«دروس في الحكومة الإسلامية»؛ الدرس الرابع والثلاثون: الآيات الواردة في مشروعية الصلح مع الكفار

2017-07-29
0
234

وأما الاستدلال عليه فلا بد من عقد البحث عنه في مرحلتين:

 

المرحلة الأولى: في أصل جواز عقد الصلح والمهادنة الذي قد مر في كلمات من مضى، وقد ذكر المحقق في كتابيه والعلاّمة أيضاً أن ملاك الجواز ـ بالمعنى الأعمّ الشامل للوجوب ـ أن يكون في الصلح مصلحة للأمة، وادعى على جوازه معها الإجماع محصّلاً ومنقولاً في كلام العلامة والرياض والجواهر.

ويمكن الاستدلال له ـ مع الغضّ عن الإجماع ـ بالكتاب والسنة:

أما الكتاب:

1ـ فقوله تعالى: ﴿وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾[1]. قال في مجمع البيان: ﴿وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ﴾ أي مالوا إلى الصلح وترك الحرب، فاجنح لها أي مل إليها واقبلها منهم، وإنما أنّث لأن السلم بمعنى المسالمة[2].

وبيان دلالته أنه تعالى خاطب رسوله صلى الله عليه وآله وأمره بالميل إلى المسالمة والمهادنة التي هي ترك الحرب إذا جنح الكفار المحاربون إليها، والمتيقّن الذي كالصريح له جواز الرجوع إليها، فالآية كالنص في الدلالة على الجواز.

لكن في مجمع البيان: (وقيل: إن هذه الآية منسوخة بقوله: ﴿فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾[3] وقوله: ﴿قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ﴾ الآية[4] عن الحسن وقتادة. وقيل: إنها ليست بمنسوخة لأنها في الموادعة لأهل الكتاب، والأخرى لعبّاد الأوثان، وهذا هو الصحيح، لأن قوله تعالى: ﴿اقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ﴾ والآية الأخرى نزلتا في سنة تسع في سورة براءة، وصالح رسول الله صلى الله عليه وآله وفد نجران بعدها[5].

وتقريب قول القائل المذكور بالنسخ أن الضمير الفاعل في قوله تعالى: ﴿وَإِن جَنَحُواْ﴾ راجع إلى ﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ المذكور في آيتين قبلها، ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ في زمنه صلى الله عليه وآله ـ طائفتان: المشركون وأهل الكتاب، فقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾[6] أوضح حال القتال لهم وحكم بوجوب قتلهم وإيجاد الضيق والحصر لهم والقعود للظفر بهم كل مرصد، وجعل غاية رفع اليد عن التعرض لقتلهم وقتالهم أن يتوبوا ويؤمنوا ويعملوا الصالحات، فلا محالة بحسب مثل هذا الدليل القوي الدلالة لا يبقى مجال لتأخير أمر قتلهم وقتالهم في زمن عقد الصلح على ترك محاربتهم. هذا بالنسبة إلى المشركين.

كما أن قوله تعالى: ﴿قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾[7] وارد كما ترى في أهل الكتاب، وقد حكم بوجوب قتالهم إلى أن يعطوا الجزية، فيدل على وجوب قتالهم وإدامته إلى أن تحصل هذه الغاية، وعليه فرفع اليد عن قتالهم في زمن المهادنة خلاف ظاهر هذه الآية.

فبعد ملاحظة هاتين الآيتين لا يبقى مورد لمدلول آية الأمر بقبول الصلح، فلا محالة يحكم بأنها منسوخة.

وربما يقال بكون آية الصلح منسوخة من طريق آخر وهو ما في تفسير القمي ذيل الآية، ففيه: قوله ﴿وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ قال: هي منسوخة بقوله: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ﴾ نزلت هذه الآية ـ أعني قوله: ﴿وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ﴾ـ قبل نزول قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ﴾[8] وقبل الحرب، وقد كتبت في آخر السورة بعد انقضاء أخبار بدر[9]. وضمير قال في قوله (قال: هي منسوخة) راجع إلى نفس علي بن إبراهيم كما هو متعارف في هذا التفسير كثيراً.

وحاصل الوجه الذي ذكره للمصير إلى النسخ: أن قوله تعالى في سورة محمد: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ﴾ نهى المسلمين عن المصير إلى السلم، ومعه فلا يبقى مجال لقوله تعالى: ﴿فَاجْنَحْ لَهَا﴾ فلا محالة يحكم بأنها منسوخة.

أقول: والعمدة من هذين الوجهين هو الوجه الأول، وإلا فما عن تفسير القمي غير تام وذلك أنه استدل على نسخ آيتنا بقوله تعالى: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ﴾ مع أنه لا منافاة بينه وبين آيتنا، وذلك أن تلك الآية إنما نهت عن صيرورة المسلمين متوانياً ودعوتهم للكفار إلى السلم مع أن آيتنا إنما تدل على جواز الميل إلى السلم إذا جنح الكفار إليه فقال تعالى: ﴿وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ فليست بينهما منافاة لكي نقول بنسخ إحداهما، غاية الأمر أن تكون تلك الآية بياناً لشرط المصير إلى الصلح، فهذا الوجه غير تام.

وأما الوجه الأول فربما يورد عليه بأن الكفار ليسوا محصورين في الطائفتين بل المستفاد من خبر حفص بن غياث الطويل الوارد في الأسياف الخمسة أن آية سورة البراءة مختصّة بمشركي العرب الوارد فيهم السيف الأول، وأما مشركوا العجم يعني الترك والديلم والخزر فهم لا يدخلون في تلك الآية بل يدخلون في آيات سورة محمد صلى الله عليه وآله وورد فيهم السيف الثالث، فلننظر إلى هذا الخبر قال فيه أبو عبد الله عليه السلام: وأما السيوف الثلاثة الشاهرة فسيف على مشركي العرب، قال الله عز وجل: ﴿فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ (يعني آمنوا) وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ﴾[10] ﴿فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾[11] فهؤلاء لا يقبل منهم إلا القتل أو الدخول في الإسلام وأموالهم وذراريهم سبي على ما سنّ رسول الله صلى الله عليه وآله فإنه سبي وعفا وقبل الفداء... ثم ذكر السيف الثاني الذي هو على أهل الكتاب، ثم قال: والسيف الثالث سيف على مشركي العجم ـ يعني الترك والديلم والخزر ـ قال الله عز وجل في أول السورة التي يذكر فيها: ﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ...﴾ فقصّ قصّتهم ثم قال: ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾[12] فأما قوله: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ﴾ـ يعني بعد السبي منهم ﴿وَإِمَّا فِدَاء﴾ يعني المفاداة بينهم وبين أهل الإسلام، فهؤلاء لن يقبل منهم إلا القتل أو الدخول في الإسلام ولا يحل لنا مناكحتهم ما داموا في دار الحرب[13].

فحاصل هذا الإيراد: أنه يبقى من الكفار المقاتلين طائفة وهم مشركو العجم فيمكن اختصاص آية النهج إلى السلم بهم.

ويمكن دفعه إما بأن سند خبر حفص لم يثبت اعتباره وإما بأن ما ورد فيه لعله مورد نزول آيات البراءة، كما لعله يستظهر أيضاً من الآيات أنفسها، فإن السورة شرعت بإعلام براءة الله من المشكرين الذين عاهدوا المسلمين وبعضهم كانت المعاهدة معهم عند المسجد الحرام، ومن الواضح أنهم مشركو العرب إلا أنه مع ذلك فلا يبعد إلغاء الخصوصية عنهم إلى كل مشرك، فيأتي الحكم المذكور لهم إلى مشركي العجم النازلة فيهم آية سورة محمد. وهذا الدفع الثاني قوي.

بل الحق أن يورد على الوجه الأول بأن المستفاد من آيات قتل المشركين وقتالهم وهكذا  من آية قتال أهل الكتاب أن الواجب في الشريعة الإسلامية أن يقاتل المسلمون جميع طوائف الكفار ولا يرتفع هذا الوجوب ولا يرفع اليد عن قتالهم إلا إذا آمن المشركون أو أعطى أهل الكتاب الجزية عن يد وهم صاغرون، فهذا هو المستفاد من هاتين الطائفتين من الآيات.

وبعد البناء عليه فهل إيقاع القتال لهم دائم وعام في جميع الأقوال والأحوال وفي تمام أيام السنة أم أنه يمكن ترك قتالهم مدة من السنة لبعض المصالح كحصول استراحة للمجاهدين أو حصول قوة أكثر مما كانت وأمثالها؟ فهو أمر آخر ولا يتم استدلالهم بهذا الوجه إلا مع إثبات الاحتمال الأول، وهو محل كلام بل منع.

إذ ما يأتي في الذهن في مقام الاستدلال له هو أن يقال: إن إطلاق كلتا الطائفتين من الآيات وجوب إيقاع القتال لهم وإيراد كل ضيق وشدة عليهم ـ كما صرح به في المشركين ـ إلى أن يؤمنوا ويعملوا بالوظائف الإسلامية أو إلى أن يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، وإطلاقهما يشمل جميع الأزمنة والحالات فالمصير إلى السلم ولو مدة قليلة حيث إنه بمعنى رفع اليد عن القتال في هذه المدة فهو خلاف مدلول هذه الآيات. بل ومثلهما إطلاق سائر الآيات الآمرة بالجهاد في سبيل الله والأخبار الكثيرة الدالة على وجوب الجهاد للكفار على المسلمين.

لكنه مندفع (أولاً) بأن المستفاد من كلام جمع من الفقهاء أن القتال مع الكفار لا يجب أن يستوعب جميع السنة بل لا يجب في كل سنة إلا مرة واحدة، فقد قال شيخ الطائفة في أو كتاب الجهاد من المبسوط: وعلى الإمام أن يغزو بنفسه أو بسراياه في كل سنة دفعة حتى لا يتعطّل الجهاد، اللهم إلا أن يعلم خوفاً فيكثر من ذلك.

وقال العلامة في ذيل المسألة الأولى من مسائل البحث الثالث من المنتهى: وعلى الإمام أن يغزو بنفسه أو بسراياه في سنة دفعة حتى لا يعطّل الجهاد إلا أن يعلموا خوفاً فيكثر من ذلك[14].

وقال العلامة في أول المقصد الأول من مقاصد كتاب الجهاد من قواعده: وهو واجب في كل سنة مرة إلا لضرورة على الكفاية. وقال المحقق الكركي في جامع المقاصد تعليقاً وشرحاً للعبارة: فمع الضرورة قد لا يجب في السنة أصلاً، وقد يجب أزيد من مرة، والمستند النص والإجماع[15].

فقد صرح العلامة نفسه بأن الجهاد في كل سنة لا يجب إلا مرة ووافقه عليه الشارح وكر في وجهه أن المستند النص والإجماع، فقد ادعى الإجماع على عدم وجوبه في السنة أزيد من مرة إلا أن تقوم ضرورة.

وقد مر عن الشهيد الثاني في المسالك أنه قال: والحاصل أن ترك القتال أربعة أشهر سائغ بالمهانة وغيرها فإذا طلبوا المهادنة ذلك القدر كان سائغاً، وفي جوازها أكثر من ذلك خلاف يأتي[16].

فصرح بجواز ترك القتال أربعة أشهر بغير المهادنة أيضاً، بل ظاهر ما زاد عليه أنه لا خلاف فيه، فتأمل.

ولمثل ذلك قال صحاب الجواهر: وعن الشيخ والفاضل والشهيدين والكركي أن أقل ما يفعل الجهاد في السنة مرة، بل عن الأخير دعوى الإجماع عليه[17].

فبعد ذلك نقول: إذا كان الواجب من الجهاد في كل سنة مرة ويتحقق المصداق الواجب بمدة ما من السنة فلا محالة لا يجب استيعاب السنة بالجهاد حتى في غير الأشهر الحرم، وعليه فلولي الأمر إذا رأى مصلحة أن يعقد عقد الصلح مع الكفار مدة مضبوطة، لاسيما إذا جنح الكفار أنفسهم إلى السلم كما هو مضمون آيتنا المبحوث عنها.

و(ثانياً) أنه قد مر عن جمع من الأصحاب دعوى الإجماع على أن عقد الهدنة إذا كان فيها مصلحة جائز، بل قد عرفت عن بعضهم دعوى الإجماع المحصّل عليه، فهذا الإجماع أيضاً يكشف عن أن استيعاب جميع الأشهر غير الحرم بالجهاد والقتال غير واجب فلا محالة يخصّص بمثله أيضاً إطلاق آيات الكتاب الشريف والسنة المباركة، ويوجد مجال صحيح لانطباق مفاد آية الصلح.

وأما ما رواه الكليني عن الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله عز وجل: ﴿وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ قلت: ما السلم؟ قال: الدخول في أمرك[18] وقريبٌ منه رواية العياشي عن الحلبي عنه عليه السلام[19] فلا مجال لأن يقال: فبناءاً على هذه الرواية أريد من السلم الدخول في المذهب الحق لا الدخول في الصلح، وذلك أنه لا ينبغي الشبهة في أن الرواية من باب التأويل فلا تنافي ما هو ظاهر الآية، مضافاً على ضعف سندها.

كما أن ما في تفسير القمي ـ عند بيان حرب بدر وقبل حدوثها ـ من قوله: وفزع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله حين نظروا إلى كثرة قريش وقوتهم، فأنزل الله على رسوله: ﴿وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ﴾ وقد علم الله أنهم لا يجنحون ولا يجيبون إلى السلم، وإنما أراد سبحانه بذلك ليطيب قلوب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله[20] فهو مضافاً إلى أنه أشبه باجتهاد منه ـ غير مناف لإرادة المعنى الكلي من الآية المباركة كما هو ظاهرها.

2ـ وربما يستدلّ أيضاً ـ كما في التذكرة والمنتهى بل والجواهر أيضاً ـ بآيات سورة براءة الواردة في المشركين، فقد قال الله تبارك وتعالى: ﴿بَرَاءةٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ * فَسِيحُواْ فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللّهِ وَأَنَّ اللّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ * وَأَذَانٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ * فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ * كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ اللّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَاسْتَقِيمُواْ لَهُمْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾[21].

وبيان دلالتها: أنه يظهر منها أنه كان قد وقع عهدٌ على أن لا يقع بين المسلمين وجمع من المشركين قتل ومقاتلة، فأعلن الله تعالى بأنه تعالى بريءٌ من المشركين كلهم واستثنى لهم أربعة أشهر فإذا انسلخ هذه الأشهر الحُرم فعلى المسلمين أن يحصروهم ويقعدوا لهم كل مرصد ويأخذوهم ويقتلوهم، فهذا إعلانٌ واضح بأنه لا عهدٌ عند الله ولا عند رسوله لأحد من المشركين، إلا أنه مع ذلك كله فقد استثنى عن هذا العموم طائفة من المشركين وهم الذين عاهدهم المسلمون على ترك القتال وهم عملوا بعهدهم ولم ينقصوا للمسلمين شيئاً ولم يظاهروا عليهم أحداً فأوجب فيهم على المسلمين أن يتمّوا إليهم عهدهم إلى مدتهم، فإن إتمام عهدهم حينئذ مقتضى التقوى وإن الله يحب المتقين، وأكد ثانياً على بقاء عهد هؤلاء ووجوب الوفاء ره ما داموا هم أيضاً يوفون به بقوله تعالى في الآية الأخيرة: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَاسْتَقِيمُواْ لَهُمْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾[22].

فهذا الاستثناء وهذا التأكيد على وجوب الوفاء بعهد هؤلاء عبارة أخرى عما نحن بصدده من وجوب الوفاء على المسلمين بالعهد الذي عاهدوه مع هؤلاء المشركين، ففيه دلالة واضحة على مشروعية عهد الصلح وعلى وجوب الوفاء به وهو المطلوب.

هذا غاية التقريب في دلالة الآيات الشريفة على صحة عقد الصلح مع الكفار. لكن لقائل أن يمنع دلالة الآيات على هذا المعنى وذلك أنها قد دلت على وقوع معاهدة ترك القتال بين المسلمين والمشركين إلى مدة ـ على ما يدل عليه قوله تعالى: ﴿فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ـ وعلى أن وقوعها كان قبل نزول الآيات فقد أمر الله تعالى المسلمين بإتمام هذا العهد لهم بشرط أن يستقيم هؤلاء أيضاً على عهدهم، يقول الله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَاسْتَقِيمُواْ لَهُمْ﴾ فهذا العهد السابق واجب الوفاء.

وأما غير هذا العهد الذي قد وقع سابقاً فالآيات المباركة صريحة في إعلان براءة الله ورسوله إلى غير هؤلاء من المشركين حتى من كان بينه وبين المسلمين عهد، فجعل الله لغيرهم سياحة أربعة أشهر وحكم بأنه إذا انسلخ هذه الأشهر الحُرم يجب إيجاد الضيق الشديد على المشركين وحصرهم وأخذهم وقتلهم إلا أن يتوبوا ويقيموا شعائر الإسلام فحينئذ يخلّى سبيلهم.

فالأشهر الحُرم الواقع صدر الآية الخامسة التي اشترط وجوب حصر المشركين وقتلهم بانسلاخها إنما هي نفس تلك الأربعة أشهر الواقعة في الآية الثانية بقوله تعالى: ﴿فَسِيحُواْ فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ وليس المراد بالأشهر الحُرم الشهور الأربعة التي كون القتال فيها محرّماً ـ أعني رجب وذا القعدة وذا الحجة والمحرم ـ بل هذه الأشهر الحُرم باصطلاح الروايات المتعددة هي أشهر السياحة، وتعبير السياحة مأخوذ من قوله تعالى: ﴿فَسِيحُواْ فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾.

ومنه تعرف أن لا مجال للاستدلال على الجواز ـ كما في الجواهر ـ بقوله تعالى: ﴿فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ وذلك لما عرفت من أنه ناظر إلى خصوص العهد السابق الذي مضى، وليس فيه إطلاق ليدلّ على جواز إنشاء عهد الصلح ابتداءاً بل هو في طائفة خاصة من المشركين قد مر ذكرها، وإلا فقد حكمت الآيات بأن لا عهد بعد ذلك ويجب أن يحصر المشركون ويقتلون مهما أمكن.

وبعد ذلك فلا بأس بذلك بعض الأخبار الواردة ذيل الآية ليكون تأكيداً وتوضيحاً لما ذكرناه.

1ـ فقد روى علي بن إبراهيم في تفسيره بسند صحيح ـ بناءاً على أن محمد بن الفضيل الواقع فيه هو محمد بن القاسم بن الفضيل النهدي الثقة بقرينة روايته عن أبي الصباح ـ كما ذكره صاحب جامع الرواة في ترجمته ـ فقد روى عن أبيه عن محمد بن الفضيل عن أبي الصباح الكناني عن أبي عبد الله عليه السلام قال نزلت هذه الآية ـ يعني قوله تعالى: ﴿بَرَاءةٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ﴾ـ بعد ما رجع رسول الله صلى الله عليه وآله في سنة تسع[23] من الهجرة وكان رسول الله صلى الله عليه وآله لما فتح مكة لم يمنع المشركين الحج في تلك السنة ـ ثم ذكر صيرورة امرأة وسيمة جميلة عند طوافها عرياناً وما تعقّبه ثم قال: ـ وكان سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله قبل نزول سورة البراءة أن لا يقاتل إلا من قتاله ولا يحارب إلا من حاربه وأراده، وقد كان نزل عليه في ذلك من الله عز وجل: ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً﴾[24].

فكان رسول الله صلى الله عليه وآله لا يقاتل أحداً قد تنحّى عنه واعتزله حتى نزلت عليه سورة براءة وأمره الله بقتل المشركين من اعتزله ومن لم يعتزله إلا الذين قد كان عاهدهم رسول الله صلى الله عليه وآله يوم فتح مكة إلى مدة، منهم صفوان بن أمية وسهيل بن عمرو، فقال الله عز وجل: ﴿بَرَاءةٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ * فَسِيحُواْ فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُر﴾ ثم يقتلون حيثما وجدوا، فهذه أشهر السياحة: عشرون من ذي الحجة ومحرم وصفر وشهر ربيع الأول وعشرة من شهر ربيع الآخر... الحديث[25].

فالمعتبرة ـ كما ترى ـ تصرّح بأن المستثنى هم المشركون الذين قد عاهدهم الرسول صلى الله عليه وآله يوم فتح مكة وبأن الأشهر الحُرم هي أشهر السياحة، وذلك أنها ذكرت أشهر السياحة أولاً وحكمت بمقتضى (ثم) على أن المشركين ويقتلون بعدها حيثما وجدوا، وواضح أن هذا القتل هو ما نص عليه الكتاب الكريم بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ﴾ فالمعتبرة كالنص في أن الأشهر الحُرم هي تلك الأربعة الأشهر وهي عشرون من ذي الحجة إلى عشرة من شهر ربيع الآخر من تلك السنة سنة نزول سورة البراءة.

أقول: وفي المعتبرة نكتة يجب التنبّه إليها وهي أن لفظة (يوم فتح مكة) من سهو القلم أو سهو لسان الراوي فإن معاهدته المذكورة كانت يوم الحديبية وهو كان في سنة الستّ من الهجرة كما يستفاد مما ذكره الطبرسي في مجمع البيان[26].

وقد روى حديث صلح الحديبية تفسير القمي نفسه بسندٍ صحيح عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام، وفيه تصريح بأن مندوب المشركين في عقد هذا الصلح هو سهيل بن عمرو، فراجع[27].

2ـ وقد روى القمي في تفسيره فقال: حدّثني أبي عن محمد بن الفضيل عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: إن رسول الله صلى الله عليه وآله أمرني أن أبلغ عن الله أن لا يطوف بالبيت عريان ولا يقرب المسجد الحرام مشرك بعد هذا العام، وقرأ عليهم ﴿بَرَاءةٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ * فَسِيحُواْ فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُر﴾ فأحل الله للمشركين الذين حجوا تلك السنة أربعة أشهر حتى يرجعوا إلى مأمنهم ثم يقتلون حيث وجدوا[28].

فذيل هذا الحديث بقرينة عطف جملة (يقتلون حيث وجدوا) بـ (ثم) على أربعة أشهر السياحة يدل على أن المراد بـ (الأشهر الحُرم) في صدر الآية الخامسة هي أشهر السياحة كما مر بيانه.

3ـ وروى العياشي عن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام في قول الله: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ قال: هي يوم النحر إلى عشر مضين من شهر ربيع الآخر[29]. وهو كما ترى صريح في تفسير الأشهر الحُرم بأشهر السياحة.

فتلخّص مما ذكرنا: أن مفاد الآيات المباركات أن لا عهد بعد ذلك للمشركين وأنهم أهملوا أربعة أشهر وإذا انسلخت هذه الأشهر يقتلون حيثما وجدوا إلى أن يتوبوا ويؤمنوا، واستثنى من عمومهم خصوص من عاهدهم النبي صلى الله عليه وآله يوم الحديبية، فأولئك يجب إتمام عهدهم إلى مدّتهم بشرط أن يقوموا على الوفاء بهذا العهد. والمدة المشار إليها في الآيات هي عشر سنين على ما ذكرت في الأخبار.

فلا دلالة في هذه الآيات على مشروعية عقد المهادنة لا مع المشركين ولا مع غيرهم.

وهنا نكتة ينبغي التنبّه لها وهي: أن ظاهر الآيات الشريفة أنه كان بين المسلمين والمشركين قبل نزول هذه الآيات معاهدة والله تعالى في هذه الآيات حكم بأنها غير واجبة الوفاء بل لا مجال الاعتناء بها فانظر إلى قوله تعالى في الآية الأولى: ﴿بَرَاءةٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ فترى أنه قد حكم بتحقق براءته وبراءة رسوله من المشركين الذين عاهدهم المسلمون وأمهلتهم الآية الثانية أربعة أشهر هي أشهر السياحة وأكد هذه البراءة في الآية الثالثة وصرّحت الآية الخامسة بأنه إذا انسلخ هذه الأشهر الأربعة فيجب التضييق.


تعليقات الزوار
ارسال تعلیق