بمناسبة ذكرى استشهاده؛ عماد مغنية ... أسوة العقيدة والجهاد

2016-02-15
0
1437

يصعب إقناع أحد بأن هناك أموراً لا يمكن كتابتها، عن مشاعر راودتنا، ونحن نقرأ عماد مغنية في شهادات من عرفوه. تأتي حكاياته كغيمة مرت فروَت. ونسأل، كمن يحوم حول سرّ: «هل كان عماد مغنية حقيقة؟». ليس صعباً أن نؤكد، أن الحكاية ولو رويت لن تنتهي، ما دامت الحياة تعدنا، عاماً تلو آخر، بكشف المزيد عن حياة شهيد عزَّ نظيرُه. لذا، لن تكون الحكاية كاملة، لكن عساها تروي قليلاً من شوق كثيرين آمنوا به، وصدَّقوا دمه ودموعهم، وأيقنوا أنه، من دوننا جميعاً، أتقن الحب... والشهادة.

 

هادي أحمد

تعود الذاكرة بالحاجة أم عماد إلى العام 1962. تسرد الحادثة بتفاصيلها: سارت بهم السيارة التي تضمّ سبعة أشخاص، على طريق المصيلح، وكان عمر عماد مغنية يناهز الـ 40 يوماً. تعرّضوا لحادث، انقلبت بهم السيارة ثم احترقت، ونجوا من الموت بأعجوبة. «كلكم نجيتوا؟» سأل جدّها. ثم أجاب نفسه: «كلكم نجيتوا بحسنة هذا الطفل. هيدا الطفل بدو يطلع منه شي كتير مهم بالحياة».

منذ سمعت أم عماد هذه العبارة، راحت تترّقب اليوم الذي يصبح فيه ابنها صاحب شأن في المجتمع. مرّت الأيام، والسنون، وظهرت شخصية عماد صاحب القدرة على التأثير على الآخرين من دون أن يتعمّد ذلك. «منذ كان في السادسة من عمره، كان يتحمّل مسؤولية رفاقه الذين يلعب معهم»، يقول والده. كما كان قادراً على المسامحة منذ صغره «اختلف مرة مع ابن جيراننا، الذي اعتدى عليه، لكن عماد قال له الله يسامحك ومشى، وتضايق من شقيقه فؤاد لأنه عاد وضرب ابن الجيران قائلاً له: ما أنا سامحته» .

شبّ عماد مغنية في بلد يعاني من اعتداءات إسرائيلية متواصلة، وبدايات حرب أهلية، وكان مهتماً بمتابعة مجريات الحياة السياسية. يروي صديقه الشيخ مالك وهبي أنهما كانا في العاشرة من العمر، عندما كان الحاج عماد يحاول أن يتعرّف إلى الأحزاب والحركات السياسية والإسلامية. وعندما كان يرى ما لا يعجبه، يدخل ويناقش. وكان في السادسة عشرة من عمره عندما انضمّ إلى حركة «فتح»، واستطاع أن يكون مؤثراً فيها على مجموعة من الشبّان رغم صغر سنه. وفي بداية الثمانينيات، التحق بالحركة الإسلامية. كان لانتصار الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 واستشهاد السيد باقر محمد الصدر عام 1980، دور حاسم في هذا الخيار. شارك وساهم مع بعض إخوانه في تأسيس حركة جهادية إسلامية بعدما اقتنعوا بأنه لا بد أن تكون لديهم قدرة دفاعية. وقد تشكلت هذه القدرة، التي واجهت الاجتياح الإسرائيلي، إذ شارك هو بشخصه، مع بعض رفاقه المؤسسين، في التصدي للإسرائيليين في معركة خلدة. هذه كانت نواة المقاومة الإسلامية في لبنان، وعندما دعا قائد الثورة الإسلامية في إيران الإمام الخميني للجهاد، كان حزب الله من الحاضرين والفاعلين.

في ذلك الوقت، كان يطلق على شبان حزب الله «الخمينيين». وكان عماد، وشقيقاه جهاد وفؤاد، من هؤلاء الخمينيين. كانوا ملاحقين على الدوام، كما تروي والدتهم التي دُهم منزلها أكثر من مرة، من دون أن يصادف وجود أولادها فيه.

رغم هذا الجو من الملاحقة، سار الحاج عماد في تشييع شقيقه جهاد الذي استشهد عام 1984. وهذا ما لم يفعله مع استشهاد فؤاد في العام 1994، كي لا يصل إليه الإسرائيليون. وبعد 4 أيام من استشهاد فؤاد، التقى بوالدته. قال لها: «قالولي انك متأثرة كتير». أجابت: «طبعاً، هيدا التاني»، فأجابها: «كيف ليصيروا 3، شو بدك تعملي»؟

مرّ العمر بسرعة، قبل أن تتلقى أم عماد خبر استشهاد ابنها الثالث. لكن، ليس من دون إنجازات، بل تواقيع حفرت في ذاكرة العالم، كان أبرزها تحرير الجنوب في أيار 2000، وانتصار تموز 2006.

تتذكر أم عماد أنه زارها بعد التحرير بفترة، وسار وعائلته إلى الجنوب. كان هو السائق، بين أهله، أخواته، وأولادهم. يسير ويشرح: «هيدا الموقع الفلاني... وهون هيك صار...». سألته: «أنت شو خصك بهذه القصة؟ من وين عارف هذه المواقع؟». ضحك، وقال: «جابوني وفرجوني عليهم، ودلّوني . » .

لم يخبرها أنه في أول أيام التحرير، كان من أوائل الذين دخلوا إلى الشريط الحدودي، وفور وصوله إلى الجنوب، ومن على تخوم قرية مركبا، قال للشاب المرافق له: «شمّيت ريح فلسطين، ريح القدس». ثم تقدّم ونظر إلى فلسطين: «الإسرائيليون بالمرة! كيف تركونا نصل إلى هذه النقطة ؟ ».

يومها، تشكلت لديه قناعة بأن هناك إمكانية حقيقية لإزالة إسرائيل، بناء على أن المقاومة نجحت في مهمتها الأولى، وهي رؤية الهزيمة بعيني الإسرائيلي. ويومها، أيضاً، أدرك أن إسرائيل لن تتحمل الهزيمة، وأن العمل على الردّ قد بدأ.

ننتصر لأننا نبتكر

قبل بدء حرب تموز، كان الحاج عماد قد وضع تصوّراً لما قد يحصل في حال وقعت الحرب. ويذكر نائب الأمين العام لحزب الله، الشيخ نعيم قاسم، أنه عرض هذا التصوّر في جلسة لمجلس الشورى، كما عرض مخططه للردّ. قال لهم، «في البدء، إسرائيل ستتقدم إلى العوارض الأمامية، وستؤجل العملية البرية لوقت متأخر. ورغم ذلك، وإذا ما قامت بها، لدينا حلول للمواجهة»، وذكر هذه الحلول.

عندما بدأت الحرب، تبيّن أنه يسبق العدو في تفكيره. كلما تقدمت الحرب في تموز، كانت الخطط التي ذكرها الحاج عماد، المواجهة وطريقة المواجهة والاستعدادات تتم مثلما نصَّها هو. كل ما كان متوقعاً في عدوان تموز كان جزءا من الخطط المدروسة والموضوع لها حلول معينة.

الحاج رضوان، الذي اهتم بفهم الإسرائيلي وقراءته، لم يكن مقلّداً في موضوع الخطط العسكرية، إنما كان مبتكراً. هذا ما يميزه عن قادة وخبراء عسكريين آخرين. نقل عنه قوله: «ننتصر لأننا نبتكر». في الحرب، ركز على ضرورة ضرب منطقة العدو. أي أن تتم مواجهة العدوان من خلال جعل الجبهة الداخلية في فلسطين المحتلة مشتعلة، ما سيحقق انجازاً كبيراً للمقاومة.

كانت إسرائيل تملك بنك أهداف للمنظومة الصاروخية الإستراتيجية التي تتشكل من صواريخ لمدى متوسط، ومدى بعيد. بعد عملية جوية ضخمة ظنّ الإسرائيلي أنه أزال التهديد الصاروخي، وبالتالي أصبح أمام معركة ثانية، ليأخذ على أساس هذه المعطيات قراراً بتحويل العملية العسكرية إلى حرب.

أيام قليلة مرّت، وتبيّن أن الحاج كانت لديه خطة للحفاظ على غالبية القوة الصاروخية. وعندما انطلقت هذه الصواريخ باتجاه فلسطين المحتلة، قال لمن كان يقف إلى جانبه: «لقد خسرت إسرائيل الحرب». وأضاف في موضع آخر: «حرب الـ 33 يوماً، أثبتت أن الأسلحة التقليدية عاجزة عن حماية إسرائيل، وأنها ليست خطراً علينا، وأن لدينا تفوقاً في الأسلحة التقليدية، وهذا ما يقلّل من قيمة الدور الإٍسرائيلي في استراتيجية الحرب. ربحنا القضية كلها. بهذه القضية يمكن إبادة إسرائيل».

القائد العطوف

في المقابل، كان هذا الرجل، الذي بات يعرف بقائد الانتصارين، شخصية رقيقة وحساسة وعطوفة. هو الذي انهمرت دموعه عام 1998 عندما رأى، من على أحد الأسطح القريبة، مشهد تشييع جثامين الشهداء إثر عملية تبادل مع العدو.

كان حريصاً على أن لا ينقص المجاهدين شيء من احتياجاتهم. أن لا يشعروا بالقلق، لا على أولادهم، أو مدارسهم أو أكلهم وشربهم. منطلقاً من مبدأ أنه يطلب منهم ما يصعب على الجميع، ولذلك، كان يرى أن واجبه يحتِّم عليه أن يؤمن ما يستطيع تأمينه لهم، ويسعى للحصول على إيرادات لتأمينها. اهتم بالأمور الشخصية للذين حوله، وورد عن عدة أشخاص قولهم: «أنا الحمد لله انتقلت إلى بيتي بسبب الحاج عماد»، «أنا حليت مشكلتي مع ابني بسبب الحاج عماد»...

كما يروي أحد المجاهدين، انه جمعهم ذات يوم، «وكنا 15 شخصاً، ليذهب بنا الى دمشق. أعطانا مالاً، وقال اذهبوا واشتروا ما يحتاجه أبناؤكم. جلس على الرصيف ينتظرنا، وبقي جالساً حتى عدنا جميعاً لنجده في المكان نفسه».

هذا الحسّ الإنساني العالي يعود إلى التربية الأخلاقية والإيمانية. إذ كان الحاج عماد متديّناً، يواظب على الصلاة في أول وقتها. ويهمه أن لا تتضارب مواعيد الاجتماعات مع مواقيت الصلاة.

وفي الاجتماعات، لم يكن القائد العسكري الذي يحتاج عناصره إلى تراتبية للحديث معه. لا «سيدنا» هنا، ولا أي كلمة تعيق التواصل بشكله البسيط المتعارف عليه. يمكن للجميع مناقشة الاقتراحات، ولا يجب على أحد أن يقف حين دخوله، أو يصمت حين يتكلم. كان شخصاً يحفّز الفريق الذي يعمل معه، معزّزاً المبادرة لديه، وروح التعاون، ليستخلص من الجميع ما يمكن استخلاصه.

قوة السرّ

كان عماد مغنية يدير هذه المهمات كلها بسرّية كاملة تحيط بشخصيته الحقيقية، حتى أنه طلب شخصياً من السيد حسن نصرالله نفي وجود أحد ما، إسمه عماد مغنية، داخل جسم حزب الله. وقد سُئل السيّد حسن فعلاً عن مغنية، في إحدى مقابلاته القديمة. كان الحاج يشاهده، ضحك وقال: «إن شاء الله ما يتلبك السيد بالجواب». لكن السيّد أجاب: «ليس لدينا شخص بهذا الاسم».

وسأله ابنه مصطفى يوماً: «ماذا إذا لم يعترف حزب الله بك بعد استشهادك»؟ أجابه: «لا أنتظر أحداً أن يعترف بي. إذا كانت هناك مصلحة لهم بعدم الإعتراف، فلا مشكلة».

لم تعنه على الإطلاق مسألة شهرته والكلام عن أعماله، سلباً أم إيجاباً، من محبيه أو خصومه، لبنانيين وعرباً وإسرائيليين أو أميركيين. بل كان يزعجه ربط الإسرائيليين كل أعمال المقاومة به، كأنه يعمل دون مؤسسة تفكر وتخطط وتضع أهدافاً. قاد عماد مغنية لسنة أو سنتين عمليات المقاومة، من دون أن تعرف المقاومة نفسها. وهو الذي أعدّ عملية الاستشهادي أحمد قصير بتفاصيلها، وتابعها بدقائقها، وحرص على تصويرها من أجل أن تكون هناك وثيقة تعرض في يوم من الأيام وتبيّن هذا العمل بشكل كبير.

أقوى نقاطه في الإجراءات الأمنية كانت عدم معرفته عند رؤيته، ما اقتضى منه إجراءات تجعله رجلاً عادياً وبسيطاً، من دون مواكب ومرافقين وإجراءات ظاهرة للعلن. أحياناً، كان يشارك في لقاءات رسمية وعامة، لكن ليس بصفته التنظيمية، بل مجرد شخص كبقية الأشخاص، يجلس ولا يساهم في النقاش بل يسمع. تحوّلت هذه الإجراءات إلى نمط وسلوك في حياته.

أثناء لقاء قائد فيلق قدس، قاسم سليماني، بمعاون نائب رئيس الجمهورية السوري الراحل اللواء محمد ناصيف في سوريا، حضر الحاج عماد مع الوفد المرافق للأول. مع سير الحديث، أخطأ المترجم في نقل جملة من الفارسية إلى العربية. صحّحها له الحاج عماد، وأكمل الحديث، على أنه شخص مساعد في الوفد.

هذا الشخص «المجهول»، أتاح لعماد مغنية هوامش كبيرة في الحركة التي يحرم منها آخرون في مواقع مسؤولية عسكرية أو أمنية. على عكسهم، نجح هو بالدخول إلى أمكنة واحتفالات وفنادق وتظاهرات واجتماعات، استخدم سيارات أجرة وفانات. مع ذلك، كان دائماً يحمل مسدساً في جعبته الجلدية البنية اللون. كما حافظ على قوته البدنية في العقد الأخير من عمره. أثناء تدريب المجاهدين على عملية سحب جندي إسرائيلي من الآلية: فتح الباب بسرعة وبمهارة فائقة، ليسحب مجاهداً ضخماً بحجمه على مرتين مع كامل سلاحه وعتاده. يروي أحد المجاهدين المقربين أنه كان «يعطينا دروساً في الدفاع الذاتي، وأثناء التدريب تعاملت مع مواجهته ببرودة على قاعدة أن الحاج قصير القامة نوعاً، وإذ بي أفاجأ بلياقة عالية وسرعة غير طبيعة وقوة عالية».

بين حجم المهام الموكلة إليه، وحجم الانجاز الذي حققه، وحجم الظهور لديه، يصف رئيس المجلس السياسي السيد إبراهيم الأمين السيد المشهد بالقول: «أننا أمام إنجازات كبرى وضخمة مع ظهور صفر». في طبيعة الإنسان، إذا ما حقق إنجازاً، تراوده نفسه لإظهار ذاته مع ما حققه، من خلال صورة، أو فيديو أو ما شابه، ليخلد أثره. مع الحاج عماد، كان الزمن في صوره يبدو ثابتاً في موضعه. أما إنجازاته، فتواصلت دون توقيع معلن. ثم يعقب: «لم يتصوّر الحاج مع إنجازه، بل على النقيض، أخذت صورة للإنجاز ولم تؤخذ صورة له مع انجازه».

هذا الزهد الذي تعامل فيه عماد مغنية مع إنجازاته، يعود أيضاً إلى كونه لم يتعامل يوماً مع الإسرائيلي باستخفاف. هو الملاحق منذ بداية التحاقه بالعمل المقاوم، لم يكن يقلل يوماً من قدراتهم وقوتهم. وبعد 25 عاماً من ملاحقتهم إياه، استطاعوا الوصول إليه، في وقت كان يخطط فيه للمقاومة الفلسطينية، في سوريا.

رحل عماد مغنية، عن عالمنا شهيداً كما كان يتوقع، وهو القائل: «من الخيانة أن أخاف الموت وأنا اطلب من إخواني القيام بواجبهم الجهادي، بينما أنا متيقن أن بعضهم سيستشهدون. أضعف الإيمان أن ارتضي لنفسي ما ارتضيته لهم».


تعليقات الزوار
ارسال تعلیق