق الشعب، قال الإمام وسط الجراح النازفة: "لقد حفر ابن رضاخان قبره بيده"، ولم يمر سوى عقد ونصف من الزمن حتى حفر الجلاد قبره إلى الابد مع سقوطه.

اما الشيخ توسلي الذي رافق الإمام، وهو لا يزال صبيا لم يبلغ الحلم، فيتحدث عنه قائلا:

"تعرفت على الإمام ولم ابلغ الحلم بعد، وما تزال كلماته محفورة في قلبي في ايام الصيف، وخلال عطلة الحوزة العلمية في قم، يذهب إلى مدينة "محلات" القريبة من "قم" وهناك يمضي العطلة، وذات عام صادفت العطلة شهر رمضان المبارك، فكان الإمام يلقي دروسا في الاخلاق في المسجد الجامع للمدينة قبيل غروب الشمس وكنت احرص على حضورها لحبي الشديد لها.

جاء الإمام يوما كعادته يلقي درسه، ففوجئ بوجود قطعة فراش وضعت خصيصا له، فرفعها على الفور وجلس على السجادة المفروشة في المسجد كالآخرين".

وسئل نجله المرحوم السيد احمد الخميني عن موقف والده ازاء مشكلة الثقافة والثقافة الغربية، فقال:

الإمام حساس جدا ازاء الشرق والغرب، وهو يكرر دائما: "ان حسناتهم سيئات"، وكان يقول: "لنعلم انه لا شيء يعوزنا.. وعلينا ان نعتمد على انفسنا ونقف على ارجلنا إلى ان نعتمد على قدراتنا.. وشيئا فشيئا يمكن ان نحول ضعفنا إلى قوة، وحينها لا نكون بحاجة إلى شخص أو دولة اخرى ان شاء الله".

اما موقفه من "بني صدر" فقد عبرت عنه كلماته الموجزة عندما قال: "لقد انتهى بني صدر ولا أمل فيه". وكان ذلك بعد الفتنة التي اندلعت في جامعة طهران وسالت فيها الدماء.. ومع ذلك فانه لم يتخذ موقفا انفعاليا وظل يتعامل مع بني صدر بحكمة الى ان هزم الاخير. اما كيف هزم فان الإمام قد الزمه بعهد اخلاقي الزم جميع الخصوم وهو التوقف عن المهاترات..

والتزم خصوم بني صدر، اما هو فقد نقض العهد وكان الإمام يتوقع ذلك لانه قال لي: "اردت ان يتعرف الناس وبشكل علني من هو الذي سينقض العهد".

ويقول الشيخ القرهي، وهو يتحدث عن ذكرياته مع الإمام في النجف الاشرف في مطلع السبعينات: "عندما اخذت الحكومة العراقية تشدد من ضغطها على الناس، وبدأت حملة تسفير الإيرانيين، بلغ الضغط درجة ادخلت الرعب في قلوب الجميع حتى المراجع الذين كانوا هناك، بالاضافة إلى عدد كبير من العلماء ان لم اقل كلهم.. الا الإمام.

لقد كان في وقتها صدام الطاغية هذا نائبا لرئيس الجمهورية احمد حسن البكر.

وفي ذلك الجو المرعب ألقى الإمام ذات ليلة خطابا في منزله، وبالرغم من وجود جهاز لتسجيل خطابه قال الإمام بكل شجاعة: "ان هذه الحكومة لا يمكن تسميتها حكومة".

وعندما اطلق سراحه بعد اعتقاله على اثر حوادث الفيضية قال:

"والله لم اعرف الخوف طوال عمري حتى في تلك الليلة التي أخذوني فيها، فقد كانوا هم خائفين".

هذه مجرد ملاحظات تسجيلية رافقتها ولا شك مشاعر ممتزجة بالدهشة مما يفعله الإمام.. ولكن أيا من هؤلاء لم يسبر تلك الروح الكبيرة والنفس العميقة الغور وذلك المكنون المخزون مما تموج به شخصية الإمام التي ظهرت لنا اخاذة ومتألقة..

الإمام في رؤية كاتب أمريكي

والآن لنجرب محاولة تسجيلية وانطباعات اخرى اكثر عمقا..

وباختصار ما سجله الكاتب الأمريكي "روبن وودزورثكارلسف" لدى زيارته طهران سنة 1980م.

ولم يكن هذا الرجل بخبرته الواسعة وثقافته واسفاره العديدة عاديا.. فهو في ما يبدو قد جاء في مهمة لاكتشاف قوة الثورة من خلال شخصية قائد الثورة، وبما يمتلكه بطبيعة الحال من ادوات الحضارة الغربية في الرؤية والتحليل.. ولذا فان افاداته ستكون مهمة جدا..

فهو يصرح بشكل واضح قائلا: "فقد تحين لي الفرصة اخيرا فأقيم قدر هذا الرجل بنفسي.. ستفحصه بدقة حساسيتي الروحية الناقدة".

ثم يؤكد نظراته المسبقة: "لا يمكنني في النهاية ان اقبل الفكرة القائلة: ان للخميني كيانا متحررا روحيا".

"فبالرغم من ان معظم القديسين واولياء الله المشهورين ظهروا عادة من جهاز عبادي رفيع التركيب ومنظم وتمتد جذوره الى الماضي البعيد. بالاضافة إلى ممارستهم الطهارة والنقاوة..

فهم حين يصلون إلى قمة تقواهم وورعهم ينفصلون عن السياسة فلا تبقى لهم صلة وثيقة بمظاهر الحياة السطحية..".

وهو يعترف صراحة بان الإمام الخميني، في نظر الغرب، "رمز لأعنف وأعند كبرياء".

والكاتب، وبطبيعة حصيلته وتصوراته عن القديسين، وحتى الصوفيين بانهم قد حققوا قدرا من الوحدة بوعي محض..

فكانت حقيقة الحب المشرقة، فهناك في رأيه قدر من الدهشة في شخصية الإمام الخميني، التي يجب ان تتجه إلى السماء اكثر من الارض بكل ما تعنيه الارض من سياسة واحداث وهموم.

والآن لنتابع انطباعاته وهو يدخل القاعة، حيث احتشدت الجماهير المتلهفة لروية الإمام: «وساد الوقار، وخيمت المهابة على سلوك جميع المترقبين لمقدم الإمام.. حين القيت بصري على المنصة.. على المكان الذي القى منه الخميني مئات الخطب والاحاديث.. شاهدت عيناي المكان في هدوء حقا..

تشيع فيه الطهارة والصفاء والنقاوة.. بل تجمعت كلها في كتلة من الطاقة.. أيكون الإمام إنسانا مؤيدا روحيا؟ انكشفت له الحجب؟ اهو صوفي حقيقي؟ ربما كان اكثر من ذلك..».

«وحين ظهر الخميني لدى مدخل المنصة قفز الجميع ناهضين مهللين: خميني! خميني! خميني! في صوت واحد ينبض بفرح...».

«كان فيضا طبيعيا من التسبيح والحمد والابتهال أطلقته شخصية هذا الرجل الغامرة وفخامتها التي لا تقاوم..».

«أحسست باعصار من الطاقة يتدفق خلال الباب..».

«شعرت وكأننا تضاءلنا جميعا في حضرته.. وكان لم يبق في القاعة شيء سواه.. لقد كان كتلة من النور دافقة نفذت الى بصيرة كل حاضر ومشاعره».

ثم يعترف الكاتب الأمريكي بصراحة:

«لقد دمر كل المعايير التي ظننت انها ستعينني على تقييمه وتحديد قدره..».

«لقد توقعت.. مهما كان مظهر هذا الرجل. ان افحص قسمات وجهه بدقة.. وحوافزه.. بحثا عن حقيقته.. غير ان قدرة الخميني ووقاره وسيطرته المطلقة.. دمرت جميع أساليب التقييم التي اتبعها..».

«لقد كان اعصارا.. ولكن ما ان استقر بصرك لادركت لتوّك ان هناك مركز سكون مطلق داخل هذا الاعصار.. فبينا هو جاد..

حازم، مسيطر.. تجده أيضا هادئا ومنصتا.. لقد كان بداخله شيء راسخ وثابت.. ذلك الشيء الثابت.. هو ذاك الشيء ذاته الذي حرك دولة إيران برمتها.. أهذا إنسان عادي؟».

«لقد كان الخميني مركز هذا الانفجار الإسلامي.. ولقد كان أيضا منبع الطاقة الروحية التي تغلغلت في قلوب المسلمين بالشرق الاوسط..».

«لم يبتسم مرة.. لقد ثبتت قسمات وجهه في اصرار تمليه ارادته.. وكان الله حمله امانة كل شيء.. لقد بذل حياته في خدمة الله.. فلم يكن هناك شيء يضحك..».

«لقد عقد العزم.. وقام على الطريق.. يعالج العقبات المترقبة..

ليعيد للإسلام عزه الذي بشرت به نشأته السماوية.. لقد عاش للإسلام واصبح الداعي الفعال لاحياء الإسلام فليس له من غاية سوى تطبيق الإسلام.. لقد اندمجت ذاتيته في كل ما يحمل هدفه الاعلى من معان..».

«ما استشففت فيه ولو لمسة طفيفة من اختلال.. وما لمحت أي اهتزازة.. وما نالت منه خلجة واحدة لما تعج به البيئة حوله..

لا.. ما احسست غير هالة الواجب الحتمي الذي وضعه تماما في خدمة الخلق..».

«ومن المسلم به ان العلوم جميعها بما فيها علم النفس.. لتعجز كلها عن اثبات الحقائق الكامنة في ملاحظاتي. وتلك المشاهدات تخرج عن قدرة الآلات والاجهزة لقياسها وتقنين مداها، أو لتشخيص الحقائق التي تكمن وراء هذه التجربة التي عشتها، ماذا اقول؟ ربما تصدر عن قلب الخميني استنتاجات شاسعة مترابطة..

ليست كتلك التي تصدر عنا والتي لا زالت تتخبط في قبضة التضارب والتردد اللذين اعتادتهما، فباتت تفتقد الأمان».

«لقد اشاع فينا احساسا بأنه لم ينتصر على نفسه فصار سيدا لها فحسب.. بل انه اصبح الآن اعلى من ذلك بكثير.. لقد صار الآن خادما لسيد آخر.. ولنا ان نفترض في هذا المجال احد امرين: اما انه نذر نفسه وكرسها لجوءا إلى الله.. أو انه ارتقى فعلا الى مرتبة قداسة دائمة.. ذلك الموضوع الذي دارت حوله مناقشات وجدل بيني وبين كل من ابراهيم يزدي والاستاذ اللبناني..».

«ان اقل ما يمكنني قوله.. انني رأيته كأنه احد أنبياء العهد القديم.. أو انه موسى الإسلام.. حضر ليدفع فرعون الكافر عن ارضه ».

«ولا يعني ذلك ان الخميني يقارن نفسه بالمسيح مطلقا..

ولكنه يتألق بنفس النزاهة التي لا مساومة فيها، والتي لا تقبل انصاف الحلول.. وله قصد لا يحيد عنه قيد انملة..».

«وعجيب ان يحمل إنسان بين جنبيه الكثير من اسرار الكون ذاته..».

«ان الخميني حقيقة.. وقد أدى وجوده البارز شخصيا كان ام متجردا إلى تقلص انطباعي عما عداه من القادة السياسيين الذين قابلتهم في حياتي..».

«فهو لم يستمد الكثير من كيانه هنا من كلماته.. ولا من سلطته.. ولكن من واقع وجوده ومن كيفية رد فعل الكون لهالة شخصيته المنظمة..».

«لقد اقتحم الإمام الخميني علي قلبي وعقلي بتيار من العاطفة التي يمكنني ان اصفها بيقين بأنها ايجابية قصوى..

وهذا ما افضل ان اطلق عليه لفظ: الحب».

«فقد كان مشحونا بحب بدا لي فعلا انه اصاب من القلب فطهره.. وملأه بنعيم ما تذوقت له من قبل حلاوة..».

«لقد شاءت الاقدار ان يكون الإمام الخميني هو تلك الحقيقة الوحيدة التي اخذت بآفاق افكاري إلى مدارك اوسع، مشاعر اكثر رحابة، فكان الحقيقة التي طهرت قلبي وانارت لي عقلي وتركت في اثره احساسا من الرضا لا تخبو شدته.. وسيظل هذا الرضا ملازما لي حيث أكون».

«ان الإمام روح الله الموسوي الخميني، رغم ذلك، دليل فائق وبينة سامية لقدرة الإنسان على احراز الكرامة التامة والكمال..».

«ولما كان الخميني حقا من عباد الرحمن يحمل بين جنبيه حقيقة الإسلام.. واستحق ان ينال حبا يضاهي حب الشيعة للاستشهاد.. لزم علينا كمشاهدين ان نحاول فهم هذه الثورة.. وان نقف على مدى حكمة الله في ايصال هذه الحقيقة الينا.. والحقيقة التي وصفتها هنا هي الحقيقة ذاتها التي يتمركز عليها تماما مستقبل الشرق الاوسط.. وانني اعتقد انه لن يدرك إنسان تبلور مصير الشرق الاوسط، واتجاهات القوى التي تشكل الآن احداثه حتى يعترف بصدق ما كتبت، وحتى يميز هذه الحقيقة».

«ان تصرفات مثل هذا الإنسان تسيطر عليها قوة علم خارقة ربما تقوم بحساب انشطة العالم الاكبر.. فلم تعد ذات هذا الإنسان المعتادة تحدد تصرفاته أو تتحكم فيها.. لقد صارت ذاته كونية.. ومن ثم فان مكانة هذا الإنسان وقدرته العقلية، ومستوى انفعالاته تعكس بالضرورة الحقيقة الكونية التي تتضمنها احاسيسه ومداركه.. أتراني اصف الإمام الخميني؟».

«وما كان تقدم آية الله الخميني نحو ادراكه لطبيعته غير المحدودة.. وطفرته إلى الاحاسيس النقية الطاهرة ولجوؤه إلى الله المطلق.. ما كان ذلك سعادة دون جهد.. وما تحققت باسلوب تسام طبيعي بسيط، لا.. ما تحققت الا بعزيمة هائلة لا تقهر.. وتفان ملتزم لا ينحرف عن شريعة الإسلام وقوانينه..

وما من مشاهد للإمام الخميني الا وأحس وكأن الخميني عاش منذ مولده حياة محددة الاتجاه تستهدف اسمى غرض من خلال اعظم التقاليد العالمية..».

«فهو منذ البداية كمشاهير الهند من القديسين مثلا.. دأب على المعرفة.. زاهدا في متعة الشباب المعطلة.. وركز انتباهه على غاية الحياة كلها.. والتعرف الكامل على ماهية النفس.. وما فتئت ان بقيت ذاته غير مطلقة بسبب طبيعتها القائمة على الشروط والاحتمالات.. ولكن ذاتيته الآن.. لجأت إلى المطلق..

فما عاد لها من قصد سوى العمل في خدمة ذلك المطلق.. واقر أني ما رأيت من قبل تعبيرا للمطلق أكثر صلابة مما شهدت..».

«ويبدو ان الخميني على معرفة بمفهوم الله على انه المطلق..

واستشهد مؤكدا ببعض العبارات من اربع محاضرات منفصلة:

[واسماء الله هي.. اعلام لذاته سبحانه، وما هي الا اسماؤه التي يعرفها الإنسان. اما ذاته سبحانه فلا يدركها إنسان.. وحتى خاتم الأنبياء.. اكثر الناس علما واعظمهم نبلا لم يحط علما بذات الله.. ان الله لم يطلع العقول على تحديد صفته وذاته، ولكنه سبحانه لم يحرمها طريق معرفته..

فان كان النور أو الوجود مطلقا وليس كمثله شيء، فهو يتضمن بالضرورة الكمال كله.. ذلك لانه إذا فقد نقطة واحدة من كماله.. امكن تحديده وتمييزه.. فاذا كان في الذات الالهية على سبيل الجدل نقطة نقص واحدة لكان معنى ذلك تغيب نقطة من الوجود.. ولما عاد الوجود بعد ذلك مطلقا.. فيصبح بذلك غير كامل.. بل يصبح عرضا.. ولا يعد ضروريا.. اذ ان الوجود الضروري لابد من ان يكون مطلقا في كماله وجماله.. وعلى ذلك فنحن نستعرض الامر حتى من خلال طريقة «البرهان المنطقي» غير الكاملة، فاننا نصل إلى ان الله تعالى هو «ذات الوجود المطلق» التي هي منبع الايحاء كله.. وتتضمن هذه الذات الالهية الاسماء كلها.. والصفات كلها.. وهي الكمال المطلق.. الكمال الذي لا يمكن تحديده.. ذلك الهدف الذي من اجله جاء الأنبياء جميعهم، ليسودوا الإنسان قدما في هذا العالم، فيخرجوه من الظلمات إلى رحاب النور المطلق. لقد اراد الأنبياء ان يغمروا الإنسان في هذا النور المطلق.. فتندمج الفطرة باحضان المحيط.. لقد ارسل النبيون جميعهم من أجل هذه الغاية..

ان المعرفة الحقيقية.. والحقيقة الموضوعية كلها تنتمي لذلك النور.. فلا وجود لنا جميعا.. ويعود اصلنا إلى ذلك النور المطلق.. محررين من غياهب الظلام وحجب النور.. وحتى البعض وهم لا يزالون في عالمنا هذا سينجحون في الوصول إلى مرحلة تتجاوز مدارك خيالنا عن اللاوجودية وعن مواراتنا في ذات الله عز وجل].

«وانا اعرف ان الخميني يجابه كل قوى الشر في العالم.. وان شيئا من خلال الإسلام يحدث بما قد يغير للامة الاتجاه الذي اتبعه الغرب ولا يزال.. فالإمام الخميني هو نقطة التضاد للدنيويات الجشعة.. وهو نقطة التضاد للتساهل والتسامح في الانقياد وراء الملذات واستحواذ الانانية على الفرد.. وكل هذه سمات سيطرت على الغرب».

«لقد تألق الإمام الخميني بالرحمة والحيوية.. بل وبالنعيم... من تركيز قوي غمرني بطاقة مطهرة.. وشعور كان لهما اعمق احساس للشكر..

وخلال الثلاثين دقيقة التي قضاها الإمام على المنصة، احسست بخلايا عقلي وقلبي تفيض كلها بحب شاف».

«وان الله يدلنا على كل ما نريد، ويبين لنا عن وجوده وقصده الكامل من خلال مخلوق منا».

«حتى حياتي كلها.. احسست بمعناها يتضح.. واستيقظت معرفتي بمصيري..».

«وبدا لي الخميني وكأنه القرآن... وكأني بالله يرتل في استمرار وتلقائية ما في قلبه من كتاب وآيات بينات..».

«ربما كانت المرة الاولى منذ عهد رسول الله محمد نفسه ان يحدث حكيم أو صوفي تغييرا سياسيا عنيفا ادى إلى ثورة..».

«ان آية الله الخميني قاد ثورة مست حياة كل فرد.. ثورة راحت تصفع سياسة الواقع في العالم.. وتصفع الامم المتحدة، وتصفع مركز المخابرات الأمريكية وتصفع مناورات موسكو».

«الله وحده قادر على تبرئة هذه الثورة والدفاع عنها...».

«وستبقى إيران معقلا لمذهب الإسلام الشيعي.. وستبقى الامة كلها مؤيدة للقيم والمبادئ المستمدة من نظام دين عتيد.. متحدية بذلك استكبار ايديولوجية الإنسان الغربية ومناظرات الجدل المادية».

«لقد أدى العلم والتقدم إلى عدم التجاء الشعوب إلى الله في ما يختص باحداث العالم.. ولعل الله شاء ان يذكرهم بذاته ووجوده.. فكانت هذه الانتفاضة الدينية المفاجئة والتي انبعثت عن شخص ومشاعر آية الله الخميني.. انتفاضة لا يمكن فهمها الا من مركز العاصفة الإسلامية وبهدوء كامل.. اما احاسيس الخميني التي عبرت بوضوح وجلاء عن المطلق.. فقد انسابت في جهازه العصبي من دون عقبة أو مقاومة».

لقد كان من خلال الإسلام وبالإسلام وحده ان الله أحيا قوة احدى رسالاته.. يقوض الافتراضات الدنيوية النامية في الغرب والشرق الداعية إلى اقصاء مفهوم قدرة الله عن مسرح الاحداث في العالم..».

«ان هذه الثورة تحت القيادة الرشيدة لآية الله روح الله الخميني أنقى نهضة للروح في عالمنا اليوم..».

«وقد قامت الثورة الإسلامية نتيجة لتفوق الإمام الخميني وسموه..».

«فليس هناك قائد معروف آخر لديانة اخرى مشهورة حتى البابا.. ليس هناك من يداني الإمام الخميني في شدة القداسة التي يتألق بها».

«ما من تجربة تساوي شيئا مما حدث لي اليوم.. فان تفتح قلبك بحق لتستقبل بركات آية الله الخميني، فان ذلك يعني انك رأيت انعكاس الله ذاته، اذ هو يتمثل فقط من خلال الجهاز العصبي للإنسان.. لقد حصلت على هذه البركة.. ان الله ذاته يعلمني ما لم اكن اعلم.. من خلال شيء مطلق ينساب من دون انقطاع في احاسيس الإمام الخميني وشخصيته..».

«وخرج الخميني من باب منزله.. ومرة اخرى هبت رياح الطاقة الالهية واندلعت قوة الحب والمهابة التي سمت إلى مستوى الكونية..».

لقد استرسلت في نقل هذه الكلمات المعبرة لإنسان من المفترض ان يكون معاديا للإمام الخميني بسبب قوميته كأمريكي وديانته كمسيحي، وبسبب الازمة السياسية العاصفة في عملية احتجاز اعضاء السفارة الأمريكية.. ومع ذلك كله نجد الكاتب الأمريكي يتأثر بشدة بشخصية الإمام الالهية حتى انني لم استطع مقاومة الكشوفات المذهلة للكاتب وسحر كلماته المعبرة..

ربما يوجد من تأثر بالإمام لهذه الدرجة واكثر، لكنه اخفق في التعبير كإنسان تموج في أعماقه مشاعر فياضة بالحب إمام عجز في التعبير عنها..

ثورة الحب الالهي قبس من عاشوراء. ان هذه السطور التي تبدو كأنها تفتقد المنهج انما تجسد عجزا في ايصال فكرة ان الإمام الراحل، قد اكتسب قدرة الأنبياء في التغيير، وان هناك قدرا من خليل الله ابراهيم ومن كليم الله موسى بن عمران ومن روح الله المسيح بن مريم ومن حبيب الله محمد بن عبدالله.. يتبلور في أعماقه التي تضطرم بالحقيقة المطلقة.

اجل ذلك كله تجدد متألقا في روح الله الموسوي الخميني.. مع تأكيد ما يشغله الإمام الحسين من مساحة كبرى في شخصيته.

اجل هذه سطور مرتبكة واني لاعترف باخفاقي في التعبير عن الإمام الراحل.. بالرغم من ان اكتشافي له يعود إلى عام 1977م عندما وقع في يدي كتاب: «موقف الخميني تجاه اسرائيل».. وقد ألهب وجداني موقفه الحازم.. وتأييده المطلق للحق الإسلامي الفلسطيني في وقت صرح فيه زعيم فلسطيني: «لقد سقطت فلسطين من الذاكرة العربية».

ترى من الذي اعاد فلسطين ليس إلى الذاكرة العربية والامة الإسلامية، بل إلى ذاكرة العالم كله كقضية إنسانية؟! أليس هو الخميني؟ وعندما نقترب منه لنكتشف روحه سنجد في طواياها الحسين بملحمة عاشوراء الخالدة.. وسنكتشف ان الحسين يشغل مساحة هائلة في روحه الخضراء.

اننا نستطيع ان نسرج فانوسين يلقيان بعض الضوء على هذه المساحة الشاسعة.. الاول يقترن بلقائه مع المرجع الكبير المرحوم السيد الحكيم ايام وصوله إلى النجف في منفاه الثاني بعد تركيا ونحن نقتطف منه ما يتعلق بصلب المسألة.

الإمام الخميني: «... وفي منفاي بتركيا زرت قرية لا اذكر اسمها الآن، واخبرني الاهالي هناك انه عندما كان آتاتورك منهمكا في الحملة على الدين، اجتمع العلماء واتخذوا قرار المواجهة ضد اتاتورك الذي قام بحصار القرية وقتل اربعين من علماء تركيا، ولقد شعرت بالخجل، وفكرت في نفسي اذ كيف يقوم علماء السنة وهم يرون الخطر محدقا بدينهم ويقدمون دماءهم رخيصة، بينما يشهد علماء الشيعة اخطارا عظيمة تهدد الدين فلا نصاب حتى بالرعاف! امر مخجل حقا..

السيد الحكيم: ماذا ينبغي فعله؟ لنحتمل الأثر اولا، والا ما جدوى القتل؟ الإمام الخميني: .. لندع التاريخ يسجل ان الدين لما تعرض للخطر فان بعضا من علماء الشيعة ثاروا وان فريقا منهم قتلوا.

السيد الحكيم: ما جدوى التاريخ؟ نحن نبحث عن الأثر.

الإمام الخميني: كيف لا يكون للتاريخ فائدة؟! الم تقدم ثورة الحسين خدمة للتاريخ؟ الم يكن هناك جدوى من ثورته؟! السيد الحكيم: ما هو رأيك في موقف الحسن؟ انه لم يقم بثورة؟ الإمام الخميني: لو كان للإمام الحسن أنصار مثلما لديك، لثار.

ولقد نهض بالامر في البداية، ولما رأى انصاره يبيعون انفسهم وضمائرهم لم ينتصر.. اما انت فلك انصار في كل البلاد الإسلامية.

السيد الحكيم: ولكني لا ارى من يتبعني لو اقدمت.

الإمام الخميني: إذا قمت بالثورة، فانا اول من يتبعك.

السيد الحكيم: ابتسامة وصمت»!!.

وخلال اللقاء نشهد الاستخدام الواسع لمفردة الثورة في حديث الإمام بينما لم يستخدم محاوره هذه المفردة حتى مرة واحدة! وهذا اللقاء معروف في بداية وصول الإمام إلى النجف بعد


تعليقات الزوار
ارسال تعلیق